تركيا ومصر.. من يجري وراء الآخر؟

تركيا ومصر.. من يجري وراء الآخر؟

مشاهدة

21/03/2021

لم تتوانَ تركيا المعزولة في محيطها الإقليمي عن مغازلة مصر ومحاولة استمالتها بعد 7 سنوات من القطيعة والهجوم المتواصل، ويجيء ما أوردته وسائل إعلامية، ومنها موقع "العربية" حول إجبار أنقرة أول من أمس لقنوات الإخوان على احترام المواثيق، وإيقاف البرامج السياسية في هذا الإطار، فيما رحبت مصر على لسان وزير إعلامها بالخطوة، ونقلت صحيفة "أخبار اليوم" الرسمية عن وزير الخارجية المصري سامح شكري قوله: "لو وجدنا أنّ هناك تغيراً في السياسة والمنهج والأهداف التركية لتتوافق مع السياسات المصرية فنحن مع ما يعيد العلاقات الطبيعية لمصلحة المنطقة، ومن الممكن أن تكون هذه أرضية لاستعادة الأوضاع الطبيعية".

محاولات الاستمالة

تُكرر تركيا محاولات استمالة ومُغازلة مصر، بشكل شبه يومي، فمرة تتمسّح بالعلاقات التاريخية معها، وبالروابط التي تجمع بين الشعبين؛ المصري والتركي، وأخرى من خلال الجوار الجغرافي عبر الحدود البحرية.

وفق ما أوردته مصادر خاصة، فقد سعت تركيا للاتصال بمصر بالفعل في تموز (يوليو) 2020، وتقدمت بثلاثة طلبات سرية إلى القائم بأعمال السفارة المصرية في بلادها طلبت في إحداها ضرورة زيارة وزير الخارجية مولود أوغلو إلى القاهرة، غير أنّ القائم بالأعمال التزم الصمت.

تم بين الجانبين لقاء بعدها في نفس الشهر داخل السفارة المصرية، بين نائب رئيس جهاز الاستخبارات التركي ودبلوماسي مصري طلب خلاله معرفة المطالب المصرية، وبحضور شخصية مصرية اعتبارية، وهو الذي استمع فقط ووعد بعرض الأمر على القيادة السياسية.

عادت الحوارات مرة أخرى الشهر قبل الماضي عقب الإعلان عن المصالحة مع الدوحة

بعدها أوردت وسائل إعلام مصرية، ومنها صحيفة "الأهرام"، بتاريخ 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2020 إنقاذ البحرية المصرية سفينة تركية في عرض البحر المتوسط، وقدمت الخارجية التركية شكراً، ثم اعتذاراً رسمياً عن توغل سفينة تركية داخل المياه الاقتصادية المصرية، وتعهدت بعدم تكرار مثل هذا الخطأ مرة أخرى.

تقدمت فيما بعد الخارجية التركية بطلب لوزارة الخارجية المصرية طلبت فيه السماح لنائب الرئيس أردوغان زيارة القاهرة بصحبة وزير الداخلية ولقاء المسؤولين في القاهرة، وتحدث وزير الخارجية مولود أوغلو قائلاً في تصريحات إعلامية منشورة قائلاً: "تركيا تتفهم مطالب أجهزة الأمن بتسليم المطلوبين، ووقف الحملات الإعلامية".. لكن عدا المنشور، والذي ذكره الصحافي المختص، ونائب رئيس تحرير صحيفة الوطن المصري، أحمد الخطيب، في حديث خاص، هو أنه اقترح تسليمهم عن طريق دولة عربية ثالثة لحفظ ماء وجه أنقرة.

اقرأ أيضاً: تقييد الإعلام الإخواني خطوة رمزية تركية تمهد لنصف مصالحة مع مصر

تواصل في الأشهر التالية وفد مصري مع تركي في الجزائر، وذلك وفق ما أورده موقع تلفزيون العربي الموافق الخميس 4 شباط (فبراير) 2021، تعهد فيه الأتراك بالالتزام بالخط الأحمر الذي حددته القاهرة في ليبيا (سرت – الجفرة) عقب إعلان الرئيس السيسي.

وبينما كانت موجة الخصومة بدأت تنخفض تدريجياً، كان التبادل التجاري قد بدأ يزداد ويزدهر أيضاً، ولم يبقَ له ليبلغ منتهاه سوى حل عقد الجماعة الموجودة في إسطنبول.

وفق موقع تلفزيون العربي بلندن فقد رفع الملحق العسكري المصري بالجزائر الملفّ إلى الاستخبارات العسكرية المصرية، التي أرسلت بدورها ضابطاً رفيع المستوى إلى الجزائر للاجتماع مع الطرف التركي، وأبدى المصريون استعدادهم للحوار، وكان القرار ببحث الملفات على مستوى استخباراتيّ أعلى، ونقل المحادثات بشأنها إلى العاصمة الإيطالية روما، وتوافق الطرفان على الخطوط العامة للتهدئة في ليبيا، ودشّنا طريقاً سالكاً بين أنقرة والقاهرة.

أًعلن الشهر الماضي عن عودة العلاقات الدبلوماسية بعد موافقة تركيا على الشروط المصرية

بعدها، وصل مسؤول استخباراتي تركي بشكل سرّي إلى القاهرة، رجّحت مصادر أنه رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان، وجرى في الزيارة الاتفاق بالكامل على أهمّ القضايا المتعلقة بليبيا، كخطوة أولى.

وفق معلومات خاصة فقد رفضت القاهرة الموافقة على تسلم عناصر الجماعة (حوالي 2000 عنصر) مقابل ترسيم الحدود البحرية، وطلبت فقط تسلم العناصر الخطرة مثل قادة حركة حسم (يحيى موسى، علاء علي السماحي)، ولوحظ في الفترة التالية لهذه الحوارات أنّ تركيا دفعت العناصر الخطرة لترك أراضيها، فانتقل يحيي موسى ورفيقه قائد حسم علاء علي السماحي إلى كندا.

اقرأ أيضاً: تركيا ومصر: أردوغان يسعى لكسر الحصار!

أورد الصحافي أحمد الخطيب بصفحته بالفيسبوك"، أنّ أنقرة عادت للجلوس مع وفد مصري في القاهرة سراً، بقيادة نائب رئيس جهاز المخابرات التركي، الذي قدم تصنيفاً للإخوان يشمل ثلاثة أنواع، ولم يشمل هذا التصنيف عناصر داعش الموجودين في مناطق النفوذ التركي بسوريا، وبعضهم مسجونون لديها.

توقف الحديث بين الجانبين بسبب الملف الليبي وملف سد النهضة ودور أنقرة في دعم الإثيوبيين، وبعدها صرح وزير الخارجية التركي أنّ المصريين في الحوارات الخاصة غير ما يحدث على الأرض، ثم عادت الحوارات مرة أخرى الشهر قبل الماضي، عقب الإعلان عن المصالحة مع الدوحة، وورد أنه لا ترسيم للحدود البحرية بين الجانبين بدون قواعد القانون الدولي في اشارة الي ضرورة رضوخ تركيا الالتزام بالقانون الدولي للبحار الذي ترفض أنقرة التوقيع عليه والاعتراف به، واستمرار التواصل أمنياً فقط لحين ثبوت موقف الأتراك، وبعدها يبدأ التواصل السياسي.

وفي أول تصريح رسمي كشف التودد التركي للعلن، أكّد وزير الخارجية التركي تشاويش أغلو، أنّ "الطريقة الأكثر عقلانية لعودة العلاقات المصرية- التركية تكون عبر الحوار والتعاون. وقال مستشار أردوغان، ياسين أقطاي: "إنّ المصالح المصرية التركية مشتركة، ومن يأتي إلينا خطوة نمشي إليه خطوتين".

خبراء يعزون هذا التحول تجاه مصر بمحاولة تركيا الخروج من عزلتها التي تسببت بها سياسات أردوغان

وأمام كل محاولات الاستجداء التركي، جاء الرد المصري بطريقة أكثر تحفظاً، حيث رد سامح شكري وزير الخارجية، أمام البرلمان إنّ "الارتقاء بمستوى العلاقة بين البلدين يتطلب مراعاة الأطر القانونية والدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول على أساس احترام مبدأ السيادة ومقتضيات الأمن القومي العربي".

اقرأ أيضاً: كيف ينظر تنظيم الإخوان لدعوات تركيا للتقارب مع مصر؟

عقب هذه التطورات أًعلن الشهر الماضي عن عودة العلاقات الدبلوماسية بعد موافقة تركيا على الشروط المصرية، ومنها: لا اتفاق مصري- تركي في شرق المتوسط، إلا بعد الاتفاق التركي الشامل مع الحلفاء الأوروبيين وتحديداً مع الجانبين اليوناني والقبرصي، والتعهد بإخراج المرتزقة من ليبيا، الحوار فيما بعد حول ملف الشمال السوري، ثم شمول أي اتفاقات الجانب السعودي والإماراتي، ووقف المنابر الإعلامية الإخوانية التي تهاجم مصر، وعدم احتضان تركيا أي نشاط سياسي لتنظيم الإخوان على أراضيها، وإطلاق يد الإنتربول في التعامل مع جميع المطلوبين الإخوان.

وطلبت تركيا في المقابل وقف أنشطة جماعة (كولن) بمصر، بما فيها الإعلامية وإصداراتها الإلكترونية الموجودة هناك، والدخول في منتدى الغاز، وإعادة ترسيم الحدود البحرية، ووافقت مصر على ذلك، إلا أنها اشترطت عدم ضم أنقرة لمنتدي شرق المتوسط قبل عامين على الأقل، بعد مراقبة تنفيذ الشروط السابقة.

لماذا تتوسل أنقرة الآن؟

يرى مراقبون ومنهم الخبير في العلاقات الدولية الدكتور طارق فهمي، بصفحته، أنّ "الاستجداء التركي جاء بعد أن وصل الجيش المصري أمام البحر الأسود في مناوراته، وتم إقصاء أنقرة من عضوية منتدى الغاز، وتم تحديد الخط الاستراتيجي (سرت – الجفرة) في ليبيا، وترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان، وبالتالي فإنّ اختزال ما يجري في وقف المنصات الإعلامية المحرضة ليس صحيحاً، وهي خطوة من خطوات أخرى أكثر إلحاحاً، ومنها أنّ معادلات الإقليم الراهنة ستتغير بالكامل في حال الاستنئاف الكامل للعلاقات المصرية التركية".

اقرأ أيضاً: أقوال أم أفعال.. هل ينقذ الغزل التركي لمصر أردوغان؟

وعزا الكاتب التركي إرغون باباهان في تصريح لـ"بي بي سي" التحول الإردوغاني المُثير للريبة تجاه مصر إلى محاولة تركيا الخروج من عزلتها التي تسببت فيها سياسات الرئيس. وقال الخبير التركي مصطفى جوناي لموقع "سكاي نيوز عربية"، إنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يعد أمامه مفر من التصالح مع مصر؛ لأن معضلة أردوغان الآن باتت خارجياً وداخلياً أيضاً، وليس خارجياً فقط في كيفية التحاور مع القاهرة، وبأي أوراق يفاوض الجانب المصري.

وأوضح د. مصطفى الفقي رئيس مكتبة الإسكندرية في تصريحاته لبرنامج "يحدث في مصر" بقناة "إم بي سي" مصر، أنّ هذا الأمر يرجع لعدة أسباب أولها أنّ أردوغان يواجه إدارة أمريكية جديدة، فالأمر مختلف والدول الأوروبية استيقظت ضد تركيا في سياستها في شرق البحر المتوسط وما جرى في ليبيا، ولأنه خسر المعركة في ليبيا سياسياً على الأقل وليس على مستوى المواجهة العسكرية، وبسبب المصالحة القطرية الخليجية، التي جعلت حدة العداء لا تسمح بقوة التحالف بين تركيا وقطر ودول أخرى في نفس المنطقة.

الصفحة الرئيسية