جاهلية "الإخوان المسلمين"

جاهلية "الإخوان المسلمين"

مشاهدة

17/04/2021

منير أديب

ترى جماعة "الإخوان المسلمين" أن العالم الذي نحياه الآن يعيش في جاهلية معاصرة من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، وبناء عليه كان يرى سيد قطب، مُنظرّ التنظيم ضرورة وجود طليعة مؤمنة لتحرير هذا العالم وإعادة بعثه من جديد، كما يرى أن هذه هي مهمة "الإخوان" لانتشاله من وحل الجاهلية.

وهنا ترى هذه الحركة منذ أن طرحت أفكارها قبل مئة عام بضرورة أن تقوم هذه الطليعة بعزم وتمضي في خضم الجاهلية الضاربة في أطناب الأرض كلها، تمضي وهي تزاول نوعاً من العزلة من جانب ونوعاً من الانفصال من جانب آخر بالجاهلية المحيطة، فالأمة موجودة ولم تمت، وقد انقطع وجودها يوم أن توقف العمل بالشريعة الإسلامية.

خطر "الإخوان المسلمين" في أنها تستطيع أن تقول عن نفسها كل شيء، تتبنى أفكارَ جاهلية المجتمع وتدعو لها وتدعو للعزلة الشعورية وترفض هذه الأفكار... كل ذلك في آن واحد، وهو ما نطلق عليه المراوحة بين الشيء ونقيضه، بين العنف واللاعنف، وهذا من غموض التنظيم، الغموض الذي وقع في شباكه الكثير من النّاس من دون أن يدروا أنهم باتوا ضحايا تنظيم هم لا يُدركون أفكاره ومراميه في شكل كافٍ.

ترى الجماعة ضرورة وجود عزلة شعورية لأعضائها، تفصلهم عن الواقع، هذه العزلة تكون بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضرة في إسلامه، عزلة كاملة في صِلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية، بحيث ينفصل تماماً عن الحياة إلا داخل التنظيم، وهنا يسهل قيادته، فتتولى الجماعة برعاية أعضائها حتى تُصبح بمثابة المجتمع البديل عن المجتمع الحقيقي الذي يعيش فيها هؤلاء الأتباع.

ولعل هذا التصور يُجيب عن التساؤل الذي يطرحه البعض دائماً عن السر وراء السمع والطاعة من الأتباع للقيادة داخل التنظيم؟ والسر وراء ارتباط هؤلاء الأتباع بالتنظيم نفسه؟ وهنا تبدو الإجابه في العزلة الشعورية التي تفصل هؤلاء الأتباع عن المجتمع الحقيقي حتى يُصبح التنظيم بمثابة المجتمع البديل، وهنا يُصبح هؤلاء الأتباع مجرد دمىً يمكن تحريكها بسهوله شديدة.

وهنا نعلق أن عضو التنظيم لا بد أن ينفصل تماماً عن بيئته الجاهلية، ويتصل نهائياً ببيئته التنظيمية "الإسلامية" الجديدة، حتى ولو كان يتعامل مع بعض "المشركين" في عالم الحياة والتجارة، فالتعامل اليومي شيء والعزلة الشعورية شيء آخر. ترى الجماعة ما يراه مُنظرّها الأول وفيلسوفها سيد قطب، وملخص رؤيتهما هو أننا نعيش في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام وأظلم.

أقوال سيد قطب كان لها محل من التطبيق في حياته وبعد موته، فقد عبّر بصورة جليّة عن المؤسس الأول حسن البنا، فوضع هذه الأفكار في بناء التنظيم، وهو كان عضواً في مكتب إرشاده ومسؤول قسم نشر الدعوة والتثقيف، كما كان مسؤولاً عن المادة التي تنشر في صحف "الإخوان المسلمين" ورئيس تحرير صحيفتهم عندما كان عضواً في مكتب الإرشاد ومسؤولاً عن كل ما يدخل عقل "الإخوان"، فهو المشكل الحقيقي لهذا العقل.

صحيح أن هذه الأفكار صادمه، وقد لا يعلم الكثير من النّاس العلاقة بينها وبين تنظيم "الإخوان المسلمين" نظراً لسياسة التنظيم التي تجنح إلى المراوحة المشار إليها سابقاً، تتبنى الشيء ونقيضه، ولعل هذا سر بقاء التنظيم طيلة هذه العقود من دون أن تموت أفكاره، فقادة التنظيم يطبقون أفكاره وينفونها وقتما يُريدون حتى بات الكثير من قادة الرأي يُدافعون عن التنظيم، والدفاع هنا من واقع أنهم لا يعلمون عنه شيئاً أو وضعهم التنظيم في هذه الخانة، فعاشت أفكارهم مختبئة ما بين الإعلان عن نفسها وقطع الطريق على من ينتقدها.

من هذه الإفكار مثلاً القول إنه لا بد من إعادة اعتناق "لا إله إلا الله" من جديد، فينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين ويجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى لو كانوا يدّعون أنهم مسلمون وتشهد لهم شهادات الميلاد بذلك، يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولاً إقرار عقيدة "لا إله إلا الله" بمدلوله الحقيقي وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم.

المقطوعة السابقة من أقوال سيد قطب، أحد أهم قيادