تمدد تركيا عسكرياً في آسيا الوسطى... هل تكون قادرة على مزاحمة النفوذ الروسي؟

تمدد تركيا عسكرياً في آسيا الوسطى... هل تكون قادرة على مزاحمة النفوذ الروسي؟

مشاهدة

24/08/2021

تحتلّ آسيا الوسطى موقعاً استراتيجياً في قلب قارة آسيا، إذ تتقاطع فيها مصالح حيوية لدول وتكتلات كبرى، من روسيا والصين، إلى الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيران، وتركيا، بما في ذلك من مصالح في مجالات الطاقة، والاقتصاد، والسياسة، والأمن.

وبينما تتمسك روسيا بالهيمنة والتفوّق في النفوذ على المستوى العسكري والأمني في المنطقة، وتتغاضى عن التمدد الاقتصادي الصيني، فإنّ منافساً جديداً، هي تركيا، أخذ يبرز حضورها ونفوذها مؤخراً في المنطقة، مسنوداً بعوامل عدّة، من المشتركات الثقافية والعرقية، إلى الدعم الدولي، ما زاد من وتيرة وحدّة المواجهة بين النفوذين في المنطقة.

النفوذ العسكري الروسي... هيمنة مستمرة

تعتبر دول آسيا الوسطى من أهم مناطق النفوذ الروسي، فمنذ تفكّك الاتحاد السوفييتي، انضمّ معظمها إلى معاهدة الأمن الجماعي، التي وقعت في أيار (مايو) من عام 1992، وانضمت إليها منذ تأسيسها كل من روسيا، وأرمينيا، وكازاخستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وأوزباكستان. ومن ثم في عام 2002 وافقت الدول الـ6 على تأسيس "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" لتكون بمثابة تحالف عسكري، ومن خلال هذه المنظمة، تنظّم روسيا علاقاتها مع جيوش الدول الأعضاء.

بوتين يتوسط رؤساء دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي عقب اجتماع في كازاخستان (2018)

وتنظر روسيا لمنطقة آسيا الوسطى باعتبارها فناءها الخلفي الاستراتيجي، مع اعتبار أنّ نفوذها العسكري في المنطقة لا يمكن أن يكون بحال محلّ جدال ونظر، وذلك باعتبار كون دول آسيا الوسطى هي المنطلق المحتمل لأي قوى راغبة في استهداف أمن روسيا القومي، الأمر الذي يتطلب حضوراً عسكرياً وأمنياً فاعلاً بشكل دائم في هذه الدول.

وتتنوع أشكال دعم روسيا لجيوش دول آسيا الوسطى، ما بين بيع الأسلحة والمناورات العسكرية المشتركة، وبرامج التدريب العسكري المشترك. وتشير التقديرات إلى استحواذ روسيا على ما نسبته 62% من سوق مبيعات الأسلحة في آسيا الوسطى على مدى الأعوام (2015-2019)، بحسب دراسة منشورة لمعهد وودرو ويلسون.

تشير التقديرات إلى استحواذ روسيا على ما نسبته 62% من سوق مبيعات الأسلحة في آسيا الوسطى على مدى الأعوام (2015-2019)

ووفقاً لبيانات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، فقد باعت روسيا ما قيمته (3.8) مليار دولار من الأسلحة إلى آسيا الوسطى منذ عام 1991 حتى عام 2019، وكانت الحصة الأكبر منها، نحو (2.3) مليار دولار، من نصيب كازاخستان وحدها. مع تقديرات بتوريد روسيا أكثر من 80% من الأسلحة المستوردة من قبل كل من كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان.

وعلى صعيد التدريب العسكري، يشكّل الكازاخيون حوالي ثلث الضباط الأجانب المتدربين في الأكاديميات العسكرية الروسية، مع تقديرات تشير إلى تلقي أكثر من نصف الجيش الكازاخستاني الحالي تدريبات في روسيا. ومن طاجكستان، تتحدث مصادر روسية، عن وجود أكثر من (1500) متدرب في المدارس العسكرية الروسية، يتدربون على تشغيل أنظمة الأسلحة الروسية الجديدة في طاجكستان، مثل نظام الصواريخ الدفاعية (S-300)، واعتباراً من عام 2014، يتخرج سنوياً قرابة 70% من ضباط قوات العمليات الخاصة الطاجيكية في المعاهد العسكرية الروسية.

جانب من صورة جوية للقاعدة العسكرية الصينية في طاجيكستان

وعلى مستوى الوجود العسكري الروسي في دول آسيا الوسطى، فإنّ روسيا تحتفظ ببنية تحتية عسكرية في 3 جمهوريات، أهمها القاعدة العسكرية في طاجيكستان (التي يتواجد فيها الفوج العسكري الروسي رقم 201)، والتي تضم أكثر من 7 آلاف جندي روسي، وهناك قاعدة جوية في قرغيزستان، وقد جرى تجديد توقيع معاهدة الوجود العسكري الروسي في طاجيكستان في 2012 لمدة 30 عاماً، حتى عام 2042، وفي كازاخستان، توجد محطة "بلخاش" للرادار، ومركز "بايكونور" الفضائي الروسي.

النفوذ الصيني... تصاعد بطيء

على مدى 3 عقود حافظت روسيا على موقع الضامن الأمني والقوة المهيمنة في منطقة آسيا الوسطى، مع السماح للصين بالتمدد على صعيد الاستثمارات والتبادل التجاري والشراكات الاقتصادية مع دول المنطقة، إلا أنه مع استمرار الصين في الصعود والتمدد الاقتصادي، فإنّ حماية وتأمين مصالحها في المنطقة تقتضي تصاعداً على مستوى الحضور الأمني والعسكري كذلك، وهو ما قد بدأ بالفعل، فقد باتت الصين تؤدي دوراً نشطاً بشكل متزايد وتوسّع حضورها في المجالَيْن الأمني والعسكري.

ووفقاً لبيانات معهد ستوكهولم، فإنّه منذ عام 2000 حتى 2019، صدّرت الصين ما قيمته (444) مليون دولار من الأسلحة إلى عموم دول آسيا الوسطى، مع كون 97% من هذه المبيعات حصل بعد عام 2014. وكمؤشر على هذا الصعود، فإنه بين 2016 و2020، زادت الصين حصتها من واردات الأسلحة إلى طاجيكستان إلى 18%، مقارنة بنسبة 1.5% فقط بين 2010-2014، وشيّدت عام 2019 منشأة عسكرية - غير معلن عنها - فيها (لتكون ثاني قاعدة عسكرية صينية خارج الصين)، وتعهّدت بدعم أنشطة حماية الحدود في المنطقة الحدودية قرب أفغانستان بمرافق ومعدات عسكرية.

جندي أمريكي ومن خلفه طائرة أمريكية في مطار ماناس قبل أن تنسحب القوات الأمريكية منه في العام 2015

وعلى مستوى آخر، ساهمت الصين في افتتاح قسم جديد في جامعة الدفاع بكازاخستان، عام 2016، وفي العام نفسه تعاونت أكاديمية الشرطة الجنائية الصينية مع كازاخستان في سلسلة من الدورات التدريبية في مجال مكافحة المخدرات. وعقدت أكاديمية وزارة الداخلية الأوزبكية وجامعة الأمن العام الشعبية في الصين شراكة رسمية منذ أيار (مايو) 2017، ومنذ ذلك الحين، استضافت الصين (213) موظفاً أوزبكياً من وزارة الداخلية في دورات إحاطة أمنية حول مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات.

الحضور الأمريكي... انحسار وتراجع

تكتسب منطقة آسيا الوسطى أهمية كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نظراً لموقعها الجغرافي بين أكبر قوتين منافستين لها: روسيا، والصين، وعلى مدار نحو عقدين بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ظلّت محاولات التمدد الأمريكي فيها متعثرة بسبب استحكام القبضة الروسية فيها، إلا أنه بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وما أعقبها من شنّ الحرب الأمريكية على أفغانستان، بادرت للحضور عسكرياً في المنطقة بسبب ما اقتضته عملياتها العسكرية في أفغانستان.

في عام 1993 وقعت تركيا اتفاقات للتدريب العسكري مع كل من أوزبكستان، وقرغيزستان، وتركمانستان

حصلت الولايات المتحدة في حينها - وبرضا وتنسيق أوزبكي مع الروس - على تسهيلات لاستخدام مطار "خان أباد" العسكري جنوب أوزبكستان، لكنّ هذا الحضور لم يدم طويلاً، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، أخلى الجنود الأمريكيون المطار، بعدما منحت أوزبكستان في تموز (يوليو) 2005 الولايات المتحدة مهلة لمدة 6 أشهر من أجل الإخلاء، وذلك إثر انتقادات أمريكية للسلطات الأوزبكية، أعقبت قمع انتفاضة "أنديجان" (شرق أوزبكستان) في أيار (مايو) 2005، وانتقلت القوات الأمريكية من هناك إلى مطار "ماناس"، قرب بشكيك عاصمة قرغيزستان. وبالإضافة إلى القوات الجوية وصل إلى قيرغيزستان بالتزامن مع انطلاق العمليات العسكرية في أفغانستان أكثر من 5 آلاف جندي أمريكي، وفي عام 2015، وبإيعاز وضغط من روسيا، طلبت قيرغيزستان من الولايات المتحدة الأمريكية إنهاء وجودها العسكري بشكل كامل في البلاد، وهو ما تمّ فعلاً.

يزداد الحديث عن توجه كازاخستان لاقتناء طائرات بيرقدار التركية

وتزامن هذا الانسحاب الأمريكي الكامل من آسيا الوسطى مع القرار الأمريكي بالاتجاه نحو مغادرة أفغانستان، وبالتالي تراجع الاهتمام بالتواجد في آسيا الوسطى، باعتبار انتفاء الحاجة لدعم وإسناد العمليات العسكرية بأفغانستان.

النفوذ التركي... تحديات وفرص متزايدة

إذا كانت تركيا تعتمد في تمددها بالمنطقة العربية على الخطاب المستند لاستحضار التاريخ الإسلامي والتركيز على المشترك الإسلامي، فإنها تعتمد في آسيا الوسطى على القومية التركية بشكل صريح، حيث يكون الخطاب متمحوراً حول تحقيق "الوحدة التركية"، والتمسّك بالعامل العرقي، وتعزيز الثقافة المشتركة بين الشعوب الناطقة باللغات التركية.

لم يقتصر التمدد التركي في آسيا الوسطى على الجوانب الاقتصادية والثقافية فقط، بل امتد أيضاً إلى المجالات الأمنية والعسكرية، وهو ما تعود بداياته إلى الأعوام الأولى التالية لتفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى، ففي عام 1993 وقعت تركيا اتفاقات للتدريب العسكري مع كل من أوزبكستان، وقرغيزستان، وتركمانستان، وفي عام 1994 مع كازاخستان. ويُعدّ التدريب العسكري إحدى الوسائل الأساسية لكسب النفوذ العسكري بين دول المنطقة، وعلى مستوى التصنيع العسكري المشترك، بدأت كازاخستان وتركيا في عام 2013 بتصنيع المنتجات العسكرية في مجال الإلكترونيات الضوئية والراديوية.

ومؤخراً نمت مكانة الأسلحة التركية والاهتمام بها بشكل كبير، وخاصة بعد الحرب الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا نهاية عام 2020، فقد استخدم الجيش الأذربيجاني خلال الحرب الطائرات بدون طيار التركية، من نوع "بيرقدار"، كما أنّ الجيش الأذربيجاني يمتلك أكبر عدد من الضباط الذين تلقوا تدريباً عسكرياً في تركيا، من بين سائر جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وهو ما زاد من تشجيع دول آسيا الوسطى نحو تعزيز تعاونها العسكري مع تركيا، ففور انتهاء الصراع في إقليم "ناغورنو كاراباخ"، قام وفد عسكري من كازاخستان بزيارة تركيا، وبعدها بفترة وجيزة بدأت تنتشر الأنباء في وسائل الإعلام الكازاخية والرؤية حول احتمال حصول كازاخستان على طائرات "بيرقدار".

كان لتحالف تركيا مع أذربيجان، وما كان له من دور حاسم في تمكينها من الانتصار، نتيجته في مضاعفة وتعزيز سبل وصول تركيا ومدّ نفوذها باتجاه آسيا الوسطى

لقد كان لتحالف تركيا مع أذربيجان، والدعم التركي لأذربيجان، وما كان له من دور حاسم في تمكينها من الانتصار على أرمينيا في حرب "ناغورنو كاراباخ" الأخيرة، نتيجته في مضاعفة وتعزيز سبل وصول تركيا ومدّ نفوذها باتجاه آسيا الوسطى، إذ كان ممّا تقرر عقب انتهاء الحرب ضمان عبور ممر أذربيجاني عبر أراضي أرمينيا، يربط ما بين الجزء الجنوبي من أذربيجان إلى إقليم "ناخيتشيفان" (إقليم أذربيجاني بين أرمينيا وإيران وتركيا) والذي يملك حدوداً مع تركيا، ما يعني منح تركيا مساراً مباشراً إلى بحر قزوين عبر أذربيجان (ومن ثم باتجاه آسيا الوسطى) ممّا يسمح بالتحرر من الاعتماد على إيران.

بالرغم من ذلك تواجه تركيا منافسة حادة من قبل روسيا، التي ما تزال تهيمن على واردات السلاح باتجاه دول آسيا الوسطى، عدا عن هيمنتها في مجال التدريب العسكري المشترك مع هذه الدول، إلى جانب هيمنتها على مستوى الحضور العسكري المباشر، وهو ما زالت تركيا مفتقدة إليه.

إلا أنّ فرص تركيا في مد نفوذها العسكري تتعزز بالنظر إلى تقاطع رؤية تركيا ومصالحها وتوافقها مع استراتيجية الولايات المتحدة والغرب تجاه تلك المنطقة، والتي تنظر إلى الدور التركي في المنطقة باعتباره قادراً على موازنة النفوذين الروسي والصيني والحدّ منهما قدر الإمكان فيها، وهو ما يعني في حالة تطوّره بلورة تنظيم جيوسياسي جديد بالمنطقة يتحدى الأوضاع الراسخة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي قبل 3 عقود، وبالتالي فمن الطبيعي أن تعتبر روسيا وجود تركيا في المنطقة التهديد الأبرز لنفوذها على المدى الطويل.



الصفحة الرئيسية