تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال

5654
عدد القراءات

2018-09-03

أجرى الحوار: خالد بشير


قال أستاذ النقد والأدب الإنجليزي د.تيسير أبو عودة إنّه لا يمكن محاكمة صورة المثقف أو تمثيلاته إلا  من خلال علاقته الجدلية بالسلطة والحكومة والجماهير، مؤكداً أنّ "خيانة المثقف" هي خيانة للقيم العالمية التي شكلت جوهر الثورات الإنسانية الكبرى، والتي تصب دوماً في ثالوث: العدالة، والحرية، والمساواة.

مصطلح المثقف تم تسليعه كضرب من الكليشيهات المعرفية التي استهلكها المثقفون المتعاقدون مع الخطاب الرسمي

وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّه لا يمكن أن تهدأ المعركة بين المثقف والسلطة ما دامت تحاول تكميم الأفواه، وتدجين المثقف؛ بل وتغيير دوره؛ الاجتماعي والسياسي، وذهب إلى أنّ كثيراً من الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث؛ عربياً وعالمياً، تحولت في ظل موجات الرأسمالية المتلاحقة إلى حاضنات أيديولوجية، "مما يجعل دور المثقف الجماهيري يشبه دور النبيّ الأعزل أمام جرافات العولمة والخصخصة والليبرالية الجديدة".

والدكتور تيسير أبو عودة، باحث أردني متخصص في الأدب المقارن، وهو أستاذ النقد والأدب الإنجليزي في الجامعة العربية المفتوحة، وحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة إنديانا في بنسلفانيا، في تخصص "أدب ما بعد الاستعمار".

وهنا نصّ الحوار:

استنزاف المثقف

هل ترى أنّ مصطلح المثقف قد استهلك واستنزف دلالته عربياً، خصوصاً مع ظهور وصعود مصطلحات ومسميات أخرى كالكاتب، والباحث، والخبير؟

أعتقد أن مصطلح "مثقف" ليس في أصله عربياً، وإنما هو تراكم معجمي غربي له دلالاته المعرفية، والأخلاقية، والتداولية، والاجتماعية، والسياسية، وكلمة "المثقف" في جوهرها الدلاليّ والمعرفي قد مَرّت بتحولات وتمظهرات سياسية واجتماعية كثيرة، بدءاً بالسياق الفرنسي، الذي تجلّى من خلال وعي جمعي وجماهيري، وخير مثال على هذه الوعي التراكمي صورة المثقف لدى فولتير، وسارتر وفوكو وغيرهم.

يبقى دور المثقف التنويري والمنشق في غاية الأهمية لأنه يشكل ضمير الأمة وبوصلتها الأخلاقية

لقد تنبأ فوكو بأمر في غاية الخطورة وهو استبدال المثقف الخبير والمتخصص بالمثقف العالمي! ثمّة علاقة وطيدة بين المثقف الجماهيري والتنويري والثورة الفرنسية، وما تحمله من قيم محليّة وعالمية كالعدالة والمساواة والحرية. أما في السياق الانجليزي، فالمفارقة تكمن في أن كلمة المثقف أو المفكر تشي بنبرة سخرية لدى الكثيرين حتى القرن العشرين، حسب ريموند وليامز وبرتراند راسل، وربما ارتبطت كثيراً بطبقة برجوازية متواطئة مع السلطة، وتتوارى دائماً خلف برجها العاجي.

أما في السياق العربي، فأعتقد أن مصطلح "المثقف" قد تم تسليعه كضرب من الكليشيهات المعرفية التي استهلكها المثقفون المتعاقدون مع الخطاب الرسمي؛ ثمة هستيريا إعلامية وبروباجاندا يقودها خندق الكتّاب الصحفيين، والخبراء المؤدلجين، والباحثين الذين تحكمهم أيديولوجيا المؤسسات الرسمية، والذين لا يملكون موقفاً أخلاقياً نبيلاً تجاه الجماهير المهمشة، والشعوب المسحوقة والقضايا الإنسانية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: المثقفون العرب الآن: بيانان وزمنان ورهانان

أتفق هنا مع أطروحة المفكر إدوارد سعيد، التي تؤكد أن المثقف المنشق والهاوي، الذي يحمل مشروعاً أخلاقياً، وموقفاً راديكالياً تجاه السلطة بكل أشكالها، لا يمكن مقارنته بالمثقف المحترف، أو المثقف الخبير، الذي يضع خبراته ونتاجه المعرفي تحت تصرّف السلطة، وخير مثال على ذلك برنارد لويس، كبير المستشرقين في العصر الحديث! ورغم أنّ راسل لا يرى أن للمثقف دوراً جوهرياً في صناعة التاريخ وصيرورة معركته مع السلطة، لكنّني أعتقد أنّنا لا نستطيع أن نحاكم صورة المثقف أو تمثيلاته إلا  من خلال علاقته الجدلية بالسلطة والحكومة والجماهير.

رأى سعيد أنّ المثقف "المنشق" الذي يحمل مشروعاً أخلاقياً لا يمكن مقارنته بـ"الخبير"

إلى أيّ حد برأيك تسهم الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية اليوم في الحدّ من دور "المثقف" ورسالته؟

ثمة تناقض مرعب في جسد الثقافة العربية، وهو أنّ من ينتج الثقافة المهيمنة هي المؤسسات الرسمية، والإعلام المؤدلج والجامعات التابعة للسياسات الممنهجة في دول يحكمها نظام شمولي بعيد عن روح الديمقراطية التي تمنح الشعوب إرادة حرة مستوحاة من شرطها الإنساني والمدني، وللأسف فكثير من الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث عربياً وعالمياً قد تحولت لحاضنات أيديولوجية أو ما يسميه تشومسكي بـ"الشركات الأيديولوجية"، مما يجعل دور المثقف الجماهيري يشبه دور النبيّ الأعزل أمام جرافات العولمة والخصخصة والليبرالية الجديدة، وأجندات الحكومات العربية في تهميش المثقف المنشقّ أو المثقف المعارض، من خلال ترويج حراك ثقافي مقنع تترأسه  مجموعة من المثقفين الدُمى، والخبراء والمتخصصين الذين يمارسون "خيانة أخلاقية" تجاه شعوبهم وتجاه قضايا الفساد والبيروقراطية والفقر والبطالة وهستيريا قوانين فرض الضرائب من قبل الحكومات المتعاقبة.

أصبح الطالب في كثير من جامعاتنا أداة طيّعة في يد السلطة أو متلقياً سلبياً تحكمه يد السلطة والنظام التعليمي البنكي

ربما يكون تشومسكي محقّاً في تأكيده على أهمية أن يكون دعم الجامعات من قبل الحكومات مستقلاً، وغير خاضعٍ لاعتبارات المنظمات غير الحكومية والإملاءات الدولية، وغير مرهون برفد خزينة الدولة كمصدر بنكيّ لا مؤسسة بحثية معرفية، وللأسف فقد عَصَفَت العولمة الجديدة وموجات الرأسمالية المتلاحقة بدور الجامعات الأخلاقي كمؤسسات بحثية ومختبرات لصناعة الإنسان وتزويده بأدوات النقد والمعارضة والإبداع.

لا توجد جامعة عربية واحدة مثلاً تتبنى مشروع باولو فريري فيما يخصّ مأسسة المنهج النقدي الإبداعي في مجابهة توحش الحكومات وتدجينها للشعوب والطلبة، حتى أصبح الطالب في كثير من جامعاتنا أداة طيّعة في يد السلطة، أو متلقياً سلبياً، تحكمه يد السلطة و"النظام التعليمي البنكي"، كما يسميه فريري. ومن هذا المنطلق يبقى دور المثقف التنويري والمنشق في غاية الأهمية، لأنه يشكل ضمير الأمة، وبوصلتها الأخلاقية، ورسولها القابض على جمر السؤال وافتضاح سياسات السلطة الدوغمائية والشمولية، فهو يتمثل صورة "بروميثيوس" في قدرته على فرك أنف الثقافة في وحلّ السلطة، وقدرته اللغوية والمعرفية على اجتراح خطاب مقاومة ضد كل أشكال القهر والإمبريالية والحياد.

لا توجد جامعة عربية واحدة تتبنى مشروع باولو فريري

خيانة المثقفين

بالحديث عن "خيانة المثقف"، البعض يرفض هذا التعبير انطلاقاً من القول بالنسبية وتجاوز حالة الاستقطاب الواضحة (الأبيض-الأسود) في عالم يزداد تعقيداً.. هل هو تعبير مثالي فعلاً؟ وهل ينتقص ذلك منه؟

لا نستطيع أن نتحدث عن صيرورة المثقف وعلاقته بالعالم والسلطة دون الاصطدام بموقف المثقف الأخلاقي من العالم والسلطة، وهذا يقودنا بالضرورة لما يسميه جوليان بندا "خيانة المثقفين"؛ إنّها خيانة تاريخية وأخلاقية لضمير الشعوب وقضاياها الكبرى وشرطها الإنساني، وهي أيضاً خيانة للقيم العالمية التي شكلت جوهر الثورات الإنسانية الكبرى، والتي تصب دوماً في ثالوث: العدالة، والحرية، والمساواة.

دور المثقف الجماهيري يشبه دور النبي الأعزل أمام جرافات العولمة والخصخصة والليبرالية الجديدة

أتذكر عبارة في غاية الأهمية في هذا السياق للفيلسوف نيتشه مفادها أنّنا مطالبون أخلاقياً أن نحمي الأقوياء والعباقرة من الضعفاء والتافهين، ربما ينسحب هذا القول على محاولات اغتيال الشخصية والتشهير التي يقوم بها كثير من مثقفي السلطة ضد المثقف الجماهيري المنشق وضد الحكاية الفلسطينية التاريخية. ثمة مفارقة كبيرة هنا تكمن في أن الصراع الذي يواجهه المثقف الجماهيري والأخلاقي لا ينبثق فقط من كاميرات الرقابة وسوط السلطة، وإنما أيضاً من المثقفين المتواطئين مع السلطة، والباحثين عن لقمة العيش مقابل تغيير المواقف الأيديولوجية والسياسية تجاه مراكز السلطة وحواضنها المتعددة.

اقرأ أيضاً: المثقفون هم المشكلة الأساسية وليس الشارع

لقد كان الحلاج مثقفاً ثورياً ومنشقاً، والطريقة التي قطعت فيها أوصاله وتم حرقه من قبل الخليفة دليل على نزعة الخوف العصابي الذي تكنّه السلطة تجاه المثقفين المؤثّرين في وعي الطبقة ووعي الجماهير، وتكفير المعري من قبل الكثير من الفقهاء الإسلاميين دليل آخر على خيانة المثقفين التي تمارس ضد كل المثقف المنشق على الأنساق الأصولية في الدين والفكر والسياسة. لا ننسى أن موقف المتنبي من السلطة كان إشكالياً جداً، خصوصاً في علاقته مع سيف الدولة الحمداني، رغم علو كعبه كشاعر عظيم. لا أظن أن المتنبي كان مثقفاً منشقاً أو جماهيرياً حسب توصيف تشومسكي؛ لأنه كان مأفوناً بنرجسية السلطة، ومكانته التاريخية رغم كثرة حُسّاده وأعدائه.

ضرب غسان كنفاني وناجي العلي مثالاً عالمياً لما يسميه الطاهر لبيب بالمثقف الملحمي

لدينا أمثلة كثيرة على خيانة المثقفين في السياق العربي والأوروبي، ومنها موقف هايدغر المخزي والمتواطئ مع النازية، وموقف سعيد عقل من القضية الفلسطينية، وعلى النقيض من هذه الصورة التي تمثّلت بخيانة المثقف، فلقد ضرب غسان كنفاني وناجي العلي مثالاً عالمياً لما يسميه الطاهر لبيب بالمثقف الملحمي؛ لأن السياق التاريخي والاجتماعي والنزعة الثورية الملحمية لدى كنفاني والعلي قد أنتجت خطاباً ثقافياً ثورياً في مجابهة الحصار الثقافي الذي مارسته الصهيونية في الداخل الفلسطيني وعلى الصعيد العالمي.

يرى جوليان بندا بأن "خيانة المثقفين" هي خيانة تاريخية وأخلاقية

بلورة أدوار جديدة

في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي رافقت "الربيع العربي".. هل تزداد الحاجة لبلورة دور جديد للمثقف؟ وما شكل هذا الدور؟

ثمة صعود ملحوظ للحركات الشعبوية والهويات الفرعية على المستوى العربي، وقد بدت هذه الظاهرة الجيوسياسية والسوسيولوجية جليّةً في أعقاب الثورات العربية، وما تمخّض عن الهجرات القسرية في سوريا واليمن، وليبيا، مما جعل المشهد العربي برمّته أكثر تعقيداً من قبل، خصوصاً أن الأوروبية العالمية تقوم بتجييش ممنهج ضد ما تسميه بالإرهاب العالمي الجديد، والحركات الأصولية الإسلاموية المنبثقة من هذا المشهد التراجيدي. ثمة سُعار محلي وعالمي مرعب ضد المهاجرين الجدد، سواء كان في أوروبا أم في الدول العربية، وهذا محكّ أخلاقي للمثقف الحقيقي لو أخذنا بعين الاعتبار ما قام بعض المثقفين العرب مثلاً في دعوتهم لطرد المهاجرين، أو ترحيلهم بحجة الأوضاع الاقتصادية الهشّة التي تمر بها الدول المضيفة، وبحجة أن هؤلاء المهاجرين يشكّلون حاضنة هوياتية للفكر الأصولي الإرهابي، لقد حذّر المفكر تودوروف من الآثار الكارثية للإسلاموفوبيا ورهاب الأجانب.

لا بد للمثقف من أن يتشابك مع الواقع وعلى الباحث أن يخرج من برجه العاجي

وبما أنَّ جذور هذه التحدّيات ضاربة في التاريخ، فمن الصعب إيجاد حلول متاحة لها، لم يعد هذا العالم نتاجاً لمجتمعات متجانسة ومنعزلة عن بعضها بعضاً؛ لقد وَجد الكثير من النساء والرجال أنفسهم منبتّين عن أوطانهم الأصليَّة، ومنخرطين في بيئات أجنبيَّة وعدائيَّة لهم، حيث يتوجَّب عليهم التعايش معها جنباً إلى جنب مع بعضهم بعضاً. لقد أصبح الاحتكاك الثقافي أمراً لا بدَّ منه، وهذا ما أكده المفكر تودوروف في حديثه عن أخطار الإسلاموفوبيا وتحولات الضحية، أعتقد أنّ تودوروف على حق في دعوته كمثقف جماهيري لإغلاق السجون التي يعذب فيها الكثيرون باسم الحصانة القانونية، وأنّ المركزية الأوروبية ما تزال تمارس دورها الإمبريالي بصورة مرعبة. وبناء عليه، لا بد للمثقف من أن يتشابك مع الواقع، ولا بد للباحث من أن يخرج من برجه العاجي، كي يشهر الحق في وجه السلطان. ربما ما يحتاجه الناس هذه الأيام هو إعادة تأثيث الثقة مع المثقف الجماهيري، وذلك من خلال قدرته على اختراق أكبر عدد ممكن الناس وتوسيع دائرة التأثير والتشابك وعدم الاكتفاء بدور الواعظ أو المنظر المعرفي.

حذر تودوروف من الآثار الكارثية للإسلاموفوبيا

إلى أي حدّ برأيك ماتزال السلطة تأبه بالمثقفين اليوم؟ هل فعلاً مايزال المثقف يشكل خطراً وتهديداً حقيقياً لها؟ وما هو شكل هذه المواجهة اليوم وحدودها؟

لا أعتقد أنّ السلطة تدير ظهرها للمثقف ودوره الاجتماعي والسياسي؛ لأنّه قادر على تشكيل وعي الجماهير، ولأنّه قادر على إثارة الحماس والحسّ الثوري فيهم.. لقد كان دور المفكّر البريطاني ثوماس بين مهماً جداً، حتى أن المانفيستو الذي قام بكتابته العام 1776 كان بمثابة إنجيل سياسي للجماهير الأمريكية، وخصوصاً أنّ جوهر خطاب ثوماس بين قد تمظهر في قدرته على تبرير الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطاني، وقدرته اللغوية والخطابية على تشجيع عامة الناس على الثورة، باعتبار الأمر قضية عالمية ومتعلقة بمستقبل العالم بقدر ما هي متعلقة بمستقبل الأمريكيين ورؤيتهم للدستور الجديد والديمقراطية في شكلها الراديكالي. الأمر ذاته ينسحب على مالكوم إكس، كمثقف جماهيري ثوري ومنشقّ، ولما كان يتمتع به من حس عبقري في تشكيل وعي "أفروأمريكي" جديد قادر على مجابهة الكثير من الأيديولوجيات التي تبناها الرجل الأنجلوساكسوني في عقدته التاريخية ضد الرجل الأسود في سياق "الأمة الأمريكية الإسلامية".

اقرأ أيضاً: المثقف والمأزق العربي الراهن

ما تزال دول عديدة حول العالم وفي العالم العربي تعتقل المثقفين والمفكرين الذين ينتقدون سياسات الدولة وينحازون للجمهور، وهذا دليل حاضر على أن المثقف الجماهيري ما يزال يشكل خطراً وتهديداً حقيقياً للسلطة، ولا يمكن أن تهدأ المعركة بين الطرفين ما دامت السلطة تحاول تكميم الأفواه، وتدجين المثقف، بل وتغيير دوره الاجتماعي والسياسي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: