ترامب والإسلام: الحريات الدينية في أمريكا على المحك

4672
عدد القراءات

2018-02-12

لا تزال الولايات المتحدة عالقة منذ 10 أعوام في تناقضها الخاص إزاء الإسلام. تروج لنفسها كبلد الحريات الدينية من جانب، بينما تستخدم الإخوان المسلمين لهزّ الشرق الأوسط الكبير، وفي الوقت ذاته تقاتل لوقف تقدم الإرهاب الإسلامي خارج هذه المنطقة. منعت الولايات المتحدة كل دراسة من شأنها كشف الفارق بين الإسلام كديانة واستخدام هذا الدين لأغراض سياسية. وبعد خلافه مع إرهاب الإخوان المسلمين، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة فتح هذا الملف، جالباً بذلك خطر التسبب في أعمال عنف على الأراضي الأمريكية، حيث لا تتضمن حرية ممارسة الدين الإسلامي في الولايات المتحدة الانخراط في السياسة.

وفي إستراتيجيته الجديدة للأمن القومي، يدخل الرئيس ترامب تعديلاً على المصطلح الرسمي ويصنف الجماعات الإسلامية المسلحة كـ"جهاديين إرهابيين".

هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي نسبت إلى تنظيم القاعدة

الإسلام.. دين أم فكر؟

في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي نسبت إلى تنظيم القاعدة، ثار جدل عنيف في واشنطن. هل الجماعات الإرهابية تمثل الإسلام أم لا؟ يبدو من المنطقي اعتبار كل المسلمين أعداء للوطن إذا كان الرد بالإيجاب. أما إذا كان الرد بالنفي، فمن الممكن إيجاد الفارق بين المسلمين "المعتدلين" و"المتطرفين".

لكنّ البريطانيين كانوا يستخدمون نفس المصطلحات بمعانٍ مختلفة: فـ"المعتدلون" هم مسلمون "معادون للإمبريالية بشكل معتدل"- مثل حركة حماس، التي لا تشكك في النظام السياسي الخاص بإسرائيل وترفض فقط أن يخضع المسلمون لحكم اليهود- بينما "المتطرفون" هم "مسلمون معادون بشدة للإمبريالية"- مثل حزب الله، الذي لا يعترف بانتصار دولة إسرائيل الاستعمارية على العرب.

عكفت وزارة الخارجية على التأثير على الرأي العام الأمريكي كيلا تتهم الولايات المتحدة بخوضها حرباً ضد الإسلام

وبلغ الجدل ذروته في حزيران (يونيو) 2006 أثناء مؤتمر لمؤسسة (نيويورك مترو إنفراجارد)؛ حيث أكد العميل والخبير السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي) ويليام جاوثروب، أنه من غير المجدي إيجاد فوارق بين الجماعات الإرهابية الإسلامية المتباينة، نظراً لأنها تستند جميعاً لنفس الفكر: الإسلام. وتم وقتها تسريب خمس وثائق داخلية خاصة بـ(إف بي آي) تستهدف تأهيل عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالية، وتعتبر هذه الوثائق أنه كلما كان الشخص "إسلامياً" أكثر فإنّ احتمالات كونه "أصولياً" ترتفع وأن النبي محمد هو زعيم طائفة تتسم بالعنف. انطلق جاوثروب من دراسة متفحصة للقرآن والأحاديث والنصوص الدينية الإسلامية. كما أظهر أنه على مدار التاريخ، فإن منظري المذاهب السنية الأربعة أيدوا الحرب ضد الكفار… لكنّ مفكري المذهب الشيعي لم يفعلوا الأمر عينه. كان جاوثروب أيضاً أستاذاً في مجال الجاسوسية المضادة بوزارة الدفاع، حيث دعا لدراسة محمد -عليه السلام- كقائد عسكري.

لم يكن هذا الجدل شيئاً جديداً. فمن جانب ومنذ 1953 وزيارة سعيد رمضان للرئيس أيزنهاور في البيت الأبيض، عملت وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية (سي آي إيه) ووزارة الدفاع- خارج الولايات المتحدة- مع مؤيدي الإسلام السياسي: الإخوان المسلمين. ومن جانب آخر، وخلال حقبة الفصل العنصري كان يتم الاعتراف بأنّ المنحدرين من أصول العبيد قد يكونون مسلمين، لكن دون أن يكون ذلك طريقة تعريف أو تصنيف سياسي. وفي 1965، اغتيل الزعيم السياسي الأسود والمسلم مالكولم إكس، بضلوع ضمني من (إف بي آي) على الأرجح. وأثناء معاناته من إصابته المميتة ورقوده على الأرض حاول إبلاغ سكرتاريته رسالة إلى سعيد رمضان.

رداً على ذلك، هددت شخصية إسلامية أمريكية، هو سلام المراياتي، بإنهاء التعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالية، فيما أمر نائب وزير العدل جيمس كول على الفور بحظر كافة الوثائق من هذا النوع، ليس فقط في (إف بي آي)، بل جميع الإدارات الأمريكية.إلا أن وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالية كانت تستخدم لإعطاء دورات حيث كان المدرسون يؤكدون، ويشددون على هذا الأمر، أنهم لا يقصدون الإسلام كديانة بل كفكر سياسي.

الزعيم السياسي الأسود والمسلم مالكولم إكس

هل الولايات المتحدة دولة الحرية الدينية؟

أثناء تلك الفترة عكفت وزارة الخارجية على تدشين هياكل عدة مكلفة بالتأثير على الرأي العام الأمريكي وفي دول أخرى كي لا تتهم الولايات المتحدة بخوضها حرباً ضد الدين الإسلامي. تضمن هذا الجهاز فريقاً من 20 شخصاً كانوا يتحدثون لغات عدة ويجرون مداخلات تحت هويات زائفة في منتديات مختلفة لتوجيه النقاشات.

وبعيداً عن طريقة التعامل مع المسألة، فإن الولايات المتحدة كانت دائماً ما تعود لنفس المشكلة: فكلمة "إسلام" بالعربية تصف ديناً وفكراً سياسياً، رغم كونهما شيئين مختلفين تماماً.

كشفت مجلة روزاليوسف المصرية عن وجود عدد من المسؤولين في جماعة الإخوان المسلمين داخل إدارة أوباما السابقة

أخيراً، وفي كانون ثاني (يناير) 2008، أصدرت وزارة الأمن الداخلي وبمبادرة من مايكل تشرتوف (مصطلحات لتعريف الإرهابيين: توصيات من أمريكيين مسلمين). لاحقاً وفي آذار (مارس) 2008، صاغ مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بقيادة مايك ماكونيل في ذلك الوقت، مذكرة ذات طابع دلالي موجهة للإدارة ككل. كانت تعليمات تستهدف إزالة أية شكوك بمعاداة الإسلام قد تنشأ ضد إدارة جورج بوش الابن، الذي كان قد تحدث في 2001 عن "حرب صليبية ضد القاعدة"، وتجميل صورة "دولة الحرية الدينية".

كان من المفترض أن يكون وصول باراك حسين أوباما للبيت الأبيض كافياً لمعالجة المشكلة. لكن الأمور لم تسر على هذا النحو، يعزى ذلك بالأساس إلى تأكيد كونه مسيحياً رغم أن ثلث ناخبيه كانوا يعتقدون أنه مسلم، نظراً لأنه ينحدر من عائلة مسلمة، بادر الرجل بالتأكيد على أنه مسيحي في الحقيقة، ما بدا أنه ترسيخ لمشروع الهوية بالنسبة للمهاجرين الوافدين من أوروبا، يمكنه أن يكون مسلم الثقافة أو حتى مؤمناً، لكن رئيس الولايات المتحدة ينبغي أن يكون مسيحياً. ومن هنا شن قطب العقارات دونالد ترامب هجومه خلال حملته كي يكشف باراك أوباما أين ولد- في هاواي أم كينيا البريطانية؟ كان من المفترض بالطبع أن تأتي إجابة هذا السؤال وفقاً للدستور الأمريكي، لكنها كانت تتضمن توضيح أوباما إذا كان قد ولد مسيحياً أم مسلماً.

التطرف العنيف

في 2011، أسس نائب وزير الخارجية لشؤون الدعاية مركز الاتصالات الإستراتيجية حول مكافحة الإرهاب. ثم تحول اسم هذه الجهة في 2016 إلى مركز التعامل العالمي وشملت اختصاصاته مواجهة روسيا. تضاعفت موازنة هذا المركز 13 مرة. لم يسهم تضمين مكافحة الإرهاب والعداء مع روسيا بين أيدي نفس الجهة في توضيح الأمور. دفع ذلك واشنطن لتبني التعبير الذي صدر عن الأمم المتحدة وهو "التطرف العنيف" لتوصيف فكر الإرهابيين.

وبالعودة للوراء، وتحديداً إلى 22 أيلول (سبتمبر) 2012، حيث كشفت مجلة (روزاليوسف) المصرية عن وجود عدد من المسؤولين في جماعة الإخوان المسلمين داخل إدارة أوباما، مثل سلّام المراياتي، الذي وصل لتمثيل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وترأس وفداً أمريكياً في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا حول حقوق الإنسان. فيما كانت زوجته ليلى ملازمة لهيلاري كلينتون حينما كانت الأخيرة السيدة الأولى في الولايات المتحدة وجزءاً من مفوضية الحرية الدينية العالمية. كانت مداخلة المراياتي أمام جاوثروب قبلها بستة أعوام في الحقيقة مناورة من آل كلينتون الذين استغلوا الإخوان المسلمين لتغيير وجهة نظر (إف بي آي) ووزارة الدفاع.

عملت وكالة الـ (سي آي إيه) ووزارة الدفاع الأمريكية مع مؤيدي الإسلام السياسي: الإخوان المسلمين.

الحق في التفكير

عاد الجدل للتصاعد من جديد في تموز (يوليو) 2017 بعد تقديم تعديل على قانون الخدمة العسكرية للسماح لوزارة الدفاع بدراسة "العقيدة الدينية الإسلامية العنيفة أو غير المتشددة لدعم التواصل مع المتشددين أو الإرهابيين". قوبل هذا التعديل برفض 217 صوتاً وموافقة 208، وأيضاً لحماية الإسلام كدين.

بالتالي، أوضح الرئيس ترامب الأمور بعد إطلاق لفظ "جهاديين" على الإرهابيين المسلمين، رغم أن كلمة "جهاد" لا تعني بالأساس القتال المسلح ضد الكفار، بل طريقة تفكير وتحليل داخلي يقوم به كل فرد حول أفعاله ونفسه.

بيْد أنّ قرارات ترامب كانت حتى الآن تتعرض لأقسى أنواع المغالطات. فمرسومه حول الهجرة من الدول حيث لا يمتلك الموظفون الأمريكيون الوسائل للتحقق من صدق الطلبات، فُسر على أنه إجراء "معادٍ للمسلمين"؛ نظراً لأن هذه الدول ذات أغلبية سكانية تعتنق الإسلام.

ثورة ثقافية حقيقية

يعد قراره بالنسبة للولايات المتحدة ثورة ثقافية حقيقية. فحتى الآن كانت وزارة الدفاع تعتمد إستراتيجية الأدميرال آرثر سبروفسكي، بتدمير أي صورة من صور التنظيم السياسي في كل دولة بالشرق الأوسط الكبير- الواحدة تلو الأخرى- بينما عملت وزارة الخارجية على ضمان ألا تكون هذه السياسة معادية للإسلام في حد ذاتها.

مرسوم ترامب حول الهجرة فُسر على أنه معادٍ للمسلمين نظراً لأن هذه الدول ذات أغلبية سكانية تعتنق الإسلام

لكن هذا لم يكن ما تراه شعوب الشرق الأوسط الكبير، أو الشرق الأوسط الموسع. خاصة وأن الولايات المتحدة طبقت على مدار 15 عاماً إستراتيجية الأدميرال سبروفسكي فقط في الجزء من العالم حيث المسلمون أغلبية، كان من المستحيل أن يتفهم الأفغان والإيرانيون والأتراك والعرب الشعارات الأمريكية. كان هذا هو بالتحديد التناقض الذي وجده باراك أوباما أثناء إلقاء خطابه في القاهرة، في حزيران (يونيو) 2009.

لكن من الممكن فهم أهداف الدعاية الأمريكية، والمؤكد أنّ الضحية الأولى لهذه الدعاية كانت الولايات المتحدة. وحقيقة فإنها ليست الإستراتيجية الأمريكية للتدمير في الشرق الأوسط الكبير بل التناقض بين الخطاب الجميل للولايات المتحدة ودعمها للإخوان المسلمين في الخارج، هذا هو ما دفعها لوأد أي تحقيق حول أصل الإسلام السياسي سواء على الأراضي الأمريكية أو من جانب حلفائها.

مآثر عسكرية وفكر سياسي

إلا أنّ النبي محمد كان جنرالاً وحاكماً في نفس الوقت. هذا الوضع التاريخي سمح، منذ بدايات الإسلام نفسه، بمحاولة تيار فكري استغلال هذا الدين للوصول إلى السلطة. تعلم أغلب المسلمين من الأحاديث المكتوبة بعد وفاة النبي، نصوص تنسب له مآثر عسكرية وفكر سياسي على وجه الخصوص. تستند جماعة الإخوان المسلمين إلى أصول جديرة بالاهتمام.

على أية حال، لن تستطيع الولايات المتحدة التمييز بين معنيي كلمة الإسلام طالما لم تحل مسألة هويتها ذاتها. يعترف دونالد ترامب وناخبوه دون صعوبة بأنّ السود واللاتينيين مواطنون أمريكيون، لكن دون تولّي مناصب سياسية من الطراز الأول.

ورغم أنه من المنطقي أن يجري المثقفون المسلمون هذا البحث ليسمحوا بذلك بفصل الدين عن الهيمنة السياسية التي يعاني منها، فإن الولايات المتحدة يتعين عليها أيضاً القيام بهذا العمل منفردة. رغم وجود عدد من الباحثين المسلمين في الولايات المتحدة، لكن هناك احتمالات ضئيلة لعدم إقحام مشكلاتها الثقافية الخاصة على هذا الملف، ما يعني بالتبعية خطر التوصل لتأويل خاطئ.

تييري ميسان. شبكة فولتير الإلكترونية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

إرهاصات داعش بين الحرب والخيال والفوضى

2019-10-15

ترجمة: علي نوار


ظهر تنظيم داعش إلى النور بفضل الترويج لنبوءات خيالية مروّعة، ونما هناك في منطقة تسودها جيواستراتيجية الفوضى ويعيش حالة من انعدام الاستقرار وشيوع أجواء الاستقطاب وانهيار الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والثقافية، يغذّي كل ذلك تدخلّات عسكرية أجنبية. ورغم إجهاض الأهداف الإقليمية لهذه الجماعة الإرهابية، لا تزال أفكارها وقدرتها على القتل والتكيّف ضمن الإطار العام قائمة.

اقرأ أيضاً: صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

ركّز مشروع الشر المُلقّب بتنظيم "الدولة الإسلامية" في البداية على بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي كانت تشمل المنطقة الواقعة بين الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- وحتى خراسان- إيران وأفغانستان والهند وإلخ. لكن تقويض التطلّعات التوسعية لهذا التنظيم الإرهابي جاء متمثّلًا في خسارته المدن والقرى التي كانت تخضع له على الأراضي السورية والعراقية واحدة وراء الأخرى. وقفت قرية الباغوز السورية الصغيرة شاهدة على الانهيار الرمزي لـ"الخلافة" في آذار (مارس) 2019، بعد تحرير القرية على يد تحالف (قوات سوريا الديمقراطية) الذي تقوده وتشكّل أغلب قوامه فصائل كردية.

أطلال مسجد النوري في الموصل حيث أعلن البغدادي خلافته عام 2014

ويدين "داعش" بالفضل في ظهوره لما يُعرف باسم "جيواستراتيجية الفوضى": في مسرح تتضارب وتتقاطع فيه مصالح القوى العظمى والمتوسطة حيث تعتاد الدول الكبرى التدخل عسكرياً في دول ذات مقدرات عسكرية أضعف، وصولاً إلى تدمير البنية التحتية العامة- مثل الكهرباء والصحة والتعليم وإلخ- وإحداث خسائر كبيرة بين المدنيين بين قتيل وجريح. لذا لم يكن من قبيل الصدفة إعلان التنظيم الإرهابي قيام "الخلافة" المزعومة في هذا الإقليم. إنّ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والطائفية الدينية المتفشية في كافة أرجاء المنطقة- التي تسكب السياسة النار عليها- وفشل وقمع ثورات الربيع العربي عام 2011 في سوريا وليبيا، لهي أحداث لعبت دوراً رئيساً في تجذير الخلافة الزائفة.

تقترن بداية داعش بصورة زعيمه البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في الموصل بالعراق في حزيران 2014

وتقترن بداية "داعش" بشكل متكرّر بصورة زعيمه أبو بكر البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في مدينة الموصل بالعراق في حزيران (يونيو) عام 2014. لكن من أجل الوصول لجذور هذه الجماعة الإرهابية يجب أن نرجع للوراء عدّة أعوام، وتحديداً مع ظهور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة الجهادي الراحل أبو مصعب الزرقاوي. يُعتبر "داعش" تأصيلًا للأفكار والمنهجية التي قام على أساسها تنظيم القاعدة، بخلق آلة رعب وتضخيمها إعلامياً بشكل يؤدّي لتلطيخ سمعة الإسلام بهدف وحيد هو تبرير ممارسات التنظيم الدموية، وكذلك تنصيب نفسه حامياً للإيمان بينما يفرّغه من أي معنى، الأمر الذي ينعكس في حقيقة كون 85% من ضحايا أعمال "داعش" هم من المسلمين.

والآن وبعد تجريد "داعش" من أي أراض كان يسيطر عليها، هل نجحنا بالفعل في إنزال الهزيمة بالفكر الجهادي وتجاوز الأسباب الهيكلية والاجتماعية الثقافية التي ساهمت في صعوده؟ الحقيقة أنّ الإجابة أبعد ما تكون عن الإيجاب.

حرب أهلية في صفوف القاعدة

يعتبر تنظيم القاعدة طليعة الإرهاب الجهادي منذ عقد التسعينيات وعلى رأسه زعيمه الراحل أسامة بن لادن، ويضمّ خلايا وأفرع تعمل على مستوى محلّي في كل مكان يكون له تواجد فيه ويتّسم نشاطه بالعالمية، رغم أنّ كل خلية أو مجموعة فرعية تتميّز بنوع من الاستقلالية. لكن الخلافات الداخلية بين صفوف التنظيم الأم أسهمت في نشوء "داعش".

اقرأ أيضاً: هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟

وفي 1999 أسّس الأردني أبو مصعب الزرقاوي تنظيم (التوحيد والجهاد) بهدف إقامة دولة إسلامية في البلد العربي، رغم أنّ الأمر انتهى به نشطاً بشكل أساسي في العراق المجاور. كانت رؤية الجهادي الأردني تجاه صور الجهاد أكثر أصولية إلى حد بعيد من تلك التي كان يتبنّاها بن لادن وقيادات القاعدة، ما أدّى لظهور خلافات ونزاعات فكرية مع هذا التنظيم منذ 1999. ورغم ذلك وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2004 أقسم الزرقاوي الولاء لبن لادن، وظهر تحت قيادته (تنظيم القاعدة في العراق).

عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم لنشر جميع صور العقاب والإعدام بجودة ذات بصمة سينمائية احترافية

قبل قيادته لتنظيم القاعدة في العراق، كان الزرقاوي قد أمر ونفّذ أعمالًا إجرامية ضد المدنيين المسلمين، الشيعة منهم على وجه الخصوص. كانت هذه الممارسات تتستّر بغطاء أيديولوجي من منطلق فكرة أنّه من أجل إقامة الخلافة فيجب القيام بتطهير الأمّة من الداخل. وبعد تولّيه زعامة القاعدة في العراق، استمرّ الزرقاوي في هذه الأفعال، الأمر الذي جلب عليه وبال التوبيخ من قيادات تنظيم القاعدة. فقد بعثوا إليه برسائل يطالبونه فيها بالتخفيف من حدّة أسلوبه والتركيز على جمع الدعم الشعبي من أجل إقامة الخلافة لاحقاً على المدى البعيد، وهو الهدف الذي كان من الواضح أنّ القيادي الجهادي الأردني لم يكن يتبنّاه تماماً؛ حيث كان يعتبر أنّ الخلافة يجب أن تقوم في أقرب وقت ممكن ثم سيأتي التأييد الشعبي فيما بعد عن طريق السيطرة الشديدة على المجتمع وحملات التطهير.

الطموحات الأولية الخيالية للخلافة التي أرادها داعش

وفي حزيران (يونيو) 2006، وقبيل نجاح أبو مصعب الزرقاوي في تحويل فكرته الخاصة بإعلان قيام "دولة إسلامية"، جرى قتله على يد القوات الأمريكية. لكن قبل مصرعه بأشهر، كان تنظيم القاعدة في العراق قد اندمج مع خمسة تنظيمات أخرى لينشأ ما يُسمّى بـ(مجلس شورى المجاهدين). وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل الزرقاوي، تحوّل التنظيم إلى ما سيصبح فيما بعد (الدولة الإسلامية في العراق) تحت قيادة أبو عمر البغدادي- وهو ليس الزعيم الحالي أبو بكر البغدادي- وأبو أيوب المصري. وبدءاً من هذه اللحظة، نشأت توتّرات كثيرة بين تنظيم القاعدة الأم وفرعها العراقي، رغم عدم انفصالهما رسمياً بعد. وباءت محاولة (الدولة الإسلامية في العراق)- الذي كان بالكاد يسيطر على أراضي- بإنشاء خلافة في 2010 بالفشل حين أسقطت الولايات المتحدة زعيميه الاثنين. وفي نفس ذلك العام تحديداً قفز إلى الصورة زعيم "داعش" الحالي أبو بكر البغدادي.

اقرأ أيضاً: واشنطن بوست: مخيم الهول السوري قد يسقط في يد داعش

مع وجود البغدادي على رأس تنظيم مستقلّ عملياً عن (القاعدة)- رغم أنّ قيادات الأخيرة كانوا ما زالوا يعترفون بالبغدادي زعيماً لـ(الدولة الإسلامية في العراق)- واستغلالًا لحالة الفوضى التي حدثت عام 2011 جراء الحرب الأهلية في سوريا، حاول (القاعدة في العراق) توسيع نطاق نفوذه إلى سوريا. كانت الذريعة هي الانضمام إلى فرع (القاعدة) في سوريا المعروف باسم (جبهة النصرة) بحيث تصبح قيادة التنظيم في العراق تسيطر أيضاً على فرع التنظيم في سوريا، وبالتالي إعلان إنشاء "دولة إسلامية" في العراق وسوريا. رفض قادة تنظيم القاعدة فكرة الدمج هذه، ورأوا أنّ كل فرع يجدر به العمل بصورة مستقلة، كما أنّ زعيم (جبهة النصرة) محمد الجولاني رفض هو الآخر هذه الفكرة. إلّا أنّ تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق) نجح في توسيع نطاق نفوذه إلى الداخل السوري، وصولاً حتى إلى إدماج عناصر من (النصرة). وفي عام 2014 وبعد أعوام من التوتّر والنزاع مع الفرع العراقي وعبر رسالة، أعلن زعيم (القاعدة) أيمن الظواهري انشقاق (داعش) عن تنظيمه. وفي ذلك العام خرج البغدادي ليذيع للعالم نبأ قيام دولته ونصب نفسه خليفة.

احتراف دعاية الرعب

تستهدف كل جماعة جهادية إقامة دولة إسلامية. لذا لا يزال تنظيم (القاعدة) يسير على أفكار منظّرين مثل أبو مصعب السوري- الشهير بلقب مصطفى ست مريم-. ففي كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية)، يعتبر السوري أنّ الخط الذي يجدر بتنظيم القاعدة السير عليه يجب أن يكون إقامة دولة إسلامية، مروراً قبل ذلك بالجهاد المدعوم شعبياً. ورغم أنّه يشترك في هدف إنشاء دولة إسلامية، لكن تنظيم داعش لا يتبنّى استراتيجية السوري في تحقيق الأهداف.

أراد الزرقاوي إقامة الخلافة في أقرب وقت ثم ضمان التأييد الشعبي لاحقاً عن طريق السيطرة على المجتمع وحملات التطهير

فبتصعيده لوتيرة العنف والرعب، يتبيّن أنّ "داعش" يرتكز في أفكاره إلى مسار القيادي الإرهابي الأردني الزرقاوي والمنظّر الجهادي أبو بكر ناجي وكتابه (إدارة التوحّش). والأخير يرى الكثير من المحلّلين أنّه بمثابة كتاب (كفاحي) الذي ألّفه الزعيم النازي الراحل أدولف هتلر، بالنسبة للجهاديين.

ورغم إبراز ناجي أهمية اكتساب التأييد الشعبي عن طريق توفير الخدمات العامة، لكن كتابه يؤكّد أنّ الاستراتيجية الواجب اعتمادها لإقامة دولة إسلامية تعتمد على الهيمنة عن طريق الاستخدام غير المحدود للعنف. وخلافاً للقاعدة، فإنّ "داعش" لم يكترث لمسألة إذا كان يحظى بدعم المسلمين المحلّيين، وكان جلّ ما يهتم به هو غزو الأراضي وإعلان إقامة خلافة في أقرب وقت ممكن اعتماداً على العنف. وانطلاقاً من هذا الأساس، أقدم "داعش" وأفرع أخرى وتنظيمات موالية للقاعدة على تحدّي قياداتها بمحاولات فاشلة لإعلان دول إسلامية وأهم الأمثلة على ذلك هو جماعة الشباب بالصومال عام 2008، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية باليمن عام 2012، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بمالي عام 2013.

أراضي العراق وسوريا التي سيطر عليها داعش حتى عام 2016

سار "داعش" على أفكار ناجي والزرقاوي، لينجح منذ إعلان خلافته عام 2014 في التمدّد وإثارة الرعب على مستوى العالم عن طريق نزاع مسلّح كان يُبثّ أحياناً بشكل مباشر عبر الإنترنت. ووصل الأمر لدرجة أن سيطر داعش خلال عامي 2014 و2015- الفترة الذهبية بالنسبة له- على أراضي تفوق مساحة دولة مثل النمسا، وتشمل مدناً يقطنها 100 ألف نسمة مثل الرقة في سوريا، أو حتى مليون نسمة مثل الموصل بالعراق. في هذه الأراضي ارتكب "داعش" كافة أنواع الفظائع سواء الصلب أو بتر الرأس أو الإغراق أو بتر الأطراف. كانت هذه العقوبات القاسية توقّع بحق من يُضبط بينما يدخّن أو يحتسي الكحول أو يستمع للموسيقى أو يشاهد مباريات لرياضات غربية. بينما عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم بنفسه، مثل مجلتي (دابق) و(رومية) ووكالة الأنباء (أعماق)، لنشر جميع صور العقاب والإعدام بتقديم وجودة سمعية بصرية رفيعة المستوى ذات بصمة سينمائية احترافية. يُضاف إلى كل ذلك الترويج ونشر دعاية جهادية عبر قنوات عدة على تطبيق (تيليجرام) وشبكة (تويتر) للتدوينات المصغّرة ومواقع اجتماعية أخرى.

اقرأ أيضاً: الإخوان وداعش.. أيهما أخطر على أوروبا؟

ولعل الدافع وراء إضفاء هذا القدر من الاحترافية على قنوات بث الرسائل الجهادية ظهرت منذ العدد الأول من مجلة (دابق)، الصادر في تموز (يوليو) 2014. فقد أفرد هذا العدد مساحة كبيرة منه لتعديد مميزات العيش تحت إدارة الخلافة، بما فيها رواتب مغرية والسبايا اللاتي سيكنّ تحت طوع المقاتل. وهنا تبرز النبوءات الخيالية التي أرسى عليها "داعش" خلافته: الرؤية الكوارثية التي تتكهّن بقرب نهاية الزمان. وقبلها سيأتي المهدي المنتظر لإنقاذ المسلمين ويقودهم في مواجهة الصليبيين بمنطقتي دابق (سوريا) وأعماق (تركيا)، لذا دعا التنظيم هؤلاء الذين يرغبون في النجاة يوم الحساب بالانخراط في صفوفه. ولأجل منح الأمر مزيداً من الملحمية، حملت أولى مطبوعات "داعش" تحديداً اسمي هاتين المنطقتين.

غزو العراق: جيوسياسة الفوضى

لا يعُد توسّع "داعش" في الأراضي السورية والعراقية وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في دول أخرى مثل ليبيا- حيث تمكّن التنظيم عام 2015 من الاستحواذ على ما يزيد عن 200 كلم من السواحل الليبية- من قبيل الصدفة على الإطلاق. فقد حافظ التنظيم على أراضٍ واسعة؛ حيث استفاد بشكل كبير من الفرص التي أتيحت كنتيجة لجيوسياسة الفوضى، أو بمعنى آخر، الدول الفاشلة الغارقة في بحور العنف والطوارئ الإنسانية. وكانت حالة غياب الاستقرار هذه راجعة في جانب إلى التدخّلات العسكرية التي حدثت بداعي "إحلال السلام" في الدول التي تشهد وجود أنظمة استبدادية، الأمر الذي استوجب بالتالي وضع خطط للإغاثة الإنسانية والدعم الاجتماعي السياسي من قبل الفاعلين الديمقراطيين المحليين خلال الفترة التالية للعمليات العسكرية.

الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش

وفي السياق ذاته، فإنّ الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بنيويورك، بدأت حرب إعلامية تقودها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، الذي دأب على التأكيد بوجود أسلحة دمار شامل في العراق. وتحت هذه الذريعة الزائفة، سقط نظام الدكتاتور العراقي الراحل صدام حسين بعد أسابيع قليلة من دخول القوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة إلى البلد العربي. حوّل هذا التدخّل العراق إلى دولة فاشلة، ليسهّل بالتالي توافر الظروف كي يجد الزرقاوي، وبعده البغدادي، تربة خصبة للصعود. بعدها بأعوام، تسبّبت الفوضى في ليبيا إثر التدخّل العسكري الغربي ومقتل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، في تكرار نفس المشهد بالدولة المغاربية.

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

خلال مرحلة غزو العراق- التي شهدت مصرع آلاف المدنيين- حفلت السجون بوسائل تعذيب بشعة كانت تُمارس بشكل مُمنهج. التحق الكثير من السجناء الذين تعرّضوا لسوء المعاملة والإهانات داخل السجون العراقية فيما بعد بصفوف "داعش" أو تنظيمات جهادية أخرى مثل "القاعدة". يُعتبر (أبو غريب) و(بوكا) أشهر السجن العراقية؛ حيث هيمن شعور الإحباط والإذلال والذي زرع بذور الكراهية والتي تحوّلت بدورها إلى أصولية جهادية لدى الكثير من المُعتقلين. كان سجن بوكا، الذي يلقّبه الكثير من الجهاديين بـ"المدرسة"، يضمّ عدداً كبيراً من قيادات والمتعاطفين وعناصر الجماعات الجهادية، والذين نجحوا خلال فترة حبسهم في تجنيد أفراد آخرين وبناء ما سيصبح لاحقاً تنظيم داعش. كان أبو بكر البغدادي نفسه محبوساً في هذا السجن، حيث أجرى اتصالاته لوضع الهيكل الذي سيقوم على أساسه التنظيم.

أمسى الاستياء الشعبي الذي تلا الغزو الأمريكي، صراعاً طائفياً بين السنة والشيعة، تغذّيه القرارات السياسية التي تتّخذها القوات المحتلّة التي جاءت عقب التدخّل العسكري الكارثي بنوري المالكي- شيعي المذهب- على رأس السلطة عام 2006. تُرجم ذلك إلى أوضاع أسوأ بالنسبة للسنّة من العراقيين، الذين اضطروا للتخلّي عن السلطة وعانوا انقطاعات مستمرة في التيار الكهربي فضلًا عن غياب الخدمات العامة وصعوبات أخرى. على جانب آخر، تزايدت وتيرة الهجمات التي تستهدف الشيعة والتي كان ينفذّها تنظيم القاعدة- سنّي المذهب-. ومن شمال العراق تحديداً، مسقط رأس صدام حسين وحيث يسيطر شعور بالظُلم، انبثق تنظيم داعش. نظراً لأنّ الكثير من سكّانه تعرّضوا للتعذيب والإهانة داخل السجون الأمريكية على الأراضي العراقية، وليس مستغرباً أنّ عدداً كبيراً من كبار مسؤولي نظام صدام راودهم السخط تجاه فقدان السلطة ليقرّروا الانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية، بل وتولّوا مناصب قيادية فيها.

سوريا أرض خصبة لداعش

مع بداية الثورة السورية عام 2011، ومع قُرب إسقاط الأسد- خاصة بعد رؤيته لرؤساء إقليميين آخرين يغادرون الحُكم مثل بن علي في تونس ومبارك في مصر-، نفّذ الرئيس السوري مناورة من أجل الحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي كخيار أقل سوءاً، وصولاً إلى النجاح في الحصول على دعم روسيا. وفي مستهل الاحتجاجات، أطلق رئيس سوريا سراح مئات السجناء الأصوليين، الذين انخرطوا في صفوف تنظيمي "جبهة النصرة" و"داعش" للقتال. هذا السياق، وعلاوة على قمع المعارضة الديمقراطية السورية، كان سلاحاً ماضياً استغلّه تنظيم البغدادي في العراق كي يمدّ هيمنته إلى سوريا حيث تمكّن من السيطرة على مدن بأهمية تدمر والرقة.

خلال مرحلة غزو العراق حفلت السجون بوسائل تعذيب كانت تُمارس بشكل مُمنهج حيث التحق الكثير منهم فيما بعد بصفوف داعش

قد يكون "داعش" قد انهزم بحرمانه من آخر معاقله في الباغوز، لكن لا ينبغي الخلط بين انتزاع الأراضي منه وبين الهزيمة النهائية. من الخطير للغاية هنا التقليل من شأن تنظيم نجح في استقطاب 50 ألف مقاتل ضمن صفوفه ينحدرون من مختلف الأماكن. كما أنّ زعيم التنظيم لا يزال حياً حتى لحظة كتابة هذا المقال، ما يعبّر عن قدرة "داعش" على التكيّف.

لقد كان التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان خلال الثمانينيات والغزو الأمريكي للعراق في 2003، كمدرستين للأصولية والإرهاب بالنسبة للقاعدة وداعش، على الترتيب، والدرس المُستفاد هنا هو مدى الخطر المحيق عند السماح بإطالة أمد نزاعات مسلّحة تعمّق حالة الاستقطاب وانعدام الاستقرار. ربما جرى شنّ الحرب على الإرهاب من المُنطلق العسكري، لكن يجب شنّها أيضاً على مستوى الفكر والثقافة والجوانب الإنسانية كذلك، بصورة تسهم في التعامل مع المشكلات التي تجابهها الدول الفاشلة التي لا تزال جذور وروافد الجماعات الإرهابية حاضرة فيها بعد.


تحليل لعوامل ظهور تنظيم داعش وأسباب انتشاره، لخابيير بلانكو الأستاذ في جامعة سالامانكا الإسبانية والمتخصص في الإرهاب السلفي الجهادي، نشرته مؤسسة (الأوردن مونديال)

مصدر الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2kQNmI7

للمشاركة:

هذه دوافع أردوغان من العدوان على سوريا

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-14

ترجمة: مدني قصري


شنّ الجيش التركي في الآونة الأخيرة هجومه الجوي والأرضي، شمال شرق سوريا، بهدف طرد المقاتلين الأكراد السوريين، حلفاء الولايات المتحدة أمس، ضدّ داعش، أنقرة تريد إنشاء منطقة عازلة على طول حدودها.
الجميع يدين هذه العملية، لكن من الواضح أنّ دونالد ترامب أعطى الضوء الأخضر في محادثته الهاتفية، يوم الأحد، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نحن هنا في قلب الفوضى الحالية في العالم: التراجع الأمريكي عن التزاماته يترك الأرض حرّة لقوة إقليمية عدوانية، تعمل وفق جدول أعمالها.

اقرأ أيضاً: أكاديميون أتراك: عدوان أردوغان على سوريا "جريمة ضد الإنسانية"
إذا كانت إدارة ترامب تقول اليوم إنّها لا تدعم العمل التركي؛ فالواقع يقول إنّ الجنود الأمريكيين قد انسحبوا بالفعل، منذ بداية الأسبوع، من المناطق التي تعرضت للهجوم، الرئيس لا يدين، فهو يهدّد "بتدمير الاقتصاد التركي" إذا ذهبت أنقرة بعيداً، وهو وحده من سيحكم على ذلك، فقط الكونغرس، بناءً على مبادرة من منتخبين جمهوريين، يبرزون من رئيسهم، في محاولة منهم للضغط على أنقرة.
صراع حليفين
في الواقع؛ يتصارع في هذه الحرب حليفان للولايات المتحدة: تركيا، وهي عضو مهم في الناتو، والمقاتلون الأكراد الذين لعبوا دوراً رئيساً، بمساعدة الغرب، في استعادة المناطق التي يسيطر عليها جهاديو داعش؛ لذلك يتطلب الأمر كثيراً من السخرية؛ أن يترك جيش أردوغان يلاحق الفائزين في الرقة، ولكن بعد كلّ شيء، كما قال ترامب بجدية كبيرة مؤخراً، لم يساعد الأكراد كثيراً أثناء نزول نورماندي..

يتصارع في هذه الحرب حليفان لأمريكا: تركيا، عضو مهم في الناتو، والأكراد الذين لعبوا دوراً رئيساً بالحرب ضد داعش

هذه العلمية ليس لها من دافع سوى إرادة الرئيس التركي للقضاء، أو على الأقل إبعاد وجود هؤلاء المقاتلين الأكراد؛ إنه يريد إنشاء منطقة عازلة مستدامة على الجانب السوري، على طول حدودها.
تصف تركيا المقاتلين الأكراد السوريين بأنّهم "إرهابيون"؛ بسبب علاقاتهم مع حزب العمال الكردستاني، عدوّها الكردي في تركيا نفسها، فهذه الروابط حقيقية، لكنّها ليست سوى القليل من دورها وخسائرها، في المعركة الحاسمة ضدّ داعش.
في البداية؛ يريد الأتراك مطاردة الأكراد، الذين قد لا يجدون خياراً آخر سوى اللجوء إلى نظام دمشق، بدعم من روسيا وإيران، إذا كان الأمر كذلك، فسيكون ذلك نتيجة متناقضة للانسحاب الجزئي الأمريكي.
في خطوة ثانية؛ أعلنت تركيا رغبتها في تثبيت ملايين اللاجئين السوريين الموجودين حالياً على أراضيها، وهو مشروع ذو جدوى مشكوك فيها، قابل للنقاش إنسانياً؛ لأنّ مسألة إعادة هؤلاء السوريين إلى وطنهم الأصلي، ذات تكلفة باهظة، لا أحد سيتولاها، فلعله يأمل في دفع أوروبا إلى دفع هذا الثمن.

أردوغان يكرس هيمنته من أجل بقائه السياسي
إنّ الإدانة العامة في العالم، كما يمكن التنبؤ بها، تقترن بعجز أو بعدم وجود إرادة لوقف تركيا.
ناشدت فرنسا مجلس الأمن الدولي، وهو نهج رمزي إلى حدّ كبير؛ لأنّ هذه الهيئة مشلولة بسبب حقّ النقض المتكرر للقوى العظمى لحماية "زبائنها"، لقد أصبحت الأمم المتحدة مرادفاً للعجز الجماعي.
تعرف تركيا تحت تصرف من يوجد سلاح اللاجئين الرهيب، الذي يروّعون به الأوروبيين، ومن يحمل سلاحاً آخر مع مئات الجهاديين الأجانب، أسرى الأكراد، الذين قد ينتهي بهم المطاف بين يديه.

اقرأ أيضاً: أردوغان يكمّم أفواه معارضي هجوم شرق الفرات
لذلك؛ فهي حلقة شريرة جديدة من هذه الحرب السورية التي استمرت لمدة سبعة أعوام بالفعل، والتي تزرع الموت والمعاناة، ومن علامات هذا الزمن، فإنّ رئيس القوة العالمية الأولى هو الذي يضيف الحرب إلى الحرب، ويغسل يديه من عواقبها المشؤومة.
أما بالنسبة إلى باتريس فرانسيسكي (Patrice Franceschi)، مؤلف كتاب "الموت من أجل كوباني"؛ فإنّ ترك أردوغان حراً ضدّ الأكراد هو "خطأ أخلاقي وسياسي"، حول هذا الموضوع أجرت معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية هذه المقابلة:
"ما يحدث اليوم ليس على الإطلاق صداماً بين الغرب والشرق (...)؛ إنه صدام بين العالم الحرّ والشمولية" ما هو الوضع على الأرض؟
باتريس فرانسيسكي: الأكراد في حالة ذهنية تماماً، كما كان الحال أثناء معركة كوباني ضدّ داعش، عام 2015، إنهم على استعداد للقتال حتى النهاية، الأمر يتعلق ببقاء شعبهم، إنّهم يقاتلون من أجل أسرهم وكرامتهم، وهم يعرفون أنّ أردوغان موجود هنا لإنهاء الشعب الكردي، والتخلص منه نهائياً! هذا هو هدفه بالضبط، إذا استطاع، فإن هو استطاع سيفعل ما فعله المسؤولون الأتراك مع الأرمن في بداية القرن الماضي، لقد بدأ بالفعل التطهير العرقي في عفرين بشرق سوريا؛ حيث طارد أردوغان الأكراد، إنّه ليس صراعاً حدودياً، ولكنه حرب وجودية يريد أردوغان أن يخرج منها منتصراً.
كيف يمكن للأكراد مقاومة الهجوم التركي؟
تماماً كما في كوباني ضدّ داعش! سيقاتلون حتى النهاية إذا لزم الأمر؛ لأنّهم محاصرون من هذا الجانب وذاك، إنّهم عالقون بين سوريا وتركيا، في غضون ذلك، سيقاومون أطول فترة ممكنة؛ أي إلى أن يستيقظ المجتمع الدولي ويتفاعل معهم، تركيا لديها سيارات مدرعة وطيران، والأكراد لديهم شجاعتهم الخاصة، منذ بضعة أسابيع، كانوا يستعدون لهذا الهجوم، لقد أدركوا أنّ دونالد ترامب، الذي أعطى الضوء الأخضر لتدخل أردوغان العسكري، لا ينبغي الوثوق به.
ماذا يمكن للمجتمع الدولي أن يفعل؟
لا بدّ من إجبار دونالد ترامب على تحمل المسؤولية، إضافة إلى ذلك؛ ففي الولايات المتحدة، يتعرض الكونغرس للفضيحة: ما يفعله أردوغان ليس مجرد انتهاك صارخ للقانون الدولي، إنّه يهاجم حلفاءنا، والأشخاص الذين حاربوا داعش لمدة ستّة أعوام على الأرض، بينما لم نكن نريد، نحن الغربيين، إشراك قواتنا على الأرض.

اقرأ أيضاً: المسماري يحذر: أردوغان سينقل آلاف الإرهابيين إلى ليبيا
يجب على مجلس الأمن ألا يدين العدوان التركي فقط؛ يجب عليه أن يقرر العقوبات المشدّدة ضدّ أنقرة، العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي تؤلم، أردوغان لا يفهم سوى هذا، عندما دخلت القوات التركية عفرين، عام 2018، لم نقل نحن أي شيء، دعونا لا نضيف الخزي والعار إلى اللامبالاة، من الخطأ الأخلاقي والسياسي ترك أردوغان يقتل الأكراد.
ترامب تخلى عن الأكراد ومنح تركيا حرية التصرف

لماذا؟
إنّه خطأ أخلاقي؛ لأنّه لا يجوز أن ندع حليفاً يسقط، حارب الأكراد داعش من أجلنا، لسبعة أعوام، دفعوا ثمناً باهظاً من خلال التضحية لمحاربة داعش، بهذا السجل الرهيب: 36000 قتيل أو جريح في صفوفهم.
أخلاقياً: هذا عمل غير محتمل، أن نخذل من قاموا بالعمل ضد داعش من أجلنا، لكنّه أيضاً خطأ سياسي: الأتراك سيشجعون داعش على إعادة ترتيب أوضاعهم وإعادة بناء الخلايا لإضعاف الأكراد، لطالما استخدمت تركيا الجهاديين لإضعاف أعدائها، في عفرين، يستخدمون الآن مقاتلي القاعدة السابقين أو مقاتلي داعش، إنّه في النهاية خطأ سياسي؛ لأنّه ليس صراعاً بعيداً صغيراً، إنّه يتعلق أيضاً بمصداقية الغرب في الساحل، أو في أفغانستان، من خلال التخلي عن الأكراد، يرسل الأمريكيون إشارات مقلقة إلى جميع الذين يحاربون الجهاديين، نحن لا نسيء معاملة حلفاء يقاتلون أعداءنا.
فرنسا لم تقلل دعمها للأكراد؛ هناك حالياً قوات خاصة ترافق الأكراد، هل ما يزال لفرنسا رأي في المنطقة؟
بالتأكيد! والأكراد يعرفون أنّهم يستطيعون الاعتماد على فرنسا، لقد عززت باريس أجهزتها على الأرض في الأشهر الأخيرة، ورحّب إيمانويل ماكرون، رسمياً أو بسريّة، بعدة وفود كردية في الأشهر الأخيرة، وقاد مؤخراً ألمانيا وبريطانيا للانضمام إلينا على الخط نفسه في مجلس الأمن.

من الخطأ الأخلاقي والسياسي ترك أردوغان يقتل الأكراد؛ فالأتراك سيشجعون داعش على إعادة ترتيب أوضاعهم وإعادة بناء الخلايا

لفرنسا موقف مشرف، لكنّ وسائلنا العسكرية محدودة، يجب على فرنسا أن تدفع شركاءها الأوروبيين إلى فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، تركيا في حاجة إلى أوروبا أكثر من العكس.
على الأقل، يمكن أن يستدعي الاتحاد الأوروبي سفراءه غداً، لا يكلف الأمر سوى 28 تذكرة، لكن ميزة هذا الإجراء أنّه سيجعل الأتراك يفهمون غضبنا على الفور، إنّه أمر غريب، ولكن عندما ضمّ بوتين شبه جزيرة القرم، وجد الأوروبيون الموارد لمعاقبة بوتين، عندما تقطع تركيا الحدود وتذبح حلفاءنا، نبقى هادئين، إذاً، سنخاف من بوتين أقل مما نخاف من أردوغان؟

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!
أعتقد أيضاً أنّ بإمكان فرنسا طرد جميع الأئمة الذين تموّلهم تركيا ويعملون في فرنسا، فبعد كلّ شيء؛ نحن لسنا ملزمين بقبول هذا التدخل أمامنا، لدينا نوع من هتلر البوسفور، يجب ألا نرتكب الأخطاء نفسها، كما حدث في الثلاثينيات، فلنطرد تركيا من حلف الناتو، وفوق كلّ شيء، يجب أن نحمي أفضل حلفائنا في المنطقة، ما يحدث اليوم ليس صداماً بين الغرب والشرق على الإطلاق؛ لأنّ العديد من الدول العربية غاضبة أيضاً من عدوان أردوغان، إنّه صدام بين العالم الحرّ والشمولية.
نعم، في هذه المعركة، لدينا رأي نقوله بوضوح.
هل يمكننا تخيل مفاوضات مع أردوغان، خاصة إذا جاءت إدانة من مجلس الأمن؟
لم يعد هناك وقت للثرثرة والتملق واللغو، يجب أن نُظهر لأردوغان أنّ أمامه أشخاصاً لن يتخلوا عن الأكراد، لن يكون هناك ميونيخ ثانية في عام 2019، يريد أردوغان تثبيت مليوني لاجئ على الأراضي الكردية: إنّه تطهير عرقي، فلنُوقفه حالاً، وإلا انقلب هذا العدوان ضدّنا!
آلاف الأكراد يتحدون دكتاتورية أردوغان

التهديدات التركية
إضافة إلى العمل العسكري؛ يلعب رجب طيب أردوغان أيضاً لعبة كلامية ضدّ أوروبا، في مواجهة الانتقادات من الدول الأوروبية، هدّد الرئيس التركي بفتح الأبواب لإرسال "3.6 مليون مهاجر"، لقد تلاشى تدفق المهاجرين من تركيا إلى أوروبا بشكل كبير بفضل اتفاق أبرم عام 2016 بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، لقد أجابه رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، بحزم شديد؛ حيث قال للصحفيين: "لن نسمح أبداً باستخدام اللاجئين كسلاح للضحك علينا"، وقال دونالد تاسك، عقب اجتماع مع الرئيس القبرصي، نيكوس أناستاساديس: "يجب أن تفهم تركيا أنّ شاغلنا الرئيس هو أنّ تصرفاتها قد تؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة، وهذا أمر غير مقبول"، "عملية تركيا العسكرية الأحادية الجانب تثير مخاوف خطيرة، ويجب أن تتوقف، يجب حلّ المخاوف الأمنية التركية من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، أما التدخل العسكري فسيزيد الأمور سوءاً".
هدفان
لأردوغان هدفان متزامنان: دفع القوات الكردية إلى أقصى حدّ ممكن من الحدود، ومنعها من إنشاء دولة ملاصقة لتركيا، وإنشاء منطقة عازلة طولها 30 كيلومتراً يعتزم أن ينقل إليها، لا أحد يدري في أي ظروف، ما يصل إلى مليوني سوري، أكثر من نصف الذين لجؤوا إلى تركيا في الأعوام الأخيرة.
مغامرة خارجية ليست مصادفة
يوم الأربعاء، قصفت دولة عضو في حلف الناتو، المزودة بطائرات أمريكية من طراز "F-16"، القوات الديمقراطية السورية (SDF)، التي زود محاربوها من القوات الكردية (YPG)، أفضل حليف محلي للغربيين في الحرب ضدّ داعش، ويبدو أنّ الهدف الأول من الهجوم هو مدينة الأبيض، التي انسحب منها الجيش الأمريكي المنتشر في المنطقة منذ إعلان دونالد ترامب هذا الانسحاب، يوم الأحد.
زيادة زعزعة الاستقرار في المنطقة
وبهذه الطريقة، يسهم أردوغان في زيادة زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن خلال مهاجمة خصمه المحلي الرئيس؛ فهو يُسهّل إعادة تشكيل قوات داعش وهي، رغم ما أكّده دونالد ترامب يوم الأحد، بعيدة عن أن تهزم مئة بالمئة، العامل المجهول الرئيس في القضية هو مصير الآلاف من جهاديي داعش الذين احتجزتهم قوات سوريا الديمقراطية، ومن بينهم كثير من الفرنسيين، الذين يمكنهم اغتنام الفرصة للفرار، إضافة إلى ذلك، يُقوي أردوغان يد بشار الأسد وحليفتيه الرئيستين؛ روسيا وإيران، اللتين يدعمهما حلفاؤهما المحليون برحيل الأمريكيين، وضعف الأكراد.

لطالما غضّت أنقرة الطرف عن الجهاديين الأجانب وكان كثير منهم يسافرون عبر تركيا للقتال في سوريا بمن فيهم داعش

ليست المغامرة الخارجية لأردوغان بعد بضعة أشهر من الانتكاسات المريرة التي تعرض لها في الانتخابات البلدية قبل الصيف، بأيّ حال من الأحوال، مصادفة، في تحليل الدوائر الحاكمة التركية، فإنّ فقدان إسطنبول وأنقرة والمدن الرئيسة الأخرى التي انتقلت إلى أيدي المعارضة، يرجع إلى حدّ كبير إلى سخط السكان ضدّ حوالي 3.7 مليون من اللاجئين السوريين في البلاد، المطالبة بنقلهم إلى سوريا تهدف إلى تهدئة هذا الغضب، بالنسبة إلى أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، تشكل خسارة المدن الكبرى تهديداً خطيراً لنظام التمويل شبه المافياوي، المعمول به منذ 25 عاماً، للاستفادة من الصفقات العامة للبلديات وأسواق العقارات.
أردوغان يكرّس هيمنته من أجل بقائه السياسي
"إنّ إستراتيجية تركيا ليست مجرد تمرين جيوسياسي"؛ هكذا قال جونول تول، مدير مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن (magazine américain Foreign Affairs)، على موقع مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية على الإنترنت، الأربعاء: "بالنسبة إلى أردوغان؛ إنّه أولاً وقبل كلّ شيء مرتبط ببقائه السياسي".
تهدف سياسة أردوغان السورية بأكملها، وفق المحلل جونول تول، إلى تعزيز هيمنته على الساحة السياسية الداخلية التركية، بعد بدء الصراع السوري، عام 2011، دعم رجل تركيا القوي الإسلاميين ضدّ نظام بشار الأسد، ولطالما غضّت أنقرة الطرف عن الجهاديين الأجانب، وكان كثير منهم يسافرون عبر تركيا للقتال في سوريا، بمن فيهم أولئك الذين انضموا إلى صفوف داعش.

اقرأ أيضاً: أردوغان وسياسة "الذئب الرمادي": مشهدية استعراضية تخفي الواقع
كان الأمر بالنسبة إلى أردوغان، في ذلك الوقت، هو تعزيز الدعم الذي كان يتمتع به في صفوف الإسلاميين الأتراك، في الوقت الذي بدأ فيه عملية كبرى لأسلمة نظام التعليم التركي، عندما أجبرته الانتكاسات الانتخابية الأولى، عام 2015، على التحالف مع حزب قوميّ متشدد، انفصل عن الأكراد وهاجم الأكراد السوريين، من خلال توغّلين عسكريين أوّليين في شمال سوريا.
سرعان ما أصبحت انتصارات الأكراد العسكرية ضدّ داعش، بدعم من الغربيين، كابوساً لأردوغان، منعُهم من إنشاء شبه دولة كردية، من النوع الذي أنشؤوه في شمال العراق، أصبح أولوية أنقرة العليا، منذ عام 2017، اكتمل انقلاب أردوغان ضدّهم، بالتحالف مع القوات الموالية للأسد المدعومة من روسيا، ليظهر أردوغان، الذي نجح في إقناع ترامب بالتخلي عن الأكراد، كم هو غير مهتم الآن بالمصالح مع الأوروبيين.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lepoint.fr/monde

للمشاركة:



فرار داعشيات فرنسيات من مخيم بسوريا.. وباريس تستنفر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان: إنّ "9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش الإرهابي، قد هربن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غرب سوريا".

وأكّد لودريان؛ أنّه سيتوجه إلى العراق قريباً، لبحث الإطار القضائي الذي يتيح محاكمة متشددين محتجزين في سوريا"، وفق ما نقلت "رويترز".

وزير الخارجية الفرنسي يؤكّد فرار 9 فرنسيات من المنتميات لـداعش الإرهابي من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد

وذكر الوزير الفرنسي، أمس؛ أنّه سيجري محادثات مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب، المحتجزين في مخيمات وسجون سورية.

يذكر أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، كان قد صرّح، أمس: بأنّ "القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستكون لها عواقب وخيمة على المنطقة، وستؤدي، لا محالة، إلى عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق".

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد حذّر، الأسبوع الماضي، من أنّ العدوان التركي على شمال شرق سوريا، سيحيي خطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

إدوار فيليب: القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستؤدي، لا محالة، إلى عودة داعش

وبدأت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها قبل نحو أسبوع هجوماً في شمال شرق سوريا، تسبّب وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، كما قتل أكثر من 120 عنصراً من الفصائل الموالية لأنقرة.

وأحصت تركيا، من جهتها، مقتل 4 جنود أتراك في سوريا، و18 مدنياً، جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

ودانت غالبية دول العالم العدوان التركي، وطالبت أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، باستثناء قطر التي أعلنت تأييدها لتركيا في العدوان على شمال سوريا ضدّ القوات الكردية.

 

للمشاركة:

بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:



كارثة صنعها الجميع في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

فاروق يوسف

"بغض النظر عما يُقال" تلك جملة تحد قالها الرئيس التركي اردوغان تعبيرا عن إصراره على الاستمرار في حملته العسكرية التي يهدف من خلالها إلى إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا وبالضبط على الأراضي التي سبق للأكراد أن أعلنوا فيها استقلالهم عن الدولة السورية.

ها هم يتخلون عن ذلك الاستقلال الذي تمتعوا به خمس سنوات وسط ضجيج الحرب التي خاضوها ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش الذي ما من قوة هزمته هناك مثلما فعل الأكراد. غير أنهم اليوم يجدون أنفسهم مضطرين إلى التذكير بأنهم جزء من الشعب السوري أن مدنهم ينبغي أن تكون تحت حماية الدولة السورية.

عاد الأكراد سوريين وفتحت مدنهم أبوابها للقوات السورية ولكن كل ذلك يجري برعاية روسية. وذلك إجراء ضروري من أجل أن لا يحدث أي تماس غير مقصود بين قوات الغزو التركي والقوات السورية ما دام اردوغان مصرا على مواجهة تبعات فعلته. وهي تبعات لا أعتقد أنها أقل خطرا من الإرهاب الوهمي الذي شكل تهديدا لأمن تركيا حسب المسؤولين الأتراك.

سوريا إذاً تمر اليوم بحلقة جديدة من مسلسل متاهتها التي يبدو أنها لم تكشف بعد عن جميع حلقاتها بالرغم من مضي أكثر من ثمان سنوات على بدء الحرب العبثية التي بدأت بانتفاضة شعبية سلمية لتصبح في وقت قياسي جزءا من لعبة الامم التي لا يمكن العثور على وسيلة للخروج منها. وفي كل ما جرى فإن هناك ما يسوغ توجيه اللوم إلى السوريين بالرغم من أنهم تحولوا مع الوقت إلى ضحايا بدرجات مختلفة.

المقصود هنا السوريون كلهم من غير استثناء، موالاة ومعارضة من غير أن يشمل ذلك التنظيمات الارهابية التي غزت سوريا بتمويل قطري ورعاية تركية فهي لا يمكن أن تكون مشمولة بأي التفاتة إنسانية.

فعلى سبيل المثال، كان الغزو التركي مناسبة لكي يصحو الأكراد ويتخلوا مجبرين عن أوهامهم في الانفصال عن سوريا وإقامة الدولة القومية وعادوا إلى الدولة السورية غير أن ذلك الموقف ليس مقنعا بالنسبة لزعماء أكراد كانوا على خلاف مع قوات سوريا الديمقراطية وسبق لهم أن اتهموها بالعمالة للنظام قبل أن يقع الغزو التركي بسنوات.

ذلك التمزق يعطي صورة عن الحال الذي عاشته سوريا في خضم صراعات فرقائها الذين ذهب كل فريق منهم إلى جهة حسب رؤية الطرف الذي يدعمه ويموله بالمال والسلاح.    

لقد تخلى الأكراد عن سوريتهم في اللحظات العصيبة ولكن ذلك لم يكن حكرا عليهم. فالسوريون الذين انتموا إلى التنظيمات "الجهادية" كانوا أيضا قد تخلوا عن سوريتهم بحجة مناهضة النظام والسعي إلى اسقاطه. تلك كذبة مررها الارهابيون ليشرعنوا من خلالها جرائمهم التي خرجت من دائرة الحرب على النظام لتدخل في دائرة الحرب على المجتمع.

كان من الواجب الأخلاقي والوطني أن يخلص السوريون، موالاة ومعارضة إلى مبدأ المواطنة قبل أن يقرروا الالتفات إلى مطالبهم والذهاب بها إلى المكان الذي يفقدهم القدرة على أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. ولكن المشكلة تكمن في أن مبدأ المواطنة لم يكن واضحا بالنسبة للكثيرين بسبب عنف النظام وسياساته القمعية العمياء.

اليوم يعتمد أردوغان في غزوته السورية على "الجيش الوطني السوري" وهو عبارة عن مجموعة من المرتزقة السوريين، في ارتكاب جرائم إبادة بشرية في قرى وبلدات سورية انما يضيف صفحة إلى الملف الأسود الثقيل الذي صار يضم صفحات الكارثة السورية.

لقد أخطأ الجميع وها هو أردوغان يستفيد من تلك الأخطاء من غير أن يلتفت إلى ما يُقال.

عن "ميديل ايست اون لاين"

للمشاركة:

أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية