تركيا في عهد أردوغان: من الديمقراطية إلى الحكم المطلق

8274
عدد القراءات

2018-04-01

تحقيقات

استناداً إلى تطوّر تركيا؛ السياسي والاقتصادي خلال السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الأيديولوجية والرؤى الإسلامية، ساد اعتقادٌ في بعض الأوساط السياسية والأكاديمية بأنّ نموذجاً مختلفاً من "الإسلام السياسيّ" يكون عصرياً ومنفتحاً هو أمر ممكن. بل إنّ بعض دوائر القرار الأمريكي آنذاك تبنّت توجّهات كهذه؛ إذ كان زلزال الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ما يزال طازجاً، مفترضةً أنّ دعم الإسلاميين "المعتدلين" والقبول بهم في السلطة أو حتّى دعمهم لبلوغها، قد يضعف الجماعات الإسلامية المتطرّفة ويحدّ من انتشارها.

غير أنّه بعد خمسة عشر عاماً من تجربة هذا الحزب وزعيمه القوي رجب طيب أردوغان في السلطة، وبعد كلّ ما قام ويقوم به الأخير لإحكام قبضته على البلاد، وما آلت إليه أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في تركيا من تردٍّ غير مسبوق، فضلاً عن صبغ المجتمع والحياة السياسية بخطاب إسلامي شعبوي، آخر تمظهراته وصف الحملة العسكرية على أكراد عفرين بـ"الجهاد"، ينهض مجدداً وبقوّة السؤال الكبير حول حقيقة العلاقة بين الأحزاب الإسلامية حتى في طبعاتها الأكثر "حداثة" وبين النظام الديمقراطي، بالرغم من ادّعائها الانفتاح على العصر والقيم الديمقراطية، ومحاولتها الظهور متخفّفةً من العدّة الإسلامية التقليدية. وفي ما يلي محاولة موجزة لتتبع مسار أردوغان وحزبه في الحكم، ورصد انتقالهم بتركيا من الديمقراطية، التي أتاحت لهؤلاء "الإسلاميين المعتدلين" بلوغ السلطة، إلى التسلّط والاستبداد والحكم الفردي.

الصعود السريع

شهدت الانتخابات العامة في تركيا عام 2002 مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث استطاع حزب إسلاميّ التوجّه (العدالة والتنمية)، لم يكن مضى على تأسيسه سوى عامٍ واحد، أن ينال النسبة الأعلى من أصوات الناخبين متفوقاً على أعرق الأحزاب التركية، كحزب الشعب الجمهوري ممثل التيار العلماني وحامل إرث مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة وواضع أسسها الجمهورية العلمانية.

لم يكن الحزب الفائز ورموزه طارئين على الحياة السياسية فهم أبناء "الحركة الإسلامية" التركية، وأردوغان نفسه كان عضواً نشطاً في أحزاب إسلامية سابقة كالفضيلة والرفاه وغيرها بقيادة نجم الدين أربكان، الأب المؤسس للإسلام السياسي التركي، والذي كان يعاود تشكيل حزب جديد باسم مختلف بعد كل قرار بحلّ حزبه السابق خلال المواجهات السياسية المتكررة مع التيار العلماني المتشدد داخل المؤسسة العسكرية. فكان ظهور حزب العدالة والتنمية نوعاً من الخروج على قيادة أربكان التاريخية لوضع إستراتيجية عمل جديدة للإسلاميين؛ لأن الأجيال الأحدث في "الحركة الإسلامية" مثل؛ أردوغان وعبدالله غول وأحمد داوود أوغلو وسواهم، لم يعد يرق لهم فشل أربكان المتكرر في الصمود أمام ضغوط العسكر والعلمانيين المتشدّدين في النظام ولا خطابه وطريقة إدارته التقليدية، وباتوا في نظر الشارع ممثلين للنخب الإسلامية العصرية و"المعتدلة"، وبهذا كسبوا بخلفيتهم الأيديولوجية الإسلامية الناخبين ذوي التوجّه الإسلامي، وفي الوقت نفسه نالوا الكثير من أصوات التيارات العلمانية والليبرالية، عبر الترويج لأنفسهم كمتبنّين لقيم الحداثة وتأكيدهم السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كهدف أساسي.

تكتيكات النجاح

في البداية تجنّب أردوغان وفريقه الخوض في المسائل الإشكالية المتعلقة بدور الإسلام في المجتمع وعلاقته بالدولة، والتي كانت دوماً سبب تصادم الأحزاب الإسلامية السابقة مع الجيش التركي بوصفه حامياً للنظام الجمهوري العلماني. وجرى التركيز على الاقتصاد وتحسين علاقات تركيا الخارجية والعمل على بدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مما ساهم في خروج البلاد من أزمتها الاقتصادية خلال وقت قياسي. فالدبلوماسية النشطة وتحسين العلاقات مع الجوار عادت بنتائج إيجابية على الاقتصاد التركي، ومثلها المساعدات السخيّة التي قدّمتها الولايات المتحدة لتركيا لاستمالتها خلال فترة التحضير لغزو العراق، كما أنّ محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تطلّبت إجراءات قانونية وهيكلية متعلقة بالاقتصاد لتحقيق معايير العضوية، رافقتها مساعدات وتسهيلات مالية واقتصادية أوروبية. تضافرت تلك العوامل كافّة لتحقّق نجاحاً باهراً، فارتفعت معدّلات النمو ومستوى دخل الفرد وأصبحت تركيا من بين الاقتصادات المتقدّمة في العالم، ما أثمر مزيداً من شعبية الحزب الحاكم وزعيمه أردوغان؛ حيث ارتبطت النجاحات الاقتصادية بهم وبحكمهم بصرف النظر عن الظروف الموضوعية التي ساعدت عليها.

ارتبطت النجاحات الاقتصادية بأردوغان بصرف النظر عن الظروف الموضوعية التي ساعدت عليها

على صعيد آخر وجد أردوغان في مسألة الانضمام إلى النادي الأوروبي وما يتطلّبه من إجراءات تتعلق بالشفافية والديمقراطية وسيلة فعّالة للضغط على العسكر والحدّ من نفوذهم في الدولة، ذلك أنّ تقليص النفوذ السياسي للجيش من المعايير الأساسية للقبول ببدء المفاوضات مع الأوروبيين، ولم يكن ممكناً للعسكريين رفض إجراءات الحكومة في هذا الشأن كي لا يظهروا بمظهر من يقف في وجه حلم الأتراك المزمن بالعضوية الأوروبية. وتحت شعارات تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان راحت سلطة العسكر تنحسر شيئاً فشيئاً لصالح أردوغان الذي أعاد تنظيم مجلس الأمن القومي بما يعزّز من سلطته ويقلّص في الوقت نفسه دور الجيش في الحياة السياسية. كما سعى إلى توسيع قاعدته الشعبية لدى الأكراد عبر قضيتهم، وهي التي شكّلت معضلة تؤرّق الحكومات التركية كافّة، فحرص أول الأمر على تبنّي خطاب منفتح تجاههم ووعد بإيجاد حل سياسي ينهي الصراع الدامي بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، ما أدى إلى حصول حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2007 على نسبة كبيرة من أصوات الناخبين في المناطق ذات الغالبية الكردية.

انعطافات وتحوّلات

مستغلاً النجاحات الاقتصادية التي حققتها حكومته، راح أردوغان يوطّد نفوذه تدريجياً في الحزب والدولة، فيزرع أعوانه والمقرّبين منه في المفاصل الحساسة ومراكز القرار السياسي والاقتصادي، وعمل على تعزيز أجهزة الأمن والشرطة لتكون قوة تدعم سلطته في أي مواجهة محتملة مع المؤسسة العسكرية أو سواها. وحرص على الإمساك بالإعلام الرسمي وتجييره لخدمة طموحاته، مع التضييق على وسائل الإعلام المستقلة أو المعارضة. وتساقطت تباعاً الشعارات البرّاقة التي تبيّن أنّه استخدمها لتعزيز حكمه لا أكثر وبعدما استنفدت أغراضها واستقرّ له الأمر بدأت تظهر توجّهاته الحقيقية المناقضة لتلك الشعارات، مثل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحل المشكلة الكردية.

عُلّقت المفاوضات مع الأوروبيين مراراً وتكرّرت الأزمات الدبلوماسية بين تركيا وأوروبا، بسبب عنجهية أردوغان وتصريحاته الاستفزازية

في الأولى عُلّقت المفاوضات مع الأوروبيين مراراً وتكرّرت الأزمات الدبلوماسية بين تركيا وأوروبا، بسبب عنجهية أردوغان وتصريحاته الاستفزازية وغير المسؤولة في أكثر من مناسبة، كصدور مواقف بشأن مذابح الأرمن أو ملفّ تدفّق اللاجئين عبر تركيا إلى أوروبا أو حتى بشأن أوضاع حقوق الإنسان في تركيا، الأمر الذي كشف عدم جدّيته في التوجه نحو أوروبا وأنّ كلامه السابق عن التزامه وحزبه بهذا الهدف كان لكسب تأييد الناخبين لا أكثر، حتى أنه بدأ يتراجع عن إجراءات كانت اتّخذت في السابق تلبية لمعايير الاتحاد الأوروبي، فعاد مجدداً للحديث عن مشروع قانون تجريم العلاقات الجنسية خارج الزواج، الذي كان قد سحبه من المناقشات البرلمانية عام 2004، كما يحاول الآن إعادة تطبيق عقوبة الإعدام التي ألغيت في السابق.

أما القضية الكردية، فقد أعادها إلى سابق عهدها كمشكلة أمنية وكفّ عن وعوده بإيجاد حل سياسي لها. وتعثّرت "محادثات السلام" مع حزب العمال الكردستاني لتتجدّد العمليات العسكرية ضدّ المناطق الكردية، وهوجمت العديد من المدن والبلدات بالأسلحة الثقيلة ما أدى إلى سقوط مئات المدنيين بين قتيل وجريح. فخطاب أردوغان المنفتح على الأكراد وإطلاق "عملية السلام" محض دعاية انتخابية، واليوم يقبع صلاح الدين دمرتاش، النائب الكردي وزعيم حزب الشعوب الديمقراطي، في السجن لأسباب سياسية دون وجود أي أدلة أو تهم جدّية ضده.

مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات شعر أردوغان بخطورة الموقف وراح يتوعّد المعتصمين

2013: قمع الحريات وفضائح الفساد

اندلعت مظاهرات ضخمة مناهضة لحكومة حزب العدالة والتنمية صيف عام 2013، شارك فيها مئات الآلاف مطالبين باستقالة أردوغان وكان رئيساً للوزراء. عكست موجة الاحتجاجات تذمّر قطاعات واسعة في الشارع التركي من سياسات الحكومة، رغم أنّ سببها المباشر كان سعي الحكومة إلى إزالة حديقة عامة قرب ميدان تقسيم وسط اسطنبول لإقامة مول تجاري، مما دفع رافضي المشروع إلى الاحتشاد والاعتصام في الميدان، وتحويله إلى مركز للتحركات الاحتجاجية.

لم تقتصر المظاهرات على اسطنبول؛ إذ ما لبثت أن اتسع نطاقها لتشمل العديد من المدن التركية الرئيسية، وتفاقمت حالة الغضب الشعبي بسبب استخدام قوات الأمن والشرطة العنف المفرط ضدّ المتظاهرين وفض المظاهرات بالقوة. ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات شعر أردوغان بخطورة الموقف وراح يتوعّد المعتصمين في ميدان تقسيم بأنّ "صبره قد نفد"، ولوّح نائبُه عبر التلفزيون التركي الرسمي باستخدام القوات المسلحة عند الضرورة، فكانت أول مرة يهدد فيها الحزب الحاكم باستخدام الجيش لقمع المتظاهرين وإنهاء الاحتجاجات. كما شنّت قوات الأمن حملات مداهمة للمنازل واعتقلت العديد من الأشخاص من بيوتهم بتهمة التظاهر، وتشير الأرقام إلى اعتقال أكثر من خمسمئة متظاهر، وإصابة نحو خمسة آلاف شخص ومقتل أربعة على الأقل خلال الاضطرابات.

لم تقتصر المظاهرات على اسطنبول؛ إذ ما لبثت أن اتسع نطاقها لتشمل العديد من المدن التركية الرئيسية

لم تكد الأوضاع تهدأ وتستعيد الحكومة السيطرة حتى عاد المتظاهرون إلى الشوارع على خلفية فضائح الفساد. ففي أواخر عام 2013 نُشرت معلومات عن تحقيقات قضائية كشفت تورّط وزراء ونوّاب في ملفّات رشى وتهريب وتبييض أموال، في فضيحة فساد وصفت بأنها "الأكبر" في تاريخ تركيا، مما دفع أردوغان إلى إجراء تعديل وزاري عاجل شمل عشرة وزراء من أصل خمسة وعشرين، كما أقال عدداً من المحققين في القضية سعياً منه لتطويق الأزمة.

لكن القضية لم تتوقف عند هذا الحد؛ بل امتدت لتشمل أسرة أردوغان نفسه، فالتحقيقات أشارت وقتها إلى تورّط "المؤسسة التركية لخدمة الشباب والتربية"، وهي منظمة غير حكومية يرأسها بلال نجل أردوغان. ونُشرت على الإنترنت تسجيلات صوتية تمت خلال سير التحقيق لمكالمات هاتفية وأحاديث بين أردوغان وابنه عن عشرات ملايين الدولارات تؤكّد تلك الاتهامات، ومكالمات أخرى بين أحد كبار المقاولين وبين كل من أردوغان وابنته، تشير إلى تلقي الأخير فيلات فخمة في أحد أجمل المناطق التركية مقابل حصول المقاول على رخصة البناء، كون المنطقة محمية طبيعية وتوجد قيود على البناء فيها. حجبت الحكومة كافّة المواقع التي نشرت التسجيلات، ومع سيطرة حزبه على البرلمان وتحكّمه الكامل بالحزب لم يواجه أردوغان أيّة مشاكل أو إجراءات قانونية جدّية ضدّه لا في البرلمان ولا في الحزب.

قمع الأمن والشرطة المحتجين ومنعت المظاهرات بالقوة، وتفرّغ أردوغان لاحتواء خصومه والالتفاف على الاتهامات التي طالته وأسرته

قمعت أجهزة الأمن والشرطة المحتجين ومنعت المظاهرات بالقوة، وتفرّغ أردوغان لاحتواء خصومه والالتفاف على الاتهامات التي طالته وأسرته، فزعم أنّ التسجيلات "مفبركة" وأن ما يجري "مؤامرة" ومحاولة للانقلاب عليه وأنّ من يقف وراءها سيدفع الثمن. كما أثار الرأي العام ضدّ القضاة والمحققين المعنيين، متهماً إيّاهم بالعمل مع "بعض المجموعات الإجرامية"، داعياً أنصاره إلى التوحد والتضامن مع حزبه للتصدي لبعض وسائل الإعلام ورجال الأعمال والدوائر السياسية التي نسّقت ما سماها "المؤامرة الحقودة"، معتبراً أنّ هذه التطورات لا تستهدف حزب العدالة والتنمية لكنها تستهدف تركيا، في خطاب يماهي بين حزبه الذي كاد أن يُختصر بشخصه، وبين تركيا. وأصدر قراراته بعزل واعتقال أعداد كبيرة من القضاة والمحققين والمدّعين العامّين ومثلهم من الصحفيين والنشطاء السياسيين، بتهمة الارتباط بحركة "الخدمة" التي يقودها الداعية الإسلامي فتح الله غولن وتشكيلهم "كياناً مواياً" يهدف إلى تقويض تركيا من الداخل، وفق تعبير أردوغان حليف غولن السابق وعدوّه المستجدّ. واستُبدل القضاة والمحققون المعزولون بآخرين موالين، ليتم لاحقاً إغلاق القضيّة بحجة "عدم وجود أساس قانوني". وتابع أردوغان خطاه الحثيثة نحو الاستئثار بالسلطة، فانتُخب رئيساً للبلاد وبدأ بتهيئة الظروف لتمرير التعديلات الدستورية التي يريد من خلالها تحويل تركيا إلى النظام الرئاسي ومنح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة.

لكنّ الوقائع كانت تسير على غير ما يرضي أردوغان وحزبه؛ إذ جاءت نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2015 مخيّبة لهم، وخسروا الأغلبية المطلقة التي كانت لهم في البرلمان، مما شكّل ضربة قوية لمشروع التعديلات الدستورية؛ لأن الخريطة السياسية التي تشكّلت في ضوء الانتخابات جعلت من شبه المستحيل تمرير المشروع، وبدا ذلك بمثابة تصويت مبكّر عليه. كانت تلك النتيجة منطقيةً بعد فضائح الفساد وتراجع أوضاع الحرّيات في البلاد وتعثّر مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الأزمات الدبلوماسية والتوترات المتلاحقة التي شابت علاقات تركيا الخارجية بسبب التورّط والفشل في ملفّات ساخنة في المنطقة، وكل ذلك على أرضيّة من التراجع النسبيّ في معدلات النمو الاقتصادي قياساً بالسنوات السابقة.

الانقلاب المتلفز وأسطورة "الكيان الموازي"

ليل الخامس عشر من تموز (يوليو) 2016، انشغل العالم بالصور والأنباء المتسارعة القادمة من تركيا، عن "انقلاب عسكري" يهدف للإطاحة بحكم أردوغان والاستيلاء على السلطة، وما هي إلا ساعات من "الإثارة والتشويق" قتل خلالها مئتان وخمسون شخصاً، حتى انتهى "الانقلاب الفاشل" محاطاً بالكثير من الغموض والثغرات، إلى درجة دفعت سياسيين وصحفيين كثر، من داخل تركيا وخارجها، إلى وصفه بـ"المهزلة" و"المسرحية"؛ بل إنّ صوراً وفيديوهات عدّة تمّ تداولها ليلة "الانقلاب" تبيّن بعد التحقق منها لاحقاً أنّها قديمة وتعود لأحداث ومناطق أخرى. وقد استند المشكّكون بحقيقة "الانقلاب" إلى حيثياته ونتائجه وتداعياته للقول بأنّه من تدبير أردوغان وبعض أعوانه لاستعادة الشعبية والتخلص من الخصوم والقضاء على كافة أشكال المعارضة، وذلك لإنجاح عملية التحوّل إلى النظام الرئاسي وفق المقاييس الأردوغانية.

المؤسسة العسكرية التركيّة قوية وتاريخها في النصف الثاني من القرن الماضي حافل بالانقلابات، بمعدّل انقلاب كل عشر سنوات تقريباً

المؤسسة العسكرية التركيّة قوية وتاريخها في النصف الثاني من القرن الماضي حافل بالانقلابات، بمعدّل انقلاب كل عشر سنوات تقريباً (1960، 1971، 1980، 1997) وجميعها كانت ناجحة، حتى أنّه في حالتين على الأقل (1971، 1997) لم يقم الجيش بتحريك الجنود والدبابات، واكتفى بإرسال مذكرة للحكومة يعلن فيها مطالبه والإجراءات الواجب اتخاذها لحماية أسس الجمهورية العلمانية، وكانت النتيجة استقالة الحكومة أو إدخال تعديلات على النظام السياسي، وبالتالي ما كانت الأمور لتسير على هذا النحو الركيك والاستعراضي أمام الكاميرات وتنتهي خلال ساعات لو أنّ هناك بالفعل انقلاباً جدّياً ينفّذه للجيش.

جاء "الانقلاب الفاشل" ليعيد خلط الأوراق ويتيح لأردوغان إعادة تشكيل المشهد السياسي التركي بما يلائم مشاريعه

كان لافتاً أنّ الانقلابيين فشلوا في إحكام السيطرة على أيّ من المنشآت الحيوية، المدنية والعسكرية على السواء، كما أنّ تحرّكهم الرئيسي بالكاد اقتصر على بضع شوارع رئيسية وسط استنبول وأنقرة. ومعلومٌ أنّه في أي انقلاب عسكري يُفترض أن يقوم الانقلابيون بالسيطرة على وسائل الإعلام وشبكات الاتصالات مباشرة، والقبض على كبار المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. فما هذا الانقلاب الهزلي الذي واصلت خلاله جميع قنوات التلفزة الحكومية أو تلك الخاصة الموالية لأردوغان، وكذلك شبكات الاتصال والإنترنت عملها دون توقّف (باستثناء انقطاع بث قناة "تي أر تي" الرسمية لمدة ساعة واحدة فقط)، في حين يجهل الانقلابيون مكان الرئيس ورئيس الحكومة ويبحثون عنهما دون جدوى، ويتمكن هذان ببساطة من التحدّث عبر وسائل الإعلام و"قيادة" العمل على إفشال الإنقلاب، فضلاً عن مسارعتهما الجزم بأنّ أنصار الداعية الإسلامي فتح الله غولن وحركة "الخدمة" التي يقودها هم من يقف وراء الانقلاب.

حتى لو كان ما حدث انقلاباً "عادياً" وغير مفبرك، فما علاقة القضاة والصحفيين والأكاديميين والمعلمين وغيرهم من المدنيين؟

صباح اليوم التالي أصدرت السلطات قراراً دون أي مستند قانوني، باعتقال نحو ثلاثة آلاف من العاملين في القضاء بكافة مستوياته، من مدّعين عامّين وقضاة وأعضاء في مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا، إضافة إلى أكثر من ألف وخمسمئة ضابط رفيعي المستوى، في ما بدا عملية تصفية داخل الجيش والقضاء معدّة مسبقاً ولا ينقصها سوى التنفيذ والذي جاء بتهمة "الانقلاب". وتصاعدت حملات التطهير التي وصفها أردوغان بعملية "تصفية الفيروس"، لتطال خلال أشهر أكثر من مئة وخمسين ألف شخص سرّحوا من وظائفهم في شتّى القطاعات التعليمية والخدمية والإعلامية، فضلاً عن اعتقال أكثر من خمسين ألفاً، وإغلاق مئات المنشآت التعليمية من جامعات ومدارس وعششرات البنوك والشركات.. وكل ذلك بتهمة "الكيان الموازي" المرتبط بجماعة فتح الله غولن، علماً أنّ غولن نفسه أعلن منذ البداية وقوفه ضدّ الانقلاب، وكرر دعوته لأردوغان عبر وسائل الإعلام العالمية للسماح بفتح تحقيق دولي تقوم به لجنة يشارك بها حلف شمال الأطلسي والبرلمان الأوروبي والمحكمة الجنائية الدولية، تقوم بالتحقيق في كل ملابسات المحاولة الانقلابية، مؤكّداً أنّه سيتحمل المسؤولية فيما لو ثبتت أي علاقة له بما جرى. وللمفارقة شملت الحملة معارضين علمانيين ويساريين مع أنّ حركة "الخدمة" ذات توجّهات إسلامية واضحة.

يبقى أنّه حتى لو كان ما حدث انقلاباً "عادياً" وغير مفبرك، فما علاقة القضاة والصحفيين والأكاديميين والمعلمين وغيرهم من المدنيين بالانقلابات العسكرية أم أنّها الذريعة التي انتظرها أردوغان طويلاً لإسكات كل صوت معارض. والتساؤل الأخير: هل يعقل أن انقلاباً يتورّط فيه كل ذلك العدد من الضبّاط فضلاً عن عشرات ألوف الأشخاص الذين طالهم التطهير يفشل خلال ساعات، في حين أنّ ثمانية وثلاثين ضابطاً فقط نجحوا في تنفيذ الانقلاب الأول في تركيا والاستيلاء على السلطة عام 1960.

تعديل الدستور والحكم المطلق

جاء "الانقلاب الفاشل" ليعيد خلط الأوراق ويتيح لأردوغان إعادة تشكيل المشهد السياسي التركي بما يلائم مشاريعه. فتداعيات الانقلاب لم تقتصر على التخلّص من الخصوم والمعارضين فحسب، وإنما أتاحت للحكومة السيطرة المطلقة على وسائل الإعلام، والعمل على تكريس صورة أردوغان بوصفه قائد الأمة والبطل الذي أنقذ النظام الديمقراطي من الانقلابيين. فكانت نقلة كبرى في مسار تحوّل البلاد إلى الاستبداد وحكم الفرد.

استثمرت الحكومة الموقف الشعبي المتمسّك بالنظام الديمقراطي والذي عبّر عنه الأتراك بالنزول إلى الشوارع للحيلولة دون نجاح الانقلاب المزعوم

استثمرت الحكومة الموقف الشعبي المتمسّك بالنظام الديمقراطي، والذي عبّر عنه الأتراك بالنزول إلى الشوارع للحيلولة دون نجاح "الانقلاب" المزعوم، فانطلقت حملة دعائية ضخمة تستنهض الوطنية التركيّة وتجيّرها لصالح الرئيس "رمز البلاد" الذي صمد وانتصر على الانقلابيين. ونُظّمت مظاهرات وتجمّعات شعبية حاشدة ترفع الأعلام الوطنية وصور أردوغان وتصدح فيها الأغاني القومية المعروفة مثل "أموت لأجلك يا تركيا"، وأخرى جديدة تمجّد أردوغان شخصياً وتصفه بأنّه "صوت المظلومين"، وعلّقت الأعلام التركية في كل مكان إلى جانب لافتات كُتب عليها "السلطة بيد الشعب"! وبات الإعلام التركي برمتّه في خدمة هذا التوجّه بعد إغلاق وحظر مئات الصحف والمجلات وقنوات التلفزة والمواقع الالكترونية التي لا تنسجم مع الخط الأردوغاني، حتّى غدت تركيا في المرتبة 151 من 180 بلداً على مؤشّر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود".

في هكذا أجواء بوليسية جرى الاستفتاء على التعديلات الدستورية في نيسان (أبريل) 2017، وطبعاً جاءت النتيجة لصالح إقرار التعديلات، لكنّ بفارق بسيط (51% نعم، مقابل 49% لا)، وذلك رغم القمع والتضييق على المعارضين وحملات توجيه الرأي العام، ورغم حالات التلاعب والتزوير التي رفضت اللجنة العليا للانتخابات الطعون المقدّمة في شأنها دون أن تكلّف نفسها عناء النظر فيها، برغم صدورها عن أحزاب ذات شعبية واسعة ولها كتل وازنة في البرلمان، حتى أنّ وزير العدل أعلن صراحةّ أنّ "المحكمة الدستورية سترفض أيّ طعن تقدّمه المعارضة في نتائج الاستفتاء"، وهذا تدخّل سافرٍ للسلطة التنفيذية في عمل أعلى هيئة قضائية في البلاد، وهي بوادر تؤكّد أنّ مستقبلاً أسوأ ينتظر الديمقراطية التركية بعد نجاح أردوغان في تحويل البلاد إلى نظام رئاسي على مقاسه.

أردوغان يثبت يوماً بعد يوم أن شكوك وهواجس المتخوفين من حقيقة مشروعه وحزبه كانت محقة

ليست المشكلة في النظام الرئاسي بحد ذاته، وهناك بالفعل ديمقراطيات عريقة تبنّت النظام الرئاسي، لكنّه نظام جيد عندما يُطبّق في بلد تكون فيه الصحافة حرة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها حقيقي. في الولايات المتحدة مثلاً، حيث النموذج الأبرز للنظام الرئاسي، وقف القضاء المستقل مراراً في وجه دونالد ترامب؛ أي إنّ السلطة القضائية تتمتع باستقلالية تجعلها ندّاً للرئيس لا تابعاً له على نحو ما أفضت إليه تعديلات أردوغان. فالمشكلة في الصلاحيات الاستثنائية وشبه المطلقة التي سيتمتع بها أردوغان بالمقارنة مع بقيّة الأنظمة الرئاسية في العالم. ولا يخفى النزوع السلطوي لدى أردوغان ومظاهر العظمة والأبهة التي بات يحرص عليه، كما في القصر الرئاسي الذي شيده وبلغت كلفته 650 مليون دولار، وضمّ ألف غرفة على مساحة تزيد عن مساحة قصر فرساي الشهير، وهو ما دفع أحد المعلّقين إلى القول "إن أردوغان يفضّل دور السلطان على دور الرئيس المنتخب".

خاتمة

إنّ إدماج الإسلاميين في النظام البرلماني يجعل منهم قوّة سياسية من بين مجموعة قوى متنافسة في إطار النظام الديمقراطي، وهو ما قد يحول دون قيامهم بإنشاء جماعات عنفية متطرفة. غير أنّه من المؤسف ما تكشفت عنه اليوم مآلات تجربتهم في السلطة في تركيا، عبر طبعتهم الأحدث: "حزب العدالة والتنمية"، فأردوغان يثبت يوماً بعد يوم أن شكوك وهواجس المتخوفين من حقيقة مشروعه وحزبه كانت محقة، فهو ليس "حزب ما بعد الإسلام السياسي" على نحو ما تشدّق البعض، وإنما حزب إسلاميّ في الجوهر لكنّه غيّر من مظهره وتكتيكاته مع الحفاظ على أهدافه الإستراتيجية. واليوم يظهر كغيره من أحزاب الإسلام السياسي: دينهم وديدنهم الاستفراد بالحكم وإقصاء من يخالفهم واستغلال السلطة من أجل فرض رؤاهم الأيديولوجية، وهذه ممارسات تفضي إلى تقويض أي تجربة ديمقراطية. فما الفارق، بعد هذا كلّه، بين محاربة النظام الديمقراطي وفرض الأسلمة على المجتمع بالعنف وقوّة السلاح وبين تقويض أسسه من الداخل بأساليب ومزاعم تبدو من حيث الظاهر "ديمقراطية"، ما دام الهدف نفسه فرض أجندات الإسلام السياسي.

لقد استغلّ أردوغان مأثرة الأتراك في رفضهم "الانقلاب" وتمسّكهم بالنظام الديمقراطي لتكريس سلطته المطلقة وتقويض الديمقراطية في البلاد، فهل سيربح في نهاية المطاف وتخسر تركيا ديمقراطيتها أم سيكون للشعب التركي رأي آخر؟

*كاتب وباحث سوري.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



العدوان التركي والمقاتلون الأجانب.. تعرف إلى أخطر مخيمات داعش بسوريا

2019-10-22

بالتزامن مع العدوان التركي على شمال شرق سوريا، والذي بدأ يوم الأربعاء 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، عادت مشكلة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" وعائلاتهم إلى واجهة الأحداث؛ وما تزال تتفاعل حتى الآن.

تزامناً مع بدء الهجوم التركي تحدثت مصادر حكومية ووسائل إعلام سورية عن تمكّن بعض الداعشيات من الفرار

ردّة الفعل القوية جاءت، كما هو متوقع، من الدول الأوروبية؛ حيث تشير البيانات المتوافرة، بحسب تقرير  الأمم المتحدة، الذي نشر في شهر آذار (مارس) 2019، إلى أنّ المجموع الكلي لعدد المعتقلين من تنظيم داعش لدى "قسد" بلغ 8000 مقاتل، ينتمون إلى 60 دولة في العالم، وهناك بيانات أخرى ترفع العدد إلى 12000، بينهم ما يقارب 3000 أجنبي من 54 دولة، بحسب مسؤول هيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية، عبد الكريم عمر، في تصريح  لوكالة "فرانس برس"، في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويتوزع هؤلاء على 7 سجون مكتظة موزعة على مدن وبلدات عدة، بعضها عبارة عن أبنية غير مجهزة، وتخضع لحراسة مشدّدة من قبل قوات "قسد".
وفي تحديث للمعلومات والبيانات، في شهر آب (أغسطس) 2019، أكّد جيمس جيفري، المبعوث الخاص للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش؛ أنّ حوالي 1000 مقاتل ينتمون للتنظيم، هم من جنسياتٍ أوروبية، من إجمالي عدد المقاتلين الأجانب البالغ حوالي 2000 مقاتل، معتقلين في عدد من المخيمات والسجون التي كانت تديرها "قسد"، تحت إشراف القوات الأمريكية.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا: النتائج المتوقعة وأبرز الخاسرين
يتوزع المعتقلون من التنظيمات الإرهابية، ومن تنظيم داعش تحديداً، في عدد من المخيمات الكبيرة والسجون الصغيرة في منطقة سيطرة قوات قسد، وكانت كلها تُدار بإشراف مباشر من القوات الأمريكية، وهناك عدد من السجون، وثلاثة مخيمات كبيرة.

يقع "مخيم مبروكة" غرب مدينة رأس العين في محافظة الحسكة
أكبر هذه المخيمات وأشهرها؛ "مخيم الهول" شرق مدينة الحسكة، على بعد 45 كيلومتراً منها، ويتبع المخيم فعلياً لبلدة الهول التابعة إدارياً لمحافظة الحسكة، ويضمّ 75000 شخص، معظمهم مدنيون عراقيون وسوريون، ويشكّل الأطفال أكثر من ثلثي هذا الرقم؛ حيث تصل نسبتهم في المخيم إلى 66% من عدد السكان، و"أغلبهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية"، لا سيما الذين ولدوا على أرض "دولة الخلافة" بعد التحاق آبائهم بتنظيم داعش، بحسب تقارير للأمم المتحدة؛ منهم 4000 من النساء، و8000 طفل من عائلات المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش.

حذّر بوتين من أنّ العملية العسكرية التركية قد تحيي خطر تنظيم داعش في المنطقة

وزاد وجود النساء "الداعشيات" الأجنبيات في المخيم المشكلة تعقيداً؛ إذ ما يزلن يتمسكن بأفكار التنظيم المتطرف إلى الآن، وقامت بعضهنّ بعمليات عنف في وضح النهار داخل المخيم، معظمها متعلقة برفض ضحاياهن لأفكارهن المتطرفة، ومحاولات طعن لبعض الحراس، ويعود سبب عنف نساء تنظيم داعش في المخيم إلى أنّ اللواتي يعشن في الهول كنّ آخر من خرج من بعد خسارة التنظيم لمعركة الباغوز، المنطقة التي كان يسيطر عليها "داعش".
وتزامناً مع بدء العملية العسكرية التركية، تحدثت مصادر حكومية ووسائل إعلام سورية، عن تمكّن بعض النساء الداعشيات من الفرار من المخيم، وأنّ القوات الأمريكية قامت، الثلاثاء، 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، بعملية إخلاء عاجل للمخيم من نساء مقاتلي "داعش"، ونقلتهنّ إلى قاعدة الشدادي في العراق، بعد إقدام عدد منهن على مهاجمة حراس المخيم وإضرام النار في بعض الخيام.

اقرأ أيضاً: ما الذي يخبئه الاتفاق التركي- الأمريكي على وقف "نبع السلام"؟
هذا ومن المهم الإشارة إلى أنّ هناك مخيماً في سوريا، يسمى "مخيم الشدادي/ العريشة/ السّد"، جنوب مدينة الحسكة، على مسافة 32 كيلومتراً، يضمّ أكثر من 21 ألف نازح سوري، من محافظة دير الزور بشتى مناطقها، وتمّ إنشاؤه في 10 حزيران (يونيو) 2017، وذلك عقب نزوح العديد من أهالي محافظة دير الزور، باتجاه محافظة الحسكة؛ بسبب المعارك الدائرة بين تنظيم داعش والقوى المناهضة له، مثل قوات سوريا الديمقراطية والقوات النظامية السورية.
المخيم الثاني هو "مخيم عين عيسى"، شمال مدينة الرقة، وبالتحديد شمال بلدة عين عيسى، وتمّ إنشاؤه بتاريخ 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2016، وذلك عقب ازدياد أعداد النازحين من محافظة الرقة ودير الزور التي كانت تخضع لسيطرة تنظيم داعش آنذاك، وكان المخيم، في العام 2016، يضمّ 36 ألف نازح سوري، غالبيتهم من محافظة الرقة ودير الزور، وحالياً يعيش فيه 12000 شخص، منهم 1000 طفل، و256 امرأة من عائلات المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟
وقد تواترت المعلومات والأنباء حول أنّ هذا المخيم قد سقط وفرّ كلّ المعتقلين منه، بعد الهجوم التركي، خاصة أنّه المعتقل الوحيد الذي يقع ضمن منطقة عمليات الجيش التركي والمنطقة الآمنة، التي يسعى الأتراك إلى إقامتها.
أما المخيم الثالث؛ فهو في قرية (تل أسود)، أو ما يُطلق عليه بالكردية (سجن روج)، ويقع على مدخل مدينة المالكية/ ديريك، في محافظة الحسكة، وكان يضمّ في نهاية العام 2018 حوالي 20000 شخص، وهو مخصص لعائلات تنظيم داعش، وكان يعيش فيه بعض النازحين المدنيين من العراق وسوريا، لكنّ العدد تقلص إلى قرابة 2000 معتقل، منهم 1500 من نساء وأطفال المقاتلين الأجانب، خاصة الأوروبيين من هولندا والبوسنة وتركيا وغيرها. 
وهناك عدد آخر من المخيمات الموجودة، بحسب مصادر إعلامية سورية مختلفة، ضمن منطقة سيطرة إدارة الذاتية للأكراد، لكن لا تتوافر لدينا أيّة معلومات دقيقة عن أعداد الموجودين فيها حالياً، أو فيما إذا كانت تحوي معتقلين من مقاتلي داعش وعائلاتهم، وهذه المخيمات هي:
1- مخيم مبروكة
يقع "مخيم مبروكة" غرب مدينة رأس العين في محافظة الحسكة، وتمّ إنشاؤه بتاريخ  28 كانون الثاني (يناير) 2016، وذلك بعد نزوح  العديد من أهالي محافظتي دير الزور والرقة إلى هنالك، بسبب المعارك الدائرة بين القوات النظامية السورية وقوات سوريا الديمقراطية ضدّ تنظيم داعش، في كلتا المحافظتين، ويضمّ أكثر من 6 آلاف نازح من مناطق دير الزور والرقة.

يقع مخيم مشتى نور غرب مدينة كوباني

2- مخيم مشتى نور
يقع المخيم غرب مدينة كوباني، عين العرب، حيث تمّ افتتاحه بعد ازدياد أعداد النازحين من محافظتي حلب ودمشق باتجاه مدينة كوباني، وتحديداً بتاريخ 1 آذار (مارس) 2015، ويضمّ المخيم 450 نازحاً سورياً.
3- مخيم نوروز
يقع غرب مدينة المالكية، ديريك، شمال غرب محافظة الحسكة، حيث تمّ افتتاحه في22  حزيران (يونيو) 2014، نتيجة وجود عوائل عراقية هاربة من ناحية شنكال العراقية، ويعيش فيه حوالي 500 لاجئ عراقي من المناطق المذكورة، وحوالي 3500 نازح سوري من دير الزور والرقة.
4- مخيم الطويحنة
يقع المخيم شمال غرب مدينة الرقة بالقرب من قرية الطويحنة؛ حيث تمّ افتتاحه نتيجة قدوم النازحين من مدينة الرقة، وذلك في السادس عشر من شهر أيار (مايو) عام 2017، ويضمّ 6200 نازح سوري من مناطق محافظة الرقة.
5- مخيم الكرامة
يقع المخيم على بعد 5 كيلومترات من بلدة الكرامة، ويبعد حوالي 180 كم جنوب غرب مدينة الحسكة، حيث تمّ افتتاحه نتيجة وجود نازحين من محافظة الرقة في تلك المنطقة في الخلاء، بتاريخ 6 آذار (مارس) 2017، ويحوي 300 نازح سوري من محافظة الرقة، بينما تديره الإدارة الذاتية، ويعدّ ممراً وموقفاً للنازحين القادمين من الداخل لمحافظة الرقة، لحين إرسالهم إلى مخيمات أخرى مجهزة كون أنّ هذا المخيم لم يكن مجهزاً بالشكل المناسب.
  وهناك عدد من السجون الأخرى التي لم تكن معروفة سابقاً للمتابعين، قبل حديث وسائل الإعلام عن هروب أعضاء من تنظيم داعش منها بالتزامن مع العملية العسكرية، مثل؛ نفكور وجركين في منطقة القامشلي. 
مخاوف واتهامات متبادلة  
بالعودة إلى ردود الفعل على العملية؛ لا بد من التأكيد مرة أخرى أنّ المحرك الرئيس لردّة الفعل الأوروبية السريعة والقاسية على الخطوة الأمريكية، والعملية العسكرية التركية، هو الخوف من الهروب الكبير للأوروبيين المعتقلين الألف من السجون والمخيمات، بصرف النظر عمّن هو المسؤول عن عملية فرارهم، سواء أكانوا الأمريكيين أو الأتراك أو قوات قسد، خاصة في ظلّ تضارب الأنباء والمعلومات والاتهامات بين الأتراك والأكراد الآن، عن مسؤولية فرار معتقلي تنظيم داعش بشكل عام والمقاتلين الأجانب بشكل خاص.

يتوزع المعتقلون من التنظيمات الإرهابية خاصة داعش في عدد من المخيمات الكبيرة والسجون الصغيرة بمنطقة سيطرة قوات قسد

لقد أثار الغزو التركي، الذي استهدف مناطق يتواجد فيها الآلاف من مقاتلي داعش، الكثير من علامات الاستفهام بشأن الهدف من العملية العسكرية، وما إذا كانت أنقرة تهدف من خلالها إلى تحرير معتقلي التنظيم، خاصة أنّ القوات التركية استهدفت في عمليتها، المناطق المتواجدة في شمال شرق سوريا، وهي نفسها المناطق التي كان تنظيم داعش الإرهابي يسيطر عليها منذ فترة، قبل تحريرها من طرف قوات سوريا الديمقراطية بدعم من الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق؛ أثار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، "مخاوف بالغة" إزاء تداعيات فرار مقاتلين من داعش جراء الهجوم التركي، داعياً إلى "خفض تصعيد فوري" في شمال شرق سوريا.

يقع مخيم الكرامة على بعد 5 كيلومترات من بلدة الكرامة ويبعد حوالي 180 كم جنوب غرب مدينة الحسكة
وسارع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، إلى الادّعاء، عبر تغريداته على تويتر؛ أنّ القوات الكردية، ربما، تطلق عمداً سراح معتقلي تنظيم داعش لدفع القوات الأمريكية إلى العودة للمنطقة، وأضاف أنّه سيكون "من السهل للغاية أن تعيد تركيا، أو الدول الأوروبية التي ينحدر منها كثيرون، احتجازهم، لكن ينبغي لهم التحرك بسرعة".
وحذّر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، من أنّ العملية العسكرية التركية قد تحيي خطر تنظيم داعش في المنطقة، بحجة أنّ الآلاف من مقاتلي التنظيم المحتجزين في معتقلات تحت إشراف الأكراد قد يستعيدون حريتهم، وتساءل: "أين سيذهبون؟ وكيف؟".
من جانبه، ردّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بتاريخ 10 تشرين الأول (أكتوبر)، على هذه الانتقادات، قائلاً: "سنفعل ما هو ضروري مع المساجين من تنظيم داعش، من يجب أن يبقوا في السجن سنبقيهم فيه، وسنرسل الآخرين إلى بلدانهم الأصلية، إذا قبلت هذه الأخيرة".
كما ادّعى وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار بتاريخ 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، أنّ "هناك سجناً واحداً لداعش في منطقتنا"؛ أي في منطقة العمليات العسكرية التركية، وأنّ مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية السورية أفرغوا هذا السجن، مضيفاً: "السجناء قد خُطفوا، ووحدات حماية الشعب الكردية أفرغت هذا السجن الوحيد لتنظيم داعش الذي وصلت إليه القوات التركية إلى الآن في "المنطقة الآمنة"، تمّ نقل النزلاء بالفعل"، دون أن يذكُر اسم هذا السجن أو إلى أين نُقل السجناء.
لكنّ تقارير إعلامية أشارت إلى أنّ هذا السجن يقع وسط مدينة "تل الأبيض"، التابعة لمحافظة الرقة، وفيها معبر تل أبيض مع تركيا، وتتبع لها مدينة عين عيسى، التي تحوي مخيماً كبيراً لمعتقلي تنظيم داعش، يضمّ 12000 معتقل وتسيطر عليه قوات "قسد". 

شكل تخلّي ترامب عن قوات "قسد" ضربة صاعقة لكلّ الجهود الدولية منذ العام 2011 لمكافحة الإرهاب في سوريا

وكانت إدارة الأكراد في المنطقة قد أشارت إلى أنّ 785 من الأجانب المنتمين لتنظيم داعش، فروا من معسكر "عين عيسى"  في بداية العملية العسكرية التركية، فيما أكدت معلومات لخبراء في مجال الإرهاب، نقلاً عن أحد قادة "قسد"، بتاريخ 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، أنّ مخيم "عين عيسى" قد سقط بالفعل، وفرّ كلّ الموجودين فيه من مدنيين وأعضاء من تنظيم داعش وعائلاتهم، وعُرف منهم البريطانية توبة جندال (Tooba Gondal)، عمرها 27 عاماً، وتلقَّب بـ"أم مُثنى البريطانية"، وتلقّبها الصحف البريطانية بـ"صانعة الزيجات" (Matchmaker)، ولديها طفلان، كانت تنشط داخل المخيم في الدعم والدعاية للتنظيم، وكانت متزوجة من 3 من مقاتلي داعش المشهورين، أحدهم كان مقاتلاً انتحارياً قتل 90 شخصاً، وآخر يُدعى أبو العباس اللبناني، قتل في سوريا، وكان من المسؤولين المهمين عن حملات التجنيد في بريطانيا لمصلحة التنظيم، وكانت (توبة) قبل العملية العسكرية التركية تطالب الحكومة البريطانية بالسماح لها بالعودة إلى بريطانيا مع أطفالها.
وفي تقييم أوّلي لنتائج العملية العسكرية؛ هناك شبه إجماع بين خبراء مكافحة الإرهاب على أنّ الخطوة التي اتخذها ترامب بالانسحاب من سوريا والتخلي عن قوات "قسد" كانت ضربة صاعقة لكلّ الجهود الدولية، منذ العام 2011، لمكافحة الإرهاب في سوريا.
حُجة هؤلاء الخبراء أنّ هذه الخطوة سلبية وغير مدروسة، وتمثّل علامة فشل في التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، وتعطي مثالاً سيئاً ومحبطاً عن كلّ جهود التعاون المشترك وتشارك المعلومات والخبرات في مجال مكافحة الإرهاب العالمي بشكلٍ عام، وتشكّك في مصداقية أمريكا والتزامها بالتحالفات، سواء على المدى التكتيكي قصير المدى، أم الإستراتيجي على المدى الطويل.
والأخطر من ذلك؛ أنّ حصيلة الغزو ستُعيد خطر الإرهاب، وتبعث تنظيم داعش من جديد في المنطقة، والنشاط في الخارج، خاصة في الساحات الأوروبية، التي ربما نجحت بعض الكوادر في التسلل إليها، باستغلال حالة المعارك والفوضى في المنطقة، خاصة إذا توسعت العملية العسكرية أكثر في العمق السوري.

للمشاركة:

هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-10-22

في ظل انفجار الاحتجاجات العراقية التي عكست توترات قائمة، بين كتل اجتماعية متفاوتة، خاصة، فئة الشباب، الذين يتحملون الأثر المباشر لكلفة التداعيات السياسية والإقليمية والعسكرية، التي شهدتها بغداد، منذ العام 2003؛ فإنّ الواقع المأزوم يعري تفشياً في الفساد السياسي والحكومي، مع العجز عن توفير الوظائف والخدمات، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي ينوء بأعبائها المواطنون، والبطالة التي تلتهم أحلام قطاع كبير من العراقيين، وسيطرة الطائفية والميلشياوية، الحاكمة بالوكالة على مجمل الأوضاع، والتي تقبض بنفوذها على الحالة الأمنية والسياسية، وقد تسببت في سقوط أكثر من 105 قتلى، وأكثر من 4000 جريح، حصيلة الاحتجاجات العفوية.
أفول الواقع العراقي
المشهد الاحتجاجي، وتفاصيله، ونتائجه، يبدو مدخلاً مفتاحياً، على قرار شديد الأهمية والحساسية، في العراق، اُتخذ في نهاية الشهر الماضي، حين صوت مجلس النواب، على قانون بتدشين هيئة التصنيع الحربي، بهدف سد احتياجات القوات المسلحة والأمنية من الأسلحة والعتاد والذخائر، وهو ما يبعث ببعض المخاوف، بحسب مراقبين، بأن يتحول هذا القانون في ظل انضواء ميلشيا الحشد الشعبي، التابعة لإيران، ضمن هذه الهيئة، إلى ما يمكن توصيفه باستكمال مأسسة العسكرة الإيرانية في العراق، وفرض خياراتها الأمنية والسياسية والإقليمية عليها، ومن ثم استمرار لعناصر الأزمة، التي تغدو مرشحة للصعود.

الميليشيات المدعومة من إيران ستسعى إلى تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عن العراق، تضع في أولوياتها مصالحها الفئوية

الباحث الأمريكي، مايكل نايتس، يشير إلى أنّ العراق تحت سيطرة الميليشيات الطائفية، يبدو غير قادر على توفير الحكم الرشيد؛ حيث قامت النخبة السياسية، في الفترة التي تلت سقوط صدام حسين، بوضع مكانة متميزة للتمثيل؛ العرقي والطائفي، وترك مؤسسات الدولة تتدهور، وبالتالي، أصبحت الحكومة كياناً متصدّعاً، يضم ما يصل إلى 263 حزباً سياسيّاً مسجلاً، وتملأ الانتهاكات نظام تقاسم الإيرادات، القائم على المحسوبية.
ويضاف إلى ذلك، بحسب نايتس، في دراسته المنشورة، عبر (منصة): "ديفينس بوست"، بأنّ الميليشيات المدعومة من إيران، ستسعى إلى تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عن العراق، تضع في أولوياتها مصالحها الفئوية؛ حيث تسخر من حكومة البلاد ودستورها، وسيصبح العراقيون هم الضحايا الرئيسيون لأنشطتها؛ الأمر الذي سيؤدي إلى رفع وتيرة المخاطر الأمنية بالنسبة للعراقيين، خاصة مع تحكم الميليشيات بالأسلحة الثقيلة، ووجودها بين سكان المدن، ما يعرضهم للمخاطر بصورة مباشرة، فيتم تخبئة صواريخ إيرانية كبيرة في بلدات صغيرة مثل آمرلي.

بغداد في العقل السياسي الإيراني
ويلفت الدكتور محمد الزغلول، رئيس وحدة الدراسات الإيرانية، في مركز الإمارات للسياسات، في أبو ظبي، إلى أنّ أحد أهم الدروس الإستراتيجية التي خلصت إليها القيادة الإيرانية من الحرب مع العراق، والتي امتدت طوال ثماني سنوات، هو أنّ العراق بما يمتلكه من إمكانات، وموارد ضخمة، يعد المعادل الموضوعي الرئيس لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
كما أنّ وجود دولة عراقية قوية (مهما كان شكل الحكم الذي تتبناه) "يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها، وبالتبعية، انتهاء نفوذها الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها في الأقاليم الجغرافية الأبعد؛ مثل: سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، ولذلك ظلت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفككاً ومنقسماً على نفسه، وإبقاء سيطرة الدولة العراقية ضعيفة، على الرغم من أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق بعد عام 2003 كانت مقربة جداً من طهران، وتجمعها معها روابط وعلاقات متميزة".

اقرأ أيضاً: الغموض يلف المشهد في العراق.. تهديدات تطال ناشطين وإغلاق عدة فضائيات
وبرأي الزغلول، فإنّ هذه النقطة المحورية كانت بمثابة حجر الزاوية، في إصرار إيران على حل الجيش العراقي، وتفكيك الدولة العراقية، بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق، والإصرار على إنشاء ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة ومتناقضة ومتناحرة؛ "إذ أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية بالكامل بعد انتصار الثورة الإيرانية، وسقوط الشاه، خشية إضعاف إيران الدولة، لكنه حرص كل الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكل هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية بعد سقوط صدام حسين، وهو ما يظهر بجلاء سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية".
لا حقوق للعراقيين تحت مظلة الطائفية
ويعتقد الزغلول أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم اليوم "تكمن في دولة مدنية مستقلة وقوية، لكن بناء مثل هذه الدولة بات أمراً متعذراً أو على الأقل في غاية الصعوبة، في ظل فوضى انتشار السلاح، والميليشيات، التي تعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها. بل تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل عمليات إنتاج وتصنيع السلاح، وتصديره واستيراده، وعمليات السيطرة، والانتشار، والمراقبة. ولعل من أشد ابتلاءات العراق في هذا العصر العسير، هو أنّه تعين عليه أن يفاضل، ويختار بين الاستبداد، والإسلام السياسي فقط، ودون خيارات أخرى تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي".

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
وبحسب مخرجات التصويت الذي أقر به مجلس النواب العراقي، فإنّ لجنة التنسيق الحربي، ستتشكل من عدة كيانات عسكرية، ومؤسسات وطنية، مؤلفة من رئيس الهيئة الحربية، وممثلين عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووزارتي الدفاع والداخلية، وهيئة الحشد الشعبي، وجهازي الأمن الوطني والاستخبارات، بالإضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب، حيث تهدف جميعها إلى رسم إستراتيجية لبناء وتطوير الصناعات الحربية في العراق، ووضع أولويات احتياجات القوات المسلحة، والقوات الأمنية، من الصناعات الحربية، ومتابعة تنفيذها.
العراق تحت سيطرة الميليشيات الطائفية، يبدو غير قادر على توفير الحكم الرشيد

ماذا ستستفيد طهران؟
وعليه، اعتبر رئيس مستشاري رئيس مجلس النواب العراقي، كامل كريم الدليمي، أنّ قانون هيئة التصنيع العسكري، الذي تم إقراره في المجلس، بمثابة انعطافة كبيرة لدعم الأمن الاقتصادي الوطني، ودعم سيادة البلد، وتوفير الدعم اللوجستي للقطاعات العسكرية في الظروف الاعتيادية والطارئة.

باحث لـ"حفريات": مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، تكمن في دولة مدنية مستقلة وقوية، لكن ذلك بات أمراً متعذراً الآن

وفي بيان رسمي أصدره، قال: "لقد نجح مجلس النواب العراقي في تحقيق منجز كبير، على مستوى دعم الأمن السيادي للعراق، وذلك من خلال التصويت على هذا القانون والذي يعد خطوة استباقية للبرلمان، بغية تدعيم الأمن العسكري، والحفاظ على ديمومة الإمدادات العسكرية، تحسباً لأي طارئ، كما يعد التصويت خطوة استباقية لمواجهة أي عدوان قد يهدد العراق".
من جهته، يرى الصحفي والباحث العراقي، منتظر القبيسي، أنه باستثناء تمثيل ميلشيا الحشد الشعبي في هيئة التصنيع الحربي، لا يرى ثمة مميزات لحلفاء إيران، تحديداً في التشكيل الجديد، "لكن هذا لا يمنع أن يتحول إلى إحدى قنوات التأثير الإيراني على قرارت الدولة، فيما يتعلق بمصادر التسلح، وإعطاء إيران دور رئيسي في الدعم والتدريب، وإعادة تأهيل منشآت التصنيع العسكري التي لم يبق منها شيء يذكر، منذ سنوات بعدما طالها الإهمال، بالإضافة إلى الاستيلاء على محتوياتها وتهريبها إلى إيران".
وفي نظر القبيسي، يعد استخدام هيئة التصنيع الحربي المستحدثة، كوسيلة لاستنزاف الخزينة العامة مقابل عقود مضخمة أو حتى وهمية، "بمثابة استغلال، وواجهة لتمويل مصانع الأسلحة التابعة للفصائل الولائية، والتي تملك بالأساس ورشاً كبيرة أقرب ما تكون للمصانع، التي تصنع فيها مجموعة كبيرة من الأسلحة، وأهمها العبوات الارتجالية الطائرة (صواريخ بدائية)، ويمكن بسهولة تطويرها على أيدي الخبراء الإيرانيين، ناهيك عن الطائرات الهجومية المسيرة".

للمشاركة:

لماذا تخطط كينيا لإغلاق ثالث أكبر مخيم لجوء في العالم؟

2019-10-22

في الأعوام الأخيرة؛ أعربت الحكومة الكينية، أكثر من مرة، عن نيّتها إغلاق مخيم "داداب" للاجئين؛ حيث يوجد أكثر من 300،000 لاجئ، وطالب لجوء، معظمهم ممن فروا من الصومال عقب اندلاع الحرب الأهلية، عام 1991.
وكانت الحكومة الكينية قد أبلغت، في شباط (فبراير) من هذا العام، وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عزمها إغلاق المخيم قبل نهاية هذا العام؛ بسبب ما وصفته بـ "مخاوف تتعلق بالأمن القومي"، وطالبت الحكومة الكينية من الوكالة "الإسراع بنقل اللاجئين وطالبي اللجوء المقيمين فيه".

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتوطين 3 ملايين لاجئ سوري في المنطقة الآمنة؟
كما سبق أن أعلنت السلطات الكينية، عام 2016، عزمها إغلاق "داداب"، معلّلة بأنّ المخيم يصبح مركزاً لحركة الشباب المتمركزين في الصومال، للتخطيط لشنّ هجمات جديدة في الداخل الكيني، لكنّ المحكمة العليا الكينية منعت هذه الخطوة، عام 2017، قائلة إنّها غير دستورية وتنتهك التزامات كينيا الدولية.
ويقع مخيم "داداب" في شرق كينيا، وقد تأسس قبل 30 عاماً تقريباً، وهو ثالث أكبر مخيم لجوءٍ في العالم، وكان في السابق أكبر مخيم للاجئين في العالم؛ حيث آوى في ذروته نحو نصف مليون لاجئ من الصومال وجنوب السودان.
أوضاع مأساوية للاجئين
يضمّ المخيم، الذي يمتدّ على مساحة تزيد عن 30 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الصحراوية شبه القاحلة، عدة مدراس ومستشفيات وأسواق ومراكز للشرطة ومحطة للحافلات.
وتفرض السلطات الكينية قيوداً صارمة على سكان المخيم؛ حيث لا يمكن للاجئين مغادرة المخيم للبحث عن عملٍ في الخارج، بالتالي؛ فإنّ سكانه يمتلكون خيارات محدودة لكسب لقمة العيش؛ كتربية المواشي والأعمال اليدوية، في حين يعتمد أغلبهم على الحصص الغذائية التي يرسلها المانحون الأجانب، إضافة إلى التحويلات المالية من الذين يملكون أقارب لهم في الخارج.

أعلنت كينيا عزمها إغلاق "داداب" في عام 2016، لكنّ المحكمة العليا الكينية منعت ذلك قائلة إنّها غير دستورية

ورعم أنّ كينيا تواجه، بلا شكّ، تحديات كبيرة في استضافة اللاجئين في "داداب"؛ إلا أنّ منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية، وثّقت في تقريرها المعنون "من الرعب إلى اليأس"، الأوضاع المزرية التي أدّى إليها الازدحام الشديد في المخيم، مشيرة إلى تدهور البنية التحتية الخاصة بالمخيم، وعدم كفاية المآوي، وشحّ المياه، وتواضع الرعاية الصحية، ودعت المنظمة الأمم المتحدة وكينيا إلى توفير أراضٍ أوسع لإنشاء مخيمات جديدة.
ومن جهتها، تعمل الحكومة الكينية على إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع الصومال، "لوقف تدفق اللاجئين والأسلحة غير القانونية إلى داخل كينيا"، ونشرت كينيا ميليشيات مسلّحة بين آذار (مارس)، وأيار (مايو)، قامت بتدريبها على القتال إلى صف الحكومة الاتحادية الانتقالية الصومالية لإبعاد حركة الشباب الجهادية عن مناطق الصومال المتاخمة لكينيا، لا سيما حول بلدة دوبلي.

يمتدّ مخيم "داداب" على 30 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الصحراوية

الترحيل القسري
وفي تقرير آخر، بعنوان "مرحباً بك في كينيا: انتهاكات الشرطة بحقّ اللاجئين الصوماليين"، تبيّن "هيومن رايتس ووتش"؛ أنّه منذ عام 2010، تمّت إعادة الآلاف من اللاجئين إلى الصومال بشكل قسري، وأوضحت المنظمة الدولية؛ أنّ الإعادات الجبرية تخرق القانونَين، الكيني والدولي، الذي يمنع الإعادة القسرية للاجئين إلى حيث يواجهون الاضطهاد أو التعذيب أو العنف بشكل عام. وشكّلت الحكومة فريق تحقيق خاصاً للنظر في انتهاكات الشرطة، التي شملت الاغتصاب، وإخفاق الشرطة في منع المجرمين من مهاجمة ملتمسي اللجوء القادمين من الحدود إلى المخيمات، لكن لم يتمّ نشر نتائج التحقيق، وفق تقرير المنظمة.

ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كينيا، فتحية عبد الله: هناك أجيال كاملة ولدت في (داداب)

وبناءً على مقابلات مع أكثر من 100 لاجئ؛ يوثق تقرير المنظمة، الذي جاء في 99 صفحة، انتشار ابتزاز الشرطة لملتمسي اللجوء ممن يحاولون الوصول إلى ثلاثة مخيمات قريبة من بلدة داداب الكينية، في ظلّ أوضاع لاإنسانية ومهينة، وتهديدات بالترحيل، والمقاضاة على "التواجد غير القانوني في البلاد" من أجل ابتزاز من يصلون حديثاً من الرجال والنساء والأطفال، على حدّ سواء، للحصول منهم على مبالغ مالية، وفي بعض الحالات؛ قامت عناصر من الشرطة باغتصاب النساء، حسبما يوثقه التقرير.
وقال جيري سيمسون، الباحث في شؤون اللاجئين في "هيومن رايتس ووتش"، وكاتب التقرير الأساسي: "الناس تفرّ من الفوضى والدمار في الصومال، والغالبية العظمى منهم نساء وأطفال، ويُستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل بإجراءات تعسفية".
وتابع: "ما إن يصلوا المخيمات حتى يواجهوا العنف من الشرطة، وتدير الشرطة أعينها بعيداً عن العنف الجنسي الذي تركتبه عصابات كينية".

منذ عام 2010 تمّت إعادة الآلاف من اللاجئين إلى الصومال بشكل قسري

العودة الطوعية
وفي ظلّ التحسن الجزئي للأوضاع الأمنية في أجزاء من الصومال؛ بدأ بعض اللاجئين يختار العودة إلى بلادهم بشكل طوعي، وقد أشارت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى أنّ أكثر من 82،000 لاجئ من "داداب"، قد عادوا منذ عام 2014، ولكن انخفض عدد العائدين في العام الماضي إلى حوالي 7500 مقارنة، بنحو 35500 عام 2017، و34000 عام 2016.

اقرأ أيضاً: ألمانيا: كيف تتم حماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين؟
وقال هيوز أندرسن، المتحدث باسم لسان مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، خلال حديث له مع وسائل الإعلام: "تحرز الصومال بعض التقدم في التنمية على مدى الأعوام القليلة الماضية، إلا أنّها ما تزال دولة خارجة من عقودٍ من الحرب، وهو ما يعني غياب البنية التحتية، ومقومات الحياة الأساسية، وبالطبع؛ فإنّ أيّة عودة للاجئين بأعداد كبيرة لن تساعد في الاستقرار الذي يحاول الصومال بناءه".
وفي السياق ذاته؛ تقول ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كينيا، فتحية عبد الله، في تصريح خاص بـ"حفريات": "هناك أجيال كاملة ولدت في (داداب)، والعدد الذي يعيش في المخيم كبير، يتفق الجميع على إيجاد حلّ، ونعتقد أنّ الحلّ يكمن في إستراتيجيات مختلفة، منها العودة الطوعية إلى الصومال. أنت تعرف أنّ غالبية اللاجئين في (داداب) هم من الصومال، وبرنامج العودة الطوعية مستمر منذ أعوام."
وتتابع فتحية عبد الله بأنّهم يدرسون نقل بعض اللاجئين إلى أجزاء أخرى من كينيا، معربة عن أملها في "نقل بعض اللاجئين في داداب إلى كاكوما، ومرة أخرى هذا شيء لن نفرضه بالإجبار"، وأردفت: "سنتحدث إليهم ونرى من الذي يرغب في الانتقال إلى كاكوما؛ لأنّ لدينا مكتباً هناك، ولدينا برامج مشتركة مع الحكومة بهذا الخصوص".

تصاعدت حدّة التهديد الكيني بإغلاق المخيم في بداية العام 2019

الخلاف البحري الصومالي الكيني يؤثر على اللاجئين
منذ الهجوم الإرهابي على مجمع فندق "Dusit D2" في نيروبي، في كانون الثاني (يناير) هذا العام، تصاعدت حدّة التهديد الكيني بإغلاق المخيم، وتمّ القبض على 12 من المشتبه على أنّ لهم صلة بالهجوم من داخل المخيم.
وبالمجمل؛ تنظر الحكومة الكينية إلى "داداب" كخطر أمني، وترى أنّ حركة الشباب خطّطت من داخل المخيم لشنّ الهجمات المتكررة على مركز التسوق "ويست جيت" في نيروبي، عام 2013، وهجوم جامعة جاريسا، عام 2015، رغم أنّها لم تقدّم أدلة.
ويرجّح بعض المراقبين أنّ الحكومة الكينية تستخدم ورقة اللاجئين للضغط على الحكومة الصومالية، في خلافها المتعلق بالحدود البحرية، والتي تنظر بشأنه محكمة العدل الدولية؛ حيث من المنتظر أن تعلن القرار النهائي في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

للمشاركة:



تركيا تواصل مناكفة الولايات المتحدة.. بهذا القرار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تصرّ تركيا على الاستمرار بنهجها الداعم لإيران، ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليها؛ حيث أعادت أنقرة إلى الواجهة المدعوّ محمد هاكان أتيلا، عرّاب خرق العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

وأصدر وزير الخزانة والمالية التركي، بيرات ألبيرق، قراراً بتعيين نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، أتيلا، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، بعد ثلاثة أشهر من قضائه عقوبة السجن في الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران، وفق صحيفة "زمان".

صهر أردوغان يعيّن أتيلا، المتهم بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول

القرار أعلنه صهر رئيس الجمهورية ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، عبر تويتر؛ إذ قال: "انتهت فترة الاستراحة والاسترخاء لهاكان أتيلا، الذي عاد إلى أسرته وبلده، عقب محاكمته الظالمة".

واعتقل محمد هاكان أتيلا، نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في 7 آذار (مارس) 2017، مع رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، بتهمة خرق العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على إيران، عن طريق استغلال النظام المصرفي للبنك.

وفي شهر تموز (يوليو) الماضي؛ خرج المدان الرئيس في القضية من سجن FCI"  Schuylkill " بولاية بنسلفانيا، وعاد إلى تركيا بعد قضاء فترة عقوبته، ليغيب عن الأنظار، إلى أن أعلن ألبيرق، أمس، قرار تعيينه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول.

وأضاف ألبيرق في تغريدته: "ها هو يبدأ مهامه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، أتمنى أن يكون هذا المنصب خيراً له ولبورصة إسطنبول".

ومن جانبها، قالت بورصة إسطنبول: "لقد أصبح محمد هاكان أتيلا مديراً عاماً لبورصة إسطنبول".

وتابعت البورصة في بيان: "تمّ اختيار محمد هاكان أتيلا لمنصب المدير العام، خلال اجتماع مجلس الإدارة، المنعقد بتاريخ 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وسيقوم أتيلا بمهام المدير العام وعضو مجلس الإدارة، وقد تمّ اختيار أتيلا بعد قرار تعيين مراد تشاتين كايا نائباً لمحافظ البنك المركزي".

وبحسب ملف القضية؛ فقد طالبت النيابة العامة بالحكم على هاكان أتيلا بالسجن لمدة 188 شهراً، وغرامة مالية تتراوح بين 50 إلى 500 ألف دولار أمريكي، وفي 16 أيار (مايو) 2018؛ أصدرت المحكمة قراراً بسجن محمد هاكان أتيلا 32 شهراً، مع إسقاط الفترة التي قضاها في السجن 14 شهراً، وتوقيع غرامة مالية 500 ألف دولار أمريكي.

 

للمشاركة:

الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:



هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية