تعرّف إلى أول من أهدى المنطقة العربية حرفاً مطبوعاً بلغة الضاد

5441
عدد القراءات

2018-06-10

يُرجع العديد من المفكرين والمؤرخين، من مختلف التيارات، بما فيها بعض التيارات الإسلامية، تخلّف العالم الإسلامي، وعدم قدرته على مجاراة التطور في العالم الغربي، إلى أسباب يأتي في مقدمتها التأخر الطويل في استخدام اختراع الطابعة، هذا الاختراع الثوري، الذي مكّن الحداثة من البزوغ بعد ذلك، وفتح طرق لم يكن الإنسان ليتخيله من قبل، لتحصيل العلوم والمعارف وتطويرها.

مَن السبب في تأخر استخدام الطباعة الفقهاء أم الذوق الفني للقراء؟

تتعدد الروايات في مضمار البحث الخاص بتأخر وصول اختراع الطباعة إلى العواصم الإسلامية الكبرى، ولنا أن نتصور كون هذا الاختراع لم يدخل إلى تركيا؛ حيث مقرّ الخلافة الإسلامية، إلّا عام 1727، وصاحب دخوله إباحة، للمرة الأولى، من صاحب منصب "شيخ الإسلام" في الدولة العثمانية، بدخول الطباعة للعالم الإسلامي وفق ضوابط.

اقرأ أيضاً: لماذا ما تزال تهم التحريم تلاحق فنون النحت والتصوير؟

الرواية الأشهر والأكثر انتشاراً؛ أنّ رجال الدين في الدولة العثمانية قد حرّموا دخول آلة الطباعة للعالم الإسلامي، وعدّوا استخدامها كفراً؛ لأنها قد تستخدم في تحريف نصوص القرآن، ومن ثم تأخر العالم الإسلامي، في استخدام هذا الاختراع لأكثر من قرنين من الزمان، حتى أصدر "شيخ الإسلام" فتواه بالإباحة، ومن ثم كان على العالم الإسلامي، أن يتقبل اليوم تأخره عن العالم الغربي في استخدام الاختراع الأكثر ثورية في القرون الوسطى بقرنين من الزمان، لمجرد أنّ الفقهاء كان لهم رأي آخر في الاختراع.

رجال الدين في الدولة العثمانية قد حرّموا دخول آلة الطباعة وعدّوا استخدامها كفراً لأنها قد تستخدم لتحريف القرآن

على جانب آخر، توجد بعض الروايات التاريخية التي تنفي أن يكون الأمر عائداً بالأساس إلى سلطة رجال الدين؛ حيث تذكر هذه الروايات التاريخية أنّ يهود إسطنبول كان قد سمح لهم منذ وقت بعيد جداً، وبعد اختراع آلة الطباعة بوقت قصير، أن يستخدموها لخدمة المجتمع اليهودي في الدولة العثمانية، منذ عام 1493؛ حيث أنشِئت أول مطبعة في العالم الإسلامي بمدينة إسطنبول، ومن ثم يعدّ المستدلين بهذا الأمر أنّ تأخر استخدام الطباعة بين المسلمين في الدولة العثمانية، وفي سياق الدولة، لم يكن لأسباب متعلقة بسلطة الدين ورجاله، وإنما تتعلق، بشكل أساسي بأهواء فنية؛ فالقارئ المسلم في الدولة العثمانية، كان عاشقاً للخطّ العربي المرسوم، ولا يستمتع بقراءة أوراق مطبوعة بالآلة، وهو ما أخّر تبني الدولة لفكرة استدعاء آلة الطباعة، ويُستشهد على ذلك بعدة روايات، تؤكد أنّ التجار الأجانب حين كانوا يحاولون بيع كتب مطبوعة بالطريقة الحديثة، لم يجدوا مهتمين بالشكل الكافي في العالم الإسلامي لشراء تلك الكتب.

اقرأ أيضاً: الطباعة في الأردن وفلسطين.. استجابة نخبوية للإصلاح

وسواء كنتَ أميل إلى أنّ التأخر في استخدام هذا الاختراع الثوري في العالم الإسلامي يعود إلى سلطة رجال الدين الذين حرموه لوقت طويل، حتى ظهر السلاطين الذين تبنوا الإصلاحات الأوروبية، أو كنتَ أميل للاقتناع بأنّ الذوق الفني للقرّاء هو السبب، أو كنتَ ترى أنّ السبب أعمق من هذا وذاك، ويعود إلى طبيعة السياق الاجتماعي الاقتصادي للدولة والمجتمع في العالم الإسلامي آنذاك، فالمؤكد أنّ دخول آلة الطباعة للمسلمين قد تأخر كثيراً، وأنّ هذا قد أثر بأشكال كثيرة في واقعك الحالي، أما ما يغيب عن الكثيرين؛ أنّه في رحلة التعامل في العالم الإسلامي مع آلة الطابعة كان هناك اسم عربي غائب عن أغلب الأذهان، هو اسم عبد الله الزاخر الذي شارك في قيام مطبعة مبكرة في الدولة العثمانية، كانت الأولى التي تطبع الكلمة العربية، قبل عام 1727 بأعوام.

شارك زاخر بقيام مطبعة هي الأولى التي تطبع الكلمة العربية قبل عام 1727 بأعوام "تعبيرية"

عبد الله زاخر صاحب الفضل في أول حرف مطبوع بلغة الضاد

ارتبط اسمه بالحدث التاريخي ربما الأبرز، عام 1706، حيث أسس أول مطبعة في العالم الإسلامي تطبع الكتب باللغة العربية في حلب، ثم أسس بعد خلاف مع شريكه فيها "البطريرك أثاناسيوس الثالث الدباس"، مطبعة أخرى شهيرة حملت اسم "دير شوير" عام 1734.

عبد الله الزاخر؛ مترجم، ينتمي إلى التيار المعروف باسم "النهضويون العرب"، وهو في الأصل شماس مسيحي، ولد في حلب عام 1684، وقد صنع المكابس والحروف في مطبعته بيده، وكان محباً للعلوم والمعارف.

اقرأ أيضاً: النشر في تونس.. نضال الكلمة والتنوير

لم يكن طريق عبد الله مفروشاً بالورود، على كل حال، كأحد رجال ما سمّي لاحقاً "النهضة العربية"، فيكفي القول إنّه تعرض لفرمان همايوني بقطع رأسه في حلب، قبل أن يلجأ إلى بلاد الأرز، ولم يسلم طيلة الوقت من المضايقات والاضطهادات، لكنه لم يكف عن الترجمة، أو عن تأليف المطبوعات الفلسفية واللاهوتية.

اسم عبدالله زاخر؛ الذي ربما يكون قد طواه النسيان في العديد من المناطق العربية، سيظل شاهداً على فترة ذهبية عاشتها حلب، كثر فيها طلاب العلوم المختلفة من المنطق والرياضيات والفقه وغيرهم، إلى درجة جعلت فكرة وجود الطابعة أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال؛ فهي المدينة التي سبقت مقرّ الخلافة العثمانية بأعوام في استخدام الحروف العربية في الطباعة، ومهما كان من نسيان لهذا الأمر، ستظلّ حلب، وسيظلّ عبد الله زاخر، صاحبا الفضل في إهداء المنطقة العربية أول حرف مطبوع بلغة الضاد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: