تجارب الإخوان في الميزان بعد 10 سنوات من الخذلان

تجارب الإخوان في الميزان بعد 10 سنوات من الخذلان

مشاهدة

27/09/2021

تختلف تجارب الإخوان المسلمين من بلد لآخر، بحسب طبيعة البلد من شعب ومؤسسات ونظام سياسي، وربما يختلف فرع الجماعة عن التنظيم الأم في مصر، أو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في لندن، في بعض الأطروحات الفكرية غير الجوهرية، لكن لا يختلف أيّ فرع للجماعة عن الهدف الواحد الذي قامت عليه الجماعة الأم، وهو الوصول للسلطة في البلدان العربية والإسلامية، وتحقيق حلم حسن البنا، بحكم العالم، فيما يعرف باسم "أستاذية العالم".

اقرأ أيضاً: الإخوان في تونس.. سلوك مكشوف في واقع استثنائي

ومع أحداث الربيع العربي، عام 2011، التي بدّلت وغيّرت طبيعة النظم السياسية في العديد من البلاد العربية، وجدت جماعة الإخوان المسلمين بفروعها فرصة كبرى لتسلق الحراك الاجتماعي، والوصول إلى السلطة، ونجحت الجماعة الأم في مصر، وفروعها في تونس والمغرب وليبيا، بالمشاركة في السلطة، وكان لبلدان أخرى مثل سوريا شأن آخر، ولم يكد يمضي عقد زمني على أحداث الربيع العربي، حتى سقطت الجماعة الأم وفروعها عن سلّم السلطة، الذي صعدته في كلّ دولة بطريقة مختلفة، وهوت من عليه بطرق متنوعة، تعكس طبيعة النظام السياسي في كلّ بلد.

جانب من مظاهرات ثورة 30 يونيو

ومع ذلك، هناك عوامل مشتركة في تجربة الإخوان المسلمين في الدول الأربع، ساهمت في سقوط الجماعة، ومنها؛ الإخفاق الإداري في السلطة، والسقوط الأخلاقي للجماعة أمام الشعوب، والفساد والإرهاب اللذان لازما مسيرة الجماعة في الحكم وبعده، وتحوّل الشعوب من الانفتاح على تجريب حكم الإخوان المسلمين إلى الغضب الشعبي ضدّ وجود الجماعة في الحياة السياسية، وربما في المجتمع، وهو أهم العوامل التي كانت وراء إطاحتهم، سواء عبر ثورات شعبية دعمتها قوى في الدولة، أو عبر الصناديق الانتخابية.

 مصر .. ثورة شعبية جارفة 

بعد عزل الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك، إثر الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها البلاد، فيما تُعرف بثورة "25 يناير"، وجد المجلس العسكري الذي تولى السلطة الإخوان كطرف مُنظّم فقط يمكن التفاوض معه حول التغيير السياسي، رغم إدراك المجلس للتهديد الذي تشكّله جماعة الإخوان على الأمن القومي والمجتمع، إلا أنّ الاحتجاج الشعبي والدعم الأمريكي للإخوان دفعا المجلس لتنظيم الانتخابات البرلمانية والرئاسية، والتي حصد الإخوان فيها الصدارة في البرلمانية، ومنصب الرئاسة بفوز مرشحهم محمد مرسي.

تحوّل الشعوب من الانفتاح على تجريب حكم الإخوان إلى الغضب الشعبي ضدّ وجود الجماعة في الحياة السياسية وربما في المجتمع، هو أهم العوامل وراء إطاحتهم

ولا يمكن إنكار الشعبية الكبيرة التي حازتها الجماعة، ولم يستطع حزب سياسي آخر منافستها من خارج إطار الغطاء الإسلامي، بسبب الاستغلال الواسع للدين في نيل الشعبية، ومن ثم الأصوات الانتخابية، ورغم النجاح الذي حقّقه استغلال الدين إلا أنّه خلق حالة انقسام مجتمعية كبيرة، خصوصاً خلال العام الذي سيطرت فيه الجماعة على السلطة، وشرعت في بسط هيمنتها على مؤسسات الدولة، وكشف الإخوان عن وجههم الحقيقي في التسلّط والتطرف الديني، ما جعل شعبيتهم تتآكل، وتخرج مظاهرات احتجاجية ضدّهم، وتسبّب العنف الذي قابل به الإخوان المتظاهرين في توسّع الغضب الشعبي.

أنقذ الدعم العسكري التركي الإخوان في ليبيا

ولما كان الإخوان لا ينظرون إلى السلطة كتنافس سياسي على إدارة الوطن، بل كغنيمة ووعد تحقق لجماعة عاشت لعقود على الحلم بحكم العالم، فلم يفهموا الاحتجاجات الشعبية، وعملت ماكينتهم الإعلامية على تكفير كلّ من عارضهم، متناسين أنّ الغضب الشعبي الذي جاء بهم إلى السلطة، لن يقبل بأن يسلّمها لمستبد، يستغل الدين.

 ومع تنامي الاحتجاجات استخدم الإخوان العنف، ووصلوا إلى حد تهديد المجتمع بالإرهاب، وكان للشعب كلمته في ثورة شعبية عارمة، في 30 حزيران (يونيو)، استجاب لها الجيش المصري، الذي حاول التفاوض مع الإخوان لتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، والاحتكام إلى الصندوق، لكن أصرّت الجماعة على الانفراد بالسلطة، خوفاً من العقاب الشعبي، فكان على الجيش حماية المجتمع والدولة من جماعة تهدّد وحدته وأمنه.

اقرأ أيضاً: أزمة الخيارات المحدودة: أي مستقبل ينتظر الإخوان؟

وبعد عزل الرئيس مرسي والتحفظ عليه، كشفت الدولة خيانات الجماعة للوطن، وردّت الجماعة بعمليات إرهابية استهدفت المدنيين والجيش والأمن، وتمكّنت مصر، بقيادة الرئيس السيسي، من القضاء شبه التامّ على خطر الإرهاب، واتخاذ خطوات تنموية كبرى في جميع المجالات الاقتصادية والصحية والبنية التحتية، وتحديث الجيش، واستعادة مكانة مصر في المنطقة، والتعاون مع الأشقاء العرب لمواجهة خطر الإخوان المسلمين ورعاتهم الإقليميين والدوليين.

 ليبيا.. الميليشيات تحمي الإخوان 

تختلف تجربة الإخوان المسلمين في ليبيا عن بقية البلاد العربية، كون التنظيم الليبي لم يكن له وجود فعليّ في البلاد، حتى عودة أعضائه الذين لا يزيدون عن العشرات من الخارج، بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وبعد عشرة أعوام لم ينجح الإخوان في بناء شعبية، ونسجوا مجموعة تحالفات وارتباطات تقوم على المصالح والولاء الجهوي والقبلي في المقام الأول؛ لأنّ الانتماء الأيديولوجي لا وجود له في المجتمع الليبي إلا القليل.

ومع انهيار الجيش الليبي، وسيطرة الميليشيات على المدن، عقد الإخوان المسلمون تحالفات كبيرة مع الميليشيات، سواء التي تنتمي للمدن أو التي تشكلت من العناصر الإرهابية من الجماعة الليبية المقاتلة وتنظيم داعش والقاعدة، وسيطر الإخوان على الجسم السياسي الذي تأسّس وحكم البلاد، وهو المؤتمر الوطني، وأُجريت الانتخابات النيابية عام 2014، وفاز فيها التيار المدني بالأغلبية، وتشكّلت حكومة برئاسة، عبد الله الثني، ولم يقبل الإخوان بالهزيمة الانتخابية، التي حصدوا فيها 30 مقعداً، من أصل 200 مقعد، وانقلب تحالف فجر ليبيا، الذي ضمّ الإخوان كغطاء سياسي مع الميليشيات الموالية لهم، خصوصاً في مدينة مصراتة، وطردوا الحكومة، واستصدروا حكماً من المحكمة الدستورية بحلّ البرلمان، وشكّلوا حكومة وأحيوا المؤتمر الوطني، وبالسلاح سيطروا على ليبيا، بالتحالف مع الجماعات الإرهابية في بنغازي.

الإعلامي التونسي أنس بن مالك لـ "حفريات": منذ عام 2014 اتبعت حركة النهضة نهج المناكفة السياسية مع الخصوم، من أجل تسميم الحياة السياسية للانفراد بالحكم

وفي تلك الأثناء، أطلق اللواء، آنذاك، خليفة حفتر، عملية "الكرامة"، بعد جمع أعداد قليلة من الجيش الليبي، وقاد عملية عسكرية نجح خلالها في تطهير بنغازي من الجماعات الإرهابية، المدعومة من الإخوان، ومع الوقت أعاد حفتر بناء الجيش، وتمّ توقيع اتفاق سياسي برعاية دولية بين البرلمان والإخوان، وهو اتفاق الصخيرات، الذي تسلّمت حكومة الوفاق الوطني السابقة السلطة بموجبه، وأعقبها حكومة الوحدة الوطنية الحالية، وعلى أن تعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية بحلول نهاية العام لتأسيس سلطة شرعية.

وشهدت البلاد حرباً أهلية متواصلة بين الجيش الوطني الليبي، بقيادة حفتر، ويتركّز في شرق البلاد، والسلطة التي يهيمن عليها الإخوان والميليشيات، وتدخلت تركيا عسكرياً لصالح الإخوان، عام 2019، وخلال ذلك باتت الدولة الليبية شبه منهارة، وتعالى الغضب الشعبي مراراً ضدّ هيمنة الإخوان والميليشيات، وحين عقدت الانتخابات البلدية، مطلع العام الجاري، تعرضت قوائم الإخوان لخسارة في عدة بلديات في المنطقة الغربية، التي يسيطرون عليها بقوة السلاح.

وخوفاً من خسارة السلطة في الانتخابات المقبلة، يسعى الإخوان بكلّ قوة إلى عرقلة الانتخابات، عبر تحالفاتهم مع الميليشيات وحكومة الوحدة الوطنية، لكن تغيّر موقف المجتمع الدولي من الدعم إلى الرفض الواسع، وتغير الوضع الإقليمي، وكذا موازين القوى في الداخل، جعل من المرجح أن تعقد الانتخابات، لكن مع ذلك من غير المرجح أن تسلّم الجماعة وحلفاؤها السلطة في المنطقة الغربية، وهو الأمر الذي يهدد بتجدد الصراع المسلح مع الجيش الوطني، وما تزال فصول كبيرة لم تكتب بعد في تجربة الجماعة في ليبيا.

 تونس .. الدستور يحاسب الإخوان 

في 25 يوليو (تموز) الماضي، واستناداً إلى الفصل (80) من الدستور التونسي، اتخذ الرئيس قيس سعيّد عدّة تدابير استثنائية، منها: تعليق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإقالة رئيس الحكومة وغير ذلك، وبهذه الإجراءات أوقف سيطرة حركة النهضة الإخوانية على الدولة، وكانت الحركة، منذ عام 2011، تسيطر على الحكومات، عبر البرلمان الذي منحه الإخوان سلطة كبيرة في الدستور الذي صاغوه، عام 2014.

ومنذ انتخاب الرئيس قيس سعيّد، عام 2019، دخلت الحركة الإخوانية والحكومة في صدام مع مؤسسة الرئاسة، إلى جانب المهاترات التي شهدها البرلمان.

حرق مقرات لحركة النهضة في تونس

وخلال 10 أعوام من هيمنة الحركة على الدولة، تردّت الأوضاع الاقتصادية والمؤسسات الحكومية بشكل كبير، وجاءت أزمة كورونا التي عرّت فشل حكومة الإخوان وحلفائهم، فضلاً عن الغضب الشعبي الذي لم يهدأ نتيجة رعاية الإخوان للإرهاب ونشر التطرف الديني والتعدي على الحريات، وخرجت مظاهرات غاضبة، في 24 من تموز (يوليو)، حرقت مقرات لحركة النهضة، وبعدها اتخذ الرئيس قراراته الاستثنائية.

يقول الإعلامي والحقوقي التونسي، أنس بن مالك، لـ "حفريات"، عن تجربة الإخوان: "منذ عام 2014 لم تعد الحركة تحكم قبضتها بشكل مطلق على البلاد، ولم تفز بالأغلبية التي توهمتها في انتخابات عام 2014، ولهذا اتبعت نهج المناكفة السياسية مع الخصوم، من أجل تسميم الحياة السياسية للانفراد بالحكم، وحدث هذا بعد انتخابات 2014 التي جاءت بالحركة في المرتبة الثانية بعد حزب نداء تونس في عدد المقاعد، ولم تقبل الحركة بذلك، ولهذا عملت على بثّ الفرقة داخل حزب نداء تونس، ونجحت في فرقعته من الداخل، وباتت هي صاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان، والتي شكلت الحكومة، وهذا نهج استخدمته الحركة دون مراعاة لمصالح الوطن ومشاغل المواطنين".

اقرأ أيضاً: الجيش صمّام الأمان لتونس… في وجه الإخوان

وتكشف لغة الأرقام خسارة الإخوان للشعبية؛ فآخر انتخابات عام 2019، حصلت الحركة على 500 ألف صوت فقط، وفي انتخابات 2014، حازت على 900 ألف صوت، وفي انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011، حصلت على 1.5 مليون صوت، ويبلغ عدد الكتلة الناخبة في تونس 7 مليون ناخب تقريباً، ويكشف هذا تدنيَ تأييد الحركة داخل المجتمع التونسي، ومن زاوية أخرى بلغت نسبة التأييد لإجراءات الرئيس قيس سعيد 87%، وتضمّ النسبة المعارضة أحزاباً يسارية والإخوان وآخرين، وعقب ذلك دخلت حركة النهضة في أزمات داخلية، وشهدت انشقاقات واستقالات واسعة، كانت آخرها استقالة 113 عضواً وقيادياً، السبت الماضي.

 المغرب .. الصندوق يُقصي الإخوان 

وتختلف تجربة حزب العدالة والتنمية (البيجيدي)، في المغرب، لأسباب عديدة منها طبيعة النظام السياسي الحاكم، وتاريخ الإخوان في البلاد، وحين قامت تظاهرات، في 2011، أجرى الملك بموجبها تعديلات دستورية، فأصبح تشكيل الحكومة عبر تكليف الملك لرئيس الحزب المتصدر لمقاعد مجلس النواب، وأجريت الانتخابات الأولى وفق ذلك عام 2011، حاز فيها البيجيدي على الصدارة، وشكّل عبد الإله بن كيران الحكومة، وشكّل أمين عام الحزب سعد الدين العثماني الحكومة في 2017، وفي انتخابات 2021 خسر الحزب بشكل فادح.

وفي انتخابات 2011 البرلمانية، حصد الإخوان 107 مقعداً، وعدد مليون صوت انتخابي، وفي انتخابات 2016، فازوا بـ 125 مقعداً، وكتلة ناخبة 1.6 مليون، وفي الانتخابات الأخيرة حازوا على 13 مقعداً فقط، وهو ما يعني فقدان 97% من الناخبين، وأنّ شعبية الإخوان الانتخابية كانت مبنية على سأم المغاربة من الأحزاب الكبيرة الأخرى، وبعد الإخفاق الذريع لحزب الإخوان في الحكم، قرر الشعب معاقبتهم بالتصويت ضدهم.

الأمين العام لحزب الإخوان في المغرب، سعد الدين العثماني

ويقول الباحث الأكاديمي والصحفي المغربي، نور الدين اليزيد: "إذا كان حزب العدالة والتنمية قد استمرّ في تزعمه المشهد السياسي بالمغرب، في الانتخابات السابقة، أي عام 2016، فهذا لأنّ المشاركة السياسية للمغاربة لم تكن على ذلك المستوى، أو في الزخم الذي يستطيعون معه إسقاط الحزب، خاصة في ظلّ إقبال مناضلين ومتعاطفين مع الحزب وأفراد عائلاتهم على إنقاذه من السقوط وقتها بتوجههم المكثف للتصويت".

اقرأ أيضاً: أفول الإخوان المسلمين بين الواقع والمحاذير

وأضاف اليزيد لـ "حفريات": "لكن، وباستمرار الحزب في سياساته اللاشعبية، التي لا تخدم المواطنين بقدر ما تثقل كواهلهم، بسنّ سياسات تقشفية، سواء من حيث ارتفاع الضرائب وتوسيع أوعيتها، ورفع الدعم عن عديد من المواد الحيوية، ازداد غضب الناخبين وكبرت لديهم الرغبة في معاقبة هذا الحزب وقادته، فسجلت شريحة مهمة من الشباب، في السنة الأخيرة تحديداً، بحسب معطيات رسمية صادرة عن مندوبية التخطيط والإحصاء، أسماءها على اللوائح الانتخابية، وهو ما رفع حجم الكتلة الناخبة، فتضافرت جهود الغاضبين وزاد وزنهم، وأقبل الجميع على صناديق الاقتراع، بهدف واحد ووحيد، هو التخلص من "الحزب الإسلامي"، ولا شيء غير ذلك، ولا يهمّ من سيكون البديل".

وتكشف التجارب السابقة وهم الشعبية التي طالما روّج لها الإخوان، واستغلوها في تقديم أنفسهم كبديل لحكم المنطقة أمام الدول الغربية، وحتى الشعبية التي وجدت في أوقات محددة لم تكن حقيقية بل غضباً شعبياً من النظم السياسية السابقة.



الصفحة الرئيسية