تاريخ البرلمان البريطاني يكشف عن نسبية الأخلاق

7092
عدد القراءات

2018-02-08

في عالم عربي يموج بالاضطرابات والحروب، وتيارات من الأفكار المختلفة والمتباينة، وأحداث فاصلة تشقّ المجتمعات، وثورات وانتفاضات منذ 7 أعوام، يطلّ سؤال الأخلاق برأسه، ولا يجد إجابات ومقاربات شافية، حتى الآن، في نظر كثيرين، ويرى بعضهم أيضاً أنّ هذا السؤال قد أُهمل في غمرة الأحداث لصالح أسئلة السياسة المباشرة، التي انشغل المفكّرون بها في السنوات الأخيرة، في وقت يسود فيه احتكار مفهوم واحد متجمّد للأخلاق، عند كلّ طرف من الأطراف المتصارعة، باعتباره مطلقاً، وذا شكل واحد وطريقة واحدة، ويتمتّع باستحقاق لا يتمتع به غيره. ومن ثمّ، وباسم الأخلاق الواحدة المطلقة، قتِل وشرِّد كثير من البشر في هذه المنطقة العربية، وسط حمّى تبشيرية بنسخة واحدة من الأخلاق، عند كلّ طرف، باعتبارها النسخة الوحيدة الصحيحة في مواجهة نسخ الأطراف الأخرى المشوّهة.

السؤال الأخلاقي هو سؤال متجدد يعبّر عن تطور التاريخ ويصعب تصوّر نسخة أخلاقية غير متجددة للمجتمع 

أمام هذا "الاحتكار لشكل موحّد من الأخلاق" آراء تنويرية لمفكّرين أو فلاسفة، عرب أو غربيين، حاولوا مقاربة سؤال الأخلاق، وما أكثرهم، لا يكفي استعراض نص تراثي يتناول زاوية مختلفة، تجعلنا نعيد النّظر في مسألة الأخلاق بعيون جديدة، لكن، في رحلةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ، سنذهب إلى مقرّ البرلمان البريطانيّ، قبل قرابة قرنين من الزمان.

في الدولة التي تعدّ، في نظر كثيرين، مهد الديمقراطية الحديثة؛ حيث واحد من أقدم البرلمانات، الذي اتخذ شكله الأوّل عام 1225، بعد صدور "الميثاق الأعظم للحريات في إنجلترا، والحريات في الغابة (الماجنا كارتا)"، كما عرف بعد ذلك، يجلس الأعضاء في الرقعة الأكثر ديمقراطية في العالم، في القرن التاسع عشر، في نظر كثيرين "البرلمان البريطاني"، تحديداً عام 1819،  ويقف بعضهم ليعترض ويشجب بقوّة.

أقدم البرلمانات اتخذ شكله الأوّل عام 1225 بعد صدور "الميثاق الأعظم للحريات في إنجلترا، والحريات في الغابة (الماجنا كارتا)"

في هذا الوقت، كان مطروحاً على جدول الأعمال في البرلمان البريطاني، مشروع قانون، كان هؤلاء النّواب الواقفون يعترضون عليه بقوة، إنّه مشروع قانون جديد لفرض ضوابط محدّدة على عمالة الأطفال، وكان الاسم المطروح لمشروع القانون هو "قانون تنظيم محالج القطن".

التنظيم الجديد الذي طُرح في هذا المشروع القانوني، كان سيمنع ويحظر توظيف الأطفال، الذين لا تتجاوز أعمارهم تسعة أعوام، في حين لم يتعرض مشروع القانون للأطفال الأكبر سنّاً من ذلك، بل سمح تماماً لأرباب العمل استغلال الأطفال من عمر 10 إلى 16 عاماً، لكنّه على الجانب الآخر، رأى أن يرفق بهم، بأن يجعل الحدّ الأقصى لعدد ساعات عمل هؤلاء الأطفال، هو 12 ساعة يومياً، وفي الجلسات التي خصصت لمناقشة مشروع القانون، كان المدافعون عنه يرون أنّه أخلاقيّ؛ لأنّه يقدّر ضعف الأطفال، وحقّهم في الاستمتاع بطفولتهم، فلا يعملون أكثر من 12 ساعة يومياً، في حين عارض أعضاء ولوردات القانون بشدّة، بدافعٍ أخلاقي من وجهة نظرهم؛ هو أنّ مشروع القانون هذا سيقمع الحريّات! نعم سيقمع حرية الأطفال في أن يختاروا العمل في طفولتهم لأكثر من 12 ساعة، وهم يحتاجونه وتحتاجه عائلاتهم لجني المال، ورأوا فيه قمعاً لحرية أصحاب العمل أيضاً في عرض ظروف عمل معينة على الأطفال، وفق قانون العرض والطلب، الذي من المفترض أن يحكم الأسواق والمجتمعات الحرّة، من وجهة نظر هؤلاء المعترضين، وعدّ اللوردات المعترضون في البرلمان، أنّ مشروع القانون يهدّد حرية الأسواق والرأسمالية الوليدة، ويعيد المجتمع إلى براثن التخلّف، بالتخلي عن الحرية الاقتصادية، وهو ما رأوه خياراً لا أخلاقياً.

قانون تنظيم محالج القطن كان سيمنع ويحظر توظيف الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم تسعة أعوام

جدير بالذّكر هنا؛ أنّ مشروع القانون كان يضع هذه القواعد لتسري فقط على محالج الأقطان، التي كان مثبتاً حينها أنّها ذات أضرار صحية خطيرة للغاية على من يعملون بها، أمّا الأطفال الذين كانوا يعملون في بقية محال العمل المختلفة في بريطانيا، فلم يكن مطروحاً، بأيّ حال حينها، أن يُحظر عملهم لأكثر من 12 ساعة، وكان مقبولاً للغاية أن يعمل طفل في السابعة من عمره، دون أن يثير ذلك أيّة حفيظة أخلاقية، عند أكثر الأخلاقيين البريطانيين تحفظّاً، أو ذوي الحساسية المفرطة.

بالطبع اليوم، وبعد مرور قرنين من الزمن، لم يعد أحد ليتخيل أن يكون مقبولاً أخلاقياً، فرض صاحب عمل على عامل، بالغٍ وعاقلٍ، العمل لعدد ساعات يزيد عن 8 ساعات يومياً، فضلاً عن أن يكون العامل طفلاً لم يتم العاشرة من عمره.

لا يمكن على الأرجح ووفق ما يؤكده التاريخ لأيّة نسخة من التصورات الأخلاقية أنْ تظنّ نفسها مطلقة

إنّ هذا المثال، الذي ربما يستشهد به المفكّرون الاقتصاديون للتّدليل على أفكار ذات صلة بالأبعاد الاقتصادية فقط، مثل تفنيد فكرة حرية الأسواق كفكرة مطلقة، حيث إنّ الأسواق التي تدّعي الحرية هي نفسها التي تقبل ضوابط من الدولة القومية عليها، تتطوّر بمرور الزمن، وتقيّد حركة العرض والطلب المفتوحة، هو أيضاً مثال مهمّ للغاية في عالمنا المعاصر، للتذكير بأنّه لا يمكن على الأرجح، ووفق ما يؤكده التاريخ، لأيّة نسخة من التصورات الأخلاقية، أن تظنّ نفسها مطلقة، أو أن يظنّ أصحابها أنّها نسخة أخلاق نهاية التاريخ، فكما تبين الواقعة، حتى قرنين فقط  من الزمان، وفي أكثر بقعة ديمقراطية في العالم في ذاك الزمان، كان مجموعة من اللوردات الديمقراطيين يجادلون حول لا أخلاقية منع عمالة الأطفال في محالج الأقطان الخطرة، لأكثر من 12 ساعة، ويؤكّدون أنّ ذلك المشروع، المعيب أخلاقياً، يقوّض القيمة المؤسسة للمجتمع، وهي الحرية.

هذا المثال يوضح، إلى حدّ كبير، كيف أنّ السؤال الأخلاقي هو دوماً سؤال متجدد، يعبّر عن تطور التاريخ، يوماً بعد يوم، وربّما يصعب تصوّر نسخة أخلاقية للمجتمع، لا تفترض في نفسها إمكانية التجديد والتجاوب المستمر مع حركة المتغيرات، فضلاً عن أن تتصوّر عن نفسها، كونها الوحيدة القادرة على حلّ مشكلات المجتمع، بفرضها عليه قهراً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟

2019-10-07

هناك مقولة ذهبية لإميل دوركايم مفادها: "التحديث يولد الثورة" وتكشف هذه المقولة طبيعة التوتر والقلق والإحباط والاختلال الوظيفي للقيم والعقائد والمنظومات الأخلاقية في خضم عملية التحديث.
ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي ظهرت الأيديولوجيا الأصولية في أوساط تلك القطاعات الاجتماعية التي ترى أنّ النظرة السائدة الموروثة من العصور الدينية لم تعد ملهمة ولا كافية للتعاطي مع العالم، وبالتالي أتت تلك الأيديولوجيا كحاجة ملحّة لتفسير الواقع (عبر تبسيطه بالطبع) وتقديم قيم جديدة للذين يحتاجون إليها.
عالم جديد جداً
يحاجج سمير أمين في "التطور اللا متكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية المحيطة بالرأسمالية" بأنه خلال القرن التاسع عشر نجحت الرأسمالية الأوروبية بشكل نهائي في إخضاع الكوكب الأرضي لهيمنتها وتغلغلت في قلب الأسواق المحلية لكافة بلدان العالم.

أن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة في العراء تميل مع كل ريح

وفيما يخص مصر فقد تمحوّر الإنتاج القومي حول الزراعة وتمحورت الزراعة حول محصول القطن، وهو ما أفرز طبقة محدودة العدد لكن مؤثرة وفعالة هي طبقة كبار الملاك (القاطنين في العاصمة) الذين عمقوا عملية إلحاق الاقتصاد المحلي بالاقتصادات الصناعية الأوروبية.
وآنذاك استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي، وكان لهذه التطورات أن تؤدي إلى تغيير تدريجي في مسار الحياة الاقتصادية؛ فبعدما كان هناك الحرفي والفلاح ورجال القوافل والمراكبي، على سبيل المثال، أصبحنا نرى الموظف وعامل المصنع والمهني والفني كما يقول بول سالم في "الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي".
وأدت هذه التحولات الاقتصادية إلى إعادة تنظيم الأنماط الديمغرافية من قبيل تفكك الأسرة وإعادة تنظيم وسائل الاتصال وإجبار العمال على التوجه نحو اقتصاد ذي ركيزة حضرية وخاضع لتوجيه الدولة، وبالتالي خلق هذا التحوّل ضغوطاً وتوترات غير معهودة، وخلق معايير اجتماعية وأنماطاً ثقافية جديدة؛ لتتهيأ البنية الاجتماعية لاستقبال أيديولوجيات شتى، كما يشير سالم.
تناسلت من طبقة كبار الملاك، التي حرصت على تعليم أبنائها في الخارج، كما يقول إريك دافيز في "مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث: تجربة بنك مصر 1920- 1941"، نخبة وطنية مصرية عصرية متأثرة بالقيم الثقافية الغربية ذات البعد الكوني؛ وبسبب هيمنة الأجنبية على كافة نشاطات الحياة الاجتماعية حاولت النخبة الصاعدة أن تكوّن لنفسها رؤية عالمية قادرة على تحدي الاحتلال المسلح بثقافة متفوقة: هذه النخبة هي التي أسست الدولة القومية المصرية وبشّرت بأيديولوجيتها الإدماجية.

ديانة جديدة؟
كانت هذه النخبة متأثرة بأنماط جديدة للهوية والولاء وتصورات عن الجماعة السياسية تتناقض جذرياً مع تلك الأنماط والتصورات الموروثة من عصور الخلافة، ونبتت تطلعات مغايرة لبناء مجتمع حديث جرى تعميمها خلال الممارسة السياسية الطامحة للاستقلال.

اقرأ أيضاً: طاقية بيضاء فوق الرأس ولبس القميص: مأزق الأصولية
فقد أسهمت الطبيعة التدخلية للدولة الحديثة في الوصول إلى الأطراف التي لم تكن السلطة تتمتع فيها من قبل سوى بنفوذ رمزي (كالريف والواحات والتجمعات البدوية) واستفادت النخبة القاهرية من ميراث التدخلات هذا في تحريض هذه القطاعات السكانية على المشاركة السياسية لصالح قضية الاستقلال، وهو ما أدمجها في صلب مشكلات الدولة الحديثة.
بدأ المجتمع المصري يخضع لتأثير معضلات ضخمة من قبيل السيطرة الاستعمارية وتأسيس الدولة القومية على غير سابقةٍ في التاريخ السياسي المصري (حتى دولة محمد علي كانت ولاية تابعة رسمياً للخلافة العثمانية) وكانت البلاد بحاجة إلى هوية إدماجية للقطاعات العرقية والإثنية والدينية والقبلية التي كانت متجاورة بلا رابط عضوي يشملها في ظل الخلافة التي لم تكن تتطلب سوى الولاء السياسي والالتزام بالنظام العام.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
وبالتالي كانت الهوية القومية المصرية: مصر للمصريين، ومصر مختلفة عن محيطها الإسلامي، المصريون شعب فريد ذو جذور ضاربة في التاريخ وخصائص فريدة، مدعُوّة لإنجاز المهمة الإدماجية بالغة التعقيد والصعوبة؛ إذ ما أن تقدمت خطوات، بفضل ثورة 19 والرموز الوطنية المُجمع عليها (الزعيم سعد زغول) وشعارات الوحدة الوطنية (مسلمون وأقباط ضد الاحتلال) حتى تبين قصورها الفادح عن إنجاز مهمتها.
حوّلت الوطنية الوليدة (مثل كل الأيديولوجيات الحديثة) مفاهيم الإيمان بالله تعالى إلى الإيمان بالوطن واستبدلت بالرموز الدينية رموز سياسية (العلم والنشيد) وأمدت الصحافة والتعليم النظامي السكان بمنظومة جديدة من القيم المشتركة نافست المنظومة الموروثة، (أثار هذا التنافس العاصف اضطراباً سياسياً لاحقاً) كما بُعث الماضي الفرعوني في مواجهة الماضي الإسلامي الذي حُمل وزر التخلف.
الرد الأصولي
أثارت هذه القطيعة السياسية مع الماضي نضالاً متشنجاً من قبل الأصوليين الذين حاولوا إعادة موضعة مكانة الماضي في الوعي العام، بعد أن بدأ التراث (المخزون الشعوري بلغة حسن حنفي) يفقد دوره في توجيه الوعي والسلوك (لذا انتشرت عمليات تحقيق التراث بكثافة) ودوره الأساسي في تحديد طبيعة الجماعة السياسية (هوية الشعب) ويمكن فهم استدعاء رشيد رضا لمدونة السياسة الشرعية إلى قلب النقاش مجدداً، بعد أن حدد الوطنيون المصريون الانتماء القومي كأساس للهوية الجماعية والشخصية أيضاً.
وسرعان ما اصطدمت الهوية القومية المُصوغة حديثاً بهوية جاهزة نابعة من ثقافة "الإسلام" صاغتها جماعة الإخوان المسلمين، وجرى ذلك في ظل الدور فائق الأهمية للإسلام تاريخياً في تنظيم الحياة الاجتماعية إلى درجة أن جيل كيبل يذهب في كتابه "النبي والفرعون" إلى أنّ العلمانية المصرية كادت أن تذهب إلى غير رجعة قبل ثورة يوليو تحت الضغوط الأصولية، وأنها لم تنتعش إلا مع مجيء عبد الناصر الذي قدم نموذجاً للعلمنة مدعوماً بسلطة فائقة.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
ففي هذا الأفق المتجه نحو قطيعة مع الماضي أحس حسن البنا (مؤسس الإسلام السياسي) بعجز المؤسسات الدينية وطرائق التفكير القديمة عن إيجاد حلول للمعضلات التي تواجه العالم الإسلامي بحكم تقليدية تلك المؤسسة وسكونية تلك القيم، ومن هنا وضع على عاتقه مهمة تفكيك السلطة الرمزية للشيوخ على الجمهور الإسلامي، وخلق إيديولوجيا ملهمة للإنتلجنسيا التي أنتجها التحديث (وهي فئة اجتماعية تشمل كل القائمين بعمل ذهني، إبداعي أو تنظيمي، أو مهني).

ملاذ التائهين
انتعشت الأيديولوجيات بفضل التغير الاجتماعي: نمو طبقة وسطى، ظهور طبقة عاملة، الهجرة المتزايدة من الريف، والسياسي: سقوط الخلافة، نشوء الدولة القومية، والثقافي: العلمنة، التغريب، الانقسام حول المرجعية الأخلاقية بين تقليدية موروثة وتقدمية وافدة. وآنذاك طرح الصراع على توجيه المجتمع وتنظيمه إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها الجماعة السياسية.

استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي

وبالنسبة إلى الذين مسهم الحراك الاجتماعي بعمق، خصوصاً أولئك الذين انتقلوا من الريف إلى المدينة، أو انتقلوا من وضع اجتماعي إلى آخر (أبناء الفئات المهمشة الذين منحهم التعليم امتياز الصعود الاجتماعي) كان لهذه التحولات وقع الكارثة؛ إذ كشفت عدم ملاءمة ثقافتهم التقليدية ومعاييرهم الأخلاقية مع البيئة الحضرية المُستحدثة، وكان من الطبيعي أن يؤدي التناقض بين الثقافة الموروثة والواقع الاجتماعي الجديد إلى وضع هؤلاء في رحى الاغتراب.
فعلى عكس أبناء كبار الملاك الذين تأثروا إيجابياً بالتحديث الذي منحهم امتيازاً اجتماعياً تجلى في إدارتهم لجهاز الدولة وللعملية السياسية وإنتاج المعرفة، أو بكلمة: كانوا الفئة القائدة التي أنتجها التحديث وقادته عملياته لاحقاً؛ فإنّ الذين عانوا اغتراباً (ثقافياً وسيكولوجياً) فقدوا إمكانية التواصل مع ثقافة آبائهم المغرقة في البساطة والتواضع (وبالتالي تجاوزوها في مرحلة مبكرة من حياتهم التعليمية) في وقتٍ عجزوا فيه أن يزرعوا جذورهم في الحياة الحضرية، أو المشاركة الفعالة في وسطهم الاجتماعي الجديد وثقافته وقيمه. يقع من يفقد إمكانية العودة إلى جذوره والاندماج في واقعه في شَرَك اغتراب ساحق ومذبحة "لا يقين" تبتر إحساسه بدوره وقيمته في الحياة التي أصبح على هامشها بحكم اغترابه.
وأن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة التي تقف في العراء تميل مع كل ريح قادمة من أي اتجاه، أو بمعنى أقل أدبية: يصبح عرضةً للتأثر للمثيرات الأيديولوجية وأكثر حساسية تجاه عزلته وبحاجة إلى جماعة يذوب فيها توفر له الهوية والدور والصحبة ومهمة تعطي لحياته، معدومة القيمة، معنىً يغطي على خوائها، ولن تكون مؤسسات الدولة الوطنية (غير المألوفة بالنسبة للمغترب) جذابة في هذا السياق، بل ستكون المنظمات الدوغمائية الصاخبة ذات الشعائرية الفجة والانضباط الصارم والأيديولوجيا المُبسِطة للواقع المعقد هي الملاذ الأخير للمغتربين في المدينة: لقد جاء حسن البنا في الوقت المناسب.

للمشاركة:

هكذا عاين زكريا إبراهيم مشكلة الإنسان والحرية والعجز عن إيقاف الزمن

2019-09-25

ما انفك المفكر المصري د. زكريا إبراهيم ينظر إلى قضايا الكون باعتبارها مشكلات. لذا راح يعاين تلك المشكلات بنظر فلسفي عميق، مقارباً مختلف الاتجاهات الفلسفية الغربية والعربية على حد سواء، ومثمراً موسوعة فلسفية من المشكلات: الحرية، والحب، والحياة، الإنسان، والفلسفة، والأخلاق، والفن، والبِنية.

مشكلة الحرية ليست مسألة باطنية محضة تخص الذات وحدها، بل هي مسألة اجتماعية واقعية تخص الحياة العينية للإنسان

زكريا إبراهيم، المصري القبطي الذي يحمل دكتوراة في الفلسفة، ولد في عام 1925، ومات فجأة في الرباط بالمغرب عام 1976، من دون أن يكمل مشروعه الفلسفي الذي مضى يعمل عليه منذ زمن بعيد بصمت وبعيداً عن الأضواء، ما حرمه من الاهتمام والانتشار على النطاق الذي يليق بقامته الشاهقة.
تقول عنه تلميذته د. أميرة حلمي مطر "إن د‏.‏ زكريا إبراهيم كان مثالاً في الدقة والموسوعية سواء في مؤلفاته أو ترجماته‏،‏ ولقد سار على منهج في الفلسفة يعود إلى أكثر من أربعة وعشرين قرناً منذ فلاسفة اليونان الأقدمين‏، هو منهج إثارة السؤال الفلسفي الذي يتفق مع ظروف التاريخ والحضارات‏.‏ ففي الفلسفة الأوروبية الحديثة سأل ديكارت‏:‏ هل يعرف العقل ما تأتي به الحواس من معلومات‏،‏ أم أنه يتدخل في تشكيل المعرفة الإنسانية‏.‏ وفي علم الجمال وفلسفة الفن يسأل الفيلسوف الناقد الفني‏:‏ هل يكون الفن انعكاساً للواقع، أم هو إبداع لعالم آخر بديل عن الواقع‏؟‏".
كتابه "دراسات في الفلسفة المعاصرة"

لم يمهله القدر!
لم يمهل القدر زكريا إبراهيم لاستنئاف الجزء الثاني من كتابه "دراسات في الفلسفة المعاصرة" الذي أصدر منه الجزء الأول. وكان أصدر من قبل "الفلسفة الوجودية" 1957 و"تأملات وجودية" 1963. ثم مضى يؤرخ للفلسفة بروح نقدية في سلسلة "عبقريات الفلسفة"، وخصوصاً في كتابيه "كانط أو الفلسفة النقدية" 1963 و"هيجل أو المثالية المطلقة"1971.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
وفي كتابه "مشكلة الإنسان" يخلص إلى أنّ الفيلسوف ليس إنساناً وأصلاً، وإنما هو إنسان سالك في طريق به متاهات شأنه شأن الصوفي يدهشه ما يراه في جميع مجالات الحياة‏.‏
وراح يتساءل: لماذا اعتبر الفلاسفة الإنسان مشكلة المشكلات. وما هي أبعاد الإنسان، وهل يمكن التنبؤ بمشكلة الإنسان، وما هي أهمية تجربة الشعور بالذات، وما العلاقة بين الإنسان والكون، وكيف يتم تحقيق الشخصية، وما العلاقة بين الإنسان والبيئة، وهل تستطيع الذات أن تندرج في الأبدية، وتكتسب طابع المطلق؟
مشكلة الإنسان
يقول زكريا إبراهيم:
إنّ الإنسان مشكلة لأنه هو الموجود الذي لا يكاد يعرف مكانه في الطبيعة، فهو ينظر ويتأمل ويبحث ويتردد، ويتعثر، ولكنه لا يكاد يعثر لوجوده على قرار طبيعي يطمئن إليه. إنه في الطبيعة ولكنه ليس من الطبيعة، إنه في العالم ولكنه ليس من العالم. إنه موجود طبيعي ولكنه موجود طبيعي بشري! إنّ الإنسان مشكلة، لأنه الموجود الذي لا وصف له سوى أنه لا يوصف! إنه الموجود الذي يفلت من كل تحديد ويخرج على كل قاعدة، ويندّ عن كل تعريف، إنه الموجود الذي لا يفتأ يعيد النظر في كل شيء، ولا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد.

كتابه "مشكلة الإنسان"
وربما كان أقسى ألم يعانيه الإنسان هو ذلك الألم المنبعث من استحالة عودة الماضي، وعجز الإنسان في الوقت نفسه عن إيقاف سير الزمن .
ألسنا نتحسر على ذلك الماضي الذي انقضى سريعاً كعمر الزهور، ونتمنى لو اتيحت لنا الفرصة لأن نستعيده، ولو في لحظة إلهية خاطفة؟
إنّ الوجود البشري ليس مجرد انتقال من الحيوان إلى الإنسان، وإنما هو أيضاً انتقال من الإنسان إلى الله.

نزلت الفلسفة من عليائها وأصبح الإنسان الثورة والسوبرمانية بجانب الإنسان الحيوان، يمرح في تناقض منسجم متكامل مع نفسه

فغاية الإلحاد ليست بأي حال إنكار وجود الله عقلياً، وإنما هي في الأساس التحكم في ملكوت الأرض. وفي هذا يقول نيتشه: لقد صرنا بشراً، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض.
نزلت الفلسفة من عليائها كما يقال، وأصبح الإنسان الثورة والسوبرمانية بجانب الإنسان الحيوان، يمرح في تناقض منسجم متكامل مع نفسه. فرغم هذا التناقض القائم فإنّ عملية إبداع الحياة عملية مستمرة.. فالحيوان السوبرمان انطلق من عقاله وجرب ما يريد، وتحرر كما توهم، ونفذ ما خطط، وكلما أمعن في الحيوانية وتطلع إلى السوبرمانية شعر بالعبثية تسري في جسده ونفسه وعقله. وهكذا انفجر العبث مدمراً عند الوجوديين فقال سارتر:
إنّ الإنسان هو الموجود الذي يشعر بأنه قد وجد جزافاً، أعني يدرك ذاته بوصفه عبثاً لا طائل تحته، ويعرف دائماً أنه زائد عن الحاجة.
لا هو بشيطان ولا بإله
لقد قيل عن الإنسان إنه الموجود المشكل، بأعلى درجات الإشكال، فليس بدعاً أن تقودنا كل التأملات الفلسفية إلى التساول عن سر ذلك المخلوق العجيب الذي لاهو بملك ولا هو بشيطان ولا بإله ولا هو بحيوان.
ألا تتضمن كلمة المشكلة معاني البعد أو البون أو المسافة؟

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
فكيف لا يكون الإنسان مشكلة، وهو الكائن الذي يجد نفسه دائماً على مبعد من ذاته، فيعدو دائماً وراء ذاته، وينشد نفسه دائماً دون أن يجدها يوماً؟!
أن الإنسان مشكلة، لأنه من بين الموجودات جميعاً أكثرها شقاءً، وأعمقها ألماً، وأرهفها حساسية، وربما كان في السر في شقاء الذات البشرية هو أنها لا تستطيع مطلقاً أن تبلغ مرحلة الاتزان المطلق، أو التطابق التام مع الذات، فهي تظل تنشد حالة امتلاك الذات، دون أن تقوى يوماً على بلوغ تلك الحالة المنيعة المستحيلة التي هي أشبه ما تكون بالدائرة المربعة!
إنّ الإنسان مشكلة، لأنه أعجب (موضوع) بين موضوعات الطبيعة، بل لأنه ليس على الإطلاق مجرد (موضوع) نستطيع أن نعرفه (من الخارج) على نحو ما نعرف غيره من الموضوعات، وإنما هو الموجود الوحيد الذي نعرفه ونصنعه في الوقت نفسه (من الداخل).
كتابه "مشكلة الحرية"

مشكلة الحرية
أما في كتابه "مشكلة الحرية"، فيرى إبراهيم أنّ:
الحرية، بحسب معناها الاشتقاقي، عبارة عن انعدام القسر الخارجي. والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبداً أو أسيراً. أما الحرية بالمعنى الفلسفي، فهي اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضده.
مفهوم الحرية لا يتحدد إلا على ضوء مفهومات أخرى تتضمن معاني الضرورة أو الحتمية أو الجبرية. فالحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها، وبالتالي فإنّ فهم معنى "الضرورة" قد يساعد على تحديد معنى الحرية، فالفعل الحر ليس دائماً وليدَ اختيار إرادي مقصود، بل نشعر أحياناً بأنّ علينا أن نتخطى مجال الاختيار لكي ننفذ إلى عالم الحرية بمعنى الكلمة، حيث يكون الفعل الحر إنما هو ذلك الذي لا نستطيع أن نفعل سواه، أعني ذلك الفعل الذي يعبّر تعبيراً جوهرياً عن حقيقتنا الباطنة. فالفعل الحر بهذا المعنى لا يفهم على ضوء فكرة الإمكانية، بل بالأحرى على ضوء فكرة الضرورة، ولكن الضرورة هنا ليست ضرورة عقلية، بل هي ضرورة حية أو ضرورة وجودية.

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
وتتجلى الحرية والجبرية في الظاهر على أنهما على طرفي نقيض، ولكنّ كلا منهما تفترض الأخرى، بحيث إنّ إنكار الواحدة منهما لا بد أن يؤدي إلى إنكار الأخرى، ونلاحظ أنّ الجبرية شرط أساسي لممارسة الحرية، كما أنّ الحرية، من جهة أخرى، شرط أساسي لوجود الجبرية، فما كنا لنكتشف قوانين العالم المادي لو أننا لم نكن أحراراً. ومعنى هذا أنّ الجبرية والحرية تعبّران في الحقيقة عن مظهرين متماسكين من مظاهر النشاط الإنساني، لأنّ كلا منهما تكمل الأخرى.
وليست الحرية الحقيقة، في نظر الماركسيين، هي ذلك الحلم الذي طالما راود البشر بأن تجيء أفعالهم مستقلة عن قوانين الطبيعة، بل هي عبارة عن معرفة لتلك القوانين، مع نشاط فعّال من أجل الاستفادة من تلك القوانين عن طريق استخدامها لتحقيق بعض الأهداف المعينة.
الحرية هي القدرة على التحكم
يقول إنجلز إنّ الحرية ليست سوى القدرة على التحكم في أنفسنا وفي الطبيعة الخارجية، وهي تلك القدرة التي تقوم على معرفة بالضرورة الطبيعية.
ولا يؤمن الماركسيون بوجود تعارض جوهري بين الحرية والضرورة، بل هم يقولون مع هيجل إنّ الحرية إنما تعني في صميمها الشعور بالضرورة.
وليست الحرية، في نظر الماركسيين أيضاً، هبة فطرية أو مَلكة موروثة، بل هي ثمرة من ثمار التطور التاريخي وعملية مستمرة يحقق من خلالها الإنسان انتصاره على الطبيعة الخارجية، وتمرده على العبودية الاجتماعية. والحرية في النظر الماركسي ليست على النقيض من الحتمية أو الضرورة، بل على النقيض من العبودية والاسترقاق.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
وتبعاً لذلك، فإنّ مشكلة الحرية ليست مسألة باطنية محضة تخص الذات وحدها، بل هي مسألة اجتماعية واقعية تخص الحياة العينية للإنسان باعتبارها دراما حية تنشأ بين الفرد والعالم المحيط به.
والعالم، في نظر القائلين بالحتمية، هو مجموعة عضوية ترتبط أجزاؤها فيما بينها كأجزاء آلة دقيقة محكمة، وهو لهذا يكوّن نظاماً مغلقاً يؤذن حاضره بمستقبله، وتخضع سائر أجزائه لقوانين مطردة صارمة.
وتقوم الحتمية على إمكان التنبؤ بالأحداث الكونية، نظراً لوجود تعاقب حتمي مطرد بين الظواهر الطبيعية.

للمشاركة:

غنوصية إخوان الصفا: الرهان على المعرفة والخلاص الإنساني

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-16

في قلب الصعيد المصري، ومن مدينة "نجع حمادي" عام 1945 اكتشف علماء الحفريات، مخطوطات لجماعة غنوصية قبطية، دفنوا مدوناتهم لتبقى في مأمن من غارات الأرثوذكس.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
عاشت الغنوصية في المسيحية واليهودية، مطاردات دائمة مع الدين الرسمي للحكام، في حين أنّ الغنوصية الإسلامية كان لها من الحظ ما أتاح لها العمل في ظل الخلافة العباسية، ووصلت إلينا بعض مدوناتها حيث رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء، أبرز تجلياتها.
في طريق المعرفة
الغنوصية تعني المعرفة في معناها المباشر، وهي ليست ديناً يدين به الناس بقدر ما هي مذهب فضفاض غير قائم على إيديولوجيا دينية متحجرة، أو دوغمائيات مذهبية، ظهرت صورته بوضوح في القرن الأول الميلادي، وجمعت بين تأثير الفلسفة الأفلاطونية الوسيطة، والتعاليم الهرمزية المنسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، ويشار إليه في الأدبيات الإسلامية بالنبي إدريس، ومن خلال ثماني عشرة رسالة، تمّت كتابتها بواسطة رابطة أخوية مجهولة، جمعتهم المعرفة، تم ترسيخ مبادئ الغنوصية التي تدور حول الإنسان والإله الذي يسمونه بالأب الكلي؛ فالإنسان لدى الغنوصية هو جزء مادي، وجزء روحي يتحد مع الإله، ويتطلع إلى الكمال الروحي والسمو والتواصل مع الأب الكلي سعياً لانعتاق الروح، وبحسب كتاب "تأملات الوحي من المنظور الإسلامي"، للكاتب الإنجليزي "ريكي هوود"؛ فإنّ الغنوص لاهوت يختلف تماماً عن التيار المسيحي؛ فالمشترك بين الغنوص الإسلامي والمسيحي هو الخلاص؛ فالخلاص الغنوصي عند التيار المسيحي ليس عن طريق يسوع، وإنّما هو البحث والمعرفة وفهم المعنى الخفي لتعاليم يسوع، وهو المشترك مع تيار "إخوان الصفا وخلان الوفاء"، كأبرز ظهور للغنوصية الإسلامية.

تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني

يعزو الغنوصيون بؤس الإنسان إلى الجهل، وليس الخطيئة المتأصلة في البشر، لذلك فإنّ ما يرنو إليه أهل الغنوص هو المعرفة التي تنتشل الإنسان من بؤسه الأبدي، حتىّ أنّ يسوع الحي بالنسبة إليهم، ليس إلّا رمزاً للمعرفة، وذلك بحسب كتاب "الوجه الآخر للمسيح: مقدمة في الغنوصية المسيحية"، للباحث السوري فراس السواح، والذي يرى أنّ الجهل هو البؤس الحقيقي لأهل الغنوص من المسلمين والمسيحيين؛ فالمعلم فالينتينوس في إنجيل الحقيقة يشبّه الوجود بالكابوس، والمعرفة هي اليقظة من الكابوس، ويتشارك في مفهومه مع إخوان الصفا الذين يشبّهون الحياة دون المعرفة بنوم الغفلة ورقدة الجهالة، ويشير المستشرق الألماني"هاينس هالم"، في كتابه "الغنوصية في الإسلام"، إلى أنّ الباحثين العرب لم يلتفتوا إلى صياغة مصطلح الغنوصية إلّا بمطلع القرن العشرين، أمّا المستشرق الفرنسي"هنري كوربان"، والذي يظهر تأثره بالغنوصية كديانة عالمية جامعة للمعارف الإنسانية، يعزو تبلورها إلى اكتشاف النص الفارسي "أم الكتاب"، بالإضافة للتعاليم الإسماعيلية، التي تشكلت بفضل الجهد النظري لرسائل خلان الوفاء، ويرجع كوربان كل تلك التعاليم إلى غنوصية العصور القديمة، في اتصال بشكل غير مباشر بالتصوف الإسلامي.

الباحث والكاتب السوري فراس السواح

الخلاص والبعث 
في كتابه "طريق إخوان الصفا: مدخل إلى الغنوصية الإسلامية"، يوضح الباحث فراس السوّاح، إلى أنّ المعرفة والخلاص الإنساني هما محور الغنوصية في الإسلام؛ فالخلاص الغنوصي لن يأتي بالشكليات والطقوس التي يغرق فيها المتدينون، وإنّما عن طريق المعرفة والعلم، والبعث الأخروي للأجساد ينتفي لديهم، فالبعث إنّما هو للأرواح، والخلاص يأتي من الجسد والعالم؛ فالخطيئة الأصلية، إن وجدت لدى الغنوصيين، فإنّها سقوط الجسد البشري في عالم المادة، وبانعتاقه يكون التحرر الأبدي، وأمّا التوبة فهي إدراك الإنسان للقبس الإلهي في داخله، وبحثه عن الوحدة المفقودة، ومع انبعاث الوعي الإنسان بالوحدة، يبدأ في الانعتاق، ويتحول الموت من الفناء والزوال، إلى دورة كونية جديدة في تناسخ الأرواح، كما في الرسالة الخامسة لإخوان الصفا؛ إذ يشبهون فيها الروح بالدر، والجسد بالصدف، فأمّا الموت فهو استخراج الدر من الصدف، كما استخراج الجنين من الرحم؛ أيضاً تنشأ الأخلاق الغنوصية من معرفة الإنسان بذاته وبالأب الأعلى الذي وهبه الروح؛ فالأخلاق لديهم تنبع من الحرية الكاملة، حين يسمو الإنسان ويتلمس مكامن الخير والبر في نفسه، أما الشرائع والنواهي والأوامر فليست حقيقية؛ لأنّ الخوف هو محركها، وأما الخوف فيتلاشى بالغنوص وانغماس الإنسان في قبسه النوراني الداخلي.

غلاف كتاب "طريق إخوان الصفا" لفراس السواح

تغاير الغنوصية الإسلامية، غيرها من المسيحيين الغنوصيين، الذين يرفضون العالم كله ويدعون للانسحاب منه، فهو ليس سوى شر مطلق، أرسل الرب يسوع لتخليصهم منه، أمّا إخوان الصفا فلا يرونه شراً، بل هو منتقص، بحيث أنّه آخر حلقة في سلسلة الفيض الإلهي، أمّا الجسد فهو سجن لمن ينغمس في الشهوات ويهبط في عالم المادة؛ فالحياة برأي الإخوان أشبه بمدة الحمل؛ فالجنين لن يخرج من الرحم إلّا حين يكتمل نموه، كذلك الإنسان لن تنعتق روحه من هذا العالم المادي إلّا باكتمال المعرفة الحقيقية، فلا ينكر الإخوان ملذات الجسد، بل يفضلون الاقتصاد فيها، والانشغال بالروح ومعرفتها التي تسمو بالإنسان الكلي، ومن هذا التصالح الفكري مع طبيعة العالم؛ فإنّ إسلام إخوان الصفا كان الجامع المانع لكل الأديان والملل والنحل، فمحور الخلاف الرئيسي بين المذاهب الإسلامية هو الإمام علي، رضي الله عنه، وحقه في الخلافة، تبددّ فوق مذهب الإخوان الذين أخذوا من كل الأديان ما يتناسب مع طبيعة البشري، ويلائم الروح ويساهم في انعتاقها، ويتجلى هذا في بداية طريقهم للمعرفة الذي استهلوه بأكثر العلوم تجريداً "الرياضيات"، ثُمّ الحساب، ثم الموسيقى باعتبارها علماً رياضياً أيضاً، حتى بدأوا بدراسة الكون والفيزياء والكواكب وحساب زوايا الشمس والقمر.
هل تشيّع إخوان الصفا؟
بالرغم من أنّ معظم المستشرقين، يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية، إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة، لا يمكن أن تثبت ذلك، فهم لم يجزموا بانتسابهم لأحد مذاهب الشيعة بما فيها الإسماعيلية، لكنهم لم يتخفوا من حب آل البيت، ووصفهم بخزان العلم، وورثة النبوة، وهو ما يأخذه الباحثون في مقدمتهم كوربان، الذي يتبنى تشيعهم المعتدل، وليس المغالي، وأمّا مسألة الإمامة، فعلى الرغم من وجود الإخوان في قلب الصراع السني الشيعي على الخلافة، إلّا أنهم لم يتعرضوا لها إلّا لماماً، ولم يختصوا أحداً بها، وينفي السّواح العلاقة بين إخوان الصفا والإسماعيلية، معللاً أنّ رسائل الإخوان لم تتعرض للإسماعيلين مطلقاً، ولا يوجد لها ذكر كذلك في كتب الإسماعيلية الأوائل في القرن الرابع والخامس الهجري، مثل القاضي نعمان، والكرماني والنسفي والرازي، ويذكر السواح أيضاً، أنّ الإسماعيلية الطيبية التي أنشأت دولة لها في اليمن في القرن السابع الهجري؛ أي بعد سقوط الفاطميين في مصر، قد أعلنوا اتخاذهم لرسائل الإخوان مذهباً للحكم.

معظم المستشرقين يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة لا تثبت ذلك

في كتابه "حقيقة إخوان الصفا وخلّان الوفا"، يورد الكاتب السوري، الدكتور عارف تامر، أنّ إسماعيلية إخوان الصفا تتجلى في تماثل التعاليم، ويتبنى عارف في أطروحته رأي المستشرق الفرنسي "بول كازانوفا"، لكن تبقى كتب الإسماعيلية الأوائل خالية الذكر من قريب أو بعيد، من الإخوان، وهو ما يثبت عدم تشيعهم، بالإضافة إلى امتداحهم للخلفاء الثلاثة الأوائل "أبوبكر، وعمر، وعثمان"، رضي الله عنهم، وهو ما ينفي شيعيتهم تماماً، أمّا عن الإمامة فقد وقع إخوان الصفا في تناقضات بشأنها، برزت في إهمالهم أمرها وعدم اكتراثهم بها في بعض الرسائل، أمّا الرسائل المتأخرة، فتقدم رأياً إسماعيلياً بامتياز في الإمامة، ويعزى هذا التناقض إلى إقحام بعض المقاطع الإسماعيلية على النصوص في القرون اللاحقة على الإخوان، بحسب كتاب طريق إخوان الصفا، فبرزت الإمامة في الرسالة الأخيرة بوصفها منقذ العالم من الضلال، وهو ما يتنافى مع فكر الإخوان، الذي يهتم بالإنسان وخلاصه، فلم تكن الإمامة ما يشغلهم، وهو أيضاً دليل إضافي لنفي تشيعهم.
تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني، ويتصالح معه وينقحه، لا يرفض من تراث البشر شيئاً، رسائل تخلو من الكراهية، تتأمل العالم وتسمو بالنفس والعقل والجسد فوق ملذات المادة الفانية، وتبقى في رحابها روحُ الإنسان رهينة المعرفة والحرية المطلقة التي يعرف من خلالها الإنسان طريق الإله من داخله.

للمشاركة:



تركيا تواصل مناكفة الولايات المتحدة.. بهذا القرار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تصرّ تركيا على الاستمرار بنهجها الداعم لإيران، ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليها؛ حيث أعادت أنقرة إلى الواجهة المدعوّ محمد هاكان أتيلا، عرّاب خرق العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

وأصدر وزير الخزانة والمالية التركي، بيرات ألبيرق، قراراً بتعيين نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، أتيلا، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، بعد ثلاثة أشهر من قضائه عقوبة السجن في الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران، وفق صحيفة "زمان".

صهر أردوغان يعيّن أتيلا، المتهم بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول

القرار أعلنه صهر رئيس الجمهورية ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، عبر تويتر؛ إذ قال: "انتهت فترة الاستراحة والاسترخاء لهاكان أتيلا، الذي عاد إلى أسرته وبلده، عقب محاكمته الظالمة".

واعتقل محمد هاكان أتيلا، نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في 7 آذار (مارس) 2017، مع رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، بتهمة خرق العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على إيران، عن طريق استغلال النظام المصرفي للبنك.

وفي شهر تموز (يوليو) الماضي؛ خرج المدان الرئيس في القضية من سجن FCI"  Schuylkill " بولاية بنسلفانيا، وعاد إلى تركيا بعد قضاء فترة عقوبته، ليغيب عن الأنظار، إلى أن أعلن ألبيرق، أمس، قرار تعيينه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول.

وأضاف ألبيرق في تغريدته: "ها هو يبدأ مهامه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، أتمنى أن يكون هذا المنصب خيراً له ولبورصة إسطنبول".

ومن جانبها، قالت بورصة إسطنبول: "لقد أصبح محمد هاكان أتيلا مديراً عاماً لبورصة إسطنبول".

وتابعت البورصة في بيان: "تمّ اختيار محمد هاكان أتيلا لمنصب المدير العام، خلال اجتماع مجلس الإدارة، المنعقد بتاريخ 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وسيقوم أتيلا بمهام المدير العام وعضو مجلس الإدارة، وقد تمّ اختيار أتيلا بعد قرار تعيين مراد تشاتين كايا نائباً لمحافظ البنك المركزي".

وبحسب ملف القضية؛ فقد طالبت النيابة العامة بالحكم على هاكان أتيلا بالسجن لمدة 188 شهراً، وغرامة مالية تتراوح بين 50 إلى 500 ألف دولار أمريكي، وفي 16 أيار (مايو) 2018؛ أصدرت المحكمة قراراً بسجن محمد هاكان أتيلا 32 شهراً، مع إسقاط الفترة التي قضاها في السجن 14 شهراً، وتوقيع غرامة مالية 500 ألف دولار أمريكي.

 

للمشاركة:

الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:



هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية