بيير رابحي: لقد فقدنا القدرة على الشفقة.. وعلينا تغيير ترتيب العالم

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
690
عدد القراءات

2019-01-07

ترجمة: مدني قصري


عونا نكون متناغمين مع قوانين الطبيعة"، مقولة واحدة لبيير رابحي، تصلح بمفردها أن تكون رسالة يبثّها للعالم.

صنع الإنسانُ الأسلحة، ورسم الحدود وهذا السعيُ من أجل الأمن هو الذي يعكس حتماً ضعف البشر

يعتبر بيير رابحي أحد رواد الزراعة البيئية في فرنسا. فهو كاتبٌ وفيلسوف، ومحاضر، يدعو إلى "انتفاضة الضمائر" لتوحيد ما هو أفضل للبشر، والتوقف عن جعل جنّة كوكبنا جحيماً من المعاناة والدمار. فأمام فشل الوضع العام للجنس البشري، والضرر الكبير الذي لحق بالطبيعة، يدعونا هذا المفكر إلى الخروج من أسطورة النمو اللامحدود، وإلى تحقيق الأهمية الحيوية لأرضنا المُغذّية، وإلى تدشين أخلاقيات حياتية جديدة، نحو "اعتدال سعيد".
رابحة رابحي، جزائري الأصل، أصبح اسمه بيير رابحي، عندما تبنّاه زوجان فرنسيان.
تحظى محاضراته بحضور حاشد من جميع أنحاء العالم، وقد بيعت أكثر من 300 ألف نسخة من كتابه الأخير، وعنوانه "نحو اعتدال سعيد"، عن دار نشر (Actes Sud).
بقي هذا الرجل الحكيم، حتى سنّ الـثمانين، بعيداً عن الدنيوية والسياسات، وظلّ في الأساس مزارعاً في ممتلكاته في آرديش (فرنسا)؛ فهو فيلسوف بقدر ما هو مزارع، وبهذه الصفة كان معه هذا اللقاء الثري:

بيير رابحي الجزائري الأصل، كان رائداً في علم البيئة الزراعية

هل كانت خطوتك في العودة إلى الأرض في الستينيات، سعياً وراء المعنى؟

تماماً، جاء ذلك في وقت كنت أسائل نفسي كثيراً عن معنَى الحياة، عن المجتمع الذي عِشتُ فيه، عشت في باريس، وعملت كعامل متخصّص، لقد تردّدت كثيراً على الفلاسفة، مما دفعني للتفكير فيما كان يُقصد به في ذلك الوقت بكلمة "التقدم".
في تلك الأعوام؛ كان هناك نموذج التصنيع، مع منظمة اجتماعية جديدة ترافقه، أعتقد أنّ هذا النظام يسحق ويهدر الإنسان، عن طريق إغلاقه في دورة إنتاج- بيع- شراء، جعلتُ نفسي في وضع من الريبة حول "السعادة" المزعومة التي تنبثق عن هذا النهج.
هل تشعر أنّك قد وجدت السعادة في حياتك الجديدة؟
كما تعلمون، السعادة شيء شديد التقلّب والتبخّر، على أية حال، الآن وقد بلغت 80 عاماً من عمري، لست نادماً على الاختيار الذي قمت به قبل 55 عاماً، والذي سمح لي بالإجابة عن تطلعاتي العميقة؛ فأنا أعيش مع عائلتي في مكان جميل، وبيتي مساحة طبيعية من 25 هكتار، وفي الوقت نفسه؛ لستُ في حالة من الغبطة الكاملة، فالعالم معقّد، ونحن أيضاً كائنات معقدة.
ما هو الشيء الذي يحاصرك أكثر؟ ما الذي يزعجك أكثر؟
إنّ ما يزعجني أكثر؛ هو أنّ البشرية تتخذ قرارات لا لأيّ أحد فينا رأي فيها، حلمي هو أن نتوقّف عن صنع الأسلحة، نحن دائما نخترع أدوات التدمير، وهذا ما يجعلنا سجناء، يجب أن يستيقظ وعينا؛ كي يعِي لاوعيه، إنها دعوة تلار دو شاردان (Teilhard de Chardin)(1) إلى ضمير مشترك.

