تحوّلات الإصلاح الإسلاميّ: من الدين إلى الدولة

15558
عدد القراءات

2018-09-09

رغم الحمولة السياسيّة التي تكتسبها كلمة الإصلاح، وعلى الرغم من أصولها المسيحيّة، إلّا أنّ الإصلاح كان غايةً دائماً في الفكر الإسلاميّ؛ قديمه وحديثه. ومع كثرة الحديث حول "قرون التخلّف"، والتسليم بهذا الحكم المعياريّ، يكثرُ الحديث عن فكرة إصلاح الإسلام، أو مارتن لوثر إسلاميّ… إلخ. وبعيداً عن الدعايات الأيديولوجيّة لمسألة الإصلاح، فسنحاول في هذا المقال تتبّع فكرة في مسار الإصلاح الإسلاميّ -يتقاسمها كلٌّ من الإسلاميين والعلمانيين- ألا وهي فكرة الانتقال من الانشغال بالدين وإصلاحه من الخرافات، إلى فكرة الدولة كحاملة لمهمّة الإصلاح نفسها.

لم يكن من الغريب في التاريخ الإسلاميّ أن ينهض بأمر العلم والدين أصحاب الرأسمال الرمزي الذين نطلق عليهم مسمّى العلماء، بل إنّ هناك خيطاً ناظماً يشدّ التفكير الإسلامي بأنّ أمر الدين يُجدّده عالِم معيّن على رأس مائة عام، كما في الحديث المنسوب إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم؛ فالتجديد كامن في حركة التاريخ الإسلاميّ على مستوى العلوم الشرعيّة، والتجديد لا يعني الإبداع بحال؛ لأنّه قد يكون إظهاراً وتبياناً للعلم الذي غفل عنه الناس، ويمكن كذلك أن يكون إبداعاً كما نرى مع علماء كبار واجهوا محنة التجديد، كالغزالي وابن تيمية وغيرهم.

لم يكن من الغريب في التاريخ الإسلاميّ أن ينهض بأمر العلم والدين الذين نطلق عليهم مسمّى العلماء

كان ذلك ترتيباً للبيت الإسلامي الداخلي، نظراً لفاعلية العلماء في المجال التداولي الإسلاميّ باعتبارهم "حفظة الدين". فقد كان ثمّة تواطؤ ضمنيّ على أن مؤسّسة العلم يملكها الفاعلون، أصحاب الرأسمال الرمزي، الذين ليس لهم من أمر إلا إنتاج العلم، وتدريسه، والتصنيف فيه، وتبليغه إلى الناس؛ فالعلماء ليسوا فقط مجرّد حاملين للعلم في المخيال الإسلاميّ، بل كان لهم دورٌ قيميّ ومعياريّ على مستويين: فأولاً، وفقاً لهذا التصور، هم لا يرون في العلم معرفةً مجرّدة، أو مصلحة شخصيّة، بل يتعلّمون العلمَ للنفع والانتفاع؛ أي من أجل غايات تتعالى على مفهوم المصلحة المادي؛ وثانياً، فإنّهم يبلغون هذا العلم كأمانة ومسؤولية، والنفع الذي يأتي من ورائه فهو نفع تابع وليس نفعاً أصيلاً وفي بنية التبليغ، بل يمكن القول إنه نفع رمزي تكتسبه الفاعلية العلمائيّة.

اقرأ أيضاً: كيف أصاب الناطقون بلسان السماء الإصلاح الديني بالشلل؟

ومع تمطّي التاريخ الإسلامي والوصول إلى ما يسمّى "عصر الانحطاط"، اختلف سؤال التجديد والاجتهاد جذرياً؛ بل إنّ المسلمين قد واجهوا زمناً لم يكن يتصورون أنّهم آتون إليه؛ فلم يتردَّ الوضع الإسلامي الداخلي فحسب، لضعف فاعلية العلماء ولاستبداد السياسي؛ بل واجهوا استعماراً يختلف عن الحروب التي وقعت لهم في تاريخهم، وذلك في حالة ضعف مزدوج. وفجأة، وجدوا أنّ إستراتيجية "تجديد الدين" لم تعد فاعلة، إنّ ثمة جرحاً كبيراً قد انفتق ولا يُعلم مَن فتقه، ولأجل ماذا، وكيف يتمّ ترميمه واستعادة "الشخصيّة الإسلاميّة" -إن استعرنا من المفكر التونسيّ هشام جعيط-.

لماذا التخلُّف: سؤال الدولة

بالنسبة إلى المفكّر المغربيّ علي أومليل في كتابه "الإصلاحيّة العربيّة والدولة الوطنيّة"، فإنّ الخلل الذي كان يُصيب المسلمين قديماً هو خللٌ داخليّ، حتى وإن كانت هناك هجمات من الخارج، أو لنقُل بالأحرى، إن إرجاع المسلمين للخلل كان داخلياً، بمعنى أنّ ثمة شيئاً تمّ خرقه في هذه المساحة بين "الإسلام المعياري" (الإسلام الأنقى في صورته المثلى) وبين "الإسلام الاجتماعي" (أو لأسمّيه عوضاً عن تسمية أومليل بالإسلام التاريخيّ؛ وهو جملة التديّن التاريخي الذي تفعله الجماعة التي تسمى المسلمين). فمنطق الإصلاح كان داخلياً، بتجديد الدين، وموعظة الناس، وصون العلم.

تمثّل مفردة الدولة محور النقاشات الحديثة بين التيارات الأيديولوجيّة العربيّة على اختلاف توجهاتها

بيد أنّنا سنلحظُ تطوّراً من هذا النقاش الداخليّ بشأن إصلاح الدين، وهي المهمّة التي تمّ إرساؤها في الاجتماع الإسلاميّ، وعُرفت بالمجددين على رأس مائة كلّ سنة، كما أشرتُ عاليه.

تمثّل مفردة الدولة محور النقاشات الحديثة بين التيارات الأيديولوجيّة العربيّة على اختلاف توجهاتها. ليس فقط العرب والمسلمون هم من انخرطوا في سؤال الدولة؛ بل إن الفكر الغربيّ الحديث منذ منشأ الحداثة الغربية وهو فكر مهجوس بالدولة؛ لأنّ الحداثة في جوهرها كنظام سياسي هي تخلّص من سياسات قديمة ودولة قديمة إلى سياسة ودولة جديدتين. واجه العرب والمسلمون السؤال في أفق مختلف عن مواجهة الأوروبيين لسؤال الدولة، ربما لطبيعة المرحلة التي "وعى" فيها المسلمون بسؤال الدولة، فقد كانت فترة استعماريّة خارجية من جهة، وأيضاً لاعتبار طبيعة الخلافة العثمانية آنذاك؛ حيث كانت في مراحل ضعفها الشديد، وكانت بمثابة "رجل ضعيف" أمام ولاياته في الشرق وأمام الغرب الكولونيالي من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً: هل ستناضل الجماعات الإسلامية الجديدة لاستقلال الدين عن الدولة؟

وعند تفحُّص مسألة الدولة كأساس للإصلاح الإسلاميّ، لا بدّ من الانتباه إلى أنّ الإصلاح الإسلامي قبل العصر الحديث لم يكن مبدأ الدولة أساساً في خطّته. فقد كان الإصلاحيون قبل العصر الحديث كالغزالي وابن تيمية وغيرهم لا يفكّرون في الدولة كأساس للإصلاح، إنّما كان إصلاحهم بالأساس منصباً على "إحياء علوم الدين" -وهو عنوان لأحد كتب الإمام الغزالي-، وتجديد التجربة العلميّة والروحية للمسلمين. لم تكن الدولة ضمن تفكيرهم ليس لأن مفهوم "الدولة" ظهر بعد ذلك، وإنما لطبيعة الاجتماع السياسي في التاريخ الإسلامي؛ فقد كانت أزمة الاستبداد السياسي بالشكل المتغوّل حديثاً، كما نرى، إنّما كان استبداداً على المستوى السياسي باحتكار الإمامة، في حين أن المجتمع كانت له قنواته التي يعمل منها، فكان الفرد العاديّ لا يشعر بتغوّل الدولة كما يشعر بها في العصر الحديث.

الإصلاحيّة العربيّة لا تختلفُ كثيراً بين إسلامي وليبرالي وقومي... إلخ إلّا في طبيعة الجواب

فإذا كان الغزالي قد كتب في عصره/ المحنة "إحياء علوم الدين"، فإنّ محمّد عبده قد كتب "الإسلام بين العلم والمدنيّة"، والعنوانان دالّان ومُفصحان عن التغيّر البنيويّ بين العصر القديم والعصر الحديث في ماهية الإصلاح نفسه. ففي هذا العصر الحديث، تمّ اجترار المسلمين إلى ثنائيّة التقدّم/والتخلّف التي سادت بنوعٍ من الدراوينيّة الاجتماعيّة المنتشرة آنذاك، ودخلت الحركة الإصلاحيّة في هذا الإقرار بتقدّم الغرب وتخلّف المسلمين.

وعليه، يمكن القول إنّ الحركات الإصلاحيّة العربيّة منذ القرن التاسع عشر وحتى القرن أواخر القرن العشرين تقوم على سؤال مركزيّ قد طرحه شكيب أرسلان في صيغة لطيفة، وهي: لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ كان هذا هو السؤال الهاجس لهذه الحركات كلّها، من رفاعة الطهطاوي إلى محمّد عابد الجابري. نعم. إنّ كلّ المشاريع التي نسمّيها بقراءة التراث ليست سوى انخراط في أفق الإصلاحيّة العربيّة، رغم إعلانها ونقدها وزجرها للإصلاحيّة الأولى، إصلاحيّة الآباء، رفاعة وعبده، ورغم رغبتها الجامحة في الخروج على هذا النموذج الذي دشّنه عبده بالتوفيق بين الإسلام والغرب، ما أنتج "مفارقة الشيخ الإمام" -كما يسمّيها عبد الله العروي في كتابه “مفهوم العقل”- التي نعيشها إلى اليوم. (حتى إن سؤالاً عميقاً يلحّ علينا إلى الآن، وهو: هل يمكن أن نخرج من أفق محمّد عبده؟).

اقرأ أيضاً: هل يمكن إصلاح مؤسسات إسلام الدولة؟

والحال أنّ الإصلاحيّة العربيّة لا تختلفُ كثيراً بين إسلامي وليبرالي وقومي... إلخ إلّا في طبيعة الجواب، أما في ماهية المُشكل نفسه فإنّه لا خلاف بينهم جميعاً أنّه: تردّي الوضع العربي والإسلامي، وتقدّم الحضارة الغالبة. لقد انكسر هؤلاء جميعاً بهذا السؤال، فبعد أن كانت الحضارة الإسلاميّة هي الحضارة العالِمة، فقد وجدت نفسها عاجزةً أمام المد الاستشراقي المهيمن والمدّ الاستعماري العسكري للهيمنة.

"العقل التوفيقي" يعمل على تقسيم العالَم إلى أدوات وغايات فيمكن فكّ الارتباط بين الغاية ووسائلها

ويمكن القول أيضاً إنّ الدولة كانت أساساً في التفكير الإصلاحي لدى مفكّري الإسلام منذ القرن التاسع عشر، فقد فهموا الحداثة على صورة تحسينات سياسية وتطويرات تقنية يمكن للمسلمين أن يأخذوا بأدواتها ما دام أن الإسلام لا يختلف مع هذه الأدوات. ومن هنا، من هذه اللحظة بالتحديد، سيتمّ نشوء ما سمّي لاحقاً "العقل التوفيقي"، الذي يعمل على تقسيم العالَم إلى أدوات وغايات، فيمكن فكّ الارتباط بين الغاية ووسائلها. ومن هذه الفترة أيضاً، سيتمّ التوفيق بين منتجات التجربة الإسلامية التاريخية كالشورى ووضعها في مقابل الديمقراطية الغربية بناءً على الأدوات والغايات. فإذا كانت الغاية هي الحكم العادل، فإن الديمقراطية هي الشورى لأنهما سيوصلان للغاية نفسها.

أسطورة الدولة الإسلاميّة واستقطاب الإصلاح

كانت دولة الخلافة ودولة الإمبراطورية عموماً في القديم تتعامل مع المجتمع كتجمعات وكجماعات وليس كأفراد؛ فمفهوم الفرد هو مفهوم حديث، وهو مفهوم تتعامل معه الدولة الحديثة التي هي دولة تُعنَى بالفرد كذات مستقلة وليس مع جماعات. صحيح أن الدولة الحديثة يمكن "تطييفها" ويمكن توظيفها في خدمة مصالح طبقة ضدّ طبقة أخرى، إلا أنه، بنيوياً، لا تقوم إلا على الفرد؛ ولذلك تعمل على أرشفة حياته ومماته، وتصنفه ضمن أرقام محددة، وتصنع له سجلاً لكل ما يقوم به. بل إن الفرد يُعاد نتاجه ضمن الدولة بأن تصنع له هوية، ويُعرف معتقده، إلخ. ولذلك فإن هوية الفرد في الدولة الحديثة هي هوية مصطعنة سياسياً للتحكم، ومن هنا ندرك الخلاف الذي يقوم دائماً بين هوية الفرد التي يعتقد أنها تمثله وبين الهوية التي تضفيها عليه الدولة. فما تقوم به الدولة من تصنيف وتحديد وتقسيم هو في الأساس لأجل تغول السلطة وليس لأجل حرية الفرد. فكلما توزعت السلطة بشكل كبير، كلما ازدادت الدولة في ممارسة سلطتها. وكلُّ ذلك يختلفُ عن نمط اشتغال ما أسماه وائل حلاق باحتراف "الحكم الإسلاميّ" بدلاً من "الدولة الإسلاميّة" التي تحاول دائماً الإسلامويّة إشاعة أنها كانت موجودة.

كان مأزق الخلافة العثمانية عاملاً مهمًّا في شعور الأقطار العربية بالحاجة إلى تكوين دول مستقلّة

بالطبع، حتى لا نقع في طوباوية عن التاريخ الإسلامي والدولة الإسلاميّة و"دولة الخلافة"... إلى آخر كلّ هذه الرطانات المفهومية التي تنتشر في الكتابات الإسلامية الحالِمة، فإنّنا نعاني من الاستبداد السياسي الجليّ والذي لا يخفى منذ فترة طويلة في تاريخنا، لكن الإشكال كله، أو ما أردت إيضاحه، هو طبيعة الاستبداد من ناحية، وطبيعة وعي الأفراد والجماعات بآثار هذا الاستبداد. لقد وظفت الدولة القديمة الدين كما وظفته الدولة الحديثة، وتدخّلت في عقائد الناس كما حصل في فتنة خلق القرآن، وفرضت  على الأمة ما هو ظلم وجور في كثيرٍ من الأحيان.

وكان مأزق الخلافة العثمانية عاملاً مهمًّا في شعور الأقطار العربية بالحاجة إلى تكوين دول مستقلّة، وحقيقة فهذا الشعور كان عند ما عدّه المؤرّخون مؤسّس الدولة العربية الأول محمد علي، فقد كانت سياساته تعمد إلى تقوية القُطر المصريّ كقوة يستطيع من خلالها أن يواجه الدولة العثمانية بها لاحقاً وكنفوذٍ شخصيّ أيضاً، بيد أن العامل الداخلي لمشروع محمد علي الذي بيّن غير ما واحدٍ كيف بُنيت دولة محمد علي على عظام الفلاحين، وأيضاً العامل الاستعماريّ الخارجيّ (والذي يتجاهله، مثلاً، كتابٌ مهمّ ككتاب خالد فهمي "كلّ رجال الباشا") كانا سبباً في إفشال المشروع.

اقرأ أيضاً: الدولة من عصور الغلبة إلى الديمقراطية

إلّا أنّ في عشرينيّات القرن الماضي، ومع سقوط الخلافة العثمانيّة وهو الحدث الذي ينطلقُ منه كثيرٌ من المفكّرين والمؤرخين باعتبارهم بداية "الجرح النرجسيّ الإسلاميّ"، سيشهدُ العالمُ الإسلاميّ نوعاً من الحركات يقوم على تسييس الإسلام في شكل جماعة كبرى تؤمن بفكرة العمل الُقطريّ إسلامياً، انطلاقاً إلى عالميّة سترى أنّها استعادة للخلافة ووحدة الأمّة (التي فرّقتها الأحزاب وفقاً لجماعة الإخوان المسلمين، والذين ساندوا، مثلاً، في الخمسينيّات قرار الدولة بحلّ الأحزاب لأنّها سببٌ في فرقة الأمّة).

باعتبارها حركةً إصلاحيّة، عملت الإسلامويّة على توفيق أفكارها المصبوغة إسلاميّاً مع فكرة الدولة الناشئة. وستتصور الإصلاح من أدنى إلى فوق، بحيث يكون من الفرد إلى الجماعة إلى المجتمع فالدولة. وستستمرّ الدولة في مخيال  التيارات الإسلامية هي الغاية، وسيتم النظر للإصلاح، ليس كما القديم بإحياء علوم الدين وحفظ مصالح الأمة والتغلغل في المجتمع، وإنّما سينُظر للدولة بوصفها الحامل لكلّ هذه القيم، وهي التي ستقوم بعملية الإصلاح الإسلامي. كما أنّ الإصلاح العلماني كان يرى الرؤية نفسها، وهي أن الدولة هي التي ستقوم بعملية تنوير المجتمع. ولاحقاً، ستظهر مصطلحات كـ "تطبيق الشريعة" كأحد حصون الإسلاميين تجاه سقوط الخلافة من ناحية، وتجاه علمنة الدولة المتزايدة من ناحية أخرى.

لم يفكّر الإسلاميون في الدولة كمفهوم وكمجال وكوعي تاريخي حديث، وإنّما نظروا إليها نظرة براغماتية

لم يفكّر الإسلاميون في الدولة كمفهوم وكمجال وكوعي تاريخي حديث، وإنّما نظروا إليها نظرة براغماتية: كيف يمكن تطبيق الآليات الإسلاميّة من خلال هذه الدولة؛ أي إنّ الإسلاميين رأوا شبح الخلافة يلوح لهم في نهاية الدولة، ولم يروا الدولة في نهاية الخلافة وهي تسقط. في حين أنّ الليبراليين والعلمانيين كانوا ينوطون مهمّة الإصلاح والتنوير بيد الدولة؛ أي إنّ المشروعين؛ الإسلامي والعلماني كلاهما كانا يفكّران في الدولة كأفق للخروج من المأزق، وللقيام بمهمّة الإصلاح.

لم يُرَد من الدولة العربية في الأيديولوجيتيْن؛ الإسلامويّة والليبراليّة فقط أن تكون ديمقراطية (لم تؤمن الإسلامويّة بالديمقراطيّة إلّا في الثمانينيّات) وذات سياسات عادلة ولا تقصي طبقات لأجل هيمنة طبقة، إنما أُريد من الدولة أن تكون صاحبة مشروع أيديولوجي يتحكّم في معرفة المواطنين وأجسادهم. فنزاعهما على الدولة كان نزاعاً أيديولوجيًّا متعلّقاً بمن يمثّل "روح الشعب" ثقافيًّا ودينيًّا وتاريخيًّا.

اقرأ أيضاً: عن الشريعة والدولة

لقد تمّ استقطاب المهمّة الإصلاحية بين الشق العلماني والشق الإسلامي، لدرجة فقد فيها الإصلاح ملامحه، وضاعت الإشكالات العصيّة عربيًّا على الاتفاق حولها، ومحاولة إصلاحها. استُقطبت الدولة، واستُقطبت الجماهير، واستُقطبت الخطابات إلى نزاع هيمنة. في حين أنّ الدولة كانت تسير باتجاه هيمنة على المجمتع من خلال نخبة -تم وسمها بـ"بالوطنية"- لها مصالح اقتصادية مما جعلها تدخل ضمن مفهوم "الطبقة" التي تهيمن لأجل رأسمالها المادي (الاقتصادي الإمبراطوري) ورأسمالها الرمزي (حفظ الأمّة والشعب).

ذبح التقليد: مَن يدفنه؟

ورغم أنّ الإصلاحيّة العربيّة قد أصابها نوعٌ من المراوغة في الإجابة على سؤال الانحطاط، وبعد أن بيّنا تحولات الإصلاح الإسلاميّ من فكرة الدين إلى فكرة الدولة، وبعد أن مضت الإصلاحيّة العربيّة في صنع مواءمات ظرفيّة وتوفيقات لم تصمد كثيراً أمام حركة التاريخ، فإنّ الإصلاحيّة كلّها قد انصبّت على ذبح التقليد وذمه وإقصائه واعتباره سبب البلاء الذي حل بالمسلمين. إنّ التقليد بعدما كان مقولة خاصّة في المجال التداوليّ الإسلاميّ القديم يُعنى بعدم القيام بواجب الاجتهاد المطلوب والمرجو، قد اختلف مضمونياً بين تيارات الإصلاحية العربيّة، بدايةً من التقليد الديني بالانغلاق المذهبي والجمود الفقهي، وأيضاً بالدعوة لإصلاح مؤسّسات إنتاج العلم مثل الأزهر (نتذكّر هنا دعوة الشيخ محمد عبده لإصلاح الأزهر، وما لاقاهُ في سبيل ذلك)، انتهاءً بذبح التقليد كلّه في الاجتماع والسياسة والدين وإنشاء تقليد جديد.

اقرأ أيضاً: كيف تنشأ علاقة صحيّة بين الدين والدولة؟

أدركَت المشاريع العربيّة المتأخرة (الجابري، العروي،..) أنّ البقاء في صيغة لعْن التقليد المُحافظ -إن صحّ التعبير- هو مراوغة إصلاحيّة لن تحلّ المأزق، إنّها خروج من السرداب كي نعود إليه. لقد دعا الجابري مثلاً لإنشاء عصر تدوين جديد. يدعونا هذا البنيوي العتيد إلى تفهّم جذري للمشكل، إن المشكل ليس كما تصوّره الإصلاحية الأولى في توفيق يلتئم به الحال، لقد اختلف الزمان وتغيّر الإبستيمات الناظمة للعقل نفسه، وليس مشكلاً عرضاً يواجهنا. لقد عمل المسلمون طويلاً ضمن عصر تدوين بدأ مبكّراً منذ نأنأةِ الإسلام، وعلينا، حسب الجابري، أن ننشئ عصرَ تدوين جديد، تقليداً جديداً وللمفارقة يقوم على ذبح التقليد القديم، وكأنّ إرساء تقليد هو قرار سهلٌ يتخّذه صاحب نقد العقل العربي على حين غرّة، وأنّه لا بدّ من "سياسات انتقال" تعتمدُ بالضرورة على التقليد الراسي والعمل من خلاله بتفعيل منظورات جديدة، كي يتمّ التمهيد لعصر التدوين الجديد.

اقرأ أيضاً: "الإخوان".. من الجماعة إلى وهم الدولة

هل المشكل الإصلاحي كان مشكلاً معرفياً أم مشكلاً سياسياً؟ لا شكّ أن هناك اتجاهاتٍ لجأت إلى القول بكون المشكل هو مشكل سياسي، وأن الاستبداد هو سبب العائق التاريخي أمام العرب والمسلمين (الكواكبي نموذجاً). وهناك من رأى أنّ المشكل مزدوج: معرفيّ وسياسي. لكنّنا، ونحن أبناء الإصلاحية شئنا أم أبينا، لكننا نعمل في براديغم جديد ومختلف نقول من موقعنا الآن إنّ التفريق بين المعرفي والسياسي لم يعد موجوداً، لقد انتهت هذه الصيغة من الازدواجيّة، فأصبح المعرفي كامناً في قلب السياسي، كما أنّ السياسي لا ينتجه إلّا المعرفي، حتى وإن تمّ طيُّ ذلك وكتمانُه.

التقليد ليس هو الأساس في أيّ انتقال يتوسّط بين عصر مضى وعصر حاضر

فالحملة الإصلاحيّة كانت حملة على التقليد عموماً كما أوضحنا، اختلفت وتباينت لكنّها تقوم بالمهمّة نفسها: ذبح التقليد. إلّا أنّ التقليد المذبوح لم يجد من يدفنه بعدُ، فإنْ نجحت الإصلاحيّة كلّها في ذبحها، إلّا أنها لم تؤسّس بعمق لفضاء تقليد جديد، صرنا ننازع التقليد القديم إلى اليوم، وكأنّ ذبحه هو في استمراريّة الجدال معه ونقده. وفي هذا إشارةٌ مهمّة أودّ التنبيه عليها: إنّ المحنة الإصلاحيّة كلّها تتمثّل في أنّها جملة من الأقوال المختلفة، لكنّها لم تشرع في العمل على التقليد القديم. بمعنى؛ كلُّ الإصلاح هو بشكلٍ ما عملية "نقد للتراث"، وعلينا أن نفهم أن المشاريع التي تقوم على "نقد التراث" ليس حديثة، بل هي جوهر فكرة الإصلاح نفسها، وإن اتخذت بُعداً منهجياً وحقلاً راسخاً تحت هذا المسمّى. بيد أن الغريب هو في المفارقة التالية: بينما يستمرّ نقد التراث في الدعوة للقطيعة مع هذا التراث، نجد أن ذلك قد تحوّل لمقولة يلقيها كلّ مفكر على كتبه دون حقيقة منهجيّة. إن القطيعة مع التراث، إن سايرنا هؤلاء المفكرين، هو في تأسيس فضاء جديد، وللحسرة، لم نجد إلا هذه الكلمة المزعجة وغير العلمية بالضرورة: نقد التراث.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين

إن ذبح التقليد ليس هو الأساس في أيّ انتقال يتوسّط بين عصر مضى وعصر حاضر؛ لأنّه يقوم في بنيته -أي ذبح التقليد- على الفصل المتشظي لتجربة الجماعة الإسلاميّة، وينبغي أن نذبح التقليد بشكلٍ آخر: أن نحوّله إلى أفق رمزي لأنفسنا القديمة، والشروع في تدشين تقليد لا يقطع معه؛ فالإنسان موصول بماضيه وليس مقطوعاً عنه، بحيث نحوّل تقاليد وسرديّات حول أنفسنا. نحن بحاجة إلى تقليد، وبحاجة إلى أن يكون لنا نسقٌ فكريّ نتحرّك من خلاله لإنشاء أنساق وتقاليد عربيّة. حالة اللاتقليد المُداعاة التي نعيشها في الفكر هي التي تجرّ كل هذا الشتات الفكري لنا. فلا يمكن لتقليد أن يستمرّ ما لم يقم بتصالح وتفهّم للتقليد الذي سبقه، لأنّ هذا التقليد بدوره سوف يغدو تاريخيًّا لمجرّد رمزية أيضاً.

وإلى يومنا هذا، يُنظَر إلى التقليد كعائق، كشيء لا بدّ من تجاوزه. لكن لم يحن التفكير عربياً بعدُ في إمكانات التفكير في التقليد نفسه: ماذا يعني لنا؟ ما تجربتنا معه؟ ما المسافة بيننا وبينه؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: