تركيا.. ما الذي يبحث عنه أردوغان؟

تركيا.. ما الذي يبحث عنه أردوغان؟

مشاهدة

01/03/2020

ترجمة: مدني قصري


احتفلت قمة الناتو بالذكرى السبعين لتحالف الأطلسي، في لندن، بين 3 و4 كانون الأول (ديسمبر) 2019، بعد تصريحات رئيس الجمهورية الفرنسية؛ إيمانويل ماكرون، التي أكد فيها على حالة "الموت الدماغي" للتحالف، منتقداً تقاعس الحلف الأطلسي بعد العملية التركية في سوريا، ليردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على نظيره الفرنسي بالشجب المباشر، لذلك جرى اجتماع الناتو بين رؤساء الدول في سياق متوتر للغاية، ومن الواضح أنّ العملية التركية في سوريا تمثل شكلاً من أشكال القطيعة في العمل العسكري، من أحد أعضاء الناتو، ممّا يدل على أنّ المشاركة الأحادية الجانب في المسائل الأمنية تتجاوز التشاور والانسجام المطلوبين من قبل التحالف الأطلسي، فيما الأمر مرتبط بواحد من أسسها.


على جميع الجبهات، تطرح تركيا رجب طيب أردوغان أسئلة كثيرة، حيث اختار الرئيس التركي طريق التصعيد بمضاعفة التصريحات العدوانية، ورفض لعبة التعددية.
تحلّل سارة سريري، ببراعة، لعبة أردوغان؛ أولاً على الجبهة الداخلية، ثم على الساحة الإقليمية، وأخيراً على المستوى الدولي.

اقرأ أيضاً: سقوط آخر وريقات التوت عن عورة أردوغان
وسارة سريري، هي مديرة مشروع "التحليل والإستراتيجية" في معهد البحر الأبيض المتوسط للدراسات الإستراتيجية العليا (FMES)، تخرجت عام 2018 بدرجة ماجستير في التاريخ العسكري والإستراتيجية الجغرافية والدفاع والأمن من معهد العلوم السياسية إكس  Sciences Po Aix، وهي مسؤولة عن كتابة ونشر المقالات التي تركز على حوض البحر الأبيض المتوسط.
أولاً: على الصعيد الداخلي
يُفسر الوضع الداخلي في تركيا، جزئياً، موقف البلاد على الساحة الدولية، فقد ضعف الاقتصادي التركي، رغم النمو، الذي بدأ في الارتفاع مرة أخرى في نهاية عام 2019، وقد شهدت تركيا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 743 مليار دولار في عام 2019، بعد أن وصل إلى أكثر من 950 مليار دولار عام 2013، حيث عانت البلاد، التي يصل عدد سكانها إلى أكثر من 82 مليون نسمة وبلغ معدل البطالة فيها حوالي 13 بالمئة، من عواقب العقوبات الأمريكية، منذ سقوط الليرة التركية في عام 2017، فقد زاد التضخم أكثر من 5 نقاط بين عامي 2017 و 2018، ويتراوح بين 11.1 بالمئة و 16.3 بالمئة.

لتحقيق حلم الإمبراطورية، يعارض أردوغان القوى المنافسة في المنطقة وهم مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة

ومع ذلك، لا تزال أنقرة واحدة من أكبر الاقتصادات في المنطقة، باستثناء المملكة العربية السعودية، التي تعد الدولة الأكثر ثراءً في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران حوالي 454 مليار دولار عام 2018، و414 مليار دولار للإمارات العربية المتحدة، بينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل وقطر 370 مليار و191 مليار على التوالي، وفي شمال إفريقيا، يقترب الناتج المحلي الإجمالي المصري؛ الذي كان في حالة انخفاض منذ عدة أعوام، من الـ 250 مليار دولار، بينما يقترب الناتج المحلي للجزائر من الـ 174 مليار دولار.

تركيا من دولة علمانية إلى دولة مستبدة
على المستوى السياسي، لا بدّ من ملاحظة التحوّل الاستبدادي والإسلامي الذي سلكته تركيا خلال أعوام أردوغان، الذي يريد أن يكون صوت العالم السني، فقد انتقلت تركيا، المدافعة بشدة عن جماعة الإخوان المسلمين والتي وُلدت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، من دولة علمانية إلى دولة إسلامية محافظة، تحت قيادة رئيس حزب العدالة والتنمية، المهيمن في كل مكان تقريباً على مستوى البلاد.

يعتزم الرئيس التركي جعل تركيا مركزاً حقيقياً لعبور الطاقة والقيام بأنشطة الحفر في المنطقة منتهكاً بذلك للقانون الدولي

وستحتفل تركيا في عام 2023، بالذكرى المئوية لقيام الجمهورية، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، ويهدف أردوغان إلى البقاء في السلطة حتى عام 2023، في محاولة لإرسال إشارة قوية والظهور على قدم المساواة مع مصطفى كمال أتاتورك، الشخصية التاريخية المؤسِّسة للجمهورية التركية، ومع ذلك، فقد خسر حزب العدالة والتنمية المدن الإستراتيجية في الانتخابات البلدية الأخيرة، وأبرزها اسطنبول؛ العاصمة الاقتصادية والثقافية، التي كانت في أيدي الحزب لأكثر من 20 عاماً، ولمواجهة هذا التقهقر يستخدم رئيس الدولة التركية، الدعاية والخطاب القومييّن بهدف إغراء جزء من السكان وتوحيد الشتات، فهذا الشخص الذي نصّب نفسه كرجل تركيا القوي، ما انفك يطور حوله عبادة شخصية حقيقية، ويعمل تدريجياً على بناء رؤية عثمانية جديدة عن ذاته.

اقرأ أيضاً: أردوغان وحراس الليل
وتعتبر مسألة الهجرة بمثابة ملف معقّد تستعصي إدارته على النظام، فقد جعلت الاضطرابات السياسية والاجتماعية في المنطقة من تركيا، وهي دولة الهجرة تاريخياً، واحدة من الدول الرئيسية للعبور والهجرة، حيث تستضيف أنقرة، 4 ملايين مهاجر، منهم 3.6 مليون لاجئ سوري، أي ما يمثل ثلثي المواطنين السوريين الذين فروا من بلادهم منذ بداية الحرب، وإذا كانت الدولة قد أنشأت نظاماً لإدارة المهاجرين، لتحصل في المقابل، على تعويضات مالية من بروكسل، إلا أنّ التوازن يظل هشاً، وتظل مشكلة الهجرة مسألة ساخنة.


محلياً، تعاني تركيا من القضية الكردية أيضاً، حيث يعيش 15 مليون كردي في تركيا، يمثلون 24 بالمئة من سكان البلاد، الأمر الذي يمثل تهديداً حقيقياً للنظام، فقد وحد حزب العمال الكردستاني، الذي ظهر عام 1978، جزءاً من الشتات الكردي، حيث يطالب بالحكم الذاتي، وتعتبره السلطات التركية منظمة إرهابية، وتحاربه بشدة، إذ إنّ فرض السيطرة على حزب العمال الكردستاني أمر حيوي وضروري بالنسبة للسلطات التركية، التي تخشى ظهور كيان كردي مستقل في منطقة يتوزع فيها الشعب الكردي، المنقسّم في داخله، بين تركيا سوريا والعراق وإيران.
ثانياً: على الصعيد الإقليمي
تتماشى سياسة تركيا الإقليمية مع سياستها الداخلية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الكردية، حيث يتبع النظام التركي "سياسة بلا خجل" تجاه الأكراد، ورغم الانتقادات، فإنّ تركيا تستهدف العراق بانتظام، حيث يتواجد حزب العمال الكردستاني، إذ تؤوي العراق قواعد عسكرية تركية منذ عام 2016. كما نفذت تركيا 3 هجمات في شمال سوريا ضد الأكراد السوريين في وحدات حماية الشعب، الجناح المسلح للحزب السوري الديمقراطي (PYD) على الرغم من أنّها حليفة الغرب في الحرب ضد "الدولة الإسلامية"، في الواقع، لعبت هذه الأخيرة دوراً مهيمناً في صفوف القوات الديمقراطية السورية، التي ساهمت إلى حد كبير في محاربة داعش، ومع ذلك، بالنسبة لرئيس الدولة التركي، فإنّ حزب الاتحاد الديمقراطي هو فرع من حزب العمال الكردستاني على الأراضي السورية، حيث يعتبر سوريا القاعدة الخلفية لحزب العمال الكردستاني، إنّه يخشى بالفعل وجود إقليم كردي يتمتع بالحكم الذاتي على حدوده مع سوريا، في نهاية هذا الهجوم، دعت جامعة الدول العربية أعضاءها إلى التوقف عن التعاون مع تركيا وتقليص التمثيل الدبلوماسي في البلاد.

أردوغان والقوى المنافسة في المنطقة
منذ وصولها إلى السلطة، عززت قيادة تركيا دورها على المستوى الإقليمي، حيث يتبع الرئيس أردوغان إستراتيجية واضحة؛ جيوسياسية وأيديولوجية على حد سواء، مردّداً صدى الإمبراطورية العثمانية، ولتحقيق حلم الإمبراطورية؛ يعارض أردوغان القوى المنافسة الرئيسية في المنطقة، وهي؛ مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، وبالتالي، فهو يعتمد على جميع أشكال الدعم الممكنة، من بينها روسيا؛ ذات النفوذ الكبير في المنطقة، وإيران وقطر.
إنّ التقارب بين الدوحة وأنقرة تقارب تكتيكي، ويخدم المصالح المشتركة للدولتين.. ويهدف وجود أردوغان في قطر إلى تعزيز التعاون بين الدولتين، خاصة وأنّ الدوحة هي موطن القواعد العسكرية التركية.
تركيا تبسط نفوذها في أفريقيا
تكثف الوجود والنفوذ التركي في أفريقيا والشرق الأوسط؛ ففي الصومال، على سبيل المثال، تعد تركيا أحد المستثمرين القلائل، وتتمتع الدولة بدور رائد في المجالات العسكرية والدينية والإنسانية، من خلال التجارة الحرة والاستثمارات، وذلك بفضل الصناديق القَطَرية لبناء المباني الدينية أو من خلال المسلسلات التلفزيونية التي غمرت العالم العربي، فقد زادت تركيا من "قوتها الناعمة" لإغواء المنطقة.

لا بدّ من ملاحظة التحول الاستبدادي الذي سلكته تركيا خلال أعوام أردوغان، الذي يريد أن يكون خليفة المسلمين

وتسير إستراتيجية أردوغان الأيديولوجية جنباً إلى جنب مع هدفه السياسي، فهو يتواجد في تونس بقوة كبيرة عبر حزب النهضة الإخواني، الذي اتخذ من حزب العدالة والتنمية نموذجاً له، وكان أردوغان أيضاً مؤثراً في انتخاب الإخواني الراحل محمد مرسي عام 2012 في مصر، من خلال دعمه العلني للإخوان المسلمين، فكما في أيام الإمبراطورية العثمانية، أصبح الدين وسيلة للنفوذ، ومع ذلك، فإن هذا الدعم الظاهر والمفترض للإخوان المسلمين والتحول الاستبدادي الذي مرت به تركيا لا يروق لجميع الأنظمة العربية في المنطقة.

تركيا تكثف تعاونها التجاري مع إسرائيل
فيما يتعلق ببقية اللاعبين الأقوياء في المنطقة، مثل إيران وإسرائيل، فإنّ موقف أردوغان موقف نفعي، ممزق بين روابط مصالحه ومواقعه التاريخية، فمن منطلق رغبتها في تأكيد نفسها في مواجهة هاتين الدولتين، لا تزال تركيا تحافظ على علاقات وتعاون معهما في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية، ومن الناحية الجيوسياسية، شهدت تركيا أردوغان وإسرائيل نتنياهو تكثيف تجارتهما خلال الأعوام الأخيرة، وقد احتلت إسرائيل المرتبة التاسعة بين عملاء تركيا في عام 2017، حيث بلغت صادراتها 3.4 مليار دولار، إضافة إلى ذلك، كانت إسرائيل، باستثناء الاتحاد الأوروبي، أول دولة توقع اتفاقية تجارة حرة ثنائية مع تركيا عام 1996.
إيران شريك رئيسي لتركيا
فيما يتعلق بإيران؛ العميل الحادي عشر لتركيا في عام 2017، مع صادرات بقيمة 3.3 مليار دولار، لا بدّ من التأكيد على الحياد المذهل للنظام التركي بعد قضاء الأمريكيين على الجنرال سليماني في 3 كانون الثاني (يناير) 2020، إنّ موقف أردوغان هو موقف عملي من أجل مراوغة الولايات المتحدة التي لا تزال، على الرغم من التوترات، شريكاً رئيسياً، فلا شك أنّ توجه أنظار العالم نحو التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن، أتاح لأردوغان الإعلان عن إرسال جنوده.

ليبيا مسرح لعب أردوغان
تمثل ليبيا مسرحاً يلعب فيه أردوغان دوراً منذ أحداث 2011، وقد أبرم اتفاقاً مع فايز السراج في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، ففي الوقت الذي يتنافس فيه رجلان على الحكم في البلاد؛ فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، والمشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، فإن القوى الأجنبية تقدم الدعم الرسمي أو غير الرسمي لأحدهما، حيث يدعم النظام التركي حكومة الوفاق، بسبب موالاة ميليشيات مصراتة (معقل جماعة الإخوان المسلمين) للسراج، في حين تقدم روسيا وبعض الدول العربية الدعم لحفتر.

كثفت تركيا تجارتها مع إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة حيث احتلت المرتبة التاسعة بين عملاء أنقرة في عام 2017

وفضلاً عن الدعم السياسي للسراج، تمّ توقيع مذكرتين بين الرجلين، تتعلق الأولى بالاعتراف المتبادل بالمناطق الاقتصادية الخالصة، وتتعلق الثانية بالتعاون الأمني والعسكري بين الدولتين، في تجاهل تام لمطالبات جيرانهما، خاصة مصر وجمهورية قبرص ودولة واليونان، حيث وجدت تركيا، للمرة الأولى، حليفاً في قضية الهيدروكربونات، وبالتالي فإنّ هذا الاتفاق يتيح لأنقرة الوصول إلى المناطق الاقتصادية التي تطالب بها نيقوسيا وأثينا، والمعترف بها دولياً، فتركيا ليست من الدول الموقعة على اتفاقية خليج مونتيغو لقانون البحار، وتطمع في مناطق بحرية تحت ستار الادعاءات القبرصية التركية، وقد احتلت أنقرة شمال جزيرة قبرص بشكل غير قانوني عام 1974، مُشكلة جمهورية شمال قبرص التركية، وهي دولة "ألعوبة" لا تعترف بها سوى تركيا.
تركيا تتحدى رغم الإدانة الدولية
ما انفك اكتشاف الرواسب الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط، وخاصة حول قبرص مع رواسب أفروديت، يحفز شهية الجهات الفاعلة في حوض شرق المتوسط، إذ تمثل حقول الغاز هذه مكاسب مالية ضخمة، حيث تقدّر احتياطات أفروديت بـ 127.4 مليار متر مكعب من الغاز، وفي هذا السياق، يعتزم الرئيس التركي جعل تركيا؛ مركزاً حقيقياً لعبور الطاقة والقيام بأنشطة الحفر في المنطقة، منتهكاً بذلك القانون الدولي، فهو يهدد مشروع خط أنابيب الغاز EastMed الذي تشترك فيه إسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، حيث يهدف خط الأنابيب هذا إلى نقل غاز البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا. وكشاهد منعزل لهذا التحالف الذي تم إنشاؤه، يبدو أنّ جميع بلدان المنطقة قد وافقت على مشاركة المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) باستثناء أنقرة، فقد قررت الأخيرة استخدام العدوان من أجل منع أي حفر تقرره قبرص، والقيام من ناحيتها بأنشطتها الخاصة، رغم إدانتها من قبل المجتمع الدولي.


وفي ليبيا، قرّر الرئيس التركي إرسال قوات إلى البلاد لدعم حكومة السراج. وليبيا، التي ابتليت بالفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، دولة إستراتيجية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فهي تغطي احتياطيات نفطية كبيرة، كما أنّها نقطة عبور لآلاف المهاجرين الذين يرغبون في الوصول إلى السواحل الأوروبية، ودوافع أردوغان لاختيار التدخل في هذا البلد بالذات واضحة؛ ففي 25 كانون الأول (ديسمبر) 2019، خلال زيارة "مفاجئة" لنظيره التونسي قيس سعيّد، والتي ركز موضوعها على التجارة بين البلدين المرتبطين باتفاقية تجارة حرة منذ عام 2004، كرّر النظام التركي دعمَه لفايز السراج الذي انضم أيضاً إلى ذلك الاجتماع، وبالنسبة لرئيس الدولة التركية، فإنّ الوضع المُتفجر في ليبيا، يبرر التدخل، حيث "يمكن أن يؤثر على جيرانها" على حد تعبيره، وفي هذا السياق، ذهب وزير الخارجية التركي، ميفلوت شافوغلو، وفايز السراج إلى الجزائر العاصمة في 6 كانون الثاني (يناير) 2020، على اعتبار أنّ التدخل في ليبيا يجب أن يأخذ في الاعتبار الجيران الإقليميين.

اقرأ أيضاً: الجالية الأردوغانية في مصر: صيادو الساحرات ومصيرهم العادل
إنّ الجزائر، التي تشترك مع ليبيا في حدود برية يبلغ طولها 1000 كيلومتر تقريباً، تخشى حدوث فيضان على أراضيها، وبصورة أعم حدوث زعزعة في استقرار المنطقة بأكملها، وبمنطق احتلال القيادة الإقليمية، يأمل أردوغان أن يكون رئيس الدولة القادر على التعامل مع الملفات الجيوسياسية لهذه المنطقة الملتهبة، ويعقّد القرار التركي، العلاقات الوثيقة بين تركيا وروسيا، حيث يخالف مواقف الأخيرة.
ثالثاً: على الصعيد الدولي.. لعبة أردوغان المزدوجة
على الساحة الدولية، تستمر لعبة أردوغان المزدوجة في ممارسة المخادعة والدسائس، حيث اقتربت تركيا، العضو في منظمة حلف شمال الأطلسي، بشكل كبير من روسيا منذ عام 2017، وحرّرت نفسها من واشنطن، ويمثل اقتناء صواريخ أرض - جو الروسية (S400) مثالاً آخر على هذا التحرر الإستراتيجي، وعنصراً استفزازياً لحلف الناتو، ويثير هذا الوضع، بالطبع، غضب الولايات المتحدة؛ التي يشعر رئيسها دونالد ترامب بالقلق من التطوع المالي لأعضاء التحالف بسبب ما يسميه تقاسم العبء "Burden-Sharing"، في الواقع، تتمتع تركيا، وهي عضو في المنظمة منذ عام 1952، بموقع جغرافي إستراتيجي، وتؤوي على أراضيها قواعد عسكرية بارزة، مثل قاعدة انجرليك في جنوب البلاد، وتستخدم إدارة ترامب الأدوات الاقتصادية، حيث تهدّد البلاد التي تعيش بالفعل في حالة ركود والتي يتدهور وضعها الاقتصادي، نتيجة فرض العقوبات، بهدف إحباط تركيا، كما فعل مع إيران.


التقارب الإستراتيجي بين تركيا وروسيا
بطبيعة الحال، صاحبَ هذا الاستحواذَ تقاربٌ واضح في نهاية عام 2019 بين تركيا وروسيا، فقد ضاعف الرئيسان التركي والروسي التقارب في الأشهر الأخيرة، ويبدو أنّ فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، يمثلان تحدياً للنظام القائم، إذ تتعاون موسكو وأنقرة بشكل كبير في المجال الاقتصادي، وخاصة في قطاع الطاقة، وتُعدّ تركيا العميل الثاني لشركة غازبروم، حيث بلغ استهلاكها من الغاز 56.6 مليار متر مكعب في عام 2017، كما تشترك الدولتان في مشروع TurkStream المشترك، وهو خط أنابيب للغاز يصل من روسيا إلى تركيا، حيث يخطط هذا المشروع لنقل الغاز إلى أوروبا، ويشهد على التقارب الواضح بين موسكو وأنقرة، كما نمت أيضاً حصّة التجارة بين أنقرة وموسكو في الأعوام الأخيرة، فالاتفاقيات التجارية تتكثف، والتعاون الوثيق بين الدولتين أمر لا جدال فيه، ويُمثل بناء روسيا أول محطة للطاقة النووية في تركيا عام 2018، الدليل الأقصى على هذا التعاون الوثيق.

اقرأ أيضاً: مغالطات أردوغان
ومع ذلك، فإذا تم وصفُ اتفاقية سوتشي، 17 أيلول (سبتمبر) 2018، في إطار اتفاقيات أستانا بشأن شمال شرق سوريا على أنّها تاريخية، فإن التدخلات التركية في سوريا وليبيا، التي جعلت الأخيرة مسرحاً جديداً للتوترات بين القوى الأجنبية، تُعقِّد العلاقات بين موسكو وأنقرة، فلا تزال هناك علاقة متبادلة لا يمكن إنكارها على المستوى الاقتصادي، لكنّ موسكو وأنقرة تتعارضان حول هذا الملف الجيوسياسي؛ فبينما تدعم روسيا المارشال حفتر، تفضل تركيا فايز السراج، ومع تصعيد جيش حفتر للهجمات على العاصمة التي يسيطر عليها الجيش الوطني، يخشى أردوغان من أن يتوسع النفوذ الروسي إلى البحر المتوسط، يضاف إلى ذلك المصالح المتباينة بين الدولتين، والموارد المالية الضخمة التي تمثلها القضايا المتعلقة بالغاز والذهب الأسود، ومع ذلك، لا شك أنّ الدولتين ستكونان قادرتين على إدارة نزاعاتهما الجيوسياسية.
موقف تركيا الغامض من داعش
على الرغم من قربها من روسيا، فلا تزال أنقرة حليفة للغرب، رغم غموض هذا التحالف، حيث تحافظ على علاقات تضامن معه في المجال الاقتصادي، إذ يعدّ الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للبلاد، فقد صدّرت تركيا حوالي 84 مليار دولار من البضائع باتجاه الاتحاد الأوروبي عام 2018، وهو ما يمثل 50 بالمئة من الصادرات التركية، وهذا الرقم في ارتفاع مقارنة بالأعوام السابقة؛ حيث وصل إلى 74 مليار دولار عام 2017.
ومع أنّ تركيا حليف اقتصادي شهير للاتحاد الأوروبي، إلا أنّ موقفها كان غامضاً في الحرب ضد داعش، فهي شريك رسمي للقوى الغربية في الحرب ضد الأخير، لكن موقفها على الأرض مشكوك فيه، حيث يبرر النظام التركي تدخله الأخير في سوريا باسم مكافحة الإرهاب، والحال أنّ هذا الإرهاب "إرهاب كردي" وليس الإرهاب الذي يمارسه تنظيم داعش.


بشكل عام، ومثل علاقاتها مع الولايات المتحدة، أصبحت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي أكثر تعقيداً، ففي حين أنّ ترشحها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يبدو اليوم مهدداً بالفشل، إن لم يكن مستحيلاً، تعمل تركيا كشريك ومبتز في إدارة أزمة الهجرة، بعد إبرامها اتفاق الهجرة مع بروكسل في 18 آذار (مارس) 2016، والذي يوجب منح تركيا تعويضاً مالياً لاحتواء المهاجرين، كي لا يتمكنوا من الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن أنّ البلد يؤوي جهاديين في داخله، ففي نهاية عام 2019، وبعد تهديدات متكررة، شكّكت تركيا في اتفاقية الهجرة، واعتبرت أنّ التعويض المالي منخفض للغاية، فقامت بإعادة بعض الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف "الدولة الإسلامية" إلى بلدانهم الأصلية، ومن خلال استخدام هؤلاء الأفراد كوسيلة ضغط، تؤوي البلاد أكثر من 1000 جهادي على أراضيها، حيث يستفيد أردوغان من ضعف الاتحاد الأوروبي في سياسة الهجرة، للحصول على المزيد من الدعم المالي.
تركيا والصين
تاريخياً، معظم القوى العالمية متورطة في البحر الأبيض المتوسط، وليس من المستغرب أنّ الصين حاضرة بشكل متزايد فيه منذ عام 2013، بإعلان الرئيس شي شي بينغ عن طرق الحرير الجديدة، حيث أقامت بكين مشروعات عملاقة في حوض البحر المتوسط، شارك فيها ما لا يقل عن 65 دولة، وتستفيد تركيا، التي تحتل موقعاً استراتيجياً، من الاهتمام الصيني، ثاني أكبر بلد مستثمر بعد الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: "خصوم في الخارج والداخل".. أردوغان يشن حرباً كلامية على منتقديه
كما أصبحت الصين ثالث أكبر شريك اقتصادي لتركيا بعد روسيا وألمانيا، حيث بلغ حجم التجارة 1.1 مليار دولار فقط في عام 2001، و23.6 مليار دولار في عام 2016، ومع ذلك، فإنّ الجزء الأكبر من هذا المبلغ يشمل الواردات التركية من الصين، وهو ما أدى إلى اختلال الميزان التجاري التركي، حيث لا تصدّر أنقرة إلا حوالي 3 مليارات دولار فقط، وفي هذا السياق، تتضاعف الاستثمارات الصينية في البلاد، وأهم هذه الاستثمارات يتعلق ببناء محطة طاقة حرارية في هونوتلو، في مقاطعة أضنة، والذي يعد أكبر استثمار صيني مباشر في البلاد، حيث تبلغ قيمة المصنع حوالي 1.7 مليار دولار.

تركيا والتلاعب بالتحالفات
في النهاية، يمكن وصف الرئيس أردوغان بأنّه "مُربِك براغماتي"، حيث تلعب تركيا أحياناً لعبة الأمريكيين أو الأوروبيين أو الروس، وتتلاعب بتحالفاتها الطبيعية لتظهر كلاعب رئيسي على الساحة الدولية، وهكذا تحتفظ البلاد بمسافة واحدة من واشنطن وموسكو، ومن خلال البقاء في الناتو؛ تحتفظ بالحماية والمظلة النووية التي تمنحها إياها عضويتها في حلف الأطلسي، ومن خلال الحفاظ على روابطها مع الاتحاد الأوروبي، تستفيد أنقرة من المساعدات المالية والتعاون، ومن خلال الاقتراب من روسيا، التي تشترك معها في البحر الأسود؛ تتمتع تركيا بعقود طاقة مواتية لها، ولكنها تتعارض في الملفات الجيوسياسية؛ ففيما يبدو أنّ البيت الأبيض والكرملين قد فهما البرنامج للتفاوض مع الرئيس التركي، وهو مزيج ذكي من الضغوط الاقتصادية والحوار الجيوسياسي، فإنّ بروكسل تكافح لإيجاد "عصا" فعالة لإجبار الرئيس التركي على حوار أكثر توازناً مع الأوروبيين، حيث أصبح من الواضح أنّ الحجة المالية لم تعد كافية.
أردوغان وحلم الإمبراطورية العثمانية
على الصعيد الإقليمي، يقوم موقف أردوغان على تحقيق هدف واضح، يتمثل في فرض نفسه على العمالقة الآخرين في الشرق الأوسط، وفي استعادة مكانته بشكل أو بآخر، لتحقيق صدى قوي للإمبراطورية العثمانية، أردوغان في الواقع، موجود فعلياً في جميع الملفات التي تبلبل هذه المنطقة المضطربة من العالم، ويريد، وفقاً لمنطق الإخوان المسلمين وهو المنطق الناقل للنفوذ الثقافي والسياسي على السواء، أن يستقطب حوله محوراً خاصاً به، عكس ذلك الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وأن يحتل موقعاً قوياً على المستوى الإقليمي، هذا الموقف يمنحه القدرة على التدخل عسكرياً كما أثبت ذلك في العراق وسوريا وليبيا، لذلك من المحتمل جداً أن الذي يدور في رأس "السلطان" أردوغان، أنّ هذه المناطق، قبل الاستعمار الغربي، كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، التي يعتزم استعادتها بالطريقة التي يمارس بها جغرافيته السياسية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :
https://www.diploweb.com/Turquie-Que-cherche-vraiment-le-president-Erdogan.html

الصفحة الرئيسية