تعديل القانون الانتخابي في تونس: حماية للمسار الديمقراطي أم انقلاب عليه؟

تشتّتٌ سياسي يميّز المشهد التونسي الراهن، قبل أربعة أشهرٍ فقط من موعد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، المقرّرة في شهريْ تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر)؛ حيث احتدم الجدل مرّةً أخرى بشأن تعديلاتٍ جديدةٍ للقانون الانتخابي التونسي، قدّمتها الحكومة على عجلٍ لمجلس نوّاب الشعب.
تنقيحات افتتحت موجةً جديدةً من الخلافات الحزبية؛ بين مَن يؤيّدها ومَن يعارضها، واستهلّت موسماً آخر من المواقفِ بخصوص جدوى التنقيح في مثل هذا التوقيت، ما انجرّت عنه تأجيلاتٍ متكرّرة للجلسةِ العامة المخصّصة للمصادقة عليها، وهو ما أثار مخاوف جدية لدى الرأي العام التونسي، ولدى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، من إمكانيّة تأجيل موعد الانتخابات، ربحاً للوقت.

اقرأ أيضاً: نداء تونس: الأولوية لجبهة انتخابية واسعة
وتنقسم المقترحات إلى جزأين؛ يتعلّق الأوّل برفع العتبة الانتخابية، (الحدّ الأدنى من الأصوات الضرورية التي تتيح لأي مرشّح الحصول على مقعد ودخول البرلمان)، فيما يتعلّق الجزء الثاني بمنع رؤساء المؤسّسات الإعلاميّة والجمعيات من الترشّح للانتخابات؛ لأنّ في ذلك استغلالاً واضحاً للعمل الإعلامي والخيري بطريقةٍ متخفيّةٍ لأغراضٍ سياسية.
كما تلزم هذه التعديلات المقترحة هيئة الانتخابات برفض ترشّح من لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور، أو من يدعو إلى العنف والتمييز والتباغض، أو من يمجد النظام الديكتاتوري السابق، وممارسة انتهاكات حقوق الإنسان، أو من يمجد الإرهاب.
خلافات بين الكتل البرلمانية بشأن تغيير القانون الانتخابي

الائتلاف الحاكم في مرمى الاتّهامات
هذه التعديلات تعارضها كلّ من رئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسى، إحدى رموز نظام بن علي السابق، وألفة التراس، عن جمعية "عيش تونسي"، وصاحب قناة "نسمة" الخاصّة، نبيل القروي، الذين أكّدوا رفضهم التام لفحوى التعديل، ويعدّ هذا الثلاثي، من أهم الأسماء التي حقّقت المراتب الأولى- المفاجئة، في سبر آراء حول نوايا التصويت.

اقرأ أيضاً: إخوان تونس يغيّرون جلدتهم القديمة لتلافي العزلة
ويبرّرها القائمون عليها بسعيهم إلى حماية الديمقراطية التونسية "الهشّة" من "الشعبوية" الصاعدة في البلاد، نتيجة استغلالها للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها فئات كثيرة من الشعب التونسي، وتتّجه الأنظار نحو كلٍّ من عبير موسى ونبيل القروي، الذي يتهم بالتهرب الضريبي، وجمعية "عيش تونسي" المتهمة بتلقي تمويلاتٍ أجنبيّةٍ.

النائب عن حركة النّهضة الإسلامية سليم بسباس: نحن مجبرون على التصويت لتعديل القانون الانتخابي رغم كونه غير ديمقراطي

ويرى متابعون للشأن التونسي؛ أنّ هذه التعديلات التي تدعمها أحزاب الائتلاف الحاكم ممثّلةً في حزب "نداء تونس"، الذي يتزعّمه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والشريكَيْن الأوّلَيْن للحكم؛ "نداء تونس" العلماني، و"النّهضة" الإسلاميّة، قد صيغت على مقاس بعض الخصوم المستقلّين والناشطين في المجتمع المدني، الذين أعلنوا نيّتهم للترشّح، وتبدو حظوظهم وفيرة للفوز.
وحذّر النائب عن حركة "النهضة" الإسلامية، سليم بسباس، في تصريحه لـ "حفريات"، من أنّ تؤدّي بعض النقاط الواردة في التعديلات المقترحة إلى إقصاء فئةٍ معيّنة من المترشّحين، لافتاً إلى أنّهم مجبرون على التصويت لصالحها، وإن كانت غير ديمقراطيةٍ، من أجل ضمان المنافسة الشريفة بين المترشّحين، وأنّه بإقرار ذلك يكون البرلمان قد اختار أقلّ القرارات تأثيراً على التجربة التونسية الناشئة.
وأضاف بسباس؛ أنّ ترشّح بعض المستقلين ورؤساء الجمعيات سيربك المسار الانتخابي، لأنّهم يستغلّون الغطاء الجمعياتي من أجل التهرّب من الضوابط المفروضة على الأحزاب، وسيستغلّون رصيدهم الشعبي والانتخابي، في منافسة غير متكافئة، مشيراً إلى أنّ الفضاء الطبيعي للجمعيات يجب أن يكون داخل المجتمع المدني، وليس في المشهد السياسي.
 حكومة يوسف الشاهد تقترح تعديل قانون الانتخابات

المعارضة ترفض
على الطرف الآخر؛ تطالب بعض كتل المعارضة بضرورة احترام القانون الانتخابي، وعدم العبث بمضمونه، وترى أنّ الائتلاف الحاكم يسعى إلى إقصاء العديد من الوجوه التي برزت مؤخراً في الساحة السياسية، خوفاً من خسارته في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
ويرى في هذا الشأن، القيادي بالجبهة الشعبية المعارضة، أيمن العلوي؛ أنّ المسّ بمضمون القانون الانتخابي قبيل الانتخابات، سيكرّس الرؤية اللاديمقراطية في تشريع القوانين، ويؤثر في مصداقية البرلمان، الذي قد يسقط هو الآخر في سنّ قوانين على مزاج الحلفاء، ومفصّلة ضدّ الخصوم.

اقرأ أيضاً: تونس: تعديلات في قانون الانتخابات تثير جدلاً واسعاً
العلوي أشار أيضاً، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى وجود أطرافٍ سياسيةٍ تحتال على الشعب التونسي، وتريد استغلال فقر بعض الفئات الاجتماعية الهشّة من أجل الوصول إلى كرسي الحكم، في إشارةٍ إلى رؤساء الجمعيات المترشحين لرئاسيات 2019، كما تعمل على استغلال المال الفاسد والتمويلات الأجنبيّة في حملاتها الانتخابية، مشيراً إلى وجود قوانين كافية تتصدّى لهذه الممارسات دون إدخال تغييرات عليها.

القيادي في الجبهة الشعبية المعارضة أيمن العلوي: المسّ بمضمون القانون الانتخابي قبيل الانتخابات سيؤثر على مصداقية البرلمان

واستنكرت جمعية عتيد لمراقبة الانتخابات عدم تركيز السلطة التشريعية على الأولويات الحقيقيّة لإصلاح المنظومة الانتخابية القانونية والمؤسّساتية، مشدّدةً على أنّ تنقيح القانون الانتخابي مؤشرٌ واضحٌ لعودة الدكتاتورية.
من جهته، أكّد الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية؛ أنّ الممارسة الديمقراطية، ومبدأ الأمان القانوني يفرضان عدم المساس بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية قبل مدّةٍ قصيرةٍ من تاريخ الاقتراع، رغم قناعة الاتحاد بأنّ القانون الانتخابي والدستور في حاجةٍ إلى المراجعة.
ودعا اتّحاد أرباب العمل إلى تغليب صوت الحكمة، وتجنّب كلّ ما من شأنه أن يزيد في منسوب التشنج والاحتقان الذي تشهده الساحة السياسية حالياً، والذي قد يمثل تهديداً لا للمسار الانتخابي فحسب؛ بل للتجربة الديمقراطية التونسية الناشئة.
وأكد عددٌ من أعضاء هيئة الانتخابات في تصريحاتٍ صحفية مختلفةٍ؛ أنّ أيّ تعديلٍ للقانون الانتخابي سيربك عمل الهيئة، التي ستعمل على ضمان المعاملة المتساوية بين جميع الناخبين، وجميع المترشحين، وجميع المتدخّلين خلال العمليات الانتخابية والاستفتائيّة.
مخاوف من استغلال الأعمال الخيرية للجمعيات في السباق الانتخابي

بين القانون والدستور
وخرج الجدل حول تنقيح القانون الانتخابي من قبّة البرلمان، ليكون الموضوع الرئيسي لكافّة وسائل الإعلام التونسية، وتصدّر تدوينات نشطاء التواصل الاجتماعي؛ بين من يرى أنّه ضرورةٌ من أجل إنقاذ المسار الانتخابي لاستكمال الانتقال الديمقراطي، ومن يرى أنّه مخالف للدستور وللمواثيق الدولية، وفيه مسّ بمصداقية الانتخابات، ومن ضمان حقّ الترشح والتنافس بالنظر إلى توقيت طرحه، وغاياته.

اقرأ أيضاً: هكذا يلاعب يوسف الشاهد شيخيْ تونس
ويرى الخبير في القانون الدستوري، جوهر بن مبارك، أنّ هذه التعديلات المقترحة ستحمي المسار الانتخابي؛ لأنّ العمليّة الانتخابيّة ما تزال مهدّدةً بممارساتٍ مخالفةٍ لقانون الأحزاب وقانون الجمعيات، ودعا المشرّع التونسي إلى ضرورة اتّخاذ مواقف حازمةٍ لفرض احترام القوانين.
ووصف بن مبارك، في تصريحه لـ "حفريات"، المشهد التونسي بـ "غير المتساوي بين أحزابٍ مقيّدةٍ بجملةٍ من الشروط والمبادئ، منها عدم قبول التمويلات الأجنبيّة، ومنعها من الإشهار السياسي، في وقتٍ يستطيع بعض المترشّحين من خارج الأحزاب استغلال امتيازاتٍ واسعةٍ يكفلها لهم قانون الجمعيات"، معتبراً أنّ ذلك مخالفٌ لمبدأ المساواة بين المترشّحين.

المختص في القانون حمدي يوسفي: منع رؤساء المؤسّسات الإعلاميّة والجمعيات من الترشّح مقترح إقصائي ومخالف للدستور

الخبير في القانون الدستوري، لفت أيضاً إلى وجود ثغراتٍ في القانون الانتخابي؛ كعدم الانتباه إلى نقطة السوابق العدلية؛ حيث يستطيع المحكومون في مختلف القضايا، والسجناء السابقون الترشح لمنصب رئيس البلاد، فضلاً عن المتهرّبين جبائياً، وأنّ بعض المشاركين في السباق الانتخابي الحالي متهرّبون جبائياً، ولا يحترمون القانون.
في مقابل ذلك؛ يرى المختص في القانون، حمدي يوسفي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ "بعض التعديلات المقترحة إقصائية، ومخالفةٌ للدستور، خاصّةً منها المتعلّقة بمنع رؤساء المؤسّسات الإعلاميّة والجمعيات من الترشّح"، وقال إنّها تتعارض مع مقتضيات الفصل 49 من الدستور.
وثمّن في المقابل، بعض النقاط الأخرى التي رآها تماشياً مع روح الثورة التونسية، التي قطعت مع كلّ أشكال الدكتاتورية ومع النظام الاستبدادي.

الأقسام: