تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (2)

تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (2)

مشاهدة

17/01/2022

تَظهر"الإسلاموية"؛ شيعية وسنّية، بوصفها "طوبى مضادة للسياسي"، على حدّ تعبير فتحي بن سلامة، ووصفة للاحتراب الأهلي؛ لكونها تضيق بالتنوع والمنافسة والحياة المشتركة مع مختلفين متساوين في الحقوق. وما نراه، مثلاً، في زهو الأطراف الميليشايوية الشيعية في العراق ولبنان واليمن بفائض القوة المنفلتة، وزهو "الانتصارات" التي لا  تنشأ إلا تحت وطأة السلاح المتكبّر على الدولة والمجتمعات والقاهر لهما، إنما يحتّم أولوية الاشتباك مع هذا الواقع... الذي يختزل في سلّةٍ واحدة أقبحَ ما عليه المستبدُ والفاسد والمتطرف من عنفٍ وتبديد للحقوق.

وتدل التجارب على أنّ الفكر المتطرف هو بيئة محرّضة ومحركة للعنف؛ إذ ينظر مثل هذا الفكر إلى المختلف بوصفه عارياً من الحقوق التي تستدعي حفظه ككيان إنساني مصون الكرامة.

اقرأ أيضاً: تجربة الإمارات مع "الإخوان المسلمين".. معالمها وتحولاتها (1)

نلحظ في هذه الحلقة الثانية كيف كانت الاستجابة السلبية تجاه مشاريع التنمية وتوسيع خطوات الانفتاح صفةً أساسية في مسيرة انخراط "الإخوان المسلمين" في الإمارات في الشأن العام. ومن يراجع أدبيات "الإخوان" في الإمارات في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وبخاصة اللسان الناطق باسم الجماعة؛ أي مجلة "الإصلاح"، سيعثر على كثير من الأدلة والقرائن والشواهد التي تؤكد هذه الصفة، وتُظهر ما ينطوي عليه الوعي الإخواني من تشدد ونزعة للسيطرة والتغلغل و"اختراق" المؤسسات الحكومية تحت مسمّى "الأسلمة" وتمثيل الحقيقة الدينية. كما أنّ هذا الوعي الإخواني ينطوي، كما سنشرح تالياً، على فهم ماضوي لمسألة الحفاظ على الهوية، يحول دون التجدد المستمر والانفتاح على العصر والثقافات والدخول في فرص إغناء الهوية وتعميق روافدها، بما يدعم عصرنة الدولة والمجتمع.

بضاعة ضعيفة في تطوير المجتمع المحلي

لم يبلور "إخوان" الإمارات تجربة عميقة في تطوير مجتمعهم المحلي. كان عقل الدولة الناشئة يتقدم عليهم اجتماعياً واقتصادياً، فبدتْ بضاعتهم منحصرة في سياق "الحِسبة"، فلا برامج ولا سياسات بديلة مقنعة، برغم أنهم في موقع المسؤولية، كما أوردنا في الحلقة الأولى من هذه الورقة التحليلية.

لقد تساءلت مجلة "الإصلاح" الصادرة عن "إخوان" الإمارات في العدد (24) الصادر في العام 1980: "كيف يجتمع في قلب الطالب صوت الطبل والموسيقى مع حب التضحية والإيثار وحبّ الدين؟"، وهو تساؤلٌ ينمّ، على الأرجح، عن وعيٍ وذائقةٍ متأخرين، في صياغة هرم الأولويات، وفي التعاطي مع الفنون والثقافة ودورهما في رقي الأمم والمجتمعات وتحضّرها. إنه وعيٌ يقدّم صورةً للتدين لا تتماهى إلا مع التشدد والخشونة والوجومِ وقتل البهجة، عبر صورةٍ سلبية وقاتمة عن التسلية والترفيه، ولعلّ ما يؤكد ذلك حديث مجلة "الإصلاح" في العدد ذاته عن استضافة بعض المدن الإماراتية آنذاك لاحتفالية "السيرك المتنقل"؛ حيث وصفت المجلة السيرك بأنه "وكر متنقل للفساد"!!، كما رأت المجلة في العدد نفسه أنّ السياحة والترفيه والفن ليست سوى فساد، ودعت "الإصلاح" في عددها (28) خطباء المساجد إلى تحريم الفن والموسيقى، بعدما قال العدد (24) من المجلة الإخوانية إنّ "دعوة البعض للإقبال على المسرح هي دعوة إلى الفجور والفساد". بل اتجهت المجلة في عددها (122) إلى القول "ما الفن الإ رذيلة"، واستهجنت المجلة الإخوانية في العدد نفسه أنْ تضمّ صحيفةٌ إماراتية محلية صور شهداء الانتفاضة الفلسطينية الأولى وصور لاعبي كرة القدم في الآن نفسه!!، كما استنكرت المجلة أن يشتمل منهاج مادة اللغة العربية في الإمارات على أسماء شعراء من غير الإسلاميين. وحين تم التنسيق بين حكومة الإمارات ومنظمة اليونسكو لتشكيل لجنة مشتركة بين المنظمة الدولية ووزارة التربية والتعليم الإماراتية لمراجعة المناهج الدراسية وتطويرها، اعتبر "الإخوان" في الإمارات اللجنة آنذاك "معادية للإسلام" (وفق العدد 130 من مجلة "الإصلاح")، بحسب ما أفاد بحثٌ مفيد للكاتب السعودي منصور النقيدان.

لم يبلور "إخوان" الإمارات تجربة عميقة في تطوير مجتمعهم المحلي. كان عقل الدولة الناشئة يتقدم عليهم اجتماعياً واقتصادياً، فبدتْ بضاعتهم منحصرة في سياق "الحِسبة"

 والواقع أن ما تقدّم ذكره هو المنهج ذاته الذي طبقه الوزير الإخواني سعيد عبد الله سلمان، الذي تقلّد منصب رئيس جامعة الإمارات بعد عامين من تأسيسها، واشتهر برفضه كثيراً من طلبات التوظيف الخاصة بأصحاب الكفاءات والشهادات العليا المؤهلين، وبخاصة من الوافدين، بسبب أنهم من غير "الإخوان" أو من غير المناصرين للإسلام السياسي. ولعل ذلك كله يؤكّد كيف صارت المعايير الحزبية الضيقة ومصالح الجماعة تتقدم على المصلحة العامة في الإمارات، التي أدركتْ مؤسسات صناعة القرار فيها، أنّ جماعة "الإخوان" باتت عقبةً رئيسية أمام مسيرة التحديث والتطوير وتسريع عجلة التنمية، التي كانت الدولة على موعد معها، وفي شكلٍ واضح في عقد التسعينيات من القرن الماضي. لم يعد بالمستطاع ملاقاة هذه الطموحات من دون تطوير قطاع التعليم، والاستثمار في الكوادر الوطنية، واستقدام الكفاءات وأصحاب المعرفة والمهارات، ممن كانت دولة الإمارات بأمسّ الحاجة إليهم؛ للمشاركة في بناء البلد وتوسيع مجالات نهضته وتعميق تجربته. لكنّ "إخوان" الإمارات وجدوا في ذلك سحباً للبساط من تحت أقدامهم المتغلغلة في قطاع التعليم والتوجيه، وراحوا ينتقدون مبكراً سياسات الدولة الإماراتية في تطوير التعليم، وفي ابتعاث أبنائها إلى الخارج لتلقي أفضل الخبرات والمهارات في الجامعات المرموقة؛ من أجل توطينها في ما بعد في بلدهم الذي يعيش نهضة متسارعة تقف في طريقها أفكار التحزّب الضيق وتسييس التعليم والدين، والأيديولوجيا التي تقترب من اعتبار الحريات الشخصية وتعزيز التنوّع "غزواً فكرياً" و"استلاباً"، وتتغذى، بذلك، على مقولات "الاكتفاء الذاتي". ولا أدلَّ على ذلك من إعلان "إخوان" الإمارات بأنّ ابتعاث الطلبة إلى بلدان غير إسلامية هو "مما يزيد الطالب جهالةً بدينه ومُثله، ويزيده تعلّقاً بقيم الغرب"!!

هذا المسار عكس ابتعاد جمعية الإصلاح-إخوان الإمارات عن "الأنشطة الحميدة المعلنة (منذ تأسسوا في الإمارات عام 1974) كالرياضة والثقافة والعمل الخيري والأنشطة الاجتماعية"، كما يقول أحد الأعضاء السابقين في الجماعة، وفق ما تذكر صحيفة "المونيتور" الأمريكية.

أزمة الهوية

إنّ مناعة الهُوية، أي هُوية، في تعرّضها للشمس والهواء وليس في انكفائها.

لم تقتصر مخاطر الفهم الذي تتبناه جماعة "الإخوان" المرتكز إلى "وعي الهوية" على ما ذكرناه في هذه المقاربة، بل وقفت جماعة "الإخوان" في الإمارات ضد سياسة الدولة في انفتاحها في سياسات العمل والتوظيف على عشرات الجنسيات المختلفة من أنحاء المنطقة والعالم، ممن شكّلوا فيما بعد طابعاً كوزموبولتياً للمجتمع الإماراتي، وبخاصة في إمارتي دبي وأبوظبي. وفي حين كانت دولة الإمارات تنحو خطوات لترسيخ نموذجها العربي في التسامح الديني والثقافي بين أصحاب الأديان والثقافات المختلفة من العاملين على أرضها، كانت مجلة "الإصلاح" الإخوانية تحذّر، مثالاً لا حصراً، من "الخطط الاستعمارية لطائفة السيخ في الإمارات" (عدد 24)، داعيةً في العدد نفسه لأنْ "يكون الإسلام شرطاً لدخول العمالة العربية وغير العربية إلى الإمارات".

اقرأ أيضاً: أين حلّت الإمارات في أصول صناديق الثروة السيادية إقليمياً وعالمياً؟

ولعل أحد الاختلالات الأساسية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، التي رسّخها فكر "الإخوان المسلمين" وجماعات الإسلام السياسي (وأطياف من الفكر القومي أيضاً ولكن من أرضية أخرى) "وعي الهوية" هذا، والذي يتكئ على التمايز والمفاصلة والنقاء والتفوق وعدم الحاجة إلى الآخرين، "لأنّ ما في تراثنا وحضارتنا يكفينا"! الأمر الذي يعني افتقار هذا الوعي لصفة التواصلية، وهي خصلة أساسية لأي تحضّر ونهضة وتنمية، بالإضافة إلى أنّ "وعي الهوية"، وبالشكل الذي تبنّته جماعة "الإخوان المسلمين" في عموم المنطقة، لا يفطن للطبيعة السيّالة للهوية، وتعددية الروافد التي تعيد تشكيلها وإنتاجها باستمرار، في جدلية دؤوبة وبنّاءة بين الأنا والآخر، وصولاً إلى تبني هوية منفتحة عَفيّة تقوم على الإعلاء من أهمية المشترك الإنساني وترسيخ القيم الكلية، من حريةٍ وعدالةٍ وخيرٍ ورحمة وسلام، وهي القيم المبثوثة في عموم الأصل الإنساني، وهذا وعيٌ يثق بالإنسان، ويُقدّم جانب الخيريّة فيه ولا يحتكرها، وذلك على النقيض من "وعي الهوية" القائم على الطُهورية والتمركز حول الذات والشك بالآخر، وهو شكٌّ، في حالة جماعة "الإخوان" التي نحن بصدد مقاربة أفكارها وسياساتها ومواقفها، يبرر لمن يحمل الفكر الإخواني أنْ يَمْحضَ ثقته لجماعته الحزبية أولاً ثم بدرجة أقل (ثانية وثالثة...) لباقي المسلمين ثمّ لسواهم. وقد كانت هذه البنية الفكرية منبعاً أساسياً لنزعات التطرف والعنف؛ حيث إنها تؤسس لوعي يجعل المسلم في صراعٍ دائم مع الواقع والعصر، ويجعله يتبنى رؤية سالبة ومتشائمة تجاه العالم تتسم، كما يقول رضوان السيد، بالقطعية والقطيعة والطهورية؛ ذلك أنها رؤية تغفل عن أن "الوعي لا ينتظم ويتواصل ويتجدد نتيجة حواريةٍ داخلية بين نصوصه ومقدساته ورموزه وتاريخه، بل يتسق وينتظم عندما يتجه الخارج المتنوع والمتكاثر لمحاورة ذلك الوعي المزوَّد بتلك العناصر، أي بالثقافة، وتكون المفارقة عندما يتجه الآخر للتحقق بدونك فلا تكون"، (بسبب عائق وعي الهوية غير التواصلي حين تحمله).

 حادثة مفصلية.. وعلاقة الخطاب المتطرف بالإرهاب 

وفي مقاربته لهذه المسألة، ينبّه أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى الربط ما بين التطرف والإرهاب، مؤكداً من وجهة نظره أنه "لا يمكن أن نهزم الإرهاب من دون هزيمة الخطاب المتطرف، وهذه من المجالات التي يرى البعض أنّ الإمارات لديها موقف صارم منها" وخاصة في حالة الاخوان المسلمين، إذ "دائماً نسمع عن المقاربة المتكاملة التي تجمع ما بين السرديات والتمويل والشأن العسكري، وعلينا أن نواجه الخطابات المتطرفة التي تبرر وتحشد وتستحدث هذا الاستقطاب، ولم نعد نشعر أننا وحيدون مع هذا الأمر، وما حدث طوال السنوات الماضية (في المنطقة) أكدت أننا على صواب"، على حدّ تعبيره.

ولقد ظلت مؤسسات الدولة في الإمارات حتى بداية التسعينيات تتحفظ عن اتخاذ إجراءات شديدة بحق "الإخوان"، إلى أن وصل الأمر ذروته؛ حين رفضت الجماعة التخلي عن مسألة البيعة للمرشد العام للإخوان المسلمين في مصر، وبعدما جاءت زيارة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك إلى الإمارات في العام 1994، وتضمنت شكوى ضد الإمارات، تتعلق بكشف تحقيقات أجهزة الأمن المصرية حينذاك عن أنّ أفراداً متورطين بعمليات إرهابية نفذتها جماعة "الجهاد" في مصر قد تلقوا تبرعات من قبل لجنة الإغاثة والأنشطة الخارجية لـ"جمعية الإصلاح" الإماراتية، كما ذكر بحث "الإخوان في الإمارات" للنقيدان. وقد أمر حينها مؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان بتشكيل لجنة أمنية بُغية التحقيق في صحة الاتهامات المصرية، وبعد ستة أشهر صدر تقرير عن اللجنة الإماراتية يؤكد صحة الاتهامات، فصدر قرار من رئاسة دولة الإمارات بحلّ إدارة "جمعية الإصلاح".

اشتهر الوزير الإخواني سعيد عبد الله سلمان، برفضه كثيراً من طلبات التوظيف الخاصة بأصحاب الكفاءات، وبخاصة من الوافدين، لأنهم من غير "الإخوان" أو من غير المناصرين للإسلام السياسي

كان ذلك جرس إنذارٍ قوي حول تبني "الإخوان" للعنف في الوصول إلى غاياتهم، وحول الأجندة الدولية لجماعة "الإخوان" ومشروعها ما فوق الوطني [الدولة الإسلامية وأستاذية العالم]. وفي هذا السياق المحلي والإقليمي بدأت تتبلور في السياسة الرسمية لدولة الإمارات حساسية قوية ضد الراديكاليات والتحزّب والتطرف، والنظر إلى ذلك كخطر يهدد النظام العام ويختطف التنمية والتمدن والاستقرار.

وإلى جانب التنبه لمسألة التورط في العنف، كانت مسألة حسم الهوية واضحاً في أذهان السلطات الإماراتية، وفي ذلك يقول أنور قرقاش: "نحن في الإمارات، لا نرى أنفسنا كدولة سنّية، بل دولة قومية-وطنية، ولابد من استبدال الخطاب الطائفي سنّياً كان أم شيعياً".

الصفحة الرئيسية