تطوير المناهج التعليمية في مجتمعاتنا.. حصان طروادة

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
5272
عدد القراءات

2019-03-27

"إذا كنا نقول إنّ كلَّ تقدم هو بالضرورة تطوير، فلا يمكننا القول إنّ كل تطوير هو بالضرورة تقدّم" بحسب تعبير البرازيلي، باولو فريري، وهو صاحب نظريات ذات تأثير كبير في مجال التعليم.

اقرأ أيضاً: أين مناهجنا العربية من بناء الهوية والمواطنة؟ الأردن نموذجاً

يدفعنا هذا للتساؤل عن جدوى تطوير المناهج في البلاد العربية، فهل ستنجح تجربة تطوير المناهج في إحداث  فروقٍ في نسيج المجتمع؟ وهل ستتمكن من تغيير رؤيتنا لأنفسنا وللعالم؟ قد نتلمّس في كتاب "تعليم المقهورين" لباولو فريري، طريقاً تفضي إلى إجابة، تمكّننا من فتح كوةٍ مضيئةٍ في جدران عالمنا الذي يزداد ظلمةً وخوفاً.

من خلال المناهج الخفية تتمكن بعض الأنظمة من حل تناقضاتها في دعواتها الزائفة للتغيير بينما في العمق تحارب ذلك

يطرح "فريري" في كتابه آنف الذكر، مفهومي التعليم البنكي والتعليم الحواري، والهوة التي تفصل بينهما، فالتعليم البنكي هو ما يجعل من الطفل بنكاً للمعلومات، وذلك باعتماد التلقين، حيث يعمل على تمويه الحقائق وحجب الكيفيات التي يعيش بها الأفراد في هذا العالم. يرفض الحوار رفضاً باتاً، ويحوّل الطلاب إلى أوعية استقبال، ويعاملهم كأشياء تطلب المساعدة، ويعوق نزعة الإبداع.
يعتمد التعليم البنكي على الآلية والجمود والتحييد، ويجنح إلى التدجين و تعطيل قدرة الأفراد على التفكير واستلاب إنسانيتهم، من أجل أن يحول بين الإنسان وممارسة حريته التي تعيّنه.

بينما يقوم التعليم الحواري بدور معاكس، حيث يتبنى أسلوب الحوار الذي رفضه التعليم البنكي، ويعتبره أساساً لفهم العالم، هذا الفهم الذي ينطلق من الحب كضرورة لبدء أي حوار، حيث يشخّص العلاقة بين الأفراد والعالم، متضمناً التواضع والثقة بهم، وقدرتهم على الإبداع، فهو يرى الإنسان باعتباره كائن تاريخيٌّ أنه نقطة البداية في أي تحرك.

اقرأ أيضاً: المناهج في الوطن العربي بلا أفق ولا رؤية.. لماذا؟
كما أنّ التعاون يقود المجتمع الحواري الذي ينظر في الواقع لمواجهة تحدياته، وتجاوز ظاهرة الاحتكار الثقافي وتجاوز الخضوع للتصورات الكاذبة عن العالم، وهذا لا يعني مجرد رفع الشعارات، بل يعني التحليل الناقد للواقع لكشف العالم، إنه يختلف عن الممارسات التمويهية التي يقوم بها التعليم البنكي من أجل مزيد من التضليل وتكريس القهر والاستبداد.
بالاطلاع على أهم استراتيجيات التعليم الحديث، نجد أنّ البلدان العربية التي تعمل على تطوير المناهج، اختارت أن تنحو باتجاه  التعليم الحواري، فالاستراتيجيات التي تضمنتها المناهج الجديدة تصب في هذا الاتجاه، حيث تهدف إلى تبادل الأفكار بالطرق الحوارية، والتفكير المنطقي والنقدي البعيد عن الخرافات والمسلمات، والمناقشة وإبداء الرأي والتقييم وطرح الأسئلة، والتدرب على حل المشكلات واتخاذ القرار، وتنمية مهارات تحليل المعلومات وتركيبها وتقويمها، وتعزيز ثقة المتعلمين بأنفسهم، وتنمية الخيال والإبداع، وتنوع مصادر المعرفة، واحترام الآخر والحث على تقبل أفكار الآخرين، وتنمية روح المسؤولية والتعاون والتفاعل والعمل الجماعي، ومراعاة الفروق الفردية، وتوصيل القيم الكونية والمبادئ الإنسانية، ونبذ مظاهر العنف، وكيفية مواجهة الحياة في المراحل القادمة، وإطلاق حرية التفكير والتعبير عن الذات.

اقرأ أيضاً: هل تشعل مناهج اليابان الدراسية فتيل أزمة مع كوريا الجنوبية؟

ولكن بالنظر إلى مجتمعاتنا العربية المحكومة بشتى أشكال الاستبداد والتسلط والقهر، ستبدو أهداف هذه الاستراتيجيات شاهقة، بالقياس إلى الواقع الذي تقف عليه، وسنعثر على تناقض صارخ بين أنظمةٍ يقوم وجودها على الاستبداد، بينما تتبنى مناهج كفيلة بالقضاء عليها فيما لو أعطت هذه المناهج ثمارها، وكما يقول باولو فريري: من السذاجة أن تتوقع من الصفوة المتسلطة أن تقوم بمهمة تعليمية تؤدي إلى تحرير الإنسان.

باولو فريري: من السذاجة أن تتوقع من الصفوة المتسلطة أن تقوم بمهمة تعليمية تؤدي إلى تحرير الإنسان

إذاً ليس من المعقول أن تتّبع الأنظمة المستبدة التعليم الحواري فتخلق بيديها أحراراً يعارضونها، ولكنها تُقبل على بعض الإصلاحات التي لا تهدد سلطتها في القهر، بتعبير فرايري، ومهما كانت الأسباب التي دفعتها لهذه الإصلاحات، إن كانت تتعلق بمجتمعاتها، أو بضغط من قبل المنظمات الدولية، فالواقع يشير إلى أنّ الأمر لم يفلت أبداً من قبضتها، حيث في الخفاء تمتلك ضامناً قوياً، يضمن ألا يعطي هذا التطوير مفعوله، وأن يبقى في إطاره الشكلي، أو كما يقال حبراً على ورق. فهل هذا الضامن هو المنهاج الخفي الذي ولد على يد الباحث الأمريكي جاكسون؟

في كتاب "رأسمالية المدرسة" لـ"علي وطفة" يشير إلى أنّ "في مجال العملية التربوية يميز الباحثون بين منظومتين من الأهداف التربوية العامة في السياسات التربوية، فهناك أهداف رسمية معلنة وأهداف خفية مضمرة، والخفية غالباً ما توضع لخدمة النظام السياسي والاجتماعي القائم، وتحديد الجوانب الخفية يخضع لتعريف الجهة التي تقدمه" وهذا يعني أنّ الأنظمة في مجتمعاتنا بحكم وضعيتها التسلطية، لن تقدّم سوى ما يتناقض تماماً مع حوامل المنهاج الذي تعمل على تطويره.

اقرأ أيضاً: السعودية تكافح التطرف بالمناهج الدراسية
إنها تعمل بآليات مموهة تعكس الحقائق والأهداف، وهذا ما يدلّل عليه، علي وطفة، من خلال طرحه للأهداف الوسيلية التي ترسخ معالم المنهاج الخفي، وذلك في "التأكيد على قيم الطاعة والخضوع للحكام، وتمجيد السلطة بتوظيف الطاقة الرمزية كالصور والمقولات والخطب التربوية والمدرسية، والتأكيد على نمط الخضوع الهرمي، وتوظيف الإمكانات المدرسية من أجل رفض الثورة و التمرد والاعتراض والنقد".

فالمناهج التربوية العربية، حسب تعبير ، وطفة، مشبعة بالرموز والمفاهيم والقيم التي تعبر عن حياة الطبقة الاجتماعية التي تسيطر، وهي تمثل سعياً منهجياً لتدجين الأجيال المتعاقبة من الأطفال، فهناك من سيخضع لهذا التدجين داخل أسوار المدرسة، وآخرون سيقابلون القهر الخفي للمدرسة، بالتمرد والهروب والعنف، وهذا ما يدفع بهم إلى الإخفاق والفشل.

يبدو أنّ المناهج الخفية هي حصان طروادة بعض الأنظمة في مجتمعاتنا، فمن خلال هذه المناهج تتمكن من حل تناقضاتها في دعواتها الزائفة للتغيير والتطوير، بينما في العمق تحارب ذلك لما فيه من تهديد مباشر لوجودها، لذا فإنّ ركوبها موجة التطوير لن يفضي إلى التقدم، بل تجعل من التقدم والارتقاء شعارين مجانيين مستهلكين،  فكلما زاد العزف على أوتارهما، ازداد تأخرنا التاريخي، وتخلفنا وانغلاقنا، وكلمّا زادت هذه المعطيات، تضاءل وعينا بإنسانيتنا، واغتربنا عن الواقع أكثر، نحلم ببساط الريح وقبعة الإخفاء والعصا السحرية والفانوس السحري كوسائل لإنقاذنا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: