تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة

2212
عدد القراءات

2017-12-14

كتبَ الشاعر والمؤرِّخ الأدبي المصري، الأستاذ شعبان يوسف، على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "الثقافة التي ظلّت قروناً تنمو وتتربَّى على مبدأ (السّيفُ أصدق إنباءً من الكتب)، لا بدّ من أنْ تنتج هذا الإرهاب"، وقد كُتِبَ هذا في سياق الحدث الإرهابي المروِّع، الذي ضرب مسجد الروضة في شمال سيناء، واستشهد فيه أكثر من ثلاثمئة شخص.

العرب والمسلمون أمّة تعيش في ماضيها وهذا هو بيت الداء

وقد يختلفُ كثيرون معهُ في القفز إلى هذا الاستنتاج، لكنْ ما ذهب إليه هنا له وجاهته، في حدّ ذاته؛ لأنّه يعطي مثالاً ناصعاً عن إعادة توظيف الشعر العربي القديم، وجعله إطاراً تفسيرياً لحوادث ووقائع تجري في أيامنا تلك، منها الفعل الأشدّ قسوة في حياتنا المعاصرة (الإرهاب).

هناك مَن يردّ على هذه المقولة بأنّ كلّ الثقافات والدّيانات أنتجت العنف، بلا استثناء، وأنّ هذه خلاصة كتاب "أعداء الحوار"، للدّبلوماسي والباحث الإيطالي ياكوبتشي؛ حيثُ راجع كلَّ النصوص الدينية، وتواريخ الأمم، وانتهى إلى هذا؛ بل إنّ المؤرخ وعالم النّفس الفرنسي، جوستاف لوبون، يقول: إنّ "كلّ الإمبراطوريات سفكت الدّماء في توسّعها، بلا استثناء"، لكنّه يؤكّد، أيضاً، أنّ الأقل سفكاً كانت الإمبراطورية العربية-الإسلامية، وهناك كتب عن الهوية، تقول بوضوح إنّها كانت الأشدّ قتلاً في التاريخ، ولم تنج من هذا أيّة ثقافة، وأن العنف كان الموضوع الثالث لاهتمام البشر بعد الله والحب. المشكلة أنه في الوقت الذي يخرج فيه العالم من كهوف التاريخ فإنّ العرب والمسلمين أمّة تعيش في ماضيها، وهذا هو بيت الداء، ولأنها هكذا وجدت أجهزة مخابرات غربية سهولة شديدة في إنشاء جماعات تزعم نُصرة الإسلام وتعود إلى مرجعيات تاريخية، بينما هي، في الحقيقة، تخدم مصالح من أنشأها ويسخّرها.

حين نتحدّث عن أغراض الشعر العربي يطلّ شعر الفتوحات برأسه مرتبطاً بحركة الجهاد

لكنّ هذا الردّ لا يعني التقليل من التأثير الذي يلعبه استدعاء القديم، ومنه الشعر، في حياتنا المعاصرة. وإن كان الأمر في مجال العنف المنظَّم، سواء كان قتالاً أو إرهاباً، فإنّ شعر الفخر المرتبط بالمعارك، والدور الذي يمارسه "السيف"، حين يتجاوز دوره المادي المباشر، إلى معنى رمزي ضمن هذا المنجز الشعري، في فهم طبيعة العلاقة مع الآخر، أو السعي إلى حيازة "القوة"، على اعتبارها تمثّل مركز السياسة، لم يعد خافياً على أحد. وحين نتحدّث عن أغراض الشعر العربي، يطلّ شعر الفتوحات برأسه مرتبطاً بحركة الجهاد. ورغم أنّ القرآن يتحدّث عن "جهاد الدفع"، فإنّ الإمبراطورية الإسلامية، في تمدّدها، دفعت بعض الفقهاء إلى إنتاج "جهاد الطلب"، وإثر ذلك شارك شعراء في القتال، أو عبّروا عنه، مثل: أبناء الخنساء، وجميل بن سعيد، وعبد الله بن رواحة، والمخبل السعدي، وربيعة بن مقروم، وعاصم بن عمرو التميمي، وضرار بن الأزور، ورفاعة بن زهير المحاربي، ..إلخ.

الشّعر الذي تكمُنُ فيه قِيَمٌ مثل الرّحمة والمحبّة والامتلاء الروحي أنتجهُ المتصوفة

في المقابل؛ فإنّ الشّعر الذي تكمُنُ فيه قِيَمٌ مثل؛ الرّحمة، والمحبّة، والسُّموّ النّفسي والأخلاقي، والامتلاء الروحي، أنتجهُ المتصوفة، إلى جانب نثرٍ عميقٍ، لكنّ غموضه، وعدم تحمّس الطبقات، السياسية والاجتماعية، المتحكِّمة له، جعله يبقى في الهامش، ولا تستدعيه إلّا الصفوة، وإن حضر، فذلك كي يُستعمل في مجال الطبابة النفسية والعاطفية، التي سرعان ما تنطفئُ أمام تيار الحياة الجارف الذي يُلقي فيه المتطرفون خطابهم الزاعق النّاعق الملتهب حماسة، ويطوّعون الشّعر القديم له، فيتمكنون من جذب فئات عديدة إليهم.

شعرنا القديم غامضٌ وبوّاحٌ في آنٍ واحدٍ خلافاً لما شاع في أوساط أكثر الدارسين

وسواء في حالة الشّعر الصوفي، أو ذلك الذي يستعيره المتطرفون والإرهابيون، فإنّنا، دون شكّ، أمام مغالطةٍ، وتفكيرٍ أعوج، لا يمكن أنْ يخفيها أولئك المولعون باستخراج الأفكار من الأشعار القديمة، وهنا يقول الناقد الكبير الراحل، مصطفى ناصف: "في مجتمع  يؤلّف الشّعر أحد همومه الأساسية المتوارثة التي يعتز بها، يفرح كثير من الناس باستخراج هذه التأملات ولا يمحّصونها، وربما يكون مظهر الفتنة بالشّعر، العُزوف عن تمحيص علاقته، بما نسمّيه، الأفكار والثقة المفرطة في صدقها، ولستُ أدري إذا كان موقفُنا الثقافي يحتاج إلى رياضة هذه المسألة. ففي دوائر غير قليلة لا يزال ينظر إلى الشّعر على أنّه معرفة، ومن الصّعب على كثيرين في مجتمعاتنا النظر إلى عبارات الشّعر على أنها مجرد وسائل لمعالجة مشاعرنا ومواقفنا، وليستْ إسهامات جادة ونقية في تكوين نظام فكريّ".

هذا النوع من الشّعر يمكّن المتطرفين من اصطياد أتباعهم بسهولة يإنشادهم قصائدَ حماسيةٍ عصماء

وفي رِكاب هذا، هناك افتراض يرى أنّ "شعرنا القديم شعرٌ غامضٌ وبوّاحٌ في آنٍ واحدٍ، خلافاً لما شاع في أوساط أكثر الدارسين، ومصدر غموضه ليست ألفاظه وتراكيبه، بل موضوعاته، وأغراضه، أو بتعبيرٍ أدقّ (رموزه)؛ لذا فهو صالحٌ، كأيّ شعرٍ عظيمٍ، لقراءاتٍ متعددةٍ تفكّ رموزه ليبوح بثرائه الباهر، لكنّ هذه القراءات مشروطة بشروط شتّى تعصمها من أن تكون لغواً أو هذياناً"، حسبما يرى وهب رومية في كتابه "شعرنا القديم والنقد الجديد". ومع انتفاء هذه الشروط، في الغالب الأعمّ، لا يبقى سوى الهذيان الذي يغتبط له المتطرفون، لأنّهم يتوقون إلى كلّ ما هو إيديولوجي وصاخب وهذياني، نظراً إلى أنّه يمكّنهم من اصطياد أتباعهم بسهولة، وهم ينشدون خلفهم قصائدَ حماسيةٍ عصماء، تهتزّ لها الصدور، وترتجف لها القلوب، وتخرّ خاضعة.

اللغة المستخدمة في هذا النوع من الشّعر غالبا ما تكون معجميةً تراثية

لهذا، لطالما حضر الشعر القديم في أدبيات الجماعات والتنظيمات المتطرفة، أو في وعظهم المنبري، وفي كلّ الأحوال، يتم التعامل معه على أنّه نصٌّ قديمٌ، فضلاً عما له من وقعٍ في النفوس، لما يمتاز به الشعر، بالطّبع، من جرسٍ قويٍّ، وبلاغةٍ ضافيةٍ، فإنّه يتعدى هذا لديهم، كي يسهم في صناعة مسار برهنةٍ على ما يريدون أن يصلوا إليه، ويقنعوا به غيرهم؛ بل وجعله في بناء إطارٍ تفسيريّ أو مرجعيّ. ويزيد من حجية هذا الإطار لديهم، إن كانت الأبيات لشاعر من أولئك الذين اشتهروا في صدر الإسلام، أو كانت القصيدة بها تناص قوي مع النصوص الدينية، كالقرآن الكريم والأحاديث النبوية، أو انطوت على معانٍ تتماشى مع المقولات السائدة، سواء ضمتها تلك النصوص، أو دلَّ عليها ما هو مسجَّل في بطون كتب التاريخ والتفاسير.

يتراجع المتطرفون أحياناً في استعمال الشّعر من كونه إطاراً تفسيرياً للراهن إلى معرفةٍ راسخة البنيان

وبهذا يتحوّل الشعر من مجال الأدب إلى الإيديولوجيا، وتوظَّف بلاغته، أو ما به من مجازٍ واستعاراتٍ، في تعزيز الطابع السحري الذي تتميز به الإيديولوجيا أصلاً، وهنا لا يكون هناك أيّ مجال لتمحيص مدى استجابة مثل هذه الأشعار للواقع السياسي المعيش، أو تعبيرها بدقة عنه، أو قدرتها حقاً على تفسير الوقائع والأحداث المعاصرة، سيما أنّ السياق المصطنع من قبل هؤلاء تتم إزاحته، افتراضاً، ليتشابه، أو حتى يتطابق، مع السياق القديم الذي أنتجته هذه القصائد في رحابه.

ويزيد من حجية الخطاب الديني المتطرف في توظيف الشعر، أنّ اللغة المستخدمة في هذا الخطاب، في الغالب الأعم، تكون لغةً معجميةً تراثيةً، يرى المتطرفون أنّها وحدها القادرة على التعبير، أو أنّ الالتزام بها هو تعبير قوي عن الدفاع عن الهوية الدينية، وهنا يكون على السامعين، لا أنْ يفكروا في قدرة هذه الألفاط عن وصف أحوالهم الرّاهنة فحسب؛ بل عليهم أنْ يجذبوا هذه الأحوال ذاتها لتتطابق مع اللغة المستخدمة، وإنْ أخفقوا، أو شكّكوا في ذلك، فالعيب ليس في الألفاظ القديمة المستعارة، إنّما في أنفسهم، لأنّهم ابتعدوا عن طريقة أسلافهم في التعبير، وركنوا إلى لغاتٍ ولهجاتٍ سائدةٍ في المجتمعات المعاصرة.

وقد يتراجع هؤلاء، أحياناً، في استعمال الشّعر من كونه إيديولوجيا، أو إطاراً تفسيرياً لما يجري في الوقت الراهن، إلى معرفةٍ راسخة البنيان، مستمدة الصلة من السياق الذي أنتجت فيه، لتزرع في سياقٍ جديدٍ، يعمل المتطرفون، بكلّ ما أوتوا من قوةٍ، ليكون حاضناً لأفكارهم، وقادراً على أن يطوّق الكثيرين، لينساقوا إليه، معتقدين أو متوهمين، أنّ ما ينطقون به، ويتمثلونه، ويتصرّفون على أساسه، هو المعرفة التي يجب التمسك بها، ومنازعة كلّ من يشكّك فيها، أو يحاول تفكيكها أو تبيئتها، لمعرفة الصالح والطالح منها. 

في ظلّ ذلك الوضع، يبقى "السّيف" هو الأصدق في الإتيان بالأخبار، كما قال المتنبي، ويبقى الشطر الثاني من البيت "في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللّعب"، لديه من المرونة والقدرة ما يجعله مرجعيةً، أو أمثولةً، أو حتى حكمةً، ترتقي في أذهان التراثيين إلى درجة اليقين. فكلّ ما هو دون السّيف هنا، لا يصلح أن يكون جدّاً، أو ليس بوسعه أن يفصل بين الجدِّ والهزل، والصواب والخطأ، أو هو محض لعبٍ ولهوٍ، يجب الابتعاد عنه، وتجنّبه في لحظةٍ زمنيةٍ يعتقد المتطرفون أنّها سانحة لاستعادة الأمجاد الغابرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: