بين خاسر أو منتصر: جدال العقل والنقل في التراث الإسلامي

2696
عدد القراءات

2018-12-12

في حقب مختلفة من التاريخ الإسلامي، ظل السجال بين العقل والنقل حاضراً بقوة، رغم أنه حُسم في لحظاتٍ مختلفة تبعاً لأسباب وأحداث مختلفة، غير أنه ومنذ اللحظة الفارقة لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الإمام الحسن البصري في نهاياتِ العصر الأموي، وظهور المعتزلة كفرقةٍ تقدم العقل على النقل، والأشاعرة ممن يقدمون النقل الصحيح والدقيق على العقل. لم يتوقف الجدال.

اقرأ أيضاً: "المهمشون": المعارضة المنسية في التاريخ الإسلامي

وفي الوقت الحالي، يسمى الناقلون بالسلفيين غالباً، أما العقلانيون، إن صح التعبير، فلا اسم واضح لهم، سواء أكانوا مجددين أو إصلاحيين أو سواهم، بينما عمل مفكرون مثل محمد عابد الجابري على رأب ما رأوه صدعاً في زمنٍ لا يمكن فيه فصل التفكير الحاضر في المسائل الاجتماعية والعلمية والدينية عن التاريخ والتراث، فهل يبقى من الضروري، أن ينتصر أحدهما على حساب الآخر؟

لا يمكن نقل التراث من الرفوف إلى العقول كما هو دون نقد أو تفكير

في أصل الاختلاف

يعرف المنقول على أنه النص الشرعي المأخوذ من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. أما بالنسبة للأحاديث والسنن وما أخذ عن صحابة الرسول، عليه السلام، فيأخذ ما أُكد منها على أنه غير موضوع، كما يرى ابن تيمية في كتابه "مجموع الفتاوى"، أما ما خالف العقل الصريح منها والعقلانية ولم تتأكد صحة نقله، فإنه يخضع إلى العقل. والمعقول هو ما ينتج عن التفكير والبرهان العقلي. و"وجود الشيء مرتبط بالقدرة العقلية على برهنة هذا الشيء". وتشير هذه المقولة المنطقية القديمة، إلى أن الأشياء والأفكار لا يمكن أن يتم إثباتها إلا من خلال العقل، فكيف بالمنقول المبرهن، الذي برهنه التاريخ من جهة، وكونه أصبح تقليداً من جهةٍ أخرى، لا يمكن الخروج عليه غالباً؛ لأنه مرتبطٌ بالإجماع.

هريمة: التّراث تلك المساحة التي تشكّلنا فيها، فلا انقطاع عنه، كما لا انقطاع عن العقل والنقد لكن دون تقديس الأشياء والذوات

في هذا السياق، يقول المفكر المصري حسن حنفي "العقل هو البرهان، وليست الخطابة؛ لأنها تجعل الحوار مقروناً بطرفٍ واحد فقط، فتنهي الحوار، وتتخذ فرض الأفكار المنقولة سبيلاً لصدقيتها وصحة براهينها".

ويضيف حنفي في حواريته الشهيرة، المنشورة على موقع "يوتيوب" بتاريخ 14 أيلول (سبتمبر) 2016، أن "العقل يجب أن يكون مرجعيةً مطلقة؛ لأنّ الفكر ديموقراطي بطبيعته ويحتمل الرأي والرأي الآخر، وإلا فإنّ الرأي الواحد المطلق، سوف يحول الآخرين إلى مجرد أعداء له؛ لأنهم من مخالفيه".

 

 

ويشير حنفي في حواريته ذاتها، إلى أن ابن تيمية حسم هذا الخلاف مبكراً في التاريخ الإسلامي بقوله إنّ "النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح" رغم ما وضعه ابن تيمية من محاذير بشأن إعمال العقل في مسائل الحديث النبوي الشريف مثلاً، وتقديمها على العقل، رغم أن بعضها ربما يكون موضوعاً.

وفي دراسةٍ عن "العقل والنقل بين ابن تيمية والرازي"، يرى الباحث عثمان حسن، أنّ "مخالفة النقل لا تعني بالضرورة الخروج عن الشرع، كما أنّ مخالفة العقل لا تعني ذلك أيضاً". ويفسر الباحث في دراسته المنشورة ضمن مجلة "دراسات إسلامية" عام 2010 هذا الرأي، بأنّ العقل حجة عامةٌ لعموم الناس في المجتمع، إذ "بسبب العقل يحصل الاختلاف، وكذلك الاتفاق... بينما يمثل النقل حجةً عامةً ثابتة، لا اختلاف عليها".

طالب القرآن الكريم في آياته المسلمين بالتفكير والعقلانية

لكن مفكراً عربياً كبيراً، هو محمد عابد الجابري، يختلف مع رأي عثمان، ويقول إنّ إدانة إعمال العقل في النصوص الشرعية مثلاً، هي إدانةٌ للمنهجية والعلم نفسهما، وبالتالي فإن مسألة معرفة الله تعالى كخالقٍ وكحقيقةٍ عليا للكون "تصبح مسألة ذاتية ومعقدة" لأن العلم والعقل يصبح لهما دور أكثر ثانوية بحضور النقل.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

وفي كتابه المعروف "تكوين العقل العربي"، يرى الجابري أنّ "هيمنة النموذج السلفي، ورسوخ آليات القياس الفقهي، تجعل العقل بمعزلٍ عن النقد". وبالتالي تقلل من فرص التطور ودراسة النصوص شرعيةً كانت أم علمية وغيرها، بحيث تناسب سياقها وحاجة الإنسان إليها في الزمان والمكان.

ولا يدعو أي من المفكرين السابقين، لنقد الدين ذاته، إنما يركزون كما سبق، على إشكالية التأويل والعقلانية، في مواجهة النقل، بخصوص ما يتعلق بنصوص الشرع. ويدعون عموماً إلى مراجعة التراث الإسلامي والثقافي العربي، وسط تياراتٍ فكريةٍ رأت أن التقدم يُلزم إسقاط بعض ما نقل من التراث، والقابل هو أيضاً برأيهم للتفسير والعقل، فبدون العقل لا يدرك الدين ولا سواه. وقد خلقت هذه الرؤى حول التراث وقطع العلاقة به سجالاً عربياً فكرياً إلى اليوم.

غلاف "تكوين العقل العربي" للجابري

الماضي والحاضر جنباً إلى جنب

إنّ معضلة التراث بين النقل والعقل، ثقافياً أم إسلامياً أم كليهما معاً في النهاية، شغلت الباحثين والمفكرين لعقود. وفي هذا الشأن يرى الباحث المغربي المتخصص بالدراسات الإسلامية ومقارنات الأديان يوسف هريمة، أنّ "التّراث هو تلك المساحة الكبيرة التي تشكّلنا فيها اجتماعياً وسياسياً ونفسياً وفكرياً، وإنّ الانفصال أو الانقطاع عنه بشكل تامّ، هو نفيٌ لهذا للوجود والكينونة التي عشنا وما زلنا نعيش بعض تفاصيلها وآلامها وآمالها. مع أنّ الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنّ الانتصار للعقل السّلفي، وحضور التّراث بشكل سافر في كلّ تفاصيل حياتنا، ولّد في المقابل ردود أفعال لم تنتج لنا إلى حدود اللّحظة سوى "حرب جهالات". حيث تتحوّل الدعوة إلى التّقليد والنّقل، إلى انكفاء على الذّات، بغية الاحتماء بماضي ترى أنّه استجمع كلّ شروط النقاء والصّفاء".

حنفي: العقل هو البرهان، وليست الخطابة التي تعتمد النقل، لأنها تجعل الحوار مقروناً بطرفٍ واحد فقط، فتنهي الحوار

ويضيف هريمة في تصريحه الخاص بحفريات، "كما تتحوّل الدّعوة إلى الانقطاع عن التراث إلى سلوك يتوارى من حجم الخيبات التي أفرزتها الدعوة الأولى للتقليد. وما لم يدركه الجميع تقريباً، هو أنّ مشكلة البنية الفكرية التي نعتمد عليها كما أكّد علي حرب: أنّها تستبدل أشياء بأشياء. فالمشكلة ليست في أنْ نزيح الإله لكي نقدِّس الإنسان، أو أنْ نتاجر بالحقيقة بدلاً من الشّريعة، أو نؤلّه الليبرالية بدلاً من الاشتراكية، أو نتعبّد بالديمقراطية في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية. المشكلة بالأساس تتلخّص في منطق التّقديس والتّبجيل للأشياء والذّوات".

وبسؤاله إذا ما كان التاريخ يخدم النقل والتقليد وما ينتج عنهما من خطابة وعقلية تبريرية، فهل يجب في هذه الحال على العقل، الركون إلى الانقطاع التاريخي عن التراث، كما رأى نُفاة التراث مثلاً؟ أجاب هريمة: "إنّ مشكلة القراءة السّلفية للموروث الدِّيني كما أكد على ذلك الجابري؛ هي أنها قراءةٌ لا تاريخية في تمجيدها للماضي. ولو تأمَّلنا قليلاً لوجدْنا بأنّ هناك مأخذين يأخذهما الجابري عن التيّار السّلفي والحداثي على حدٍّ سواء. فالأول: انكبَّ على التّراث من غير أنْ يستطيع أنْ يجعله معاصراً لنا. والثّاني: أراد أنْ يستورد مقوِّمات الحداثة، ويستورد حتى أصولها، أراد أنْ يُحدِّث دون أنْ يؤصِّل".

الباحث المغربي يوسف هريمة

ويختم الباحث المغربي بقوله إنّ الجابري أكد على نقطتين أساسيتين، أولهما ضرورة القطيعة مع الفهم القائم للتراث، وليس مع التراث ذاته، وهذا يعني إعمال العقل والنقد. كما أكد ثانياً على ضرورة الفصل بين القارئ العربي وتراثه، أي أن ينظر القارئ إلى التراث بموضوعية وعقلانية وتاريخية من خلال المكتسبات المنهجية للعلوم المعاصرة.

اقرأ أيضاً: التاريخ الإسلامي: قراءة واعية أم انتقائية منحازة؟

وانطلاقاً من رأي هريمة، فإن فكرة النظر إلى التراث العربي الإسلامي بوصفه مادةً تاريخية صلدة يجب الانقطاع عنها، أو إلحاقها بالحاضر كما هي دون إخضاعها للنقد والعقل، يعد واحداً في النهاية، فلا وعي دون عقل، ولا بناء دون نقل، شرط ألا يتحول المنقول إلى سلطةٍ لا تقبل النقد، وحتى القرآن الكريم نفسه، يضم بين صفحاته الحث على إعمال العقل، ولا تخلو آياته من جملِ "أفلا تعقلون" و"أفلا يتفكرون". فلا قمع للعقل، ولا قتل للنقل.

اقرأ المزيد...

الوسوم: