تركيا في القرن الإفريقي ومخاطر عسكرة البحر الأحمر

4296
عدد القراءات

2018-12-03

يثير البحث التركي عن موطئ قدم جديد في البحر الأحمر، تساؤلات حول الأطماع السياسية والإستراتيجية لأنقرة، طويلة الأمد في المنطقة؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) العام 2016، وقّعت تركيا اتفاقية مع جيبوتي، البلد الصغير على ساحل البحر الأحمر، لإنشاء منطقة تجارية حرّة، تبلغ 12 مليون متر مربع، مع قدرة اقتصادية متوقعة تبلغ 1 تريليون دولار، وفي أيلول (سبتمبر) العام 2017، أطلقت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج، في مقديشو عاصمة الصومال.

اقرأ أيضاً: هل يكشف المستقبل وجهاً جديداً لتركيا؟

وبعد فترة وجيزة، وتحديداً بعد رفع العقوبات الأمريكية على السودان، في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2017، أبدت الحكومة التركية اهتماماً كبيراً بالاستثمار فيه؛ حيث وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتفاقات بقيمة 650 مليون دولار، وتشمل 300 مليون دولار من الاستثمارات المباشرة.

قواعد تركيا العسكرية

وتحاول أنقرة توسيع نطاق إستراتيجيتها، المتمثلة في نشر قواعد عسكرية متقدّمة في عمق محيطها الملتهب وغير المستقر في الشرق الأوسط، ولتركيا اليوم قواعد عسكرية في قبرص، والعراق، وسوريا، وقطر والصومال، وعلاوة على ذلك؛ ذكرت بعض الوسائل الإعلامية التركية أنّ أنقرة تبحث إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، التي تستضيف بالفعل قواعد أمريكية وفرنسية ويابانية وصينية.

مبنى القاعدة التركية في الصومال

وجاءت القاعدة التركية في الصومال؛ وهي الأكبر على الإطلاق، تتويجاً للعلاقات الاقتصادية بين أنقرة ومقديشو في الأعوام الأخيرة. وكان حجم التجارة بين تركيا والصومال يبلغ 5 ملايين دولار فقط، عام 2010، ووصل إلى 123 مليون دولار عام 2016، ومن أجل تأمين الدعم للقاعدة العسكرية التركية، قامت الوكالة التركية للتعاون الدولي والتنمية بتقديم 400 مليون دولار من المساعدات للصومال.

لا يمكن فصل المصالح الاقتصادية لتركيا عن حساباتها الإستراتيجية في منطقة البحر الأحمر

وفي مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري؛ قام وزير الدفاع التركي، الفريق أول خلوصي أكار، بزيارة إلى السودان والصومال، وشملت زيارته جزيرة سواكن المُطَلة على البحر الأحمر، والتي منحتها الحكومة السودانية لتركيا بهدف إعادة ترميمها على الطراز العثماني، وفي هذا السياق، أشارت بعض التحليلات إلى أنّ الزيارة الأخيرة لوزير الدفاع التركي خلوصي آكار، هدفت بحث إقامة قواعد عسكرية للتدريب في جزيرة سواكن السودانية.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أجاز مجلس الوزراء القومي السوداني "اتفاقية للتعاون والتدريب العسكري بين السودان وتركيا؛ بهدف تعزيز التعاون في مجال التدريب ودعم السلام والاستقرار في البلدين".

زيارة وزير الدفاع التركي للصومال في مطلع تشرين الثاني

في الصومال: تراجع في الموقف التركي؟

بالنسبة إلى الصومال، ورغم وجود القاعدة التركية الكبيرة في مقديشو، وتبادل الزيارات على مستوى عالٍ، ظهرت في الآونة الأخيرة بوادر توتّر في العلاقة بين مقديشو وأنقرة، ومن شواهد وجود هذا التوتر؛ أنّ تركيا لم تدعُ الرئيس الصومالي فرماجو لحضور افتتاح مطار إسطنبول الجديد الذي دعت له عدد من الرؤساء الأفارقة الشهر الماضي، إلى جانب تخفيض مستوى مشاركة تركيا في اجتماع مجموعة الاتصال التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، فلم يحضر وزير الخارجية التركي كما كان مقرراً، بعد أن كانت تسارع تركيا للمشاركة بقوة في أيّة فعالية صومالية.

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان إلى إقرار أمريكي بحزامه الأمني في سوريا؟

وأيضاً من شواهد هذا التراجع التركي في الصومال خفض تركيا حجم مساعداتها العسكرية للصومال هذا العام من 30 مليون دولار إلى 20 مليون فقط، وبحسب محلّلين؛ فإنّ أنقرة منزعجة من البيان الصومالي الداعم للسعودية، بلا تحفظات، في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

كذلك من جانب آخر؛ يشير المراقبون إلى أنّ تركيا غير راضية عن انضمام الرئيس الصومالي محمد فرماجو إلى محور "القرن الإفريقي الجديد"، الذي يضمّ كلاً من إثيوبيا والصومال وإريتريا، وهو محور محسوب على السعودية والإمارات، وقد نجح هذا المحور في عقد سلسلة لقاءات تمخّضت عنها مصالحات تاريخية بين دول القرن الإفريقي.

تأثيرات الأزمة الخليجية

ومن جانبها؛ تبدي دول الرباعي العربي، التي تقاطع قطر منذ حزيران (يونيو) العام 2017، والتي تضمّ كلاً من؛ المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، ومصر، انزعاجها من نشاط تركيا الجديد في البحر الأحمر، فضلاً عن أنّ علاقات مصر الخلافية مع السودان، خاصّة في ضوء نزاعات المياه مع إثيوبيا، وضعت أنقرة والقاهرة في مسار تصادمي.

 الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس التركي أردوغان

وفي الواقع؛ لا يمكن فصل المصالح الاقتصادية لتركيا عن حساباتها الإستراتيجية في منطقة البحر الأحمر، وينظر البعض إلى طموحات تركيا في القرن الإفريقي على أنّها إحياء لأحلام العثمانية الجديدة، رغم حقيقة أن الحكومة التركية تستخدم خطاباً عثمانياً جديداً للاستهلاك المحلي، كما تستخدم الهوية الإسلامية في سياستها الخارجية تجاه العالم العربي، لكنّ التفسيرات الأيديولوجية لا تفسّر وحدها نشاط تركيا المتزايد في منطقة البحر الأحمر، بل يمكن القول إنّ النشاط التركي هناك مدفوع، في المقام الأول، بالمصالح الاقتصادية والإستراتيجية لتركيا.

اقرأ أيضاً: أردوغان يكرر خطأه السوري مع السعودية

وقد أثرت أزمة دول مجلس التعاون الخليجي في الخيارات الإستراتيجية لتركيا، وأظهرت أنقرة، في بداية الأزمة، دعماً قوياً للدوحة، في حين حرصت على عدم الابتعاد عن الرياض، وفي أُثناء الحرب السعودية الإيرانية بالوكالة، الدائرة في اليمن، يشهد القرن الإفريقي عسكرة متزايدة من قبل جميع الأطراف، وبالتالي، أصبح ميداناً أكثر أهمية في لعب القوى الإقليمية.

بين مصر وتركيا

إنّ نشاط تركيا في البحر الأحمر يثير حفيظة القاهرة بشكل خاص، ويزيد من تآكل العلاقات المتوترة بالفعل بين أردوغان والرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، بسبب مسألة الإخوان المسلمين التي تصنفها مصر "منظمة إرهابية".

يشير مراقبون إلى أنّ تركيا غير راضية عن انضمام الرئيس الصومالي فرماجو إلى محور "القرن الإفريقي الجديد"

وتشكّل علاقات أنقرة الودية مع الحكومة السودانية تطوراً مقلقاً بالنسبة إلى مصر، خاصة إذا تحوّلت إلى شراكة عسكرية؛ لأنّ الخلافات بين مصر والسودان لها جذور تاريخية، وقد جدّد السودان مؤخراً شكواه في الأمم المتحدة، للمطالبة بانسحاب مصر من مثلث حلايب، وهو الإقليم المتنازع عليه على الحدود المصرية السودانية منذ العام 1958.

إذاً، وجدت تركيا نفسها في أكثر شبكات الصراعات تعقيداً في القرن الإفريقي، وعززت الخلافات السودانية المصرية عودة ظهور نزاعات المياه المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي (GERD) على النيل الأزرق، والرافد الرئيس لنهر النيل.

اقرأ أيضاً: تركيا تضغط على أمريكا وحلفائها في ريف دير الزور

وقد بدأت الحكومة الإثيوبية بإنشاء السدّ عام 2011، وفي الأعوام الأولى؛ عمل السودان وسيطاً بين إثيوبيا ومصر، لكن في الآونة الأخيرة، يبدو أنّ السودان يقف إلى جانب إثيوبيا في هذا النزاع، ومع هطول كميات لا تذكر من الأمطار، والاعتماد الشديد على نهر النيل، تخشى مصر من التداعيات المحتملة من عملية بناء السدّ، مثل الانخفاض الخطير في الإنتاج الزراعي.

ومن المتوقع أن ينتج السدّ عند الانتهاء 6000 ميغاوات من الطاقة الكهرمائية لإثيوبيا، مع سعة تخزين تبلغ 63 مليار متر مكعب من المياه في خزانها، ووفق وزارة الري والموارد المائية المصرية؛ فإنّ مثل هذا الاحتمال سيقلص نصيب مصر من مياه النيل بمقدار 22 مليار متر مكعب سنوياً، مما يلحق الضرر بكلّ من الزراعة والإنتاج الكهرمائي.

بعد رفع العقوبات الأمريكية على السودان أبدت الحكومة التركية اهتماماً كبيراً بالاستثمار فيه

سباق القواعد العسكرية

تنظر الرياض وأبو ظبي إلى نشاط تركيا في البحر الأحمر على أنه مقامرة خطيرة، وبدورهما عززا من وجودهما العسكري في العديد من الموانئ الإستراتيجية في البحر الأحمر، خاصة في صوماللاند وإريتريا، اللتين تستضيفان قواعد عسكرية إماراتية.

تحاول أنقرة توسيع نطاق إستراتيجيتها المتمثلة في نشر قواعد عسكرية متقدّمة بعمق محيطها الملتهب وغير المستقر في الشرق الأوسط

وبالنظر إلى الاصطفافات المعلنة وسياسات المحاور في المنطقة، والخلافات العميقة في تلك المحاور؛ فإنّ العسكرة التي تتكشّف في البحر الأحمر هي باتجاه ينذر بالخطر بالنسبة إلى أمن المنقطة واستقرارها.

ويرى كثيرون من المراقبين لوضع المنطقة؛ أنّه طالما استمرت حرب اليمن في زعزعة استقرار المنطقة، فمن غير المحتمل أن يأمن اللاعبون الإقليميون من معضلة عدم الاستقرار، وكخطوة أولى حاسمة؛ يحتاج اللاعبون الإقليميون إلى وضع إستراتيجية ثابتة لمعالجة الحرب المستمرة والمدمرة في اليمن، وهي حرب لا تبدو نهايتها في الأفق.

اقرأ أيضاً: السعودية وتركيا والزعامة

أما بالنسبة إلى تركيا؛ فإنها تبدو منخرطة في شبكة معقدة من العلاقات في القرن الإفريقي، وتخاطر بعسكرة المنطقة، وللمرة الأولى منذ هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، تجد تركيا نفسها متورطة في صراعات جديدة على البحر الأحمر.

اقرأ المزيد...

الوسوم: