تركيا: رذاذ الفلفل ضدّ مجموعة من قرّاء القرآن

تركيا: رذاذ الفلفل ضدّ مجموعة من قرّاء القرآن

مشاهدة

10/05/2021

أثارت الحملات المتوازية للشرطة التركية لإغلاق مساجد يعتكف فيها متطوعو وقف "فرقان" موجة غضب شديدة في البلاد، بعد انتشار مقاطع فيديو لقوات الأمن تستخدم العنف الجسدي ورذاذ الفلفل ضدّ مجموعة من قراء القرآن بشكل متعمّد.

وما أثار الاستياء الشعبي، حتى بين المنتسبين إلى أحزاب علمانية، تدنيس عناصر الشرطة للمساجد، واستخدامهم القوة ضدّ بضعة أفراد التزموا بالتباعد الاجتماعي في تجمّع لقراءة القرآن.

وهاجم مغردون الشرطة المحسوبة على أردوغان، وأعاد بعضهم التذكير بعداء الشرطة للجماعة الدينية التي وقفت وحيدة تعارض سياسات القمع التي ينتهجها أردوغان بحقّ معارضيه، ولم تقبل أن تبايعه، كما فعلت سائر الجماعات الأخرى التي أرادت البقاء.

غزوة المساجد

داهمت الشرطة التركية عدداً من المساجد في محافظة أضنة وغازي عنتاب وأماكن أخرى، لمنع عدد من أنصار رجل الدين، ألب أرسلان كويتول، مؤسس وقف فرقان، من الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، واعتقلت عدداً من المعتكفين، وألقت القبض على زعيم جماعة الفرقان، الشيخ ألب أرسلان كويتول، الذي سبق أن تعرّض للسجن لمدة عامين بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة، وهي التهمة التي برّأته المحكمة العليا منها.

مؤسّس وقف "فرقان" ألب أرسلان

وردّاً على ذلك تظاهر العشرات من أنصار الجماعة أمام مبنى الأمن في مدينة أضنة، ووقعت اشتباكات محدودة بين الطرفين، وجرى تعزيز التواجد الأمني في المدينة.

كتب رجل الدين قان أرسلان، حسبما نقلته صحيفة "زمان" التركية: "يا أعدائي الجبناء! لقد ألقيتموني في السجن استناداً إلى افتراءات كي أخنع وأستسلم لكم

وتقول السلطات الدينية في البلاد؛ أنّها حظرت إقامة صلاة التراويح والاعتكاف، بينما سمحت بفتح المساجد للصلوات الخمس، لكنّ أنصار "فرقان" يقولون إنّ البيان لم يتضمّن حظر البقاء في المساجد للتعبّد، وبحسب عدد من المقاطع المصورة؛ التزم متطوعو الوقف بالتباعد الاجتماعي في تجمّعاتهم في المساجد، فلم يزد عدد المجموعة عن العشرة أفراد، والتزموا بارتداء الكمامات، وترك مساحات واسعة أثناء التعبّد أو قراءة القرآن.

وكان من بين من ألقت الشرطة القبض عليهم؛ أحد أبناء ألب أرسلان، وعمره 14 عاماً، وقال أرسلان في تغريدة عبر تويتر: إنّ "العشرات من أعضاء الجماعة اعتقلوا من المساجد في عدد من المدن في وقت متزامن"، وغرّدت زوجته، سمراء كويتول، قائلة إنّ "الشرطة اعتقلت العشرات ممن تجمعوا حول منزلها بعد ورود أنباء عن اقتحام الشرطة للمساجد".

الجماعة العنيدة

وعقب الانقلاب المدبَّر، عام 2016، فرض أردوغان حصاراً تاماً على المجتمع المدني بجميع أشكاله، وكان للجمعيات الإسلامية نصيب ثقيل من المضايقات والاعتقالات، ووضعت أمام خيارين؛ إما موالاة أردوغان وخدمته انتخابياً، أو الاتّهام بتبعيتها لحركة الخدمة، التي يتزعمها رجل الدين، فتح الله جولن، الذي اتّهمه أردوغان بالوقوف وراء الانقلاب الأخير.

اقرأ أيضاً: السلطات التركية تقمع الإيغور.. ماذا فعلت؟

لكنّ مؤسسة وقف "فرقان"، بزعامة كويتول، رفضت موالاة أردوغان، فألقت الشرطة القبض على زعيمها وعدد من المنتسبين إليها، وحاصرت منزل زوجة كويتول ومنعت أنشطتهم الدينية، لكن، على عكس بقية الجماعات، لم تستلم الجماعة للقمع، ونظمت عشرات الفعاليات ضدّ سياسة أردوغان، مبتكرة طرقاً طريفة للاحتجاج على اعتقال كويتول ورفاقه.

أعلن وقف فرقان التزام أفراده بالإجراءات الاحترازية الصحّية في المساجد

وبعد أن قضى كويتول عامَين في السجن على فترتَين، برّأته المحكمة العليا من التّهم المنسوبة إليه، وأطلقت سراحه، وقال المحلل السياسي، ياوز أجار: إنّ الجماعة "تكاد تكون الوحيدة من الجماعات الإسلامية التي رفضت مبايعة أردوغان، أو دعمه؛ ففي بداية صعود أردوغان رأت فيه مشروعاً غربياً تحت عباءة الإسلام، وحين تحوّل أردوغان إلى التيار الإسلامي، منذ 2010، ودخل في صدام مع الغرب وتحوّل عن نهجه الديمقراطي إلى النهج القمعي، عارضته الجماعة بسبب هذا النهج".

اقرأ أيضاً: أردوغان يتحدّث عن التمسّك بحرية الصحافة ويقمع الصحفيين

وأضاف أجار لـ "حفريات": "زعيم الجماعة، ألب أرسلان كويتول، دفع ثمن مواقفه فصار "مغضوباً عليه"، وحين بدأ ومجموعته الاعتكاف الجماعي في المساجد خلال العشر الأواخر في رمضان بادرت السلطات إلى التصدي بعنف لهم، بشنّ حملة واسعة على مساجدهم، واستخدمت العنف والغاز المسيل للدموع، مع أنّه كان من الممكن حلّ الأزمة سلمياً، لكن هناك نوايا مبيتة ضدّهم.

استياء شعبي

وخلّفت المداهمات غضباً شعبياً واسعاً، بسبب الطريقة المهينة للشرطة في التعامل مع المعتكفين في المساجد، وانتهاك حرمة المساجد، وفي المقابل كشفت الحادثة مدى الانشقاق الاجتماعي الخطير في البلاد؛ بسبب سياسات أردوغان، فبعض التعليقات والردود في سياق الحادثة تكشف شيوع العنف الاجتماعي من مناصري أردوغان ضدّ أيّة معارضين.

اقرأ أيضاً: تركيا والقمع العابر للحدود من السرّ للعلانية

وروى أحد متطوعي وقف "فرقان" ما حدث في غازي عنتاب لـ "حفريات": "العبادة غير ممنوعة في المسجد، لكن فوجئنا بقوات الشرطة تقتحم مساجد عديدة بالأحذية، وتستخدم الغاز المسيل للدموع، في مشاهد ذكرتنا بممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ المصلين في القدس الشريف".

حلقة لقراءة القرآن لأنصار وقف فرقان

وأردف المتطوّع، الذي رفض الكشف عن اسمه: نحاول إحياء سنّة الاعتكاف، التي صارت مهجورة في تركيا، وكنا نمارس حقاً دستورياً، ونطالب بإقالة مدير شرطة غازي عنتاب، وإحالة الضباط الذين شاركوا في اقتحام المساجد إلى التحقيق.

ومن المرجح أن تستمر الجماعة في فعاليات احتجاجية لحين الإفراج عن الشيخ ألب أرسلان، ونشر حساب المؤسسة على "تويتر" صوراً لمتطوعين معتصمين أمام مديرية الأمن في غازي عنتاب للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.

وتمثّل جماعة "فرقان" أزمة كبيرة لاحتكار أردوغان للخطاب الإسلامي، وكتب الكاتب التركي، بيهتار أوكوتان، مقالاً نشرته صحيفة "أحوال" حول مأزق أردوغان مع الجماعة، جاء فيه؛ أنّه "كان من الصعب على حزب العدالة والتنمية، الذي يرى نفسه المدافع الوحيد عن الإسلام والإسلاميين، أن يقبل أن يزاحمه أحد في هذا التصوّر داخل عقول المواطنين الأتراك".

اقرأ أيضاً: قرارات لأردوغان لقمع الحريات.. ما هي؟

ورصد أوكوتان ظاهرة جديدة داخل الجماعات الإسلامية في تنظيم الفعاليات الاحتجاجية، مع الفعاليات التي نظمتها مؤسسة "فرقان"، خلال العامين الماضيين، على خلفية اعتقال الشيخ ألب أرسلان؛ "كان الإسلاميون المؤيدون لألب أرسلان كويتول، خلال هذه المسيرات الاحتجاجية، يكتبون اسمه على البالونات، ثم يطلقونها في الهواء، ويوزعون الحلويات على المواطنين، طالبين منهم الدعاء من أجل إطلاق سراح رئيس حزب الفرقان، وكانوا أيضاً يعلقون صوراً صغيرة لألب أرسلان في رقابهم، ويطوفون الشوارع بها، كانت هذه ظاهرة جديدة بين الإسلاميين في تركيا".

غضب شعبي لاقتحام الشرطة المساجد

وبخلاف بقية الجماعات الإسلامية في تركيا، يبدو متطوعو جماعة فرقان مؤمنين متحمسين للدين، ويناهضون أردوغان من رؤية دينية، دون هدف سياسي ما يجعل من الصعب عليه تصنيفهم أو اتّهامهم أمام الرأي العام.

وفي معرض تحليله لسلوك الجماعة الاحتجاجي، في ظلّ مناخ من البطش في البلاد، أشار الكاتب أوكوتان إلى الحماسة الدينية لهم، وأنّهم أقدموا على فعل هذا انطلاقاً من قاعدة جوهرية في الإسلام؛ هي أنّ "الساكت عن الحقّ شيطان أخرس"، ورفضهم لطغيان أردوغان الذي ينازع حقوق الله بالنسبة إلى الجماعة.

كان من الصعب على حزب العدالة الذي يرى نفسه المدافع الوحيد عن الإسلام والإسلاميين، أن يقبل أن يزاحمه أحد في هذا التصوّر داخل عقول الأتراك

وسبق أن عبّر زعيم الجماعة، الشيخ أرسلان، عن رؤيته لنظام أردوغان، حين وصفهم بـ "العبيد"، وطالب الأتراك، عقب خروجه من السجن أواخر عام 2019، في لقاء عبر قناة "يوتيوب"، بألّا يكونوا عبيداً لمن أسماهم العبيد، في إشارة إلى النظام التركي، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وأثناء اعتقاله، كتب أرسلان، حسبما نقلته صحيفة "زمان" التركية: "يا أعدائي الجبناء! لقد ألقيتموني في السجن استناداً إلى افتراءات كي أخنع وأستسلم لكم، لكنّكم لم تفلحوا في هذا الأمر، بفضل الله وعونه، ظلمكم زادني قوة ويقينًا، وقمتم باقتياد المئات من رفقاء الدعوة، نساء ورجالاً، خرجوا رافعين لافتات كتب عليها "الحرية لألب أرسلان كويتول"، إلى مراكز الأمن للاستجواب والاعتقال".

من اعتصام لأنصار وقف فرقان أمام مديرية الأمن في أضنة

وتأسّس وقف "فرقان" للتعليم والخدمات، عام 1994، في مدينة أضنة، على يد الشيخ ألب أرسلان، وبحسب الموقع الرسمي للوقف، تهدف الجماعة إلى خلق جيل مسلم ملتزم بمبادئ الإسلام ونهج النبي محمد، عليه السلام، ويقدّم الوقف خدمات اجتماعية واسعة؛ من معونات للمحتاجين، ومنح دراسية للطلاب، ومحاضرات ودروس في العلوم الدينية، وتمتاز الجماعة بكفاءة استخدامها لوسائل التواصل الحديثة، وقدرتها الخلاقة على ابتكار فعاليات والحشد لمواجهة عدوان السلطة ضدها.

الصفحة الرئيسية