تمهّل.. لا تنخدع بانطفاء الإخوان المسلمين سياسياً

تمهّل.. لا تنخدع بانطفاء الإخوان المسلمين سياسياً

مشاهدة

17/04/2018

تراجع حضور جماعة الإخوان المسلمين في المشهد السياسي، في أكثر من ساحة عربية، نتيجة عوامل عدة؛ محلية ودولية، ليس هنا مجال لذكرها، لكن هذا التراجع لا يعني انتهاء تأثيرها العميق على مجتمعاتنا؛ فقد تمكنت هذه الجماعة من التغلغل داخل البنية العميقة للمجتمع (المجتمع العميق)، عبر سيطرتها لعقود على مناهج التعليم؛ المدني والديني، استطاعت من خلالها إحداث تغييرات جيوفكرية عميقة داخل العقل الجمعي لمجتمعاتنا؛ حيث أصبح سواده الأعظم، يفكر وينظر للدين والتاريخ، عبر العين والرؤية الإخوانية، ما أدّى إلى وقوعها (أي مجتمعاتنا) في براثن اللاعقلانية واللاتاريخية، غير الواعية لحركة ماضيها وحاضرها، فدخلت بذلك في نفق مظلم من التدين المُتزمِّت، قضى على كلّ مظاهر العقلانية التي أنتجها المفكرون المسلمون عبر التاريخ العربي والإسلامي.

المبالغة في إعلان أفول نجم الإخوان بعد تراجعهم سياسياً هي نظرة قاصرة لم تدرك حجم الضرر الذي أحدثوه في المجتمع

لذلك فالمبالغة في إعلان أفول نجم الإخوان المسلمين بعد تراجعهم سياسياً، وتواريهم عن صدارة مشهد الفعل السياسي، في عدة دول عربية، هي نظرة قاصرة لم تدرك حجم الضرر الذي أحدثته هذه الجماعة في العقل الجمعي للمجتمعات العربية، والدليل على حجم هذا التأثير العميق: ترسُّخ مفاهيم وأطروحات نادت بها جماعة الإخوان المسلمين، ورفعتها كشعارات دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية، نسمعها على لسان الغالبية في مجتمعنا، فلو تحاورنا مع أيّ فرد من أفراده حول أيّة قضية أو مسألة، على سبيل المثال لا الحصر؛ الدولة، حقوق المواطنة، حقوق الأقليات، الحرية الدينية، المرأة، الديمقراطية، ...إلخ، لوجدنا أنّ هذا الفرد يفكر من خلال عقل مُغلق، وَمُنغلق على ذاته، صادحاً بكلّ ديماغوجية، ودون وعي منه، بشعارات الجماعة وأطروحاتها، وسردياتها اللاتاريخية، وهذا التأثير تغلغل عبر عقود من السيطرة الإخوانية على مناهج وإدارات التربية المدرسية، والجامعية، والدينية، والمجتمعية، بحيث شكَل ثقافة دينية عامة ومؤدلجة لدى المجتمع، حتى اعتقد أنّها هي الدين؛ بل وصحيحه الواجب الاتباع!

إذن ما العمل؟

المطلوب ألّا ننخدع بانطفاء الإخوان سياسياً؛ بل علينا أن نواصل الحفر المعرفي العميق على جذور الحقول التي زرعها الإخوان، وتفكيك منظومتهم الفكرية التي شيدوها داخل بنية العقل العربي المسلم، ومن ثم اقتلاعها منه، وذلك لن يتم إلّا بإحلال منظومة فكرية جديدة، يتم تضمينها في المناهج التربوية للتعليم المدرسي والجامعي، تحمل في طياتها أسس خطاب فكروي إنساني ينبذ الكراهية والتعصب الديني، ويدعو إلى كرامة الفرد الحرّ، في تدينه وإيمانه، دون إكراه من أية جهة  سلطوية كانت.

إن لم ننجح في تفكيك خطاب جماعة الإخوان وحلفائها من الجماعات الإسلاموية، ستبقى مجتمعاتنا تعاني

وتكمن أهمية إعطاء الأولوية للقطاع التربوي في حجم العطب الذي أحدثه الإخوان فيه، بحيث تشكّلت عقول عدة أجيال في عالمنا العربي والإسلامي على صورة العقل الدوغمائي للإخوان، لا فرق بين الأستاذ الجامعي والإنسان البسيط، فكلاهما يفكران تجاه أية قضية دينية، أو دنيوية، بالمنظور والرؤية نفسهما. وعليه؛ إن لم ننجح في تفكيك خطاب جماعة الإخوان وحلفائها من الجماعات الإسلاموية، ستبقى مجتمعاتنا تعاني من أيديولوجية الإخوان المسلمين التي تعادي الحياة من أجل أوهامها وخرافاتها.

كما يجب العمل على تحرير خطاب المؤسسات الدينية الرسمية، وشبه الرسمية، من خطاب الإخوان، المتمثل في تسييس الدين وتديين السياسة، بحيث يتم تخليص المجتمع من التوظيف الديني للأغراض السياسوية؛ فالدولة هنا تحمي الجميع، وترعى حق الجميع في التدين، دون أن تتعاطى هي الدين، أو أن تلتمس شرعيتها منه، فالشرعية تستمد من العقد الاجتماعي، ورضى وإسعاد الناس، دون الاستناد لمرجعيات تاريخية، أو فوق أرضية.

الصفحة الرئيسية