تصفية إرث "النهضة"

تصفية إرث "النهضة"

مشاهدة

25/08/2021

كمال بالهادي

ينتظر التونسيون بشغف الخطوة السياسية القادمة للرئيس التونسي قيس سعيّد، الذي يبدو غير مستعجل على التصريح بما يفكّر فيه، خاصة أنه عُرفت عنه أقواله المتكرّرة عن أن «كل شيء في أوانه».

في آخر زياراته بمناسبة عيد الأسرة في تونس، الذي يوافق الثالث عشر من أغسطس كل عام، التقى قيس سعيّد نساء حرفيات في حي شعبي، وقال إنه يتفهم كل مطالب التونسيين وخاصة أولئك المهمشين الذين لم ينالوا حقوقهم طوال السنوات العشر الماضية التي حكمت فيها حركة النهضة، وزادت في تهميش المهمشين، مطالباً بالانتظار والصبر حتى تمرّ هذه الفترة السياسية والاقتصادية الصعبة، ثم سيأتي الإصلاح، ووعد بأن يأخذ الجميع حقوقهم.

معارضو قرارات سعيّد يطالبونه بالحوار وإعادة البرلمان للعمل، لكن الرجل ماضٍ في إدارة عديد المعارك على عدة جبهات، ويعترف المراقبون بأن مهمة الإصلاح أو تصفية إرث حركة النهضة ليس بالأمر اليسير، فالبلد قد غرق تماماً في المديونية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، فضلاً عن أن الدولة مطالبة بتوفير 23 مليار دينار تونسي (نحو 9 مليارات دولار) مبرمجة ضمن موازنة 2021، قبل انتهاء العام، لكن أبواب التمويل الخارجي موصدة الآن بسبب عجز الحكومات المتعاقبة عن الإيفاء بتعهدات الإصلاح خلال السنوات الماضية. كما يشن قيس سعيّد حرباً شعواء على أوكار الفساد والاحتكار، وهو يعي جيداً أن تخليص أجهزة الدولة من إرث سياسة التمكين التي انتهجتها «النهضة» ليس أمراً سهلاً. وأكد في أكثر من مرة أن أعداء الدولة متمترسون في مواقعهم في الدولة، وهم يعملون على تعطيل تنفيذ القرارات العليا، أو على إفشالها؛ لأن ولاءهم ليس للدولة؛ بل للحزب الذي مكّنهم من تبوؤ مناصب لا يستحقونها.

الأخطبوط الذي شبكت خيوطه حركة النهضة على مدار السنوات الماضية وتداخلت فيه مصالح القضاء بالأمن.. بالفساد والإرهاب والتهريب، ومسّ تقريباً كل القطاعات التي سارع ضعاف النفوس فيها إلى الارتماء في أحضان النهضة حتى يحافظوا على مصالحهم، يعد الخطر الحقيقي الذي يواجهه قيس سعيّد؛ لأن اقتلاع جذروه هو النتيجة الوحيدة التي سيقبل بها التونسيون، وما عدا ذلك سيكون اجتراراً لخطابات ألفها الشعب خلال العشرية السوداء.

يعرف قيس سعيّد أن الأحزاب وقيادتها هي مجرد ظواهر صوتية كرهها التونسيون على اختلاف انتماءاتها، وهي ظواهر لا تملك حلولاً ولن يمكنها الحوار الذي تطالب به سوى من إعادة التموضع في مشهد سياسي لفظها عن بكرة أبيها، ولذلك يتولى الرئيس سعيد التواصل المباشر مع التونسيين؛ لأنه لا يريد أن تكون هناك وساطات تحجب عنه الهموم الحقيقية للشعب، خاصة أن بعض الأحزاب  وأبرزها حركة النهضة  تريد نقل المعركة إلى رحاب الأمم المتحدة، وتدويل ما تسميه «القضية التونسية»، حتى تكون طرفاً في أي مشاورات قادمة. 

وضمن هذا الإطار يتفاخر بعض قيادات الحركة بأن الولايات المتحدة ضغطت على قيس سعيد للقاء الغنوشي، أو أن تركيا اتخذت موقفاً ضد «الانقلاب»، ويعرف الرئيس سعيّد أن عليه في هذه المرحلة الحساسة جداً أن يبلور صورة واضحة للأشقاء وللشركاء الدوليين، حتى يستطيع الالتفات إلى الشأن الداخلي المأزوم.

رهان «النهضة» على الخارج ومحاولة الاستقواء بالأجنبي ليس أمراً جديداً، لكن حتى هذا الخيار يعمل قيس سعيد على تصفيته، ويبدو أنه قطع شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه؛ لأن زيارة الوفد الأمريكي الأخيرة إلى تونس، جعلته يقتنع بأن تونس تسير على الطريق الصحيح، خاصة بعد أن أثبت سعيد أن مواقف تونس الخارجية والعلاقة مع الشركاء لن تتغير؛ بل سيعمل على دعمها وتوسيعها. 

وعلى مستوى العلاقات مع الأشقاء العرب، فباستثناء قطر و«إخوان» ليبيا، فليس هناك عربي واحد يدعم «إخوان تونس»، أو يرغب في استمرارهم في حكم هذا البلد. المواقف العربية دعّمت القرارات الرئاسية، وتعهدت بالمساعدة المالية لتخليص تونس من كوابيس المديونية، والأهم من ذلك هو عودة الروح إلى علاقات تونس مع عدد من الدول العربية بعد أن كانت «النهضة» تمثل حجر عثرة، باصطفافها ضمن محور يعادي مصالح تونس.

عن "الخليج" الإماراتية

الصفحة الرئيسية