تونس بين الإصلاح والتطهير

تونس بين الإصلاح والتطهير

مشاهدة

10/10/2021

الهاشمي نويرة

عرفت تونس بعد 14 يناير من العام 2011 حراكاً سياسياً كبيراً حاول في بداياته أن يكون مؤسّساً على أنساق فكرية مختلفة، ولكنّه تبيّن بالتدريج أنّ السياسات والمصالح والصراع على السلطة طغت على صراع الأفكار وعلى الرغبة في الوصول إلى نسق قيمي مشترك يؤسّس لعقد اجتماعي وسياسي جديد ولمجتمع ديمقراطي تعدّدي ولمنوال تنمية تتصالح بفضله كلّ مكوّنات المجتمع.

وقد يكون هذا الانزلاق نحو الصراع المحموم على السلطة مردّه أنّ التحوّلات الكبرى التي شهدتها تونس بعد العام 2011 لم تكن مسبوقة بحراك فكري فعلي يفتح مجالات كبرى لإصلاح فعلي في شتّى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع تقدّم السنوات كثرت الانزلاقات وبدأ المجتمع التونسي يفقد حصانته التي اكتسبها بفضل نظام تعليمي حديث، لعب دور المصعد الاجتماعي وساهم بشكلٍ واضح في البدء بتركيز الدولة الوطنية التي تقوم على مفهوم المواطنة، وبدل أن يترسّخ مفهوم المواطنة وقع تهميش كلّ الوسائط التي يمارس من خلالها التونسي حقّه في تسيير ومواكبة تسيير الشّأن العام، ومن ذلك ابتذال الأحزاب والجمعيات والمؤسّسات، ووقع استغلال فشل الدولة في تحقيق ما مِنْ شأنه أن يوفّر الحرية والكرامة للفرد، من أجل تطوير حراك «شعبي» للإيهام بأنّ السلطة أضحت للشّعب يمارسها بشكل مباشر، ولم يعد بالتالي هذا الشعب مجرّد مصدر للسلطات بل أصبح ممارساً فعلياً لها.

إنّ التاريخ علّمنا أنّ مثل هذا التمشّي قاد ويقود إلى كلّ أشكال الاستبداد والتعسّف، وهو يفتح باسم «إرادة الشعب» مجالات مسمومة تسلّل منها كلّ الذين تمكّن منهم هوس السلطة والتسلّط لأنّه تمشّ يستند إلى حقيقة مطلقة، وهي أنّ الحقيقة هي ما يراه الشعب كذلك، وهو تمشّ يستند أيضاً إلى قراءة واحدة للواقع مفادها أنّ المرحلة ثورية ويجب الرضوخ لأحكامها.

وأمّا أهمّ المسلّمات التي ينطلق منها هذا التمشّي فهي أنّ الدولة يمكن أن تكون محايدة، خصوصاً إذا كان الماسكون بزمامها يتمتّعون بشكل من «النقاوة الثورية» التي يطالب بها «الشّعب الثائر».

ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ كلّ التجارب التي قامت على هذه الأساسات كان الفشل المحتوم مصيرها، لأنّ ثالوث المسلّمات الذي استندت إليه لا يستقيم ولا تؤيّده مجريات التاريخ، فلا الشّعب هو متجانس في الموقف والموقع حتّى يكون مصدراً لحقيقة مطلقة وواحدة، ولا المرحلة هي بالضرورة مرحلة ثورية، ولا الدولة هي محايدة مهما حاولت، فضلاً عن كون التجربة التونسية أثبتت أنّ هذا التمشّي لا يتوافق مع تاريخ ومزاجية الشّعب التونسي.

إنّ الإصرار على الطابع الثوري لما جرى في تونس سنة 2011 فتح باباً لكلّ الانحرافات التي حدثت لاحقاً سواء كان ذلك بتوظيف مقيت للدين من طرف جماعات الإسلام السياسي وتحديداً النهضة الإخوانية أم من طرف المتشبّهين باليسار ومن المؤمنين بالثورة الدائمة أم من التيّارات الشعبوية قديمها وجديدها.

وإنّ بداية الانهيار، كانت مرتبطة بتحويل «النهضة الإخوانية»، باقي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني - باستثناء من صمد منها - إلى دكاكين لتحصيل المواقع والمنافع.

وقمّة الانهيار، ستكون مع محاولة القضاء على هذه الأحزاب والمنظمات في إطار سياسة «التطهير» التي تُطبق دون أيّ مشاركة سياسية، وذلك لهاجس المحافظة على «حيادية العملية» و«نقاوتها»، إنّ ما لا يجب إغفاله هو أنّ التطهير هو عمل أشخاص لهم مصالحهم مهما كانت «نقاوتهم الثورية»، فضلاً عن كونه حاملاً لشحنة استئصالية وراديكالية تقطع سبيل الإصلاح الذي هو الأصل في الموروث التونسي.

وبالتالي فإنّه من الخطأ الاعتقاد بأنّه يمكن الذهاب بعيداً في التغيير من جانب واحد دون الوقوع في محظور المزايدات وربّما العنف بما قد يُحْيي الأمل لحركة «النهضة الإخوانية» في العودة إلى مواقعها الأولى، وهو أمر يناقض في العُمْقِ الإرادة الشعبية والمواطنية التي قادت الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى الانخراط في الحركة التصحيحية لـ25 يوليو 2021.

ولذلك، فإنّه لا محيد عن سلك طريق «التشاركية» في تحديد مستقبل البلاد ومن المهمّ في هذا الخصوص التأكيد على أنّ الديمقراطية والمشاركة السياسية والمجتمعية لا يمكن أن تكون من المسائل المؤجّلة، وإنّ نجاح الرئيس التونسي في إحداث نقلة نوعية في الدولة والمجتمع التونسيين يمرّ حتماً عبر إشراك فقط مَنْ آمن ويؤمن بمدنية الدولة والمجتمع وبتفرّد النموذج الحضاري التونسي وبِمَنْ نآى بذاته عن التطرّف والإرهاب وخدمة الأجندات الأجنبية.

وأمّا المرحلة القصوى من الانهيار، فهي الاعتقاد الخاطئ بأنّه يمكن أن نعيش معزولين داخلياً وخارجياً.

إنّ الديمقراطية والتشاركية هي من الآليات الأساسية للعيش الآمن ولإحداث التوازن السياسي والمجتمعي قصد المحافظة على المشترك المتفق عليه داخلياً.

وإنّ الاقتناع بأنّ تونس ليست جزيرة معزولة مكتفية ذاتياً وبذاتها وهي في حاجة لربط جسور التعاون مع الآخر على أساس احترام التزاماتها والأعراف والقوانين الدولية، هو ضروري في هذا العصر الذي نريد أن يحكمه مبدأ التضامن بين الشعوب والأمم.

عن "البيان" الإماراتية

الصفحة الرئيسية