تجليات النقد والتنوير عند طه حسين

عُرف الدكتور طه حسين كاتباً، وأديباً، ومفكراً، ومؤرّخاً، ووزيراً للمعارف، ولُقب بعميد الأدب العربي، أو عميد الفكر العربي المعاصر، لكنّه كان أحد أهم روّاد التنوير، والعقلانية، والليبرالية، والحداثة في الشرق قاطبة، من خلال إعادة قراءة التراث الإسلامي، وتفكيك رواياته، ونقد نصوصه وفق منهج جديد، كان هو رائده.

اقرأ أيضاً:  عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!

ورغم وفاته منذ خمسة وأربعين عاماً (28 تشرين الأول 1973)، بيـد أنّه ما يزال يثير بأفكاره تساؤلات شتى، يتعلّق أهمُّها بإشكاليات النقد والتنوير في المجتمعات العربية، ومدى تقبّل تلك المجتمعات وتعاطيها وتفاعلها مع تجليّات المصطلحيْن كليهما، وما إذا كان لهما تأثير جليّ في تلك الحقبة، التي شهدت معارك طه حسين السياسية والأدبية والعلمية، وهي الحقبة التي بدأت منذ عام 1926، تخصيصاً، بظهور كتابه الأشهر "في الشعر الجاهلي"، ثم انتهت بوفاته، عام 1973، فما يزال هذا الكتاب، تحديداً، يثير جدلاً لا ينتهي، ولعلّه لن ينتهي، ما دام النقد مغيباً، وما دام العقل متهماً، بعد الضربات التي كيلت له منذ تقويض مشروع المعتزلة على يد الخليفة العباسي المتوكّل وفقهائه، قبل أن يأتي الغزالي، في القرن الخامس، مكفّراً الفلاسفة المسلمين، فتضخم النصّ، وتراجع دور العقل، حتى أضحى الوعي الجمعي العربي لا يؤمن إلا بالنصّ والرواية، لا بالعقل والدراية.

تجليات النقد لدى طه حسين

وكما كان كتاب العميد "في الشعر الجاهلي"، في طبعته الأولى الأصلية، قبل تعديله، بمثابة تأسيس جديد لفنّ النقد العربي، وتفكيك الأصول التاريخية والمسلّمات الأدبية والتاريخية والدينية؛ فإنّ كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، الصادر العام 1937، هو الآخر بمثابة تقعيد لإصلاح تعليمي، ومحاولة جريئة لفهم دور مصر وامتدادها: جغرافياً وحضارياً وتاريخياً، وإحياءً لشخصيتها القومية، فقد أعلن فيه أنّ "الثقافة والعلم أساس الحضارة، والاستقلال والحرية وسيلة الكمال، وسبب من أسباب الترقي، ينبغي الملاءمة بين حياتنا ومجدنا القديم"، ما يؤكّد أنّ الرجل كان دائماً، مع كل تجديد وخروج عن ربقة الوصاية، التي ما استسلم لها، رغم الهجمات والطعون والاتهامات التي طالته، سواء في حياته، فكانت المحنة، أم بعد وفاته فكان الطعن، والاتهام بالكفر والعمالة للمسيحية، وقد تولّى كبَر ذلك، وما يزال، الإسلامويون على اختلاف مشاربهم وأيديولوجياتهم.

آمن طه حسين ألّا حرية سياسية دون وجود حرية فكرية وعلمية وأنّهما وجهان لعملة واحدة

لا نخطئ، إذا ادّعينا أنّ طه حسين تأثر، عندما التحق بالجامعة المصرية، بأستاذه الأثير، المستشرق الإيطالي العلامة "ناللينو"، خصوصاً فيما يتعلق بدراسة الشعر الجاهلي، والنظر في قضاياه وموضوعاته، فقد كانت أفكار ناللينو مثيرة للدهشة، التي تملّكت أقطار العميد نفسه، منذ العام 1911، وهي تلك الدهشة التي تطوّرت بعد ذلك، واتخذت مسارَي التساؤل والشكّ، بعد أن انتهج طه حسين، في مرحلة متأخرة، نهج الفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت"، فأخرج نظريته المثيرة للجدل حول زيف، أو انتحال، أغلب ما وصلنا من الشعر الجاهلي، وهذا يثبت أنّ البذور الأولى لشكوك طه حسين، فيما يتعلق بصحة الشعر الجاهلي، إنّما تعود إلى حقبة مبكرة جداً، هي مرحلة التكوين الثانية له في الجامعة المصرية، وأنّ المصدر الأول لتلك الشكوك هو المحاضرات التي ألقاها المستشرق الإيطالي ناللينو، على طلاب الجامعة المصرية، وقد نُشرت بعد ذلك تحت عنوان "تاريخ الآداب العربية"؛ أي إنّ تأثير منهج الشكّ الديكارتي في قضية صحة وزيف الشعر الجاهلي حقيقي بالفعل، لكنّه جاء متأخراً، كما جاء في كتاب الدكتور عبدالرشيد محمودي "طه حسين بين السياج والمرايا".

اقرأ أيضاً: كيف دافع طه حسين عن الإسلام في رده على أندريه جيد؟

 تجليات النقد في خطاب طه حسين، كانت حاضرة، إذاً، منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماه دروس الأدب في الجامعة المصرية، فخرج عن طوق النصّ والتسليم إلى فضاء فسيح من النقد والفلسفة، فأخذ منهما منهجية الشكّ، يقول العميد: "يجب علينا، حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه، أن ننسى قوميتنا وكلّ مشخّصاتها، وأن ننسى ديننا، وكلّ ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية، وما يضادّ هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء، إلا مناهج البحث العلمي الصحيح"؛ فهي منهجية نقدية مؤسَّسة على العقل وحده للوصول إلى الحقيقة، دون وصاية تقيّده، أو توجيه يحفّزه، ووظيفة النقد عنده؛ "تمحیص العلم والأدب والفنّ، ولیست وظیفته الثناء والتقريظ أو الذمّ والتجریح؛ لذا وجب أن یكون النقد حراً من كل قید یعوقه عن أداء وظیفته".  

تجليات التنوير في خطاب طه حسين

     لم تكن تجليات التنوير لدى طه حسين محصورة في الشأن الأدبي أو التاريخي أو التعليمي فقط؛ بل كانت ممتدة إلى الجانب السياسي كذلك؛ ذلك أنّ السياسة لم تغب عن مشروع الرجل، سيما بعد أن اختارته حكومة الوفد، قبيل ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وزيراً للمعارف، فمارس السياسة عملياً، وقد زاوج طه حسين بين السياسة والتعليم، فعندما يتحدث عن الديمقراطية كطريقة لتحقيق الحرية السياسية، فإنه يرى ضرورتها، لكنّه يربطها حتماً بالتعليم، فقد كان يرى أنّ لا حرية سياسية دون وجود حرية فكرية وعلمية، فالحريتان؛ السياسية والفكرية، قرينتان ووجهان لعملة واحدة، يقول العميد: "النظام الديمقراطي يجب أن يكفل لأبناء الشعب جميعاً الحياة والحرية والسلم، وما أظن الديمقراطية تستطيع أن تكفل غرضاً من هذه الأغراض للشعب، إذا قصرت في تعميم التعليم الأولي، وأخذ الناس جميعاً به، طوعاً أو كرهاً، فلأجل أن تكفل الديمقراطية للعناس الحياة، يجب قبل كلّ شيء أن تكفل لهم التصرف في هذه المذاهب المختلفة، التي تمكّن الفرد من كسب قوته..".

لا يزال طه حسين يثير بأفكاره تساؤلات شتى يتعلّق أهمُّها بإشكاليات النقد والتنوير في المجتمعات العربية

وتظهر تجليات التنوير والنقد السياسي معاً، عند طه حسين، عندما انتقد المادة (129) من دستور عام 1923؛ فهو يرى أنّ الدستور ينبغي أن يجعل الولاء للوطن سابقاً على أيّ ولاء، عقيدي أو مذهبي أو فلسفي، وتتأسس فلسفة هذه الدساتير على أنّ الدولة، وفق تعريفها القانوني، شخصية اعتبارية.

إذا كان التنوير، عند الفيلسوف (أوجست كانط): هو "خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حقّ نفسه، وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر، ويجلب الإنسان على نفسه ذنب هذا القصور، عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، بل إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام العقل بغير توجيه من إنسان آخر، لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك، ذلك هو شعار التنوير"، فإنّ طه حسين كان أنموذجاً للتنوير، فهو في مشروعه الفكري لم يقصّر لحظة في استخدام عقله، ولم يرتضِ أيّة وصاية، من أيّ نوع، ولم يقتنع بمسلّمات تأسره، بل كان عقلانياً شجاعاً، حتى وهو في أشدّ لحظات محنه التي تعرّض لها.

اقرأ أيضاً: التنوير- مفاهيم إشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر

إنّ معنى التنوير عند طه حسين؛ هو إعمال العقل، وبثّ روح النقد وتوسيع دائرته، وإتاحة الحرية له، فالنقد يحتل مكانة مركزية في مشروع طه حسين التنويري، لما له من أثر في "إصلاح العقل وتنظيم حركته".

الأقسام: