بيير هاسنر: من يقود العالم؟.. مرحبا بالفوضى!

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
10208
عدد القراءات

2018-06-05

ترجمة: مدني قصري

توفَّى الأخصائي الفرنسي الشهير في العلاقات الدولية، السبت 26 أيار (مايو) 2018، عن عمر يناهز 85 عاماً.

هاسنر المولود عام 1933 في بوخارست، برومانيا، كتب العديد من الكتب التي تستكشف تطور العالم في ضوء الفلسفة والتاريخ. فالشرق الأوسط ينفجر؛ روسيا تتسلح، الصين تهدّد جيرانَها، شرقُ إفريقيا يعاني...، لكن من يقود العالم؟ "لا أحد"، يقول بيير هاسنر مرحباً بـ "الفوضى العالمية".

قبل وفاته، أجرت معه مجلة العلوم الإنسانية "scienceshumaines" هذا الحوار:

موت النظام العالمي

في مقال حديث أعلنتم عن وفاة "النظام العالمي الجديد"، الذي ولد بعد الحرب الباردة، ووضع تحت رعاية الأمم المتحدة، لماذا فشل هذا النموذج؟

للإجابة عن سؤالك؛ يجب أن نعود إلى لحظة إنشاء الأمم المتحدة، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تصوّر روزفلت أربعة دَرَكيّين: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا والصين، لتحقيق النظام والأمن، وكان ذلك متناقضاً مع فكرة وجود منظمة ديمقراطية يكون لجميع البلدان فيها الحقوق نفسها، وكان لا بدّ من التوصل إلى حلّ وسط، وهكذا كان إنشاءُ مجلس الأمن بخمسة أعضاء دائمين، يتمتّعون بحقّ النقض، وعشرة أعضاء دائمين.

هذه التسوية الأولية منعت الأمم المتحدة من التدخل في المكان الذي كان ينبغي أن يكون فيه التدخل، خلال الحرب الباردة، الغربيون والروس تعارضوا وتعاركوا بضرباتِ حقّ الفيتو. إنّ مسؤولية الأمم المتحدة الأولى، وهي حماية السكان، لم تعمل إلا بطريقة فوضوية جداً: الغربيون تدخلوا عسكرياً في كوسوفو، دون تفويض من مجلس الأمن، والروس دمّروا شيشينيا، والصينيون لا يريدون التنازل عن التبت، وهم في صراع مع العديد من جيرانهم، ...إلخ. 

هاسنر المولود عام 1933 في بوخارست برومانيا

انهيار مفهوم "مسؤولية الحماية"

الفرصة الأخيرة لتعزيز قضية الأمم المتحدة، تبني مفهوم "مسؤولية الحماية"، انهارت مع الحالة الليبية، الوكالة التي أعطِيت لقوات الأمم المتحدة، ومعظمها غربية، كانت واضحة: "منع إبادة جماعية معلنة"، لكننا شهدنا سقوط نظام.

العديد من البلدان، بما في ذلك الروس والصينيون، يحقّ لهم القول إنّ الغربيين قد تجاوزوا صلاحياتهم، وتلاعبوا بالأمم المتحدة لأغراض سياسية، وعلاوة على ذلك، كانت النتيجة هي الفوضى؛ زعزعة استقرار جزء كبير من شرق أفريقيا، وتداول كثير من الأسلحة في هذا الجزء من العالم، ونحن نرى الآن السوريين يذبحون بعضهم.

في الكتاب الذي أنجزته مع جيل أندرياني "تبرير الحرب" (2014)، يقترح المشرع مايكل. جي. غلينون، أن نعلن أنّ ميثاق الأمم المتحدة قد عفا عليه الزمن، لأنّ ما من دولة طبقته، وتخلت عن أخذ حقّها بيدها.

الغربيون يملون القواعد

ما قيمة كلمة المجتمع الدولي في وجه الأنظمة الاستبدادية؟

المجتمع الدولي لا وجود له، في رأيي، والحال أنّ هذا، بالنسبة إليّ، موضوع إزعاج، لقد كتبتُ هذا كثيراً في وقت الحرب في يوغوسلافيا: المجتمع الدولي هو الهيكل الغائب الآن؛ هناك مجتمعات دينية، ومجتمعات أيديولوجية، ومجتمعات قومية، رغم أنّها منقسمة في بعض الأحيان، لكن لا يوجد مجتمع دولي، وهناك شركة دولية؛ أي إنّ هناك قواعد تسمح للطائرات بأن تحلق في كل مكان، وزوارق تتحرك في البحر، لكن المجتمع الدولي لا يوجد، كما كتب المحلل الألماني كريستوف بيرترام ، إلا عندما تبدأ بعض الدول بالعمل معاً باسمه؛ أي بالنيابة عنه.

هاسنر: مسؤولية الأمم المتحدة الأولى، وهي حماية السكان، لم تعمل إلا بطريقة فوضوية جداً

شعوب الجنوب والشرق لا تنخدع؛ فهم يقولون: "إنكم أنتم الغربيون من يُملون القواعد، وتُسمّون هذا بالمجتمع الدولي"، انظروا مرة أخرى إلى سوريا، ألم تكن سوريا أولى بالتدخل من ليبيا (فلنذكر بالحقائق: 200 ألف قتيل، وآلاف المعذبين، و2 مليون لاجئ)، لقد ظلّ الجميع متردّدين؛ الروس ساندوا بشار الأسد، ولم يرغب الغربيون في تكرار الأخطاء التي ارتكبت في ليبيا، أو التحرك دون موافقة الروس.

عصابات داعش أو بوكو حرام لا تعترف بأية هيئة دولية

ما هي الهيئات المؤثرة اليوم: أهي الدول، أم الشعوب، أم الهيئات القضائية الدولية؟

عدم التجانس أكبر بكثير ممّا كان عليه قبل خمسة وعشرين عاماً، وهو يؤثر في طبيعة الفاعلين أنفسهم: طابعهم الحكومي أو غير الحكومي، الوطني، أو شبه الوطني، أو العابر للوطن، وثقافتهم الحربية، أو بالأحرى طبيعتهم المتجهة نحو البحث عن الرفاه. الفروق التقليدية بين القوى الكبيرة والصغيرة، بين العام والخاص، والمحلي والأجنبي، المدني والعسكري، لا تختفي، لكنّها مشوشة وغير واضحة على نحو متزايد. إنّ الاتفاقات العظيمة؛ الرسمية أو الضمنية، التي استند إليها النظام الدولي، خاصة أثناء الحرب الباردة، كانت تسمح ببعض التوقّعية؛ كان هناك تفاهم ضمني بين القوى العظمى، كان يمكن للأمريكيين أن يقصفوا حليفاً لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، مثل فيتنام، مع مواصلة التفاوض على الحدّ من الأسلحة النووية، وعندما تدخل الروس في المجر وتشيكوسلوفاكيا، سمح لهم الأمريكيون بذلك ولم يحركوا ساكناً. واليوم، توجد الأعمال العدائية نفسها، لكن لا يوجد أحدٌ لينظمها.

العديد من الفاعلين غير التابعين للدولة، وعصابات مثل؛ داعش أو بوكو حرام، لا تعترف بأية هيئة دولية، لذلك لا يمكن إجراء أي حوار معها، لقد أدى اختفاء الحرب الباردة إلى تحرير الصراعات والتوترات التي كانت تختمر في كلّ مكان.

أكثر من 30 صراعاً في العالم

شهد العالم، منذ بعض الوقت، ارتفاعاً في عدد بؤر التمرد في إفريقيا والشرق الأوسط، هل بات العالم أكثر خطورة اليوم ممّا كان عليه قبل عشرين عاماً؟

إنه، على أيّة حال، أقل قابلية للقراءة، وغير قابل للتنبؤ به.

على سبيل المثال؛ من الصعب بشكل متزايد التمييز بين الحرب والسلام، فمنذ وقت طويل لم نسمع إعلاناً عن الحرب، رغم وجود حروب كثيرة؛ يوجد حالياً أكثر من 30 صراعاً في العالم! في هذا السياق، لا يمكننا استبعاد تدهور بعض الأوضاع، ليس من غير المعقول، على سبيل المثال، أن تستحوذ مجموعات غير خاضعة للسيطرة على القنبلة الذرية، وأن يستولي متعصّبون باكستانيون على السلطة.

أضحى العالمُ مجزءاً في الواقع بسبب صعود الهُويات الدينية والقوميات التي يتم استغلالها من قبل العديد من السياسيين

بالموازاة مع ذلك، هناك عودة لمنطق الدولة، كان باراك أوباما في عهده، يريد الانسحاب من الصراعات، لكنّ الروس والصينيين كانوا يرفعون من ميزانيّتهم ​​العسكرية إلى حدّ كبير (ميزانية روسيا زادت بنسبة 108٪ في عشرة اعوام!)، ولم يعد فلاديمير بوتين يُخفي خططه الإمبراطورية؛ فبالنسبة إليه، على روسيا أن تعوض سقوط الاتحاد السوفييتي.

إنّه يتمنى، إن لم يسترد جميع البلدان التي تنتمي إلى روسيا، فعلى الأقل يجب التدخل بحجة حمايتها، وممارسة نفوذ مهيمن على جميع جيرانه، هذه عقيدة خطيرة للغاية؛ إذ تشكل تهديداً للسلام في أوروبا. أما بالنسبة إلى الصين، التي هي في نزاعٍ مع جميع جيرانها، فهي تسعى إلى السيطرة على آسيا، بإقصاء الولايات المتحدة من القارة.

مع تطور وسائل التدمير، يمكن للجماعات، وحتى الأفراد، أن يتسبّبوا في أضرارٍ لا تقلّ جسامة عن أضرار الدول، ناهيك عن الحروب الأهلية والإقليمية والعالمية التي تتداخل بشكل معقّد ولا يمكن فهمه.

استغلال السياسيين لصعود الهُويات الدينية والقوميات

هل ينبغي التخلي عن فكرة الإدارة العالمية التي تضمن السلام والأمن على نطاق عالمي؟

يجب، على أيّة حال، الاعترافُ بأنّ الأوراق قد اختلطت تماماً، يكفي أن نرى، إلى جانب الصراعات القائمة، المفاوضات حول المناخ؛ فهي تتعثر باستمرار؛ لأنّ كلّ طرف يدافع عن مصالحه الخاصة في المسألة، وهناك أيضاً فجوة متنامية بين النخب المُعولَمة، والسكان الذين يميلون إلى الانطواء على أنفسهم.

من الصعب بشكل متزايد التمييز بين الحرب والسلام فمنذ وقت طويل لم نسمع إعلاناً عن الحرب رغم وجود حروب كثيرة

لقد أضحى العالم مجزّءاً في الواقع، بسبب صعود الهُويات الدينية والقوميات التي يتم استغلالها للأسف، بما في ذلك في أوروبا، من قبل العديد من السياسيين.

لذلك، أنا متشائم جداً، ومع ذلك، يجب أن أعترف بأنني أشعر بالراحة في هذا العالم الجديد، أكثر من عالم الأمس، هذا العالم المنفجر يشبه طريقتي في التفكير، المصنوعة من الشكوك والأسئلة والفوضى، أحياناً لا بدّ من أن نتعامل مع عدم اليقين.

بيير هاسنر في سطور

وُلد بيير هاسنر عام 1933 في بوخارست، برومانيا، وهو واحدٌ من أفضل المتخصصين الفرنسيين في العلاقات الدولية، ألّف العديد من الكتب التي يستكشف فيها تطورات العالم في ضوء الفلسفة والتاريخ، ووفق رأيه؛ بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001، انتقل العالم من عالم إيمانويل كانط (مشروع السلام الدائم، الذي قاد إلى إنشاء منظمات مثل الأمم المتحدة)، إلى عالم توماس هوبز (حرب الكل ضدّ الكل)، مع انفتاحات على فريدريك نيتشه (الحربُ كعاملٍ لتأكيد الهوية)، وكارل ماركس (الفجوة المتزايد بين الفقراء والأغنياء).

كتابُ بيير هاسنر "تبرير الحرب"، الذي أنجزه مع جيل أندرياني: كتاب جمع بين علماء سياسة ودبلوماسيين وقانونيين، ومؤرخين وفلاسفة من جنسيات مختلفة، لإلقاء الضوء على واقع الحرب اليوم، مع تطور العنف بأشكال متعددة: الحروب الأهلية، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية والإرهاب. يتناول الكتاب باختصار مسألة أخلاقية استخدام القوة وموضوعية العقيدة المسيحية للحرب العادلة، لا سيما في سياق التدخلات في كوسوفو والعراق، ومفهوم الإرهاب المضاد، ومكانته في التاريخ وكذلك في الحرب، والملابسات المتعلقة بمفهوم الشرعية، خاصّة شرعية الأمم المتحدة والعدالة الدولية. وأخيراً، يقدم الكاتب مقترحات من أجل تشكيل أخلاقيات وسياسة ومؤسسات مؤقتة لأوقات الأزمات.

عن "scienceshumaines"

اقرأ المزيد...

الوسوم: