ثعالب تدّعي الموت.. كيف خدع إرهابيون دوليون أجهزة أمنية؟

لا تمنح التنظيمات التكفيرية السرية معلومات مجانية قد يستفيد منها خصومها؛ بل قد تتركهم في مواجهة المعلومات المضلِّلة التي ربما يساهم التنظيم في إشاعتها، حتى التي تتعلق منها بحياة الأشخاص أو موتهم، فلا تخرج نافية أو مثبتة، فقط تلتزم الصمت المطبق في كثير من الأحيان.

تحافظ تلك التنظيمات على سرية عناصرها غير المرصودة لدى الأجهزة الأمنية، وتمنحها مساحات واسعة في الحركة والتنقل، وتفعّل من دورها في القيادة، حتى تصل إلى رتبة تنظيمية عالية، فلا يكتشف هويتها الحقيقية أحياناً إلا بعد موتها.

ضرب "أبو حمزة المهاجر"، وزير حرب ما كان يسمى بالدولة الإسلامية في العراق، النموذج الواضح لذلك، فلم يكتشف اسمه الحقيقي "عبدالمنعم عز الدين البدوي" إلا بعد الإعلان عن مقتله بمدة، وبعد أن أعتقد الأمريكيون أنه "شريف هزاع"، أحد كوادر القاعدة، الذي كان معتقلاً لدى السلطات المصرية في هذا الوقت.

أبو حمزة المهاجر

خدعة الموت التكتيكي

أطلق مسلّحون تابعون لحركة نور الدين زنكي السورية، في منتصف شباط (فبراير) الماضي، طلقة باتجاه رجل لم يستجب لنداءات توقيفه، أثناء عبوره كميناً نصبه المسلحون التابعون للحركة، فلقي حتفه، فاكتشفوا أنّ المقتول هو إبراهيم صالح البناء، الذي يحمل كنية "أبو أيمن" وهو أحد أهم قادة القاعدة في اليمن.

إبراهيم صالح البناء

في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2015، أعلنت الحكومة اليمنية والقوات الأمريكية عن قتل "أبو أيمن"، في غارة لطائرة بدون طيار، وهو ما لم يعقّب عليه التنظيم بالنفي أو الإثبات.

تحافظ التنظيمات على سرية عناصرها غير المرصودة وتمنحها مساحات واسعة للحركة وتفعّل من دورها في القيادة

عادت وزارة الخارجية الأمريكية، في مطلع كانون الأول (يناير) العام 2017، لتعلن أنّها أدرجت "البناء" على لائحة "التصنيف الخاص للإرهاب الدولي"، وحدّدت مكافأة قدرها ٥ ملايين دولار لمن يدلى بتفاصيل عن مكان وجوده، ولم تتطرق لظروف الإعلان الأول.

دخل "البناء" إلى اليمن بجواز سفر مزوّر، العام 1993، وشرع في تأسيس مجموعة استخباراتية تابعة لـ"القاعدة"، اشتركت في عدة عمليات كبرى، كان أبرزها ضرب المدمرة الأمريكية (يو، إس، إس، كول) في تشرين الأول (أكتوبر) 2000، وامتلك قدرة هائلة في تزوير جوازات السفر، التي سمحت لكوادر من "القاعدة" بالتنقل بحرية في العديد من العواصم العربية والعالمية "وفق الاعترافات التي أدلى بها أمام السلطات اليمنية" قبل هروبه من سجونها.

لم يكن من الصعب إذًا على "أبو أيمن" أن ينتقل من اليمن إلى سوريا، ليلتحق بفصيل هيئة تحرير الشام، ليقتل على يد "الزنكي" في ظروف ملتبسة، وليكشف بموته الحقيقي هذه المرة عن مكان وجوده للاستخبارات الأمريكية.

لعبة المصائر الغامضة

استدعى أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، مصرياً لم يكن مدرجاً على قوائم الإرهاب يحمل كنية "سيف العدل" للالتحاق به في أفغانستان، بات فيما بعد أحد أهم قادة القاعدة ومسؤولاً عن التنظير العسكري، كونه ضابطاً سابقاً في الجيش المصري.

زعمت عدد من المصادر الأمنية وقتها أنّ سيف العدل هو ضابط سابق يدعى محمد مكاوي، مع أنّ الأخير كان كادراً معروفاً في "القاعدة"، إلا أنّه لم يكن هو الشخصية الحقيقية لسيف العدل الأول، الذي اكتُشف لاحقاً أنّ اسمه محمد صلاح الدين زيدان.

استدعى الظواهري "سيف العدل" غير المدرج على قوائم الإرهاب إلى أفغانستان ليصبح أحد أهم قادة القاعدة

بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ألقى الإيرانيون القبض على "زيدان" أثناء هروبه من أفغانستان باتجاه الأراضي الإيرانية، وأودع قيد الإقامة الجبرية حتى العام 2005، حتى استطاعت حركة طالبان اختطاف عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين، ومقايضتهم بعدد من قادة القاعدة، على رأسهم سيف العدل وسعد ابن أسامة بن لادن، وفق العديد من الصحف.

ومع أنّ المقايضة السابقة غير موثّقة، إلا أنّ عدم إفصاح السلطات الإيرانية عن مصير "العدل" وصمتها إزاء الأنباء التي تحدّثت عن ذلك تعزّز من المزاعم التي تردّد في الآونة الأخيرة عن وجود "زيدان" في الأراضي السورية.

شكّلت سوريا محطة لتجمّع الجهاديين الذين اختفوا لسنوات عديدة ولم يكن يُعرف مصيرهم على وجه التحديد

أما مصير أبو مصعب السوري "مصطفى ست مريم" فلا يقل غموضاً عن سابقه، فبعد أن اعتقلته السلطات الأمريكية مصادفة في باكستان العام 2005، ورحّلته إلى سوريا ضمن برنامج الترحيل السري لوكالة المخابرات الأمريكية، لم تتحدث الحكومة السورية عنه مطلقاً، كما لا يأتِ له قادة القاعدة على ذكر.

عزّز ذلك أيضاً من الشائعات التي تردّدت، بأنّ النظام السوري، أفرج عنه في مطلع العام 2012، حتى يلتحق بقادة القاعدة، نكاية في الولايات المتحدة التي أيّدت الثورة السورية في بدايتها، وكما فعلت مع سجناء سجن صيدنايا من الجهاديين؛ إذ أطلقت سراح المئات منهم بعد اندلاع الثورة.

أبو مصعب السوري "مصطفى ست مريم"

سوريا الملاذ الأخير

شكّلت سوريا محطة لتجمّع الجهاديين الذين اختفوا لسنوات عديدة، ولم يكن يُعرف مصيرهم على وجه التحديد، إلا أنّ حوادث قتلهم هي التي كشفت عن أماكن تواجدهم.

فبعد أن اختفى القيادي في تنظيم الجهاد، أحمد سلامة مبروك "أبو الفرج المصري"، من مصر بعد "ثورة 30 يونيو" العام 2013، مخلّفاً جدلاً واسعاً حول مصيره، ظهر فجأة في سوريا، بجوار أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة (فتح الشام)، قبل أن يلقى حتفه بغارة أمريكية في إدلب في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2016.

اقرأ أيضاً: "دماء على رمال سيناء": كيف ظهرت كل هذه التنظيمات الجهادية؟

مثله كان رفاعي طه، أحد قادة الجماعة الإسلامية المصرية، الذي خرج من مصر بعد "30 يونيو"، ولم يتأكّد مصيره إلا بعد أن قتل في قصف لطائرات أمريكية، على مواقع في سوريا، ولم يُعرف على وجه اليقين الدور الذي كان يؤدّيه هناك، إلا أنّ مقربين منه تحدّثوا عن أنّه كان مبعوثاً لـ"القاعدة" للصلح بين الفصائل.

رفاعي طه، أحد قادة الجماعة الإسلامية المصرية

أما أبو الخير المصري، عبدالله محمد رجب عبدالرحمن، فظهر في سوريا فجأة كنائب لأيمن الظواهري، إلى أن قُتل في  شباط (فبراير) العام 2017 بعد أن اختفت أي معلومات عنه منذ هجمات أيلول (سبتمبر) 2001. 

أحمد سلامة مبروك "أبو الفرج المصري"

وفي منتصف الشهر الحالي، خرجت مصادر كردية لتؤكّد أنّ جهاتها الأمنية، اعتقلت الألماني السوري الأصل محمد حيدر زمار المتهم بالمشاركة في التخطيط لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة.

اعتقد الأمريكيون أنّ "العلاقة الوحيدة" لزمار بهجمات 11 سبتمبر تقتصر على أنّه قدّم الإمدادات اللوجستية لـ"خلية هامبورغ" وخضع لتحقيقات الاستخبارات الألمانية، لكنّ تبيّن لاحقاً أنّه هو "الشخص الذي جنّد محمد عطا وزياد الجراح ومروان الشحي وسعد بهاجي في القاعدة".

اقرأ أيضاً: ما حقيقة زواج نجل بن لادن بابنة قائد هجمات 11سبتمبر؟

كانت الشرطة الألمانية قد استجوبت زمار بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) ثم أطلقت سراحه. وغادر همبورغ العام 2001 متوجّهاً إلى المغرب، وهناك اختفى؛ حيث رجّحت العديد من المصادر في حينها أنّ تكون الاستخبارات الأميركية قد اعتقلته... لكن تبيّن أنّه كان في سوريا.

"هامشيون" يقودون التنظيمات

لم يكن يتوقع أحد أن ناصر أبو زقول، أحد المتهمين غير الرئيسيين في هجمات طابا العام 2004، هو من يقود تنظيم "داعش" في سيناء الآن؛ إذ وُضع أبو زقول في ذيل لائحة الاتهام في القضية السابقة، وحكم عليه بعشرة أعوام، كونه حوكم غيابياً، ما يعني أنّه كان من الممكن أن يحصل على البراءة في حالة تسليمه لنفسه للسلطات المصرية، إلا أنّه ظل هارباً ولم يتوقع أن يصير بعد ذلك المسؤول عن التنظيم الأخطر في مصر بعد ذلك.

فوجئ الجميع أنّ أبو زقول أحد متهمي هجمات طابا الهامشيين هو من يقود "داعش" في سيناء

في الأسبوع الماضي أصدر العقيد تامر الرفاعي المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية، بياناً عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أعلن فيه مقتل ناصر أبوزقول أمير تنظيم داعش في سيناء، خلال عملية استهداف، قامت بها القوات المسلحة لعناصر التنظيم.

قبله قاد التنظيم في مصر توفيق فريج زيادة، الذي كان خضع للتحقيق في القضية نفسها، إلا أنّه خرج لعدم كفاية الأدلة ضده، فصار بعد ذلك أحد أهم المؤسّسين لتنظيم أنصار بيت المقدس، ومؤسس فرع "داعش" في وادي مصر، والمشرف على تنفيذ عملية محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري السابق محمد إبراهيم في أيلول (سبتمبر) 2013.

قتل توفيق فريج زيادة في العام 2014، في حادث سير، عندما انفجرت قنبلة حرارية، كان يحملها، فتوفي متأثّراً بجراحه، وفق بيان نعيه الصادر من تنظيم أنصار بيت المقدس.

الأقسام: