تاريخية الفقه عند الإمام عبد الحميد الزهراوي

تاريخية الفقه عند الإمام عبد الحميد الزهراوي

مشاهدة

07/05/2019

يعدّ الشيخ عبد الحميد الزهراوي (1855- 1916م) من أعلام حركة الإصلاح الديني، ومن الرواد السوريين الذين جاؤوا للعيش في مصر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وله إسهاماته الفكرية العديدة، وما يهمنا هنا هو موقفه من الفقه؛ حيث يرى الزهراوي أنّ الفقه من العلوم "غير النافعة في الدنيا"، وإنما هو "مجموع قوانين وضعها المتقدمون تناسب زمانهم وظروفهم التاريخية"، بهذه الجرأة يكسر الزهراوي طوق القداسة التي فُرضت على الفقه وأحكامه الجامدة؛ وذلك لأنّ جمود الفقهاء في الماضي والحاضر، ترك فجوة عميقة بين الفقه والواقع، وولّد عجزاً تشريعياً لكثير من القضايا المعاصرة في حياة المسلم، وفتح الأبواب لمؤثرات خارجية دخيلة تدخل إلى التشريعات والدساتير في الدول الإسلامية.

التشعب والتشتت في كثرة الأحكام الفقهية

لقد استخدم الزهراوي المنهج النقدي في نظرته التحليلية إلى الفقه الإسلامي، موضحاً الأقوال المتضاربة والمتعارضة للفقهاء في قسمي الفقه؛ فقه العبادات، وفقه المعاملات، فالعبادات أعمال خاصة أُمرنا أن نفعلها كما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم، الذين تعلموا منه، ويتساءل الزهراوي: هل التعاليم المختلفة بقدر ما اختلف هؤلاء الفقهاء، أم أراد هؤلاء أن يوهموا الملأ بما وسعته صدورهم من العلوم فتوسعوا بالتفصيلات القولية، والاصطلاحات المذهبية حتى كتبوا ألوفاً من الأوراق عن الصلاة، معللين بأنها عماد الدين، وأن الاهتمام بتحرير علومها ضروري، مع أنّ القرآن الكريم، الذي فرضها، كان مقلاً في ذكرها، كقوله تعالى في آيات متفرقة: {وأقيموا الصلاةْ، {واركعوا مع الراكعين}، {واسجدوا لله}، ولم يجئ فيها بشأنها أكثر من ذلك؟

استخدم الزهراوي المنهج النقدي في نظرته التحليلية للفقه الإسلامي، موضحاً الأقوال المتعارضة للفقهاء بقسمي الفقه؛ فقه العبادات وفقه المعاملات

كذلك بشأن الطهارة؛ لم يرد في الذكر الحكيم بشأنها أكثر من الأمر بغسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس، وبالتيمم إذا لم نجد ماء، وبالتطهير من الجنابة، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم،كان يعلم الصلاة للواحد من أصحابه، رضي الله عنهم، في ساعة واحدة؛ لأنّها أعمال محدودة كالوقوف إلى جهة معينة، وقراءة كلمات سهلة، وحني الظهر، ووضع الجبهة على الأرض، وأعمال يتعلمها الصبي في ساعة، وهكذا بيّن الزهراوي كيف عكف الفقه التقليدي عكوفاً شديداً مصحوباً بتفصيلات وتفريعات لا طائل منها، لقضايا الصلاة والطهارة مثلاً، التي أوجزهما القرآن الكريم إيجازاً سهلاً، وبيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم بأفعاله التي تعلمها منه أصحابه، رضي الله عنهم، بينما خرج إلينا الفقهاء بمئات المسائل عن الصلاة والطهارة، تحمل كثيراً من التفسيرات، والاختلافات المذهبية، والتي تجعل المسلم حائراً في دينه، والمتأمل لفقه العبادات يرى أنه قد اكتسب قداسة تمنع من إعادة النظر في التحقق فيه، ورغم أنّه يتضمّن لعديد من الأحكام غير القرآنية، والمتأثرة بالظروف التاريخية التي وضعت فيها؛ بل والمشتملة على تفريعات لا طائل من ورائها، ويؤدي العمل بها إلى تكريس نوع من الدين تطغى عليه الاعتبارات الاجتماعية على الاعتبارات الروحية، والتمسك بالشكل على الجوهر.

لماذا يعجز الفقه عن مسايرة الواقع؟

ويذهب الزهراوي إلى القول بتاريخية الفقه، وإنّه مشروط بالشرط الاجتماعي والتاريخي، فيرفض مقولة إنّ الفقه يكفي لزماننا ويغنينا عن غيره من التشريعات، معللاً ذلك باختلاف الزمان وتغير أوجه الحياة، أو على حدّ قوله: إنّ أزمنتهم غير أزمتنا التي تغيرت فيها التجارة وأبوابها وفروعها تغيراً مهماً، إنّ القضايا المهمة في الحكم والاقتصاد والعلاقات الخارجية، مثلاً، معطلة ومجمدة، في حين ينبغي أن يتجه إليها الاهتمام في تصور الأصول الفقهية واستنباط الأحكام الفرعية؛ ففي مجالها تدور علامات استفهام محرجة تبحث عن حلول، إنّ حصر غاية الدين وأهدافه في رجم الزاني، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، إلى آخر هذه الأمور؛ هو تجاهل لغايات الدين الحقيقية وأهداف الوحي في تشريع الحدود، فالشريعة، كما تضمّنها وفسّرها النصّ القرآني، صاغت نفسها مع حركة الواقع الإسلامي في تطوره.

يذهب الزهراوي إلى القول بتاريخية الفقه وأنّه مشروط بالشرط الاجتماعي والتاريخي فيرفض مقولة إنّ الفقه يكفي لزماننا

كذلك ينكر الزهراوي على الفقهاء أنهم استفادوا كل ما كتبوه من الدين، ولا دخل لعقولهم فيه؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم صرح لمعاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، أن يعملا برأيهما، إن لم يجدا نصاً، وبالتالي؛ إنّ أفكار الفقهاء لدور العقل في استنباط الأحكام الشرعية لما استجدّ من قضايا معاصرة تهم حياة المجتمع المسلم فيه تقييد لدور العقل في الإبداع والاجتهاد، وتجاهل للحقيقة الدينية السمحة؛ لذا نجد الزهراوي يعبر بمرارة عن القيود التي فرضت على المسلمين، فيقول: "كفانا مؤونة السلاسل التي ربط الناس بها أقواماً كتبوا الكتب بأيديهم، ثم قالوا: هذا من عند  الله".

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الصراع بين الفقهاء والصوفية؟

ومن ناحية أخرى؛ يتابع الزهراوي انتقاده للفقه، وينتقد هذه المرة القضاة والمنتفعين ومن في حكمهم، ووصفهم بأنهم حوّلوا الفقه إلى آلة يعبثون فيها كما شاؤوا وأرادوا، ويذهب الزهراوي إلى أنّ "هذه الأقوال المتضاربة المتعارضة ليست لأكثرها من سبب إلا منافع القضاة ومن في حكمهم، ويرفض الزهراوي تقديس الفقه، وتقديس الأحكام المنسوبة إليه، مدركاً ما وصل إليه حال الأمة نتيجة اعتناء كلّ طائفة وفرقة بمذهب واحد، على ما فيه من تعدّد المرجحين، قد فرّق كلّ ذلك المسلمين من زمن بعيد، حتى أوصلهم إلى هذا الحال المتردي بين أمم العالم.

إنّ مقولة الإصلاح الديني ارتبطت عند الزهراوي برفض تقديس كل إنتاج إنساني موروث من المتقدمين، فقهاء أو علماء دين، أو الانقياد إلى فكرة أنه لا عقول إلا عقول الأولين، وهذه ديدنة كلّ مصلح اختار أن يسلك دروب الوعي، ذلك الوعي الذي تحتاج إليه أمة تريد النهوض والتقدم بعد سبات طويل.

والزهراوي لا ينكر لهؤلاء الفقهاء إجادتهم في علومهم، لكن بحسب حاجة عصرهم ومتطلبات، ويرفض تقديس ما نقل إلينا من موروثهم: إنهم سدّوا حاجة زمانهم، فما نحن بملومين إذا قلنا إنّ ما نقدسه اليوم هو مجموع كتاباتهم التي اقتضتها عصورهم وطابقت عقول معاصريهم من الحكومات والرعايا كيف كان الحال.

اقرأ أيضاً: علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً

وإذا كان سبب الاختلاف في الفقه يعود إلى انفراد الفقهاء بالتشريع، أي التفريع؛ حيث يجوز الواحد منهم ما يمنعه الآخر وبالعكس، فإنه أيضاً يعود سبب الانفراد إلى تساهل المسلمين في ترك سلطة التشريع فوضى يتناولها من شاء؛ حيث إنّ الآحاد يزعمون أن كلّ ما كتبوه هو من عند الله  تعالى ويجب التسليم به والاعتماد عليه.

وبالتالي؛ أثرت وتأثرت الممارسة الدينية تبعاً لظروف ومداخلات المراحل التاريخية المختلفة، ويتجه الزهراوي في المقام بقوله: المسلمون ليسوا شعباً واحداً وليسوا على سنن واحدة في النحلة والعادات، بما تحيزوا للدول صاروا شيعاً في الآراء السياسية، ثم بما تحيزوا للرؤساء في الدين صاروا شيعاً في الآراء العلمية والمذاهب الدينية، وبما تحيزوا للجنس صاروا شيعاً في المشارب والمعايش، ولهذا أكد الزهراوي في كل ما يكتب علي تاريخية الفقه، كما رفض اعتماد الإجماع كأصل من أصول التشريع؛ لأنّ الأمة وعلماءها لم يجمعوا على مسألة واحدة عبر تاريخهم.

الصفحة الرئيسية