تعديل الدستور التونسي.. لماذا ترفضه حركة النهضة الإخوانية؟

تعديل الدستور التونسي.. لماذا ترفضه حركة النهضة الإخوانية؟

مشاهدة

25/05/2022

أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد، الجمعة، تدشين اللجنة العليا لتعديل الدستور في البلاد برئاسة المستشار صادق بلعيد، فيما أوضح القرار المنشور في الجريدة الرسمية مهمات عمل اللجنة، التي ستتولى تقديم مقترحات لإعداد دستور جديد في البلاد يتوافق مع خريطة الإصلاح السياسي التي بدأت قبل عدة أشهر، لتأسيس "جمهورية جديدة"، وتقدم كافة المقترحات في فترة لاحقة لرئيس الجمهورية.

وبحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، ينبثق عن اللجنة العليا 3 لجان فرعية، هي اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وتتولى تقديم مقترحات تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والدعم الاجتماعي، وتضم المنظمات الكبرى في البلاد، في مقدمتها الاتحاد التونسي للشغل، أكبر المنظمات النقابية.

واللجنة الاستشارية؛ وهي لجنة قانونية تضم عدداً من الأكاديميين وأساتذة القانون، أما الثالثة فهي لجنة الحوار الوطني، ويشارك فيها جميع أعضاء اللجنة العامة واللجان الفرعية. 

انطلاق الجمهورية الجديدة

وكان الرئيس التونسي قد تحدث في ١ أيار (مايو) الجاري، تفصيلاً عن اختصاصات اللجنة، وقال في بيان متلفز إنها "ستتولى مهمة صياغة دستور لـ"جمهورية جديدة" في تونس".

وأشار سعيد إلى أنّ اللجنة ستسعى لإتمام أعمالها في غضون أيام معدودة، وأنّ الحوار سيشمل ممثلين عن كافة الأطياف، مستثنياً من وصفهم بـ"الخونة واللاوطنيين". 

وقال إنّ "الحوار الوطني بشأن الإصلاحات سيشمل 4 منظمات رئيسية في تونس"، في إشارة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بحسب وسائل إعلام تونسية.

وبالرغم من الترحيب الكبير من جانب القوى السياسية ومختلف الهيئات الوطنية، بالقرار الذي يمهد لـ"جمهورية جديدة"، ترفع شعار الإصلاح ومكافحة الفساد وإقرار القانون، سارعت حركة النهضة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان في البلاد، إلى رفض القرار ومحاولة التشكيك في مدى جدية الإصلاحات الدستورية، متهمين سعيد بـ"الخروج عن الشرعية الدستورية".

وقالت حركة النهضة، في بيان لها أصدرته الأحد الماضي، إنّها "ترفض بشكل قاطع قرار الرئيس، بتكليف اللجنة الاستشارية لصياغة الدستور الذي يؤسس لجمهورية جديدة"، واعتبرته "خروجاً عن الشرعية وتكريساً لتجاوز المبادئ الديموقراطية"، على حد وصفها.

 قالت النهضة في بيان لها إنها ترفض بشكل قاطع قرار الرئيس قيس سعيد بتكليف اللجنة الاستشارية لصياغة الدستور الذي يؤسس لجمهورية جديدة

الخبير القانوني التونسي، حازم القصوري، اعتبر تشكيل لجنة لتعديل الدستور في البلاد خطوة جيدة ومهمة في إطار العمل المستمر على تنفيذ خريطة الإصلاح السياسي التي بدأها الرئيس قيس سعيد بالإعلان عن إجراءات ٢٥ تموز (يوليو) الماضي، بتجميد البرلمان وإقالة الحكومة، ثم تبعتها حزمة من الإجراءات استهدف تطهير المؤسسات ومكافحة الفساد والإرهاب وتحقيق إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي.

ويقول القصوري، في تصريح لـ"حفريات"، إنّ بلاده قد بدأت السير على الطريق الصحيح، وإنها تخوض اليوم معركة جديدة للاستقلال على ذات النهج الذي سار فيه جيفرسون وهاميلتون ولكن بروح تونسية أصيلة لتجربتها الدستورية وانتصاراً للقانون والحداثة ومتطلبات الشعب التونسي.

القصوري: حركة النهضة أدركت أنها خارج المشهد السياسي ولا تملك أي قوة لتحريكه، حتى أنها عاجزة عن تحقيق مخططات الفوضى للضغط على الدولة التونسية، وبالتالي تحاول إفشال أي مسار للإصلاح
 

ويرى القصوري أنّ الإجراءات الراهنة بشأن تعديل الدستور بما يتفق مع المصالح العامة للبلاد، يضع تونس على المسار الديمقراطي الصحيح ويعزز دور مؤسسات الدولة، وكذلك يعلي من مبادئ المساواة والحريات واحترام الآخر، وكذلك يعزز دور الدولة في مكافحة الفساد والإرهاب، لتوفير بيئة مزدهرة للمواطن وتجاوز أزمات الفترة الماضية، خاصة التي سيطر فيها الإخوان على الحكم وشهدت تدهوراً للأوضاع الداخلية على كافة المستويات.

إصلاحات عميقة

وعبّر القصوري عن اعتقاده بأنّ الإصلاحات الدستورية المرتقبة في البلاد ستكون عميقة، وتتسق مع مبادئ الدستور التاريخي في البلاد. وينوه الخبير التونسي إلى أنّ تراكم التجربة الدستورية في التاريخ التونسي، يجعل من الإصلاحات المرتقبة "تاريخية" باعتبارها خلاصة سنوات طويلة من ممارسة القانون، مشيراً أنه لا يمكن اعتبار دستور عام ٢٠١٤ متصلاً بهذه التجربة؛ لأنه افتقد لكثير من القيم التي أقرتها الجمهورية التونسية على مدار التاريخ، وصيغ في قوالب معينة استهدفت خدمة مصالح التنظيم الإخواني، ولم يعلي مصالح وأمن البلاد.

وتوقع القصوري أن "تغير الإصلاحات المرتقبة نظام الحكم في البلاد من البرلماني إلى الرئاسي، خاصة أنه مطلب شعبي، مع تأمين النصوص القانونية الخاصة بحفظ حق البرلمان في التشريع والرقابة على السلطة، وكذلك معالجة الكثير من النصوص التي جاءت في دستور ٢٠١٤ ولا تتفق مع حقوق الشعب التونسي الأصيلة"، مشدداً على إعلاء مبادئ المساواة والحريات العامة.

لماذا ترفض حركة النهضة تشكيل الهيئة الاستشارية للاستفتاء؟

يرى الخبير القانوني التونسي، أنّ حركة النهضة الإخوانية ترفض الإجراءات الهادفة لتعديل الدستور والاستفتاء الشعبي لعدة أسباب: أولها؛ أنها باتت تدرك جيداً أنها قد فقدت حاضنتها الشعبية في البلاد منذ إجراءات تموز (يوليو) ٢٠٢١، وربما قبل هذا التاريخ بكثير، وأنّ الشعب التونسي بمختلف طوائفه بات يعي جيداً قدر الخطر الذي يمثله هذا التنظيم خاصة بعد انكشاف وجهه الحقيقي خلال السنوات الماضية.

السبب الثاني وفق القصوري، يتمثل في أنّ الحركة الإخوانية تعيش في الوقت الراهن حالة غير مسبوقة من الشتات، بينما تعاني تصدعات تنظيمية وحالة شقاق وخلاف حول بقاء زعيمها راشد الغنوشي، فقد انفصلت مجموعات عن "النهضة" وقررت تدشين أحزاب أخرى بحثاً عن طوق نجاة، وهو أمر يعكس انهيار القدرة التنظيمية للحركة بشكل شبه كامل، وأنها في طريقها للزوال قريباً.

حازم القصوري: تشكيل لجنة لتعديل الدستور في البلاد خطوة جيدة ومهمة في إطار العمل المستمر على تنفيذ خريطة الإصلاح السياسي

أما السبب الثالث؛ فيتعلق بمسؤولية "النهضة" عن أخطاء سنوات "العشرية السوداء"، التي حكمت فيها البلاد واستشرت حالة الفساد والتدهور غير المسبوقة سواء في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أو على مستوى الأمن والحريات، وبالتالي لا ترغب الحركة في إقرار دستور جديد يضعها أمام الحساب والمكاشفة، بحسب القصوري.

ومن هنا، يؤكد القصوري أنّ الحركة أدركت أنها خارج المشهد السياسي، ولا تملك أي قوة لتحريكه، حتى أنها عاجزة عن تحقيق مخططات الفوضى للضغط على الدولة التونسية، وبالتالي تحاول إفشال أي مسار للإصلاح، خاصة أنها في أوج غضبها؛ بسبب التفاف الشعب ومؤسسات الدولة الوطنية خلف قرارات الرئيس قيس سعيد الإصلاحية.

 مواضيع ذات صلة:

عن أية عواقب كارثية يتحدث محافظ البنك المركزي التونسي؟

إخوان تونس وصناعة الاستقطاب السياسي.. هل تنجح آخر أدوات التنظيم؟

هل تلجأ "النهضة" لجهازها الأمني في صراعها مع الرئيس التونسي؟

الصفحة الرئيسية