اقرأ أيضاً: حروب الشمس: الصراع على الطاقة في العالم العربي
يجب على الإنسان أن يدرك بشكل جماعي أنه يعيش على كوكب جميل، في واحة رائعة، ومع ذلك؛ فهو غير راضٍ عنه، ويتوق إلى مثالية لن يصل إليها أبداً، أنا شخصياً محظوظ، لأنني اخترت حياتي.
كتاب "الاعتدال السعيد"

صحوة الضمائر
تتحدّث كثيراً عن صحوة الضمائر، لكن؛ هل تعتقد حقاً أنّ الصحوة الفردية كافية؟ ألا ينبغي أن تكون صحوة جماعية، حركة سياسية، على سبيل المثال، لتغيير الأشياء على نطاق واسع؟

إنّ صحوة الوعي قائمة، وسوف تزداد؛ لأنّ النظام الذي أنشأناه يشهد الفشل، أحدُ أهمّ أعراض هذا الفشل هو البطالة؛ أي الإقصاء البشري؛ فلم يعد للإنسان دورٌ اجتماعي، فهو مرفوضٌ بطريقة ما؛ في فرنسا مثلاً، ما يزال تدخل الدولة يتيح التخفيف من الكارثة، لكن، هل هذا التدخل يستطيع أن يستمر؟ للحفاظ على كلّ شيء، لا بدّ من خلق الثروة. والحالُ أنّ الجغرافيا السياسية الحالية، مع انتقام الدول الفقيرة، مثل الصين، تخلق منافسة دولية جديدة، من شأنها زعزعة استقرار منطق الرأسمالية الصارمة، السائدة في الوقت الحالي.
الازدواجية الدينية- الأيديولوجية
دعنا نتخيل، للحظة، أنه تمّ إنشاء مجلس عالمي للحكماء في الأمم المتحدة، وكنت أنت عضواً مشاركاً فيه؛ ماذا ستكون أهمّ أولويّاتك لحلّ الاضطرابات العالمية؟
في المقام الأول؛ يجب أن تتصالح الإنسانية مع الحياة؛ فالإنسانية حالياً تستفيد من الحياة، لكنّها في الوقت نفسه تهدم الحياة، علم البيئة لا ينبغي أن يكون حزباً سياسياً، بل ضميراً، والحال اليوم؛ أنّ هذا الوعي ينقصنا، فهو غائب، شاركتُ في تأليف كتاب مع جان ماري بِلتْ (Marie Pelt)، بعنوان "هل للعالم معنىً؟"، نشرح فيه أصل الحياة على الأرض، ونُسلّط فيه الضوء على الدور الأساسي للتعاون بين النباتات والحيوانات.

اقرأ أيضاً: السعودية تكتسح عالم الطاقة الشمسية بقوة
في هذا الكتاب؛ كان عليّ أن أقدّم رؤيتي على المستوى الإنساني، فالحالُ أنّ الإنسان عندما وصل إلى الأرض، خلق الازدواجية - الدينية، الأيديولوجية، ما بين الرجال والنساء، وبين الطبيعة وبين ذاته، ربما ترتبط هذه الازدواجية بوجود قلقٍ شديد في أعماق ذات الإنسان، كونه كائناً عابراً مؤقتاً، خوفٌ بدائي من الانقراض؛ لذلك صنع الإنسانُ الأسلحة، ورسم الحدود وهذا السعيُ من أجل الأمن، في الواقع، هو الذي يعكس حتماً ضعف البشر.
 يدعونا المفكر بيير رابحي إلى الخروج من أسطورة النمو اللامحدود

المدرسة: الأولوية الأولى
في هذا المنظور من المصالحة مع الحياة، نرى أنّ طريقك قائم أكثر على التغيّر الداخلي للشخص، لكن ليس لدى الجميع هذه الرغبة، في رأيك؛ ألا يسمح إنشاءُ هيئة دولية بِفرض تدابير ضرورية، لضمان بقاء البشرية؟

لا أؤمن بتغيّر عالمي يأتي من الأعلى، يجب على كلّ واحد أنْ يعِيَ لاوعيَه، هذه هي الحلقة الأولى في السلسلة، لا بدّ من إدراك أن تنظيم العالم الذي ليس متوازناً توازناً كافياً بين المؤنث والمذكر، لا يوجد أيّ سبب أو مبرر يجعل النساءَ تابعاتٍ خاضعات للرجال. يجب أن ندرك جيداً أنه لا يمكننا تربية الأطفال في الازدواجية، في المصانع التعليمية والتربوية الحالية؛ يُزرَع في الطفل القلق من أجل أن يكون هو الأفضل دائماً، فهكذا يُعلّمونه المنافسة، على أساس نموذج المجتمع الهرمي، لقد فقدنا القدرة على الرأفة والشفقة؛ فمن خلال العمل في اتجاه تعليمٍ تعاوني، قد تتغيّر العقليات بسرعة، المدرسةُ هي حقاً الأولوية الأولى.
تسميم الأرض
كيف نفسّر عدم وجود ردود الفعل أمام الحقائق القائمة: ما نزال نستهلك موارد أكثر ممّا ننتج، وما نزال ندمّر التنوع البيولوجي البيئي، كما كنّا نفعل دائماً؟

رغم وجود قُدرات واستعدادات هائلة، ودماغٍ عالي الأداء، يحقق المعجزات في شتى المجالات، فإنه يؤسفني أن أشير إلى أنّ الإنسان ليس ذكياَ، قبل أن نعلن أنفسنا أذكياء، دعونا نتعرّف إلى الذكاء الكوني الشمولي، الذي هو أصل وجودِنا على هذه الأرض. نحن، لسنا متفوّقين، من وجهة النظر هذه، على ثدييات أخرى كثيرة، لدينا فقط القدرة على طرح الأسئلة حول الحياة، وعلى الانبهار أمامها، هذا النظام المزدوج، الذي تفضّله وتيسِّره الأديان والأيديولوجيات، وتساعد عليه، هو التعبيرُ ذاته عن عدم الذكاء.

يحتاج الأطفال إلى شيء جميل يعطونه قيمة، فإذا كان هناك وفرة من كل شيء، فلن نُعطي قيمة لأي شيء

لدينا كوكب رائع وخلاب للغاية، لكنّنا، بدلاً من أن نراه كواحة غير عادية؛ حيث يمكن لكلّ السعادة الممكنة أن تُزهر وتنمو فيه، فإنّنا نراه فقط كمنجمٍ للموارد القابلة للاستغلال، حتى آخر شجرة. فيرفي إلد أوزبورن (Fairfield Osborn)(2) شرح هذا بشكل جيّد للغاية، في وقت مبكر من عام 1949، في كتابه "الكوكب المنهوب"؛ حيث أوضح أنّ البشرية هي أسوأ الكوارث البيئية.

اقرأ أيضاً: مؤشر جديد على تفاقم الأزمة الاقتصادية في تركيا
ففي حين كانت بعضُ الشعوب، مثل الأمريكيين الأصليين (الهنود)، تعيش في تكافلٍ، وتناغم تامّ مع الطبيعة، فإنّ الإنسانَ "الحديث"، في زهوّه وغروره، قد نفى كلّ ما كان موجوداً قبل تأسيس الزراعة، قبل أكثر من 10 آلاف عام، ومنذ ذلك الحين؛ ساعدت قدرتُنا على الابتكار، في تسريع عمليّة التدمير، والتدمير الذاتي، لأننا من خلال تسميمِ الأرض صرنا نُسمِّمُ أنفسنا، فكرةُ فَصْلِ الطبيعة عن الإنسان هي أصلُ الفوضى، إنّ الادعاء بجعل البشرية تتطوّر، في الواقع، هو الذي جعلها تتقهقر وتتدهور.
رغم كلّ شيء؛ فإن الإيكولوجيا الزراعية آخذةٌ في التزايد والانتشار، واستخدام الوقود الأحفوري آخذٌ في الانخفاض، والأصواتُ ما انفكت ترتفع ضد اللوبي مونسانتو (Monsanto)(3) وغيره. هنا، على أيّة حال، أسباب تدعو للتفاؤل، وتبثّ الإيمان بانتصار الضمائر المستنيرة، أليس كذلك؟
انتبه! يمكنني أن أتناول الطعام العضوي، وأن أدفئ نفسي وبيتي بالطاقة الشمسية، وأعيد تدوير المياه الخاصة بي، ويمكنني في الوقت نفسه؛ أن أستغل جاري! الحقيقة هي أنّ خُمسَ سكان هذا الكوكب ما يزالون يمتلكون أربعة أخماس الموارد، وأنّ الترفيه الصناعي المنمّق والجماعي، يحجب المشاكل الحقيقية والمُلحة.

اقرأ أيضاً: 5 دول أوصلها الاغتيال الاقتصادي إلى الإفلاس
العالمُ يخلق المزيدَ والمزيد من الثروة، وفي موازاة ذلك، لا يستطيع عددٌ متزايد من الناس، الاستمتاعَ بهذه الثروة، هل من سخافةٍ أكثر سخافةً من هذه السخافة؟ الإنسانية في خطرٍ مِن نفسٍها؛ من الضروري الآن تقليل شهِياتنا، من أجل إعادة تنظيم المجتمع حول الطبيعة والإنسان. أن نكون متفائلين أو متشائمين لا يعني أيّ شيء، فلنترك الأمر للقدر، لكن يمكن لكل واحد أنْ يقرّر موقفه ويحدّده؛ من خلال العمل في الفضاء الذي يتمتع فيه بالسيادة، شخصياً، يرفضُ ضميري التدنيسات والانحرافات السائدة في العالم الحالي، ومن هنا جاء مبدأ كوليبريس (colibris)(4): "أفعلُ ما بوسعي، وأضع عملي بالتوافق مع إيماني العميق، بالتأكيد، في النهاية، قد أكون قد فشلت، ولكن لن يتم تدميرُ اتساقِي. إنّ وضعَ الوعي في تناغمٍ مع الحياة هو نصرٌ صغير، لكنّه نصر على أيّة حال".
مونسانتو شركة متعددة الجنسيات تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية

الاعتدال السعيد
أنت تدافع عن مفهوم الاعتدال السعيد؛ هذا يذكرنا بـ "النمو الصفر"، لكن ألا يحتاج الاقتصاد العالمي إلى النمو؟

لكن النموّ لفعلِ ماذا؟ إذا بدأت جميع البلدان تستهلك مثلنا (فرنسا) فإنّ الكوكب لن يضمن البقاء، وسيُعلن الإفلاس، لا يمكننا أن نبنيَ وجوداً على حدودٍ لا حدود لها، هذا يزيل الرضا والقناعة، واليوم، كلُّ ما هو مفقود هو الذي يكتسِب الأهمية، وتتمثل مهمّة الدعاية والإعلان في خلق إحباطٍ صناعي، يجب أن يُقال لنا من وقت لآخر: "لديك الطعام، والملبس، والمأوى، وتتمتع بالرعاية الصحية، إذاً كن قنوعاً وراضياً"، لكنْ، يقولون لنا: "أنت لا تملك هذا الشيء، وليس لديك هذا وهذا"، ويبيعون لك آلة تقطيع كهربائية مع امرأة عارية، هذا لا معنى له على الإطلاق، أشعر بالإهانة من هذا التلاعب؛ الاعتدالُ السعيد، يعني القول إنّه حسبنا أن نحصل على  أساسيات العيش كي نكون راضين، ومن دون المبالغة، بحجة أننا نحتاج إلى القليل من الإبهار للإلهاء، وإضفاء قليل  من الخيال الوهمي على وجودنا، لكنّ هذا الجزء من الحاجة الزائدة أصبح باهظًاً.

اقرأ أيضاً: ستيف بانون يؤسس للشعبوية الدولية
يقال: "إنّ 30 إلى 40٪ من الأيض العام لنظام مثل نظامنا يُنتج فائضاً"، فلننظر إلى أكوام الألعاب التي نهديها للأطفال في عيد الميلاد، هل يحتاجون إلى كلّ هذا ذلك؟ يحتاج الأطفال إلى شيء جميل يعطونه قيمة، فإذا كان هناك وفرة من كل شيء، فلن نُعطي قيمة لأي شيء.
هل تؤمن بمخرج من الأعلى، يتيحه تقدّمٌ تكنولوجي أكثر احتراماً للطبيعة (الألواح الشمسية، الكهرباء النظيفة، إعادة التدوير، الاستهلاك المستدام، ...إلخ)؟
يجب ألا نَخدع أنفسنا بالتفكير بأنّ المصير البشري سيتغير؛ لأنّنا سنقوم بتركيب الألواح الشمسية، لا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك أيّ تغيير إيجابي في البشرية، إذا لم يعمل الإنسانُ على تغيير ما بنفسه.
أوروبا أفقر قارة لولا الاستعمار
من بين الاضطرابات الأخرى لهذا الكوكب، هناك مسألة الهجرة؛ كيف، في رأيك، يمكن حلّ مأساة المهاجرين، في سوريا وإريتريا مثلاً؟

لا بدّ من البحث عن حلّ المشكلة، في مصدرها، يجب أن ننشئَ هيئة دولية قويّة، وأن ندين بالإجماع، الجرائم التي تحدث في هذه البلدان، ائتلافٌ قادرٌ على ممارسة ضغوط حقيقية على الدكتاتوريين، لتغيير الأمور على الفور، وبعين المكان؛ دعونا لا ننسى أيضاً أنه لو كانت أوروبا قد جلبت الحداثة إلى هذا الكوكب، لأراضيها حصراً، دون استعمار، لكانت أفقر قارة في التاريخ. والحال أنها بالفعل أفقرت ثقافيّاً، وبشكل فظيع، وفق شهادات رحالة القرن السابع عشر.
محاضراتُه تستقطب حضوراً حاشداً من جميع أنحاء العالم

الشعبوية ومنطق العبث
ماذا عن صعود الشعوبية حول العالم؟

إنّه فشل النظام الهرمي برمّته، لستُ أفهم كيف أنّ رجلاً واحداً يمكن أن يصبح فوق 50 مليون شخص، خذ مثلاً؛ صعودَ ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، منتخَباً من قبل غالبية السكان الأمريكيين؛ فقط رجل واحد مثل هذا الرجل قادرٌ على جلب أسوأ الأسوأ في تاريخ الإنسانية، وهذا لأمرٌ غريب تماماً؛ فهو، مثل جميعِ رؤساء الدول، يقوم على لاعقلانية البشر الذين يعتقدون أنّ شخصاً واحداً فقط يستطيع أن يفهم مصيرهم، ويُوجِّه تاريخهم؛ إنها هزيمة الشعب، وبالطريقة نفسها؛ انظروا إلى الشركات متعدّدة الجنسيات التي تحكم وتتحكّم في الاقتصاد العالمي: كل واحد حرٌّ في مقاطعة منتجات هذه الديكتاتوريات الاقتصادية، لا يجب الاكتفاء بالتظاهر؛ بل يجب على كلّ فرد أن يذهب إلى نهاية أفكاره، إلى حدّ انقراض هذا المنطق العبثي السائد في المجتمع الحالي.
شباب متحمّس
الفكر الذي تجسّده بات يخلق منافسين لك أكثر فأكثر؛ ما هي وجهة نظرك في هذا الشباب المتحمس، المعنِيّ الأوّل بمستقبل هذا الكوكب؟

في الواقع؛ إنّ مبادرات على شاكلة كوليبريس  (Colibris) تنمو وتتطور، أبعد ممّا كنت أتوقّعه وآمله، هذه الحركات عبارة عن خمائر تتسلل إلى النسيج الاجتماعي، وتُلهم أفكاراً جديدة أخرى، وتتضاعف؛ ففي مواجهة نموذج المجتمع المتداعي، يبدو أنّ الاستقلال الذاتي، والاقتصاد الدائري، والإيكولوجيا الزراعية، هي الإجابات الشافية والحل المناسب والناجع.

اقرأ أيضاً: لماذا تعد "الشعبوية" كلمة مشينة؟
في إفريقيا، على سبيل المثال؛ تحرّر آلاف المزارعين من المدخلات الكيميائية، التي تفقرهم هم وتربتهم الزراعية، يشرّفني جداً أنْ أتمتّع بالثقة التي يمنحني إياها الشباب، وبطريقة أشمل، التي تمنحني إياها النساء؛ إنّها مرادف للأمل في هذا الكوكب، وللإنسانية، لقد جلبت العديد منهنّ الحياة؛ لذلك هنّ أكثر ميلاً لحمايتها، من تدميرها، لا بدّ من الحبّ، مع كل الأخطاء والقيود التي قد ينطوي عليها، لكن اسعوا للحبّ، بكل بساطة، فهنا تكمن القوة.
نحن جميعاً واقعون في فخّ الاستهلاك المفرط

كاريكاتور العبث
شباب هذا الزمن يشجب فرط الوفرة وفرط الاستهلاك. هل تعتقد أنه بعد خمسين عاماً سيتم إحراز تقدم في هذا المجال؟

نحن جميعاً واقعون في فخّ هذا الاستهلاك المفرط، وفي الواقع لم نحقّق الكثير من التقدم؛ إذا أردنا إعادة الأمور إلى المستقبل، فسنضطر إلى الاعتماد على مبدأ الاستقلالية، يمكننا تغيير كل شيء عدا العلاقة مع الحياة ومع الطبيعة؛ لا بدّ من العودة إلى الأرض، للعمل على الأرض، ربما ستكون هذه العودة أحد الأبواب التي تصل بنا إلى فكرة الاستقلالية من أجل الاكتفاء ذاتياً، حتى لا نشهد مرة أخرى مثل ذلك الحادث الذي وقع في أحد الأقاليم في وادي الرون؛ حيث اصطدمت شاحنة قادمة من هولندا، محمّلة بالطماطم نحو إسبانيا، بشاحنة طماطم قادمة من إسبانيا إلى هولندا، هذا هو كاريكاتير العبث، خاصة أنّ الطعام لا يقبل المزح. لماذا لا تنشئ حدائق وإنتاجات في ضواحي المدن؟
لا بدّ من تغيير ترتيب العالم
كتبك تشهد رواجاً كبيراً؛ هل هذا النجاح، بطريقة ما، يساهم في سعادتك؟

أنا لا أجعل من كتبي نوعاً من الغرور أو الفخر؛ لقد كنت دائماً في خدمة بعض القيم، شخصيتي الصغيرة، بيير رابحي، مع وزني 51 كيلوغراماً، ليس بالشيء الكثير، لكنّني أشعر بأنني أحمل شيئاً فوقي؛ إن ما أفعله يغذّيني، ويمنح لحياتي معنى؛ إذا كنت ما أزال أملك طاقة، فأنا مدين بذلك لحشد روحي وعقلي من أجل ترسيخ قِيمٍ جديدة.
لتجنب خيانة الأجيال القادمة؛ يجب فعلُ كلّ شيء لجعل المستقبل قابلاً للعيش، إذا لم نفعل شيئاً اليوم لتغيير ترتيب العالم، فسوف تعاني الأجيال القادمة بشكل رهيب؛ لأنه، في نهاية المطاف، ستكون أكبر كارثة بيئية، هي نحن أنفسنا، في كل الأحوال.


المصادر: .voyageursdumonde.fr و emilemagazine.fr و notairesdanslacite.com


الهوامش:

  • (1) تلار دو شاردان  (Teilhard de Chardin)(1881 - 1955): فيلسوف وكاهن يسوعي وجيولوجي فرنسي، تخصص في علم حفريات ما قبل التاريخ، وساهم في اكتشاف إنسان بكين.
  • (2) هنري فارفيلد أوزبورن (Fairfi eld Osborn) (1857 1936 -): عالم جيولوجي وإحاثي، ومُحسِّن نسل أمريكي، وكان رئيس المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي طوال 25 عاماً.
  • (3) مونسانتو: شركة متعددة الجنسيات تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية، وهي المنتج الأول بالعالم لمبيد الحشائش جلايفوست، تحت اسم) راوند آب (مونسانتو هي بلا منازع أكبر منتج للبذور (العادية والمعدلة وراثياً)، وتملك 70-100% من أسواق بذور مختلف المحاصيل في العالم، ويسميها الناشطون المعارضون للأغذية المعدلة وراثيا (Monsatan) وهي لعب على كلمة شيطان باللغة الإنجليزية.
  • (4) كوليبريس  :(Colibris)في عام 2007 ، أسس بيير رابحي و إيزابيل ديسبلاتس، سيريل ديون وخرونن الحركة من أجل الأرض والإنسانية، والتي أطلق عليها اسم حركة كولبيريس، كانت مهمة هذه الجمعية: "إلهام وربط ودعم المواطنين الملتزمين بعملية الانتقال الفردية والجماعية.
  • Entretien avec Pierre Rabhi : Aimer, voilà où réside la force
  • Entretien - Pierre Rabhi : "Dans la société actuelle, il n'y a plus de vrai bonheur."
  • Entretien avec Pierre Rabhi, juillet 2018
اقرأ المزيد...

الوسوم: