تركيا في عهد أردوغان: من الديمقراطية إلى الحكم المطلق

تركيا في عهد أردوغان: من الديمقراطية إلى الحكم المطلق
13020
عدد القراءات

2020-01-05

تحقيقات

استناداً إلى تطوّر تركيا؛ السياسي والاقتصادي خلال السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الأيديولوجية والرؤى الإسلامية، ساد اعتقادٌ في بعض الأوساط السياسية والأكاديمية بأنّ نموذجاً مختلفاً من "الإسلام السياسيّ" يكون عصرياً ومنفتحاً هو أمر ممكن. بل إنّ بعض دوائر القرار الأمريكي آنذاك تبنّت توجّهات كهذه؛ إذ كان زلزال الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ما يزال طازجاً، مفترضةً أنّ دعم الإسلاميين "المعتدلين" والقبول بهم في السلطة أو حتّى دعمهم لبلوغها، قد يضعف الجماعات الإسلامية المتطرّفة ويحدّ من انتشارها.

غير أنّه بعد خمسة عشر عاماً من تجربة هذا الحزب وزعيمه القوي رجب طيب أردوغان في السلطة، وبعد كلّ ما قام ويقوم به الأخير لإحكام قبضته على البلاد، وما آلت إليه أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في تركيا من تردٍّ غير مسبوق، فضلاً عن صبغ المجتمع والحياة السياسية بخطاب إسلامي شعبوي، آخر تمظهراته وصف الحملة العسكرية على أكراد عفرين بـ"الجهاد"، ينهض مجدداً وبقوّة السؤال الكبير حول حقيقة العلاقة بين الأحزاب الإسلامية حتى في طبعاتها الأكثر "حداثة" وبين النظام الديمقراطي، بالرغم من ادّعائها الانفتاح على العصر والقيم الديمقراطية، ومحاولتها الظهور متخفّفةً من العدّة الإسلامية التقليدية. وفي ما يلي محاولة موجزة لتتبع مسار أردوغان وحزبه في الحكم، ورصد انتقالهم بتركيا من الديمقراطية، التي أتاحت لهؤلاء "الإسلاميين المعتدلين" بلوغ السلطة، إلى التسلّط والاستبداد والحكم الفردي.

الصعود السريع

شهدت الانتخابات العامة في تركيا عام 2002 مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث استطاع حزب إسلاميّ التوجّه (العدالة والتنمية)، لم يكن مضى على تأسيسه سوى عامٍ واحد، أن ينال النسبة الأعلى من أصوات الناخبين متفوقاً على أعرق الأحزاب التركية، كحزب الشعب الجمهوري ممثل التيار العلماني وحامل إرث مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة وواضع أسسها الجمهورية العلمانية.

لم يكن الحزب الفائز ورموزه طارئين على الحياة السياسية فهم أبناء "الحركة الإسلامية" التركية، وأردوغان نفسه كان عضواً نشطاً في أحزاب إسلامية سابقة كالفضيلة والرفاه وغيرها بقيادة نجم الدين أربكان، الأب المؤسس للإسلام السياسي التركي، والذي كان يعاود تشكيل حزب جديد باسم مختلف بعد كل قرار بحلّ حزبه السابق خلال المواجهات السياسية المتكررة مع التيار العلماني المتشدد داخل المؤسسة العسكرية. فكان ظهور حزب العدالة والتنمية نوعاً من الخروج على قيادة أربكان التاريخية لوضع إستراتيجية عمل جديدة للإسلاميين؛ لأن الأجيال الأحدث في "الحركة الإسلامية" مثل؛ أردوغان وعبدالله غول وأحمد داوود أوغلو وسواهم، لم يعد يرق لهم فشل أربكان المتكرر في الصمود أمام ضغوط العسكر والعلمانيين المتشدّدين في النظام ولا خطابه وطريقة إدارته التقليدية، وباتوا في نظر الشارع ممثلين للنخب الإسلامية العصرية و"المعتدلة"، وبهذا كسبوا بخلفيتهم الأيديولوجية الإسلامية الناخبين ذوي التوجّه الإسلامي، وفي الوقت نفسه نالوا الكثير من أصوات التيارات العلمانية والليبرالية، عبر الترويج لأنفسهم كمتبنّين لقيم الحداثة وتأكيدهم السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كهدف أساسي.

تكتيكات النجاح

في البداية تجنّب أردوغان وفريقه الخوض في المسائل الإشكالية المتعلقة بدور الإسلام في المجتمع وعلاقته بالدولة، والتي كانت دوماً سبب تصادم الأحزاب الإسلامية السابقة مع الجيش التركي بوصفه حامياً للنظام الجمهوري العلماني. وجرى التركيز على الاقتصاد وتحسين علاقات تركيا الخارجية والعمل على بدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مما ساهم في خروج البلاد من أزمتها الاقتصادية خلال وقت قياسي. فالدبلوماسية النشطة وتحسين العلاقات مع الجوار عادت بنتائج إيجابية على الاقتصاد التركي، ومثلها المساعدات السخيّة التي قدّمتها الولايات المتحدة لتركيا لاستمالتها خلال فترة التحضير لغزو العراق، كما أنّ محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تطلّبت إجراءات قانونية وهيكلية متعلقة بالاقتصاد لتحقيق معايير العضوية، رافقتها مساعدات وتسهيلات مالية واقتصادية أوروبية. تضافرت تلك العوامل كافّة لتحقّق نجاحاً باهراً، فارتفعت معدّلات النمو ومستوى دخل الفرد وأصبحت تركيا من بين الاقتصادات المتقدّمة في العالم، ما أثمر مزيداً من شعبية الحزب الحاكم وزعيمه أردوغان؛ حيث ارتبطت النجاحات الاقتصادية بهم وبحكمهم بصرف النظر عن الظروف الموضوعية التي ساعدت عليها.

ارتبطت النجاحات الاقتصادية بأردوغان بصرف النظر عن الظروف الموضوعية التي ساعدت عليها

على صعيد آخر وجد أردوغان في مسألة الانضمام إلى النادي الأوروبي وما يتطلّبه من إجراءات تتعلق بالشفافية والديمقراطية وسيلة فعّالة للضغط على العسكر والحدّ من نفوذهم في الدولة، ذلك أنّ تقليص النفوذ السياسي للجيش من المعايير الأساسية للقبول ببدء المفاوضات مع الأوروبيين، ولم يكن ممكناً للعسكريين رفض إجراءات الحكومة في هذا الشأن كي لا يظهروا بمظهر من يقف في وجه حلم الأتراك المزمن بالعضوية الأوروبية. وتحت شعارات تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان راحت سلطة العسكر تنحسر شيئاً فشيئاً لصالح أردوغان الذي أعاد تنظيم مجلس الأمن القومي بما يعزّز من سلطته ويقلّص في الوقت نفسه دور الجيش في الحياة السياسية. كما سعى إلى توسيع قاعدته الشعبية لدى الأكراد عبر قضيتهم، وهي التي شكّلت معضلة تؤرّق الحكومات التركية كافّة، فحرص أول الأمر على تبنّي خطاب منفتح تجاههم ووعد بإيجاد حل سياسي ينهي الصراع الدامي بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، ما أدى إلى حصول حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2007 على نسبة كبيرة من أصوات الناخبين في المناطق ذات الغالبية الكردية.

انعطافات وتحوّلات

مستغلاً النجاحات الاقتصادية التي حققتها حكومته، راح أردوغان يوطّد نفوذه تدريجياً في الحزب والدولة، فيزرع أعوانه والمقرّبين منه في المفاصل الحساسة ومراكز القرار السياسي والاقتصادي، وعمل على تعزيز أجهزة الأمن والشرطة لتكون قوة تدعم سلطته في أي مواجهة محتملة مع المؤسسة العسكرية أو سواها. وحرص على الإمساك بالإعلام الرسمي وتجييره لخدمة طموحاته، مع التضييق على وسائل الإعلام المستقلة أو المعارضة. وتساقطت تباعاً الشعارات البرّاقة التي تبيّن أنّه استخدمها لتعزيز حكمه لا أكثر وبعدما استنفدت أغراضها واستقرّ له الأمر بدأت تظهر توجّهاته الحقيقية المناقضة لتلك الشعارات، مثل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحل المشكلة الكردية.

عُلّقت المفاوضات مع الأوروبيين مراراً وتكرّرت الأزمات الدبلوماسية بين تركيا وأوروبا، بسبب عنجهية أردوغان وتصريحاته الاستفزازية

في الأولى عُلّقت المفاوضات مع الأوروبيين مراراً وتكرّرت الأزمات الدبلوماسية بين تركيا وأوروبا، بسبب عنجهية أردوغان وتصريحاته الاستفزازية وغير المسؤولة في أكثر من مناسبة، كصدور مواقف بشأن مذابح الأرمن أو ملفّ تدفّق اللاجئين عبر تركيا إلى أوروبا أو حتى بشأن أوضاع حقوق الإنسان في تركيا، الأمر الذي كشف عدم جدّيته في التوجه نحو أوروبا وأنّ كلامه السابق عن التزامه وحزبه بهذا الهدف كان لكسب تأييد الناخبين لا أكثر، حتى أنه بدأ يتراجع عن إجراءات كانت اتّخذت في السابق تلبية لمعايير الاتحاد الأوروبي، فعاد مجدداً للحديث عن مشروع قانون تجريم العلاقات الجنسية خارج الزواج، الذي كان قد سحبه من المناقشات البرلمانية عام 2004، كما يحاول الآن إعادة تطبيق عقوبة الإعدام التي ألغيت في السابق.

أما القضية الكردية، فقد أعادها إلى سابق عهدها كمشكلة أمنية وكفّ عن وعوده بإيجاد حل سياسي لها. وتعثّرت "محادثات السلام" مع حزب العمال الكردستاني لتتجدّد العمليات العسكرية ضدّ المناطق الكردية، وهوجمت العديد من المدن والبلدات بالأسلحة الثقيلة ما أدى إلى سقوط مئات المدنيين بين قتيل وجريح. فخطاب أردوغان المنفتح على الأكراد وإطلاق "عملية السلام" محض دعاية انتخابية، واليوم يقبع صلاح الدين دمرتاش، النائب الكردي وزعيم حزب الشعوب الديمقراطي، في السجن لأسباب سياسية دون وجود أي أدلة أو تهم جدّية ضده.

مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات شعر أردوغان بخطورة الموقف وراح يتوعّد المعتصمين

2013: قمع الحريات وفضائح الفساد

اندلعت مظاهرات ضخمة مناهضة لحكومة حزب العدالة والتنمية صيف عام 2013، شارك فيها مئات الآلاف مطالبين باستقالة أردوغان وكان رئيساً للوزراء. عكست موجة الاحتجاجات تذمّر قطاعات واسعة في الشارع التركي من سياسات الحكومة، رغم أنّ سببها المباشر كان سعي الحكومة إلى إزالة حديقة عامة قرب ميدان تقسيم وسط اسطنبول لإقامة مول تجاري، مما دفع رافضي المشروع إلى الاحتشاد والاعتصام في الميدان، وتحويله إلى مركز للتحركات الاحتجاجية.

لم تقتصر المظاهرات على اسطنبول؛ إذ ما لبثت أن اتسع نطاقها لتشمل العديد من المدن التركية الرئيسية، وتفاقمت حالة الغضب الشعبي بسبب استخدام قوات الأمن والشرطة العنف المفرط ضدّ المتظاهرين وفض المظاهرات بالقوة. ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات شعر أردوغان بخطورة الموقف وراح يتوعّد المعتصمين في ميدان تقسيم بأنّ "صبره قد نفد"، ولوّح نائبُه عبر التلفزيون التركي الرسمي باستخدام القوات المسلحة عند الضرورة، فكانت أول مرة يهدد فيها الحزب الحاكم باستخدام الجيش لقمع المتظاهرين وإنهاء الاحتجاجات. كما شنّت قوات الأمن حملات مداهمة للمنازل واعتقلت العديد من الأشخاص من بيوتهم بتهمة التظاهر، وتشير الأرقام إلى اعتقال أكثر من خمسمئة متظاهر، وإصابة نحو خمسة آلاف شخص ومقتل أربعة على الأقل خلال الاضطرابات.

لم تقتصر المظاهرات على اسطنبول؛ إذ ما لبثت أن اتسع نطاقها لتشمل العديد من المدن التركية الرئيسية

لم تكد الأوضاع تهدأ وتستعيد الحكومة السيطرة حتى عاد المتظاهرون إلى الشوارع على خلفية فضائح الفساد. ففي أواخر عام 2013 نُشرت معلومات عن تحقيقات قضائية كشفت تورّط وزراء ونوّاب في ملفّات رشى وتهريب وتبييض أموال، في فضيحة فساد وصفت بأنها "الأكبر" في تاريخ تركيا، مما دفع أردوغان إلى إجراء تعديل وزاري عاجل شمل عشرة وزراء من أصل خمسة وعشرين، كما أقال عدداً من المحققين في القضية سعياً منه لتطويق الأزمة.

لكن القضية لم تتوقف عند هذا الحد؛ بل امتدت لتشمل أسرة أردوغان نفسه، فالتحقيقات أشارت وقتها إلى تورّط "المؤسسة التركية لخدمة الشباب والتربية"، وهي منظمة غير حكومية يرأسها بلال نجل أردوغان. ونُشرت على الإنترنت تسجيلات صوتية تمت خلال سير التحقيق لمكالمات هاتفية وأحاديث بين أردوغان وابنه عن عشرات ملايين الدولارات تؤكّد تلك الاتهامات، ومكالمات أخرى بين أحد كبار المقاولين وبين كل من أردوغان وابنته، تشير إلى تلقي الأخير فيلات فخمة في أحد أجمل المناطق التركية مقابل حصول المقاول على رخصة البناء، كون المنطقة محمية طبيعية وتوجد قيود على البناء فيها. حجبت الحكومة كافّة المواقع التي نشرت التسجيلات، ومع سيطرة حزبه على البرلمان وتحكّمه الكامل بالحزب لم يواجه أردوغان أيّة مشاكل أو إجراءات قانونية جدّية ضدّه لا في البرلمان ولا في الحزب.

قمع الأمن والشرطة المحتجين ومنعت المظاهرات بالقوة، وتفرّغ أردوغان لاحتواء خصومه والالتفاف على الاتهامات التي طالته وأسرته

قمعت أجهزة الأمن والشرطة المحتجين ومنعت المظاهرات بالقوة، وتفرّغ أردوغان لاحتواء خصومه والالتفاف على الاتهامات التي طالته وأسرته، فزعم أنّ التسجيلات "مفبركة" وأن ما يجري "مؤامرة" ومحاولة للانقلاب عليه وأنّ من يقف وراءها سيدفع الثمن. كما أثار الرأي العام ضدّ القضاة والمحققين المعنيين، متهماً إيّاهم بالعمل مع "بعض المجموعات الإجرامية"، داعياً أنصاره إلى التوحد والتضامن مع حزبه للتصدي لبعض وسائل الإعلام ورجال الأعمال والدوائر السياسية التي نسّقت ما سماها "المؤامرة الحقودة"، معتبراً أنّ هذه التطورات لا تستهدف حزب العدالة والتنمية لكنها تستهدف تركيا، في خطاب يماهي بين حزبه الذي كاد أن يُختصر بشخصه، وبين تركيا. وأصدر قراراته بعزل واعتقال أعداد كبيرة من القضاة والمحققين والمدّعين العامّين ومثلهم من الصحفيين والنشطاء السياسيين، بتهمة الارتباط بحركة "الخدمة" التي يقودها الداعية الإسلامي فتح الله غولن وتشكيلهم "كياناً مواياً" يهدف إلى تقويض تركيا من الداخل، وفق تعبير أردوغان حليف غولن السابق وعدوّه المستجدّ. واستُبدل القضاة والمحققون المعزولون بآخرين موالين، ليتم لاحقاً إغلاق القضيّة بحجة "عدم وجود أساس قانوني". وتابع أردوغان خطاه الحثيثة نحو الاستئثار بالسلطة، فانتُخب رئيساً للبلاد وبدأ بتهيئة الظروف لتمرير التعديلات الدستورية التي يريد من خلالها تحويل تركيا إلى النظام الرئاسي ومنح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة.

لكنّ الوقائع كانت تسير على غير ما يرضي أردوغان وحزبه؛ إذ جاءت نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2015 مخيّبة لهم، وخسروا الأغلبية المطلقة التي كانت لهم في البرلمان، مما شكّل ضربة قوية لمشروع التعديلات الدستورية؛ لأن الخريطة السياسية التي تشكّلت في ضوء الانتخابات جعلت من شبه المستحيل تمرير المشروع، وبدا ذلك بمثابة تصويت مبكّر عليه. كانت تلك النتيجة منطقيةً بعد فضائح الفساد وتراجع أوضاع الحرّيات في البلاد وتعثّر مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الأزمات الدبلوماسية والتوترات المتلاحقة التي شابت علاقات تركيا الخارجية بسبب التورّط والفشل في ملفّات ساخنة في المنطقة، وكل ذلك على أرضيّة من التراجع النسبيّ في معدلات النمو الاقتصادي قياساً بالسنوات السابقة.

الانقلاب المتلفز وأسطورة "الكيان الموازي"

ليل الخامس عشر من تموز (يوليو) 2016، انشغل العالم بالصور والأنباء المتسارعة القادمة من تركيا، عن "انقلاب عسكري" يهدف للإطاحة بحكم أردوغان والاستيلاء على السلطة، وما هي إلا ساعات من "الإثارة والتشويق" قتل خلالها مئتان وخمسون شخصاً، حتى انتهى "الانقلاب الفاشل" محاطاً بالكثير من الغموض والثغرات، إلى درجة دفعت سياسيين وصحفيين كثر، من داخل تركيا وخارجها، إلى وصفه بـ"المهزلة" و"المسرحية"؛ بل إنّ صوراً وفيديوهات عدّة تمّ تداولها ليلة "الانقلاب" تبيّن بعد التحقق منها لاحقاً أنّها قديمة وتعود لأحداث ومناطق أخرى. وقد استند المشكّكون بحقيقة "الانقلاب" إلى حيثياته ونتائجه وتداعياته للقول بأنّه من تدبير أردوغان وبعض أعوانه لاستعادة الشعبية والتخلص من الخصوم والقضاء على كافة أشكال المعارضة، وذلك لإنجاح عملية التحوّل إلى النظام الرئاسي وفق المقاييس الأردوغانية.

المؤسسة العسكرية التركيّة قوية وتاريخها في النصف الثاني من القرن الماضي حافل بالانقلابات، بمعدّل انقلاب كل عشر سنوات تقريباً

المؤسسة العسكرية التركيّة قوية وتاريخها في النصف الثاني من القرن الماضي حافل بالانقلابات، بمعدّل انقلاب كل عشر سنوات تقريباً (1960، 1971، 1980، 1997) وجميعها كانت ناجحة، حتى أنّه في حالتين على الأقل (1971، 1997) لم يقم الجيش بتحريك الجنود والدبابات، واكتفى بإرسال مذكرة للحكومة يعلن فيها مطالبه والإجراءات الواجب اتخاذها لحماية أسس الجمهورية العلمانية، وكانت النتيجة استقالة الحكومة أو إدخال تعديلات على النظام السياسي، وبالتالي ما كانت الأمور لتسير على هذا النحو الركيك والاستعراضي أمام الكاميرات وتنتهي خلال ساعات لو أنّ هناك بالفعل انقلاباً جدّياً ينفّذه للجيش.

جاء "الانقلاب الفاشل" ليعيد خلط الأوراق ويتيح لأردوغان إعادة تشكيل المشهد السياسي التركي بما يلائم مشاريعه

كان لافتاً أنّ الانقلابيين فشلوا في إحكام السيطرة على أيّ من المنشآت الحيوية، المدنية والعسكرية على السواء، كما أنّ تحرّكهم الرئيسي بالكاد اقتصر على بضع شوارع رئيسية وسط استنبول وأنقرة. ومعلومٌ أنّه في أي انقلاب عسكري يُفترض أن يقوم الانقلابيون بالسيطرة على وسائل الإعلام وشبكات الاتصالات مباشرة، والقبض على كبار المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. فما هذا الانقلاب الهزلي الذي واصلت خلاله جميع قنوات التلفزة الحكومية أو تلك الخاصة الموالية لأردوغان، وكذلك شبكات الاتصال والإنترنت عملها دون توقّف (باستثناء انقطاع بث قناة "تي أر تي" الرسمية لمدة ساعة واحدة فقط)، في حين يجهل الانقلابيون مكان الرئيس ورئيس الحكومة ويبحثون عنهما دون جدوى، ويتمكن هذان ببساطة من التحدّث عبر وسائل الإعلام و"قيادة" العمل على إفشال الإنقلاب، فضلاً عن مسارعتهما الجزم بأنّ أنصار الداعية الإسلامي فتح الله غولن وحركة "الخدمة" التي يقودها هم من يقف وراء الانقلاب.

حتى لو كان ما حدث انقلاباً "عادياً" وغير مفبرك، فما علاقة القضاة والصحفيين والأكاديميين والمعلمين وغيرهم من المدنيين؟

صباح اليوم التالي أصدرت السلطات قراراً دون أي مستند قانوني، باعتقال نحو ثلاثة آلاف من العاملين في القضاء بكافة مستوياته، من مدّعين عامّين وقضاة وأعضاء في مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا، إضافة إلى أكثر من ألف وخمسمئة ضابط رفيعي المستوى، في ما بدا عملية تصفية داخل الجيش والقضاء معدّة مسبقاً ولا ينقصها سوى التنفيذ والذي جاء بتهمة "الانقلاب". وتصاعدت حملات التطهير التي وصفها أردوغان بعملية "تصفية الفيروس"، لتطال خلال أشهر أكثر من مئة وخمسين ألف شخص سرّحوا من وظائفهم في شتّى القطاعات التعليمية والخدمية والإعلامية، فضلاً عن اعتقال أكثر من خمسين ألفاً، وإغلاق مئات المنشآت التعليمية من جامعات ومدارس وعششرات البنوك والشركات.. وكل ذلك بتهمة "الكيان الموازي" المرتبط بجماعة فتح الله غولن، علماً أنّ غولن نفسه أعلن منذ البداية وقوفه ضدّ الانقلاب، وكرر دعوته لأردوغان عبر وسائل الإعلام العالمية للسماح بفتح تحقيق دولي تقوم به لجنة يشارك بها حلف شمال الأطلسي والبرلمان الأوروبي والمحكمة الجنائية الدولية، تقوم بالتحقيق في كل ملابسات المحاولة الانقلابية، مؤكّداً أنّه سيتحمل المسؤولية فيما لو ثبتت أي علاقة له بما جرى. وللمفارقة شملت الحملة معارضين علمانيين ويساريين مع أنّ حركة "الخدمة" ذات توجّهات إسلامية واضحة.

يبقى أنّه حتى لو كان ما حدث انقلاباً "عادياً" وغير مفبرك، فما علاقة القضاة والصحفيين والأكاديميين والمعلمين وغيرهم من المدنيين بالانقلابات العسكرية أم أنّها الذريعة التي انتظرها أردوغان طويلاً لإسكات كل صوت معارض. والتساؤل الأخير: هل يعقل أن انقلاباً يتورّط فيه كل ذلك العدد من الضبّاط فضلاً عن عشرات ألوف الأشخاص الذين طالهم التطهير يفشل خلال ساعات، في حين أنّ ثمانية وثلاثين ضابطاً فقط نجحوا في تنفيذ الانقلاب الأول في تركيا والاستيلاء على السلطة عام 1960.

تعديل الدستور والحكم المطلق

جاء "الانقلاب الفاشل" ليعيد خلط الأوراق ويتيح لأردوغان إعادة تشكيل المشهد السياسي التركي بما يلائم مشاريعه. فتداعيات الانقلاب لم تقتصر على التخلّص من الخصوم والمعارضين فحسب، وإنما أتاحت للحكومة السيطرة المطلقة على وسائل الإعلام، والعمل على تكريس صورة أردوغان بوصفه قائد الأمة والبطل الذي أنقذ النظام الديمقراطي من الانقلابيين. فكانت نقلة كبرى في مسار تحوّل البلاد إلى الاستبداد وحكم الفرد.

استثمرت الحكومة الموقف الشعبي المتمسّك بالنظام الديمقراطي والذي عبّر عنه الأتراك بالنزول إلى الشوارع للحيلولة دون نجاح الانقلاب المزعوم

استثمرت الحكومة الموقف الشعبي المتمسّك بالنظام الديمقراطي، والذي عبّر عنه الأتراك بالنزول إلى الشوارع للحيلولة دون نجاح "الانقلاب" المزعوم، فانطلقت حملة دعائية ضخمة تستنهض الوطنية التركيّة وتجيّرها لصالح الرئيس "رمز البلاد" الذي صمد وانتصر على الانقلابيين. ونُظّمت مظاهرات وتجمّعات شعبية حاشدة ترفع الأعلام الوطنية وصور أردوغان وتصدح فيها الأغاني القومية المعروفة مثل "أموت لأجلك يا تركيا"، وأخرى جديدة تمجّد أردوغان شخصياً وتصفه بأنّه "صوت المظلومين"، وعلّقت الأعلام التركية في كل مكان إلى جانب لافتات كُتب عليها "السلطة بيد الشعب"! وبات الإعلام التركي برمتّه في خدمة هذا التوجّه بعد إغلاق وحظر مئات الصحف والمجلات وقنوات التلفزة والمواقع الالكترونية التي لا تنسجم مع الخط الأردوغاني، حتّى غدت تركيا في المرتبة 151 من 180 بلداً على مؤشّر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود".

في هكذا أجواء بوليسية جرى الاستفتاء على التعديلات الدستورية في نيسان (أبريل) 2017، وطبعاً جاءت النتيجة لصالح إقرار التعديلات، لكنّ بفارق بسيط (51% نعم، مقابل 49% لا)، وذلك رغم القمع والتضييق على المعارضين وحملات توجيه الرأي العام، ورغم حالات التلاعب والتزوير التي رفضت اللجنة العليا للانتخابات الطعون المقدّمة في شأنها دون أن تكلّف نفسها عناء النظر فيها، برغم صدورها عن أحزاب ذات شعبية واسعة ولها كتل وازنة في البرلمان، حتى أنّ وزير العدل أعلن صراحةّ أنّ "المحكمة الدستورية سترفض أيّ طعن تقدّمه المعارضة في نتائج الاستفتاء"، وهذا تدخّل سافرٍ للسلطة التنفيذية في عمل أعلى هيئة قضائية في البلاد، وهي بوادر تؤكّد أنّ مستقبلاً أسوأ ينتظر الديمقراطية التركية بعد نجاح أردوغان في تحويل البلاد إلى نظام رئاسي على مقاسه.

أردوغان يثبت يوماً بعد يوم أن شكوك وهواجس المتخوفين من حقيقة مشروعه وحزبه كانت محقة

ليست المشكلة في النظام الرئاسي بحد ذاته، وهناك بالفعل ديمقراطيات عريقة تبنّت النظام الرئاسي، لكنّه نظام جيد عندما يُطبّق في بلد تكون فيه الصحافة حرة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها حقيقي. في الولايات المتحدة مثلاً، حيث النموذج الأبرز للنظام الرئاسي، وقف القضاء المستقل مراراً في وجه دونالد ترامب؛ أي إنّ السلطة القضائية تتمتع باستقلالية تجعلها ندّاً للرئيس لا تابعاً له على نحو ما أفضت إليه تعديلات أردوغان. فالمشكلة في الصلاحيات الاستثنائية وشبه المطلقة التي سيتمتع بها أردوغان بالمقارنة مع بقيّة الأنظمة الرئاسية في العالم. ولا يخفى النزوع السلطوي لدى أردوغان ومظاهر العظمة والأبهة التي بات يحرص عليه، كما في القصر الرئاسي الذي شيده وبلغت كلفته 650 مليون دولار، وضمّ ألف غرفة على مساحة تزيد عن مساحة قصر فرساي الشهير، وهو ما دفع أحد المعلّقين إلى القول "إن أردوغان يفضّل دور السلطان على دور الرئيس المنتخب".

خاتمة

إنّ إدماج الإسلاميين في النظام البرلماني يجعل منهم قوّة سياسية من بين مجموعة قوى متنافسة في إطار النظام الديمقراطي، وهو ما قد يحول دون قيامهم بإنشاء جماعات عنفية متطرفة. غير أنّه من المؤسف ما تكشفت عنه اليوم مآلات تجربتهم في السلطة في تركيا، عبر طبعتهم الأحدث: "حزب العدالة والتنمية"، فأردوغان يثبت يوماً بعد يوم أن شكوك وهواجس المتخوفين من حقيقة مشروعه وحزبه كانت محقة، فهو ليس "حزب ما بعد الإسلام السياسي" على نحو ما تشدّق البعض، وإنما حزب إسلاميّ في الجوهر لكنّه غيّر من مظهره وتكتيكاته مع الحفاظ على أهدافه الإستراتيجية. واليوم يظهر كغيره من أحزاب الإسلام السياسي: دينهم وديدنهم الاستفراد بالحكم وإقصاء من يخالفهم واستغلال السلطة من أجل فرض رؤاهم الأيديولوجية، وهذه ممارسات تفضي إلى تقويض أي تجربة ديمقراطية. فما الفارق، بعد هذا كلّه، بين محاربة النظام الديمقراطي وفرض الأسلمة على المجتمع بالعنف وقوّة السلاح وبين تقويض أسسه من الداخل بأساليب ومزاعم تبدو من حيث الظاهر "ديمقراطية"، ما دام الهدف نفسه فرض أجندات الإسلام السياسي.

لقد استغلّ أردوغان مأثرة الأتراك في رفضهم "الانقلاب" وتمسّكهم بالنظام الديمقراطي لتكريس سلطته المطلقة وتقويض الديمقراطية في البلاد، فهل سيربح في نهاية المطاف وتخسر تركيا ديمقراطيتها أم سيكون للشعب التركي رأي آخر؟

*كاتب وباحث سوري.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أنس قنطار.. لماذا لفّق أردوغان للاعب كرة سلة تهمة الإرهاب؟

2020-01-20

يتقاضى ملايين الدولارات من لعبه كرة السلة في عدة أندية لرابطة كرة السلة الأمريكية، لكنّ ذلك لم يشغل اللاعب التركي المولود في سويسرا، أنس قنطار، عن متابعة شؤون بلده الأم "تركيا"، وقد دفعه تخبّط السياسة التركية، الداخلية والخارجية، إلى انتقاد تسلّط وسيطرة حزب العدالة والتنمية، بزعامة رجب أردوغان، على مقادير الناس وأرزاقهم ومصائرهم في موطنه تركيا.

اقرأ أيضاً: الجزائر: إرسال أردوغان للمرتزقة السوريين فاقم أزمة ليبيا
وسلطت تعليقات "قنطار" ومواقفه الضوء على تحكم أردوغان وحزبه بمفاصل الدولة، والتستّر على جرائم فساد ومحسوبيات حدثت أثناء حكم هذا الحزب، الذي يتخذ من الدين نقاباً يستر به نشاطاته السرية، كما قال يوماً محمد بكار أوغلو، نائب رئيس حزب الشعب التركي المعارض.

تعرضت عائلة قنطار المقيمة في تركيا لمضايقات كثيرة من السلطات هناك
ولد أنس قنطار العام 1992، لوالدين تركيَّين كانا يعيشان في مدينة زيورخ السويسرية، وقد قضى معظم طفولته متنقلاً بين إسطنبول وأنقرة مع والديه اللذين كانا يعملان في مهنتَي الطبّ والتمريض.
وقد تأثر قنطار أثناء المرحلة المدرسية من حياته بأفكار حركة "الخدمة"، التي أسّسها الداعية الإسلامي، فتح الله غولن، ويقول قنطار، في حديث له مع قناة "سي بي سي" الكندية: إنّ "إصلاح هذا العالم وتحسين حياة الناس، كانت دائماً محاور حديثي مع الداعية غولن".

أصبح قنطار ناقداً لاذعاً لحكومة أردوغان بعد فضيحة الفساد الكبرى التي عصفت بالحكومة التركية العام 2013

وقد أصبح قنطار ناقداً لاذعاً لحكومة أردوغان بعد فضيحة الفساد الكبرى، التي عصفت بالحكومة التركية، العام 2013، عندما كشفت تورط بنك "هالك"، المملوك للحكومة التركية، وعدد من أبناء وزراء حكومة أردوغان وقادة شرطة، في عمليات تشمل تهريب ذهب، ورشاوى، وغسيل أموال، في عملية مقايضة كبيرة يتم فيها تقديم كميات من الذهب لإيران بطرق مختلفة، مقابل الحصول على كميات كبيرة من الغاز والنفط الإيراني.
وقد تناولت مواقع وصحف تركية هذه القضية، وظهر على شاشات التلفزة كثيرون من أبناء الوزراء الأتراك وأصدقائهم يقادون إلى المحاكم، لكن سرعان ما أُطلق سراحهم، وخرج أردوغان أمام حشد شعبي، العام 2013، متهماً قوى أجنبية خارجية في تدبير ما أسماها "المؤامرة" للإطاحة بحكمه ونظامه السياسي، واكتفى بطلب الاستقالة من بعض الوزراء، لكنّ الشارع التركي لم يقتنع، ولم يرضَ بالإجراءات، أو الإقالات، التي أحدثها أردوغان في حكومته.
فيديو الأتراك يتظاهرون للإطاحة بأردوغان بعد فضيحة الفساد العام 2013:

وعندما رأى أنس قنطار؛ أنّ قضية الفساد الكبرى في بلاده قد تمّ طيّها، وإخفاء معالم الجريمة التي حدثت، بدأ بانتقاد حكومة أردوغان علناً، كاشفاً "تواطؤ الحكومة مع أبناء الوزراء الفاسدين"، وفق قوله، وهنا استشاطت حكومة أردوغان غضباً، وتوعّدته وهدّدته بسجن والدَيه والتضييق على أقاربه المقيمين في تركيا.

اقرأ أيضاً: أردوغان في ليبيا وخامنئي في العراق

لكنّ ذلك لم يثنِ لاعب كرة السلة المحترف في الأندية الأمريكية، واستمر بالتعليق منتقداً سياسات الحكومة التركية عبر صفحته في موقع تويتر، وقد عمدت حكومة أردوغان بعد أن استنفدت كلّ أسلحة التخويف والتهديد والوعيد، إلى اللجوء لتلفيق تهمة الإرهاب لقنطار، واستطاعت أن تستصدر "إشعاراً أحمر" من الشرطة الدولية "الإنتربول" لاعتقاله، بحجة "انضمامه لتنظيم إرهابي سرّي"، وقد أثّر هذا الإشعار في حركة سفره، وأجبره الحظر والمتابعة الشرطية على اجتناب السفر لخارج الولايات المتحدة، ولم يزر إلا كندا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة.

بدأ قنطار بالخشية على حياته ما دفعه لعدم مرافقة فريقه "بوسطن سلتكس" في رحلاته الخارجية

وبدأ أنس قنطار بالخشية على حياته، ما دفعه لعدم مرافقة فريقه "بوسطن سلتكس" في رحلاته الخارجية، خوفاً من أن تطاله يد الاستخبارات التركية، أو أعوانها في الحركات السلفية، المنتشرين في كلّ أنحاء العالم، ولم يشارك قنطار في مباريات مهمة، العام 2019، حتى في دول ذات مستوى أمني مرتفع مثل بريطانيا.
وكان ردّ لاعب السلة المحترف، قنطار، على تلك الاتهامات، في لقاء مع قناة "سي إن إن" الأمريكية: "الشيء الوحيد الذي أرهبني كان لوح تثبيت سلة التهديف"، وأضاف أنّه مواطن يحترم القوانين والأنظمة، ولم يرتكب يوماً حتى مخالفة سير فوق الأراضي الأمريكية.
وفي معرض تفنيده لاتهامات الحكومة التركية بأنّه مشارك في مؤامرة الانقلاب المزعوم على أردوغان، في صيف العام 2016، كان ردّ اللاعب أنّه كان حاضراً في مجلس فتح الله غولن حين وردت الأخبار عن ذلك التحرك العسكري في أنقرة، وقال إنّ "الزعيم التركي، غولن، استمر بالدعاء لله بسلامة وطنه تركيا، وأن يحفظ شعب تركيا من أيّ سوء". ويقول قنطار: "كان الحاضرون يتمنون، مع زعيمهم الديني، أن يحلّ السلام والخير في ربوع الجمهورية التركية في ذلك الوقت العصيب".
لقاء أنس قنطار مع قناة "سي إن إن" الأمريكية:

وقد تعرضت عائلة اللاعب أنس قنطار، المقيمة في تركيا، لمضايقات كثيرة من السلطات هناك، ومن مظاهر هذا التضييق إجبار الحكومة التركية لعائلة قنطار على إصدار تبرئة علنية من نسب أنس للعائلة، بل وإرغام أهله على نشر إعلان رسمي في وسائل الإعلام المحلية في تركيا بأنّ عائلته تشعر بالخزي والعار من أفعاله ونشاطاته السياسية.

لفقت حكومة أردوغان تهمة الإرهاب لقنطار واستطاعت أن تستصدر "إشعاراً أحمر" من "الإنتربول" لاعتقاله

ولم يمنع إعلان العائلة حكومة أنقرة من طرد والد أنس من مهنة التدريس في الجامعات التركية، وقد كان للإجراءات التعسفية والانتقامية التي تلت محاولة الانقلاب، العام 2016، وطالت أعداداً كبيرة من الأساتذة الجامعيين والأدباء والصحفيين والفنانين، وغيرهم، عام 2016 وما تلاه من الأعوام، أثر كبير في إصرار أنس قنطار، على الاستمرار بالنقد والتعليق على أيّة ممارسة تمسّ حريات وحقوق المواطن التركي ورصد أيّ تصرفات تخالف القانون لحكومة أردوغان.
وقد اعتقلت السلطات التركية والد قنطار لفترة من الزمن، العام 2017، ثم قامت سفارة تركيا في بوخارست بسحب جواز سفر أنس، أثناء مشاركته في بطولة لكرة السلة في رومانيا، مما أدّى لتخلفه عن زملائه العائدين إلى الولايات المتحدة، وقام أثناء مراقبته في المطار من قبل الشرطة الرومانية، بإجراء بثّ مباشر عبر حسابه في تويتر، تحدّث فيه للعالم عما حلّ بجواز سفره، وقال في ذلك البثّ إنّ حكومة أردوغان قد حرمته من وطنه بسحب جواز سفره، وأضاف أنّ "الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، شخص فظيع"، ونعته بأنّه "هتلر هذا القرن".
اللاعب أنس قنطار خلال بثّه المباشر من مطار بوخارست الروماني:

للمشاركة:

خامنئي يؤمّ صلاة الجمعة.. لماذا صعد إلى المنبر الآن؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-01-20

منذ تنفيذ عملية اغتيال قائد "فيلق القدس" الجنرال قاسم سليماني، ثمّة تداعيات كثيرة، محلية وإقليمية، حول الحادث، ستنجم عنها نتائج عديدة؛ حيث أشار محللون ومراقبون سياسيون، إلى أنّ العلاقات الأمريكية الإيرانية، منذ أربعة عقود، تعكس تاريخاً معقداً يحفل بالخلافات والصراعات والتباينات في المواقف، وأنّها في نهاية الحال ستسفر عن وقوع حرب بينهما، خاصة في ظلّ التصعيد العسكري النوعي مع الجمهورية الإسلامية، مؤخراً، إضافة إلى مواجهات غير مباشرة، ستتنوع ساحاتها الإقليمية، سواء في بغداد أو غيرها.

إيران وسياسة الضغط القصوى

وبينما تفادت الإدارتان الأمريكيتان السابقتان لترامب خيار الأخير الذي نفّذه فيما يخصّ قائد "فيلق القدس"، لتجنّب التصعيد العسكري مع الجمهورية الإسلامية؛ فإنّ سيناريوهات ما بعد سليماني ستبقى مفتوحة على عدة احتمالات؛ فهل ستنجح سياسة الضغط القصوى لترامب على إرغام طهران في العودة إلى طاولة المفاوضات؟ وكيف ستعمل الجمهورية الإسلامية على ترميم أسطورة قائد فيلق القدس المصنوعة، بعد أن جعلت من شخصيته قوة إقليمية تمتدّ شبكة علاقاتها على مدار عقدين، بين حزب الله في لبنان، مروراً بالحشد الشعبي في العراق، وحتى دعم الحوثيين في اليمن؟ وإلى أيّ حدّ سيوظف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الحادث، في ظلّ ما يعانيه من احتجاجات شعبية متواصلة، منذ نهاية عام 2017، في تعبئة الرأي العام ضدّ واشنطن والتغطية على ممارسات النظام القمعية؟

مهدي خلجي: إمامة خامنئي الصلاة في مثل هذه البيئة المشحونة سعت لمعالجة مصادر قلق رئيسة يتعرض لها النظام

اللافت أنّ النظام الإيراني يعاني من حالة تفلّت وارتباك شديدين، خاصة إثر اعتراف الحرس الثوري بإسقاط الطائرة الأوكرانية "عن طريق الخطأ"، بحسب روايته، والتي راح ضحيتها 176 مدنياً، بعد إنكارهم تلك الجريمة لمدة ثلاثة أيام متتالية، ما أدّى إلى اندلاع احتجاجات شعبية هائلة، وخروج الآلاف إلى الشوارع، في عدة مدن إيرانية، من طهران وحتى أصفهان، للتعبير عن استيائهم وغضبهم، الأمر الذي أفسد المشهدية "الكربلائية" التي حاول النظام صنعها لحساب سليماني.
ومن بين أبرز مشاهد الانفلات؛ اعتقال عناصر من الميليشيات الإيرانية للسفير البريطاني، روب ماكير، ومن ثم احتجازه لعدة ساعات للتحقيق معه، وتوجيه اتهامات بالتحريض وتصوير الاحتجاجات، قبل أن يتم إطلاق سراحه وطلب استدعائه بعدها بأيام.

اقرأ أيضاً: خامنئي في حالة النكران
ورأى المتحدث باسم السلطة القضائية في طهران السفير البريطاني؛ أنّه "شخص غير مرغوب فيه، قبل أن يتمّ الإعلان بعدها عن مغادرته للعاصمة".

دماء على منبر المرشد

بيد أنّ مهدي خلجي، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يشير إلى حادثة أخرى ذات دلالة مهمة ومؤثرة، ترتبت عن مقتل سليماني؛ حيث أمّ المرشد الأعلى، علي خامنئي، صلاة الجمعة، قبل أيام قليلة، للمرة الأولى، منذ 8 أعوام، في حين اعتاد القادة الإيرانيون على تكليف أئمة ورجال دين آخرين، لأداء تلك المهمة، بينما لم يؤم الإمام الخميني، مثلاً، الصلاة يوماً.

اقرأ أيضاً: ما الرسائل التي حملتها خطبة خامنئي؟
وعليه، تعكس تلك الرمزية الدينية محاولة للصعود السياسي، بواسطة استدعاء الطقس والشعيرة الدينية، بهدف توظيفها في توجيه رسائل معينة وأهداف محددة، بحسب الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية؛ حيث إنّ إمامة الصلاة في مثل هذه البيئة المشحونة، سعت إلى معالجة مصادر قلق رئيسة يتعرض لها النظام، وبخلاف احتجاجات البنزين، التي اندلعت خلال تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تبين حتى الآن أنّه يتعذّر إصلاح الخطأ في السياسة الذي أجّج الاضطرابات الحالية.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء هتاف الشعب الإيراني ضد خامنئي والنظام: أنتم عدونا؟
وفي آخر مرة قدّم فيها خامنئي خطبة يوم الجمعة، عام 2012، كانت استجابة للضغوط الاقتصادية المتنامية محلياً، إضافة إلى قرار الحكومة بالتفاوض مع واشنطن فيما يخصّ البرنامج النووي.
لكنّ خامنئي، في الخطبة الأخيرة، استهدف الحديث عن الاحتجاجات الأخيرة بعد حادثة الطائرة الأوكرانية؛ حيث اتهمها بالحصول على دعم من حكومات أجنبية، ورأى أنّ المئات الذين عمدوا إلى إهانة قاسم سليماني أثناء مظاهراتهم الاحتجاجية لا يمثلون الشعب الإيراني مقارنة بالملايين في جنازته، حسبما قال.

جرائم سليماني تلاحقه

وعرّج المرشد، الذي تحدث عن استمرار دعمه إلى "فيلق القدس"، بينما وصف مقاتليه بأنّهم "مقاتلون بلا حدود"، على عدة أمور رئيسة، تبرز مخاوفه وهواجسه السياسية القادمة؛ حيث وجّه رسالة إلى الشعب الإيراني طالب فيها بضرورة الإقبال على التصويت فى الانتخابات البرلمانية، والمزمع إجراؤها الشهر المقبل، وذلك بهدف تفويت الفرصة على من وصفهم بـ "الأعداء"، الذين يستهدفون تقويض الديمقراطية في إيران.

اقرأ أيضاً: أزمة خامنئي تبدأ الآن: كيف تعاد هيكلة السلطة في إيران؟
من جهته، يشير الباحث والمحلل السياسي المصري، رامي محمد، إلى أنّه منذ اعتراف الحرس الثوري الإيراني، بمسؤوليته عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، تبدّل المشهد الذي حاول النظام الإيراني تدشينه، سواء محلياً أو على المستوى الخارجي، فالصورة التي عمد إلى تصديرها للخارج عبر حشد جماهيري ضخم، وتكوين جسر بشري يعبّر عن غضبه ضدّ ما يرونه "الاستكبار الأمريكي" أثناء جنازة سليماني، أفسدته جريمة الحرس الثوري وانقلب الأمر للنقيض؛ حيث خرجت الجماهير الإيرانية التي ضاعفت الحادثة استياءها وغضبها، لتحتجّ على الأمر، بينما قامت بحرق وتمزيق صور قائد فيلق القدس، كما لاقى هذا الاعتراف من جانب ميليشيات الحرس تنديداً دولياً واستنكاراً شديداً.

النظام الإيراني يعاني من حالة تفلّت وارتباك شديدين خاصة إثر اعتراف الحرس الثوري بإسقاط الطائرة الأوكرانية "عن طريق الخطأ"

ويتابع محمد حديثه لـ "حفريات": "تحركت قوى المعارضة لمهاجمة المرشد ذاته، وطالبته بالتنحي؛ حيث انتقدت فائزة رفسنجاني، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق، هاشمي رفسنجاني، في شريط صوتي وجّهته للمرشد، الأوضاع في إيران، وحرضت على ضرورة العصيان المدني بهدف توسيع دائرة الاحتجاجات، كما طالب زعيم المعارضة الخضراء، مهدي كروبي، الذي يقبع تحت الإقامة الجبرية، منذ أعوام، هو الآخر، المرشد بضرورة التنحي وترك منصبه؛ حيث وصفه بأنّه "لا يمتلك صفات القيادة وعليه أن يتنحى".
ويختتم الباحث والمحلل السياسي؛ بأنّ النظام الإيراني، الذي اعتقل مهدي كروبي بعد رسالته للمرشد، كما جرى اعتقال حسين كروبي كذلك، بعد يومين من دعوة والده، الذي كان يخضع للإقامة الجبرية، منذ عام 2011، يعاني حالة من التأزم الشديدة داخل أطراف وأجنحة السلطة نفسها، في ظلّ توسيع هوة الخلاف مع الإصلاحيين والمعتدلين، ناهيك عن فشل خامنئي في خطبته الأخيرة في استعادة الثقة بالحرس الثوري كقوة عسكرية واقتصادية، بل إنّ السخط الشعبي والجماهيري، عكس تأكيداً على اعتبارهم عائقاً وسبباً في الأزمة، على خلفية سياستهم في إدارة المنطقة.

للمشاركة:

ما الذي تكشفه ردّة فعل تنظيم القاعدة على مقتل سليماني؟

2020-01-20

أثار مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بغارة أمريكية في بغداد، فجر الجمعة 3 كانون الثاني (يناير) 2020، الكثير من ردود الفعل المتضاربة، ولا تزال تداعيات مقتله، الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية وعلاقات القوة والدبلوماسية في البلدين، مستمرة.

اقرأ أيضاً: اغتيال سليماني.. انتشاء "داعشي" وتخوّفات إقليمية
وإذا كان من المفهوم حدوث هذا التعقيد وتضارب المصالح، في علاقات "الأطراف الفاعلة من الدول" في ساحة العلاقات الدولية؛ فإنّ من اللافت في الأمر هو دخول "الأطراف الفاعلة من غير الدول"، مثل الجماعات الإرهابية، على خط المسألة، بعد إصدار تنظيم داعش وتنظيم حراس الدين؛ ممثل تنظيم القاعدة في سوريا، تصريحات تُرحب بمقتله.

فرح داعش وحراس الدين

تزامن بروز نجم سليماني في ساحة الحرب السورية، عام 2011 مع معركة التحالف الدولي بقيادة أمريكا لمحاربة الجماعات الإرهابية في سوريا، وعلى رأسها تنظيم داعش والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة مثل تنظيم حراس الدين؛ حيث أشرف سليماني على كافة العمليات العسكرية الإيرانية التي استهدفت هذه التنظيمات، ليصبح من أشد أعدائها، لذلك أعلنت هذه التنظيمات على الفور عن فرحها وترحيبها بمقتل سليماني.

رحب تنظيم داعش عبر جريدة النبأ الأسبوعية الناطقة باسم التنظيم بمقتل قاسم سليماني واصفاً الحدث بالبشارة والتدخل الرباني

فقد رحب تنظيم داعش، عبر جريدة النبأ الأسبوعية الناطقة باسم التنظيم، في 3 تشرين الثاني (ديسمبر) 2020، بمقتل المذكور، واصفاً الحدث بـ "البشارة والتدخل الرباني"، مُعتبراً أنّ أعداء التنظيم يتقاتلون فيما بينهم، وأنّ مقتل سليماني سيغير مجرى الحرب ضد التنظيم، و"سيتمكّن الجهاديون من لم شملهم من جديد"، وفق ما أورد موقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بالفارسية.
كما أصدر تنظيم حراس الدين، عبر منصة "مؤسسة شام الرباط للإنتاج الإعلامي"، بياناً موقعاً باسم أبو عبد الرحمن المكي، عضو مجلس شورى التنظيم (سعودي الجنسية ومُنشق عن جبهة تحرير الشام)، عبّر فيه عن فرح التنظيم بمقتل سليماني، الذي وصفه بـ"الزنديق هو ومن على شاكلته"، مؤكداً أنّ هلاك أعداء الإسلام هو فرح للمؤمنين، "ولو على غير أيدينا، كما فرح الصحابة بانتصار الروم على الفرس".

وأشار المكي إلى موقف حركة حماس من مقتل سليماني؛ حيث قال إنّ هذا هو "حال أهل السنة عند هلاك الكفرة الزنادقة ورؤوس المبتدعة، المتبعين غير سُبل المؤمنين ممن استنكروا قتل الزنديق سليماني كحركة حماس"، مؤكداً أنّ موقف الأخيرة "ضلالة وانحراف وتهاون بمسائل حاكمية الإسلام، والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، وعدم الركون للظالمين".

بعد هزيمة تنظيم القاعدة في أفغانستان، كانت إيران ملجأ لأهم قيادات التنظيم ومن ضمنهم أهم قادة حراس الدين اليوم

وكان قد أُعلن عن تأسيس تنظيم "حراس الدين" بشكل رسمي مع إصدار بيانه الأول في 27 شباط (فبراير)  عام 2018، ويضم التنظيم الذي يتزعمه  سمير حجازي "أبو همام الشامي" مجموعات؛ "جيش الملاحم، جيش الساحل، جيش البادية، سرايا الساحل، سرية كابل، جند الشريعة"، وفلول "جند الأقصى".
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان أصدرته في (10 أيلول، سبتمبر 2019)، إنّ "حراس الدين"، هي جماعة جهادية تابعة لتنظيم القاعدة، انفصلت عنه في أوائل 2018. وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إدراج التنظيم العامل في محافظة إدلب شمالي سوريا، وقائده "أبو همام الشامي" على قائمة الإرهاب.

لماذا لم يعلق تنظيم  القاعدة؟

إنّ الأمر المثير للتساؤل في بيان "حراس الدين" هو عدم صدور هذا التصريح من تنظيم "القاعدة الأم"، وترك الأمر إلى التنظيم الذي يُمثّل الأولى في سوريا، والذي يعاني أصلاً من خلافات حادة بين تيارين؛ معتدل يمثله قائد التنظيم أبو همام الشامي، والدكتور سامي العريدي، المسؤول الشرعي الحامل للجنسية الأردنية، بالإضافة إلى منظر هذا التيار، جمال إبراهيم اشتوي المصراتي المعروف بــ "عطية الله الليبي". وتيار آخر، مُتشدّد كان  يمثله أبو ذر المصري، وأبو عمرو التونسي، وأبو يحيى الجزائري، وأبو دجانة التونسي، وأبو إبراهيم الشامي، الذين قتلوا جميعاً في ضربة جوية لقوات التحالف، بتاريخ 30 حزيران (يوليو) 2019، فضلاً عن مُنظر التيار، الأردني أبو محمد المقدسي.

الأمر المثير للتساؤل هو عدم صدور بيان حول مقتل سليماني من تنظيم القاعدة الأم وترك الأمر إلى تنظيم حراس الدين

فهل لذلك علاقة بطبيعة التعاون التاريخي بين تنظيم القاعدة وإيران؟ حيث كانت الأخيرة ملاذاً لأهم قيادات القاعدة الذين تم نقلهم عن طريق الظواهري، ضمن صفقة تبادل أسرى من إيران إلى سوريا، عقب اندلاع الأزمة السوررية عام 2011، تحت ما يُسمى بـ "مجموعة خراسان" مثل؛ المصري سيف العدل، وأبو الخير المصري، وأبو محمد المصري، وعبدالله عبد الرحمن، الذي قتل بطائرة بدون طيار في إدلب (آذار 201)، وخالد مصطفى العاروري المعروف بـ "أبو القسام الأردني"، القائد العسكري الحالي لتنظيم حراس الدين.
وكان العاروري قد اعتقل من قبل الحرس الثوري الإيراني، ثم أُفرج عنه في صفقة أمنية بين إيران وتنظيم القاعدة، مقابل الإفراج عن دبلوماسي إيراني كان محتجزاً لدى التنظيم في اليمن، والأردني ساري محمد حسن شهاب المُلقب بـ "أبو خلاد المهندس"، والذي قتل بعبوة ناسفة في إدلب (22 آب/أغسطس 2019).

اقرأ أيضاً: لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟
فهل فقد الظواهري السيطرة على التنظيم في سوريا؟ أم أراد أن يظهر أكثر تسامحاً وليناً من تنظيم داعش مع إيران التي كانت، بعد هزيمة التنظيم في أفغانستان، ملجأ لأهم قيادات القاعدة ومن ضمنهم أهم قادة "حراس الدين" اليوم؟

للمشاركة:



مسلحون يطلقون النار على المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أطلق مسلحون ملثموم  النار على المتظاهرين العراقيين، اليوم، في الناصرية، ما أسفر عن إصابة عدد منهم، أحدهم في حالة حرجة.

وقال نشطاء عراقيين على موقع تويتر؛ إنّ "الملثمين ركبوا ثلاث سيارات رباعية الدفع، دون لوحات، مرت باتجاه جسر السريع، دون أن تحرّك الأجهزة الأمنية ساكناً".

ونقل الجرحى إلى مستشفى الحسين في المدينة، ولم تكشف بعد تفاصيل عن السيارات أو الملثمين الذين أطلقوا الرصاص الحي على المحتجين.

وكتب مغرد على تويتر؛ أنّ "ثلاث سيارات من نوع "بيك آب" مع دراجة مرت باتجاه جسر السريع، وقامت بإطلاق النار على المتظاهرين"، وذكر بعض الناشطين أنّ قوى الأمن العراقية "لم تحرك ساكناً" أمام المشهد.

الملثمون أطلقوا النار على المتظاهرين العراقيين دون أن تحرك الأجهزة الأمنية ساكناً

وتكررت حالات استهداف مجهولين للمتظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات، بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، المطالبة برحيل الطبقة السياسية والتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد.

وأقدم مسلحون مجهولون على إطلاق النار، الأسبوع الماضي، على المتظاهرين في ساحة التربية، معقل الاحتجاجات الشعبية في كربلاء، ما أدّى إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجراح أحدھم في حالة حرجة، بحسب الشرطة العراقية.

كما فتح مجهولون النار، في 10كانون الثاني (يناير) الماضي،على السيارة التي كان يستقلها صحفيان في منطقة قريبة من مقر قيادة شرطة البصرة ما أدّى إلى مقتلهما.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

تأتي هذه الاحتجاجات ضمن الموجة الثانية من مظاهرات خرجت للتنديد بالفساد والأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، وقوبلت المظاهرات السلمية بموجة قمع استبدت بالعراقيين، مارسها ملثمون ومسلحون وقناصة على أسطح المباني، كما تعرّض المتظاهرون لاستهداف بإطلاق النار من على متن مروحيات، واتهمت بارتكاب هذه الاعتداءات ميليشيات تابعة لإيران.

هذا وقد استبقت قوات الأمن العراقية مظاهرات مقررة، اليوم، بهجوم على المركز الرئيس لاعتصام المحتجين في العاصمة بغداد، وقال ناشطون إنّ السلطة تحاول فضّ اعتصام ساحة التحرير بالقوة.

وفجر اليوم، فوجئ المعتصمون في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية، بغداد، بهجوم شنته قوات مكافحة الشغب، بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

 

 

للمشاركة:

السلطات الصومالية تتصدى لمسلحي حركة الشباب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أعلنت الحكومة الصومالية، اليوم، مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في بلدة ميركا بإقليم شبيلي، جنوب شرق البلاد.

وقال المتحدث باسم الحكومة، إسماعيل مختار عمر: "الاشتباك الذي وقع أمس نتيجة هجوم الحركة الإرهابية لم يسفر عن وقوع ضحايا بين الجنود أو المدنيين"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

 

 

ويذكر أنَّ سبعة أشخاص قتلوا وأصيب آخرون إثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب من العاصمة مقديشو، الأول من أمس.

وكان الآلاف من المتظاهرين قد خرجوا للشوارع، في الثاني من كانون الثاني (يناير) الجاري، للمطالبة بإنهاء الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعات المسلحة، وقد أودى تفجير وقع قبل التظاهر بخمسة أيام بحياة أكثر من 80 شخصاً.

مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في جنوب شرق الصومال

وتعرضت قاعدة عسكرية في كينيا، تستخدمها القوات الأمريكية والكينية، لهجوم مطلع هذا الشهر، حيث لقي ثلاثة أمريكيين حتفهم.

وتدعم أمريكا القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في الحرب ضدّ حركة الشباب الإرهابية، وقد شنت عدة هجمات جوية تستهدف الحركة في الصومال.

وحذرت بريطانيا، الأحد الماضي، رعاياها من السفر إلى بعض المناطق في كينيا، بسبب ما عدته تهديداً أمنياً محتملاً في تلك المناطق.

وفي الأسابيع الماضية، فرضت الحكومة الكينية قيوداً على المسافرين وحافلات الركاب في الطريق بين لامو وممباسا، لمنع مسلحي الحركة من التسلل إلى داخل كينيا.

ويستغل إرهابيو حركة الشباب الحدود الهشة الممتدة بين كينيا والصومال وكثافة التداخل القبلي والسكاني بين القبائل والمجموعات، للتسلل إلى داخل كينيا واتخاذ المناطق الحدودية قاعدة لشنّ هجمات إرهابية.

 

للمشاركة:

كم عدد السوريين المطلوبين للقتال في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ عدد المجندين السوريين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية، طرابلس، ارتفع إلى نحو 2400 مسلح.

 

 

وأشار المرصد، الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، إلى أنّ عمليات التجنيد مستمرة حتى اليوم في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا في شمال سوريا، رغم القرارات التي تمخضت عن مؤتمر برلين، والتي ألزمت الدول الموقّعة بعدم تقديم الدعم العسكري للفرقاء الليبيين، موضحاً أنّ "تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري في ليبيا".

المرصد: تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري للقتال في العاصمة الليبية إلى جانب ميليشيات الوفاق

وجاء نشر هذه الأرقام بالتزامن مع مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، أمس، بمشاركة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

وقال أردوغان، في وقت سابق أمس: "لا يوجد حلّ عسكري في ليبيا، وأيّة محاولات لفرض حلّ عسكري لن تفضي إلى نتائج".

وكان أردوغان قد أعلن مؤخراً إرسال قوات إلى ليبيا، دون أن يحدّد هويتها، وطالب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، خلال مؤتمر برلين حول ليبيا؛ "بالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً لحكومة السراج".

ماكرون يطالب أردوغان بـالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً للسراج

وأعلن ماكرون، خلال المؤتمر: "يجب أن أقول لكم إنّ ما يقلقني بشدة هو وصول مقاتلين سوريين وأجانب إلى مدينة طرابلس، يجب أن يتوقف ذلك".

وأضاف الرئيس الفرنسي: "من يعتقدون أنهم يحققون مكاسب من ذلك لا يدركون المجازفات التي يعرضون أنفسهم ويعرضوننا جميعاً لها".

وشدّد ماكرون على ضرورة وقف غير مشروط لإطلاق النار، فيما يطالب فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، بتراجع قوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي إلى مواقعها، قبل الهجوم على طرابلس.

 

للمشاركة:



الغنوشي وتحدي الدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

جبريل العبيدي

موجة غضب في البرلمان التونسي على الغنوشي زعيم حركة «النهضة» الإخوانية، طالته بالاتهامات بالتبعية للخارج، وانتهاك السيادة الوطنية، مهددة بسحب الثقة وإسقاط رئاسته للبرلمان التونسي؛ «الحزب الدستوري الحر» جمع 73 توقيعاً لسحب الثقة، وقال الأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» غازي الشواشي، «إن زيارة الغنوشي إلى تركيا بصفته الرسمية رئيس مجلس نواب دون المرور عبر القنوات الرسمية هو ضرب للسيادة الوطنية»، ووصف الزيارة بـ«الدبلوماسية الموازية»، التي من شأنها أن تسلب صلاحيات رئيس البلاد، الأمر الذي يعتبر خرقاً دستورياً فظيعاً قام به راشد الغنوشي.
الغنوشي، الذي لم يستطع التخلص من كونه رئيس جماعة أو حركة ليندمج في منصبه الجديد رئيساً لبرلمان تونسي لكل التونسيين، لم يستفد من أخطاء مرسي العياط، في التخابر مع الخارج، فرئيس برلمان لا يمكن له أن يقابل أي شخصية قيادية أجنبية إلا بعلم البرلمان، ومشفوعاً بوجود بعض أعضاء البرلمان معه، أما أن يتحول إلى رئيس حركة وهو رئيس البرلمان، فالذنب والخطأ أكبر فداحة، فتبرير الغنوشي كان فادحاً حين برر سفرته المفاجئة لمقابلة إردوغان؛ زيارة مفاجأة وعاجلة إلى تركيا بعد ساعات من سقوط حكومة الحبيب الجملي، رغم تبرير الغنوشي لها بالقول إنه قابله بصفته الحزبية، لا كرئيس للبرلمان، يجعل منه في مأزق آخر، هو أنه ليس رئيساً لبرلمان كل التونسيين، بل هو رئيس جماعته، كما كان مرسي العياط في قصر الاتحادية رئيساً لجماعته، لا رئيساً لجميع المصريين.
سقطة الغنوشي كارثية بجميع المقاييس، ولا يضاهيها ويتفوق عليها سوى مقابلات وسفريات خالد المشري، رئيس ما يسمى «مجلس الدولة» في ليبيا، الذي أقام جسراً جوياً بينه وبين إردوغان والغنوشي وقطر، ممثلاً لجماعته جماعة «الإخوان المسلمين»، دون أن يستشير أحداً سوى جماعته.
التجارب المحدودة لجماعات الإسلام السياسي في السلطة تؤكد أن الولاء لديهم للجماعة، وأنهم لن يستطيعوا تمثيل أمة أو شعب، لأنهم اعتادوا على تمثيل جماعة وتنظيم يجمعهم، وأفقدهم الإحساس بالسيادة الوطنية والانتماء الجغرافي للوطن ضمن حدود جغرافية محددة، وذلك مرده لكونهم ينتمون لتنظيم وجماعة عابرة للحدود وللقارات، ولا تمثل الجغرافيا والحدود لها أي معنى، ما ينسحب بذلك على انتهاك للسيادة الوطنية.
الأزمات تحاصر الغنوشي وحركة «النهضة»، منذ استقالة أمينها العام زياد العذاري؛ تصدع وانشقاق وانقسامات في بيتها الداخلي بين جيل شيوخ «النهضة» وشبانها الجدد. صراع أجيال داخل حركة «النهضة»، التي تواجه أزمة ثقة داخلياً وخارجياً، بسبب أزمات كثيرة، ليس آخرها الاتهام بجود جهاز سري مسؤول عن الاغتيالات، رغم نفي الحركة المتكرر لوجود هذا الجهاز.
تمجيد الغنوشي للحقبة العثمانية، سنان باشا، الذي وصفه بمحرر تونس، وتناسي أن العثمانيين كانوا مستعمرين لبلاد العرب في ثوب إسلامي، جعله في مأزق آخر أمام الشارع والبرلمان التونسي، الذي يرفض خطاب الغنوشي المشبع بالغرام التركي الذي لا يمكن تفسيره بمعزل عن التقاء حركة «النهضة» بحزب «العدالة والتنمية» التركي، وكلاهما «إخواني» الهوى والمعتقد والفكر.
اجتماع الغنوشي بإردوغان كان سقطة كبيرة للغنوشي، جعلته في ورطة، وفتح الملف أمام حجم التدخل التركي في الشأن التونسي، خصوصاً في ظل الزيارة المفاجئة التي قام بها إردوغان لتونس، التي لم يعلن عنها إلا قبيل ساعات من حدوثها، والتي رتب لها الغنوشي، وكانت لأجل طلب إردوغان موطئ قدم أو قاعدة أو تسهيل عبور قواته وجنوده، وحتى مرتزقته إلى ليبيا، بعد أن كان إردوغان جاهراً بالتدخل العسكري واحتلال ليبيا.
رغم نفي الرئاسة التونسية لوجود أي اتفاق، ولو سري، مع تركيا إردوغان بشأن منح موطأ قدم لجنود إردوغان للتمركز في طريقهم نحو غزو ليبيا، إلا أن ملف الزيارة كان من بين الملفات التي قد تتسبب في سحب الثقة من الغنوشي بسبب لعنة إردوغان.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

منطق الفرس والعثمانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

نورا المطيري
تعلمنا في الرياضيات أن "الأشكال الهندسية المتطابقة تكون فيها الأضلاع المتناظرة متطابقة والزوايا متناظرة متطابقة أيضاً"، وخلال الفترة الماضية، توالت إجراءات وتصريحات كثيرة من إيران وتركيا، بعد تصعيد الأولى حول مقتل قاسم سليماني، وتصعيد الثانية تجاه المشير خليفة حفتر شخصياً، فاستندت الأولى على الإرث الفارسي، والثانية على العثماني، حول تاريخ غزوهما للأرض العربية، وبدا أن هذين النظامين، يتطابقان في "الأضلع والزوايا السياسية" التي تعكس أهداف ومطامع كل منهما في المنطقة العربية.

بعد أقل من شهرين على "مبادرة هرمز للسلام" أو خطة إيران المزعومة لإرساء الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي أعلن عنها الرئيس الإيراني حسن روحاني في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلقت إيران صواريخها البالستية، فجر الثامن من يناير/كانون الثاني 2020، على قاعدة عين الأسد في العراق رداً على مقتل قاسم سليماني، فأصابت الطائرة الأوكرانية وقتلت 176 بريئاً، بدم بارد، ثم أطلق الرئيس الإيراني دعوة إلى أوروبا وأمريكا بعدم التدخل في شؤون المنطقة! ثم قال إن "إسرائيل دفعت ترامب للخروج من الاتفاق النووي"، ثم طالب الأمريكان بالخروج من المنطقة وسألهم: "لماذا زعزعتم أمن المنطقة؟"، وعقبها قال حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإسلامي، ولدى استقباله وفداً سورياً في طهران، لتقديم العزاء في سليماني إن "إيران تقف مع سوريا حتى خروج جميع الأعداء منها، وإن وحدة الأراضي السورية مثل وحدة أراضي إيران".

وتقرأ في أن التصعيد والإجراءات والتصريحات الصادرة عن النظام الإيراني، من رأس الهرم حتى أسفله، والمتناقضة بين دعوات الحرب والسلام، فيه تركيز عميق على "ثيمة" واحدة؛ وهي خروج الجميع من المنطقة، وعودة الفرس، على متن الصواريخ المضطربة الجاهلة للهيمنة عليها.

الشكل الثاني يجمع فيه أردوغان عصابات الإرهاب في سوريا منذ عام 2013 ويشن حرباً ضروساً تقتل وتذبح الأبرياء، ويستعد ويصرح لغزو ليبيا العربية، وخلال خطابه الذي ألقاه مؤخراً في المجمع الرئاسي في أنقرة، يقول: "ستواصل تركيا الدفاع عن حقوقها ومصالحها في العراق وسوريا والأبيض المتوسط حتى النهاية". وأضاف أردوغان: "إن وجود القوات التركية في ليبيا يهدف لإنهاء الظلم فقط، وإنه ومن خلال العمليات العسكرية استطاع تدمير الممر الإرهابي، وأفشل سيناريو حبس تركيا في سواحلها بالمتوسط". وانتقد أردوغان المعارضة التركية بالقول: «هؤلاء لا يدركون أن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس الغرب، وأصيب هناك في عينه».

ثم قال، بعد فشل محادثات موسكو بين الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق "الإخوانية" إنه سيلقن المشير حفتر، درساً لن ينساه.

وتقرأ أيضاً، في التصعيد والحروب والتصريحات التركية، الكثيرة وغير المترابطة والمجنونة أحياناً، أن هناك هدفاً أساسياً يجول في عقل الرئيس التركي، وهو حلمه الواهن بعودة الهيمنة العثمانية على الأرض العربية والسعي لإعادة احتلالها بالقوة العسكرية الهمجية.

في تحليل الخطابين، الفارسي والعثماني، تجاه المنطقة العربية، وبنظرة فاحصة على الأوضاع الداخلية في كلا البلدين، سنلاحظ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وضعف وهشاشة العلاقة بين هذين النظامين وشعبيهما، فالأول الذي يتصف بالشمولية، يحتج شعبه على تلك الأوضاع، بشكل شبه يومي، ويكاد يسقط شعبياً بسبب أحلامه الواهمة، أما الثاني الذي يتصف بالدكتاتورية، فقد تراجعت شعبيته، وراح يقتات على نبش التاريخ والدفاع عن هويته وقوميته، بسبب تناقضاته وأحلامه المارقة.

في الرياضيات، يفشل المنطق المتناقض وغير المترابط ويسقط تزوير الإحداثيات ولا تنجح سوى المعادلات الرياضية الصحيحة، وأن من أراد السلام، فليمدد يده بخط مستقيم.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

ليبيا.. نفط وغاز وشعب فقير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

ميلاد عمر المزوغي

على مدى عقد من الزمن التهم متصدري المشهد كافة مقدرات الشعب (بالداخل والخارج) التي امتدت اليها ايديهم، وما لم يستطيعوا الاستفادة منه قاموا بتدميره. مليارات الدولارات المهدورة التي لو وظف جزءا منها في خدمة المواطن لتغيرت حياته نحو الافضل ولشعر بشيء من صدقية اولئك الذي خرجوا عليه ابان الثورة وقد وضعوا في مخيلته احلاما ليست صعبة التحقيق. ولكن اتضح منذ الايام الاولى لتوليهم السلطة انها كانت مجرد اوهام، وان الفتات الذي منح للمواطن ما هو إلا تغطية على الكم الهائل من الاموال التي نهبها هؤلاء، لتستمر حياة البوس والشقاء واللهث خلف السيولة النقدية لأجل العيش، بينما سالت دماءه بدون وجه حق، فغرست في نفوس عامة شعورا لا يقبل الشك بان الساسة قد اكلوا الجمل وما حمل.

ذات يوم اوقف الجضران تدفق النفط فلم يحركوا (العملاء في السلطة وأسيادهم الذين نصّبوهم) ساكنا، لأنه حينها كانت هناك بعض المدخرات التي يمكن اللجوء اليها، بعدها فاوضوه لأجل اعادة تصدير النفط والغاز، وقدمت له ملايين الدنانير وفرشت له البسط الحمر، استقبل بطلا بدهاليز السياسة، وذهب اليه المندوب السامي الاممي في عقر داره مثمنا تجاوبه.

قد يحدث خلاف بين ابناء الوطن ويتقاتلون بسبب التدخلات الخارجية في الشأن المحلي، ولكن ان تجلب الحكومة الفاقدة للشرعية المحلية، اناس مصنفون ارهابيين من قبل الامم المتحدة لمقاتلة افراد الجيش الوطني الذي يعمل لأجل تحرير الوطن ممن تسرب اليه من الارهابيين، وان تمعن الحكومة العميلة في الاستهانة بكافة شرائح المجتمع الليبي وتضحياته، بإغداق المنح على المرتزقة من جبهة النصرة وأخواتها ببلاد الشام، من ايرادات النفط والغاز الذي يؤمنه الجيش الوطني، فذاك ما لا يمكن السكوت عنه، فالأفضل ان يظل بالأرض على ان يتحول الى اداة لتدمير البلد وجعله مرتهنا لسلطان يحلم بإعادة امجاد دولته التي عاثت في البلاد التي احتلتها فسادا وقهرا وظلما وتخلفا على مدى اربعة عقود.

لا نستغرب الاصوات الناعقة بشان وقف تصدير النفط، فهي المستفيدة من بيعه، ولا يهمها إلا اطالة مدة بقائها في السلطة، بينما الشعب يعيش تحت خط الفقر وتفتقر مؤسساته الخدمية الى ابسط الاشياء الضرورية للمواطن.

استخدام سلاح النفط والغاز في وجه الفئة الحاكمة الباغية ومن ورائها الدول الداعمة للإرهاب يعتبر حقا مشروعا، ولتعلم كافة دول العالم ان مصالحها رهن بمدى احترامها لإرادة الشعب الليبي في التصرف بموارده الطبيعية، وان الحكومة العميلة التي فرضت عليه منذ اربعة سنوات لم تقدم له سوى الاوهام، وإهدار الاموال وبث الفرقة بين مكونات المجتمع، والدفع بالشباب الى اتون حرب من خلال اغرائهم بالمال، فصلاة الجنازة على ابناء المؤسسة العسكرية والأمنية والمغرر بهم وضحايا القتل العمد على الهوية اصبحت احد معالم البلد.

هناك عديد الدول تدعم الارهاب في البلد ولكن العالم الذي يدعي انه متحضر يغض الطرف عن ذلك لمصالح شخصية، عديد المؤتمرات بشان ليبيا ولكن لم تكن هناك النية الصادقة لإحلال الامن والاستقرار.

تحية لأبناء الوطن المصرّين على خوض المعركة، ايا تكن التضحيات، ولن يهنا شذاذ الافاق ومن ورائهم الحالمين بتكوين ممالك وإمبراطوريات، خيرات البلد من بترول وغاز وسواهما يجب ان تكون للشعب، وان يعيش معتزا بوطنه، لا فقيرا متسولا ينعم الاخرين بخيراته.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية