توسع تركي على حساب الاقتصاد التونسي المنهك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
42122
عدد القراءات

2018-07-17

حققت العلاقات التونسية التركية تنامياً ملحوظاً بعد الثورة، بمباركة حركة النهضة التي تربطها صلات كبيرة بتركيا وبحزب العدالة والتنمية، وبتحفظ المعارضة وانتقادها لتضخم هذه العلاقة وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد الوطني خصوصاً.

تونس بوابة أفريقيا

وتحرص تركيا على توطيد علاقاتها بتونس لأسباب متعددة، فهي تمثل بوابة لأفريقيا عامة وللمغرب العربي خاصة من حيث موقعها الجيوإستراتيجي، وفق ما صرح به السفير التركي في تونس، عمر فاروق دوغان، في شباط (فبراير) الماضي لوكالة الأناضول. فـ"رغم أنّ تونس تعد 11 مليون ساكن، فهي تهمّ 60 مليون في خطوة أولى بالنظر إلى وضع ليبيا وموقع الجزائر".

السفير التركي بتونس، دوغان: تونس هي البوابة الطبيعية لأفريقيا

وتابع دوغان أنّ "تونس هي البوابة الطبيعية لأفريقيا، تهم 60 مليون نسمة في مستوى أول (تونس والجزائر وليبيا) وفي مجمل الأمر، تونس تهم 1.2 مليار مواطن أفريقي".

ومنذ الثورة كثف حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى الحكم في 2002، حضوره في تونس من خلال زيارات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أدى ثلاث زيارات منهما اثنتان لما كان رئيس وزراء؛ الأولى في أيلول (سبتمبر) 2011 في إطار دعم العلاقات الثنائية ومساندة ثورات الربيع العربي، والثانية في حزيران (يونيو) 2013.. أما آخرها فقد كانت في نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي بصفته رئيساً.

اقرأ أيضاً: ولاء قادة "النهضة" لتونس أم تركيا؟

وأدى أردوغان هذه الزيارة الرسمية إلى تونس لأول مرة بوصفه رئيساً، بطلب من نظيره الباجي قائد السبسي، في إطار انفتاح تونس في سياستها الخارجية على أفريقيا وآسيا، بعد أن كانت مرتبطة بالاتحاد الأوروبي فقط، للبحث عن شراكات وأسواق جديدة ومجالات استثمار تخفف وطأة الانسداد الاقتصادي وتحد من تضخم نسب البطالة ورفع مستوى العيش، وهو ما عبر عنه بلاغ الرئاسة التونسية آنذاك، لافتاً إلى "الإرادة المشتركة للجانبين التونسي والتركي لدعم علاقات التعاون الثنائي وتنويع مجالاتها، وتعزيز التشاور السياسي بين البلدين، والتباحث في المسائل ذات الاهتمام المشترك".

بعد الثورة، كثف "العدالة والتنمية" حضوره في تونس من خلال زيارات أردوغان

عجز الميزان التجاري لحساب تركيا

وخلال الزيارة الأخيرة، وقع الجانبان التونسي والتركي جملة من الاتفاقيات تهم التعاون العسكري وبروتوكول مرتبط بها، يتعلق بتعزيز التعاون بين البلدين في المجال العسكري وخاصة في مجال التكوين، بما سيتيح فرصاً مهمة للتربصات في تركيا. كما تم توقيع اتفاقية تتعلق بحماية وتعزيز الاستثمارات بين البلدين، وهي تعد مهمة بالنسبة إلى تونس باعتبارها ستساهم في دفع الاستثمار التركي في تونس والشراكة بين البلدين، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم في مجال التعاون البيئي.

وتأتي هذه الاتفاقيات لدعم اتفاقية التجارة الحرة بين تونس وتركيا التي تم توقيعها في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، ودخلت حيّز التنفيذ في الأول من حزيران (يونيو) 2005، وكان هدفها آنذاك إيجاد منطقة تجارة حرّة بين الطرفين، وامتازت هذه الاتفاقية بإعفاء جميع المنتجات الصناعية من الرسوم الجمركية بالكامل، فضلاً عن بعض المنتجات الزراعية إلى حدود سقف معين على غرار التمور.

تحرص تركيا على توطيد علاقاتها بتونس لأنها تمثل بوابة لأفريقيا عامة وللمغرب العربي من حيث موقعها الجيوإستراتيجي

ووفق أرقام رسميّة تعود للعام 2015، فإنّ حجم الاستثمارات التركية فاقت 210 ملايين دولار أمريكي، فيما بلغ التّبادل التجاري بين البلدين 992 مليون دولار في مجالات مختلفة؛ منها الأغذية والنّسيج والملابس الجاهزية والأحذية وأعمال البناء.

وخلال زيارة لوزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، إلى تونس، في تموز (يوليو) 2017، أعلن وزير الصناعة التونسي السابق زياد العذاري، أنّ قيمة العجز التجاري المسجّل مع تركيا بلغ 595 مليون دولار.

ووفق تصريحات إعلامية سابقة لسفير تركيا لدى تونس، عمر فاروق دوغان، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام 2016 نحو مليار دولار؛ منها 240 مليون دولار صادرات تونسية و760 مليون دولار تركية.

انتقادات وحملات مقاطعة

هذا الأمر جعل الحكومة التونسية تفرض رسوماً جمركية على 90 في المائة من السلع التركية، "ضمن مشروع قانون المالية للحد من اختلال المبادلات بين البلدين لسنة 2018"، بعد انتقادات واسعة ومطالبات بمقاطعة السلع التركية التي يرى قطاع واسع من السياسيين والمواطنين في تونس أنه أضر بالصناعات المحلية وأغرق السوق التونسية بالسلع التركية الموردة أمام عجز تونسي عن منافستها.

يوجه تونسيون انتقادات واسعة لتركيا ممثلة في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يدعم حركة النهضة ويتعاطف معها

وأطلق ناشطون تونسيون في نيسان (أبريل) الماضي حملة لمقاطعة البضائع التركية المعروضة في تونس إثر عرض ماء معدني تركي في الأماكن التجارية الكبرى بتونس، ما اعتبروه تكريساً لتقليص حظوظ المنتجات المحلية التونسية.

وتحضر تركيا بقوة في المجال الثقافي من خلال مسلسلاتها المدبلجة التي تقبل عليها بعض القنوات التونسية الخاصة والتي تلقى نسب مشاهدة مرتفعة، ويظهر أثرها حتى في أزياء التونسيات خصوصاً "الحجاب التركي".

ويوجه تونسيون انتقادات واسعة لتركيا ممثلة في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يدعم حركة النهضة ويتعاطف معها منذ صعودها إلى سدة الحكم غداة الثورة، ما يطرح نية واضحة لأخونة تونس، وفق مراقبين.

أثارت برمجة تدريس اللغة التركية بالمعاهد الثانوية التونسية جدلاً واسعاً

الثقافة مدخلاً للاختراق

وإذا كانت الثقافة تمثل مدخلاً مهماً لاختراق الشعوب، فإنّ تركيا تدرك هذا الجانب وتستغله للتغلغل في المجتمع التونسي.

وأثارت برمجة تدريس اللغة التركية في المعاهد الثانوية التونسية جدلاً وانتقادات واسعة وجهت لوزير التربية آنذاك عبد اللطيف عبيد في حكومة الترويكا. وبدأ تدريسها مادة اختيارية ابتداء من السنة الدراسية 2012/2013، وبرر وزير التربية آنذاك هذا القرار بأنّ اللغة التركية لغة حية وعصرية، وأنّ تدريسها يدخل في إطار مزيد من الانفتاح على الشعوب.

اقرأ أيضاً: أردوغان يستفز التونسيين برفعه شعار "رابعة"

وتبدو العلاقات التونسية التركية في الظاهر تجارية اقتصادية بالأساس، غير أنّ حرص تركيا على التغلغل في المجتمع التونسي، معتمدة القروض والهبات والشراكات الاقتصادية وبعث المؤسسات الصناعية والتجارية، يعكس التوجهات الأعمق لتركيا في تونس، وهو أمر مايزال يثير جدلاً واسعاً خصوصاً أمام إصرار الحكومة التونسية التي يتزعمها حزب حركة نداء تونس على مواصلة الطريق نفسه وتدعيمه تحت إكراهات اقتصادية ومعيشية قاسية.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



توسع تركي على حساب الاقتصاد التونسي المنهك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
عدد القراءات

2018-07-17

حققت العلاقات التونسية التركية تنامياً ملحوظاً بعد الثورة، بمباركة حركة النهضة التي تربطها صلات كبيرة بتركيا وبحزب العدالة والتنمية، وبتحفظ المعارضة وانتقادها لتضخم هذه العلاقة وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد الوطني خصوصاً.

تونس بوابة أفريقيا

وتحرص تركيا على توطيد علاقاتها بتونس لأسباب متعددة، فهي تمثل بوابة لأفريقيا عامة وللمغرب العربي خاصة من حيث موقعها الجيوإستراتيجي، وفق ما صرح به السفير التركي في تونس، عمر فاروق دوغان، في شباط (فبراير) الماضي لوكالة الأناضول. فـ"رغم أنّ تونس تعد 11 مليون ساكن، فهي تهمّ 60 مليون في خطوة أولى بالنظر إلى وضع ليبيا وموقع الجزائر".

السفير التركي بتونس، دوغان: تونس هي البوابة الطبيعية لأفريقيا

وتابع دوغان أنّ "تونس هي البوابة الطبيعية لأفريقيا، تهم 60 مليون نسمة في مستوى أول (تونس والجزائر وليبيا) وفي مجمل الأمر، تونس تهم 1.2 مليار مواطن أفريقي".

ومنذ الثورة كثف حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى الحكم في 2002، حضوره في تونس من خلال زيارات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أدى ثلاث زيارات منهما اثنتان لما كان رئيس وزراء؛ الأولى في أيلول (سبتمبر) 2011 في إطار دعم العلاقات الثنائية ومساندة ثورات الربيع العربي، والثانية في حزيران (يونيو) 2013.. أما آخرها فقد كانت في نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي بصفته رئيساً.

اقرأ أيضاً: ولاء قادة "النهضة" لتونس أم تركيا؟

وأدى أردوغان هذه الزيارة الرسمية إلى تونس لأول مرة بوصفه رئيساً، بطلب من نظيره الباجي قائد السبسي، في إطار انفتاح تونس في سياستها الخارجية على أفريقيا وآسيا، بعد أن كانت مرتبطة بالاتحاد الأوروبي فقط، للبحث عن شراكات وأسواق جديدة ومجالات استثمار تخفف وطأة الانسداد الاقتصادي وتحد من تضخم نسب البطالة ورفع مستوى العيش، وهو ما عبر عنه بلاغ الرئاسة التونسية آنذاك، لافتاً إلى "الإرادة المشتركة للجانبين التونسي والتركي لدعم علاقات التعاون الثنائي وتنويع مجالاتها، وتعزيز التشاور السياسي بين البلدين، والتباحث في المسائل ذات الاهتمام المشترك".

بعد الثورة، كثف "العدالة والتنمية" حضوره في تونس من خلال زيارات أردوغان

عجز الميزان التجاري لحساب تركيا

وخلال الزيارة الأخيرة، وقع الجانبان التونسي والتركي جملة من الاتفاقيات تهم التعاون العسكري وبروتوكول مرتبط بها، يتعلق بتعزيز التعاون بين البلدين في المجال العسكري وخاصة في مجال التكوين، بما سيتيح فرصاً مهمة للتربصات في تركيا. كما تم توقيع اتفاقية تتعلق بحماية وتعزيز الاستثمارات بين البلدين، وهي تعد مهمة بالنسبة إلى تونس باعتبارها ستساهم في دفع الاستثمار التركي في تونس والشراكة بين البلدين، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم في مجال التعاون البيئي.

وتأتي هذه الاتفاقيات لدعم اتفاقية التجارة الحرة بين تونس وتركيا التي تم توقيعها في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، ودخلت حيّز التنفيذ في الأول من حزيران (يونيو) 2005، وكان هدفها آنذاك إيجاد منطقة تجارة حرّة بين الطرفين، وامتازت هذه الاتفاقية بإعفاء جميع المنتجات الصناعية من الرسوم الجمركية بالكامل، فضلاً عن بعض المنتجات الزراعية إلى حدود سقف معين على غرار التمور.

تحرص تركيا على توطيد علاقاتها بتونس لأنها تمثل بوابة لأفريقيا عامة وللمغرب العربي من حيث موقعها الجيوإستراتيجي

ووفق أرقام رسميّة تعود للعام 2015، فإنّ حجم الاستثمارات التركية فاقت 210 ملايين دولار أمريكي، فيما بلغ التّبادل التجاري بين البلدين 992 مليون دولار في مجالات مختلفة؛ منها الأغذية والنّسيج والملابس الجاهزية والأحذية وأعمال البناء.

وخلال زيارة لوزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، إلى تونس، في تموز (يوليو) 2017، أعلن وزير الصناعة التونسي السابق زياد العذاري، أنّ قيمة العجز التجاري المسجّل مع تركيا بلغ 595 مليون دولار.

ووفق تصريحات إعلامية سابقة لسفير تركيا لدى تونس، عمر فاروق دوغان، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام 2016 نحو مليار دولار؛ منها 240 مليون دولار صادرات تونسية و760 مليون دولار تركية.

انتقادات وحملات مقاطعة

هذا الأمر جعل الحكومة التونسية تفرض رسوماً جمركية على 90 في المائة من السلع التركية، "ضمن مشروع قانون المالية للحد من اختلال المبادلات بين البلدين لسنة 2018"، بعد انتقادات واسعة ومطالبات بمقاطعة السلع التركية التي يرى قطاع واسع من السياسيين والمواطنين في تونس أنه أضر بالصناعات المحلية وأغرق السوق التونسية بالسلع التركية الموردة أمام عجز تونسي عن منافستها.

يوجه تونسيون انتقادات واسعة لتركيا ممثلة في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يدعم حركة النهضة ويتعاطف معها

وأطلق ناشطون تونسيون في نيسان (أبريل) الماضي حملة لمقاطعة البضائع التركية المعروضة في تونس إثر عرض ماء معدني تركي في الأماكن التجارية الكبرى بتونس، ما اعتبروه تكريساً لتقليص حظوظ المنتجات المحلية التونسية.

وتحضر تركيا بقوة في المجال الثقافي من خلال مسلسلاتها المدبلجة التي تقبل عليها بعض القنوات التونسية الخاصة والتي تلقى نسب مشاهدة مرتفعة، ويظهر أثرها حتى في أزياء التونسيات خصوصاً "الحجاب التركي".

ويوجه تونسيون انتقادات واسعة لتركيا ممثلة في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يدعم حركة النهضة ويتعاطف معها منذ صعودها إلى سدة الحكم غداة الثورة، ما يطرح نية واضحة لأخونة تونس، وفق مراقبين.

أثارت برمجة تدريس اللغة التركية بالمعاهد الثانوية التونسية جدلاً واسعاً

الثقافة مدخلاً للاختراق

وإذا كانت الثقافة تمثل مدخلاً مهماً لاختراق الشعوب، فإنّ تركيا تدرك هذا الجانب وتستغله للتغلغل في المجتمع التونسي.

وأثارت برمجة تدريس اللغة التركية في المعاهد الثانوية التونسية جدلاً وانتقادات واسعة وجهت لوزير التربية آنذاك عبد اللطيف عبيد في حكومة الترويكا. وبدأ تدريسها مادة اختيارية ابتداء من السنة الدراسية 2012/2013، وبرر وزير التربية آنذاك هذا القرار بأنّ اللغة التركية لغة حية وعصرية، وأنّ تدريسها يدخل في إطار مزيد من الانفتاح على الشعوب.

اقرأ أيضاً: أردوغان يستفز التونسيين برفعه شعار "رابعة"

وتبدو العلاقات التونسية التركية في الظاهر تجارية اقتصادية بالأساس، غير أنّ حرص تركيا على التغلغل في المجتمع التونسي، معتمدة القروض والهبات والشراكات الاقتصادية وبعث المؤسسات الصناعية والتجارية، يعكس التوجهات الأعمق لتركيا في تونس، وهو أمر مايزال يثير جدلاً واسعاً خصوصاً أمام إصرار الحكومة التونسية التي يتزعمها حزب حركة نداء تونس على مواصلة الطريق نفسه وتدعيمه تحت إكراهات اقتصادية ومعيشية قاسية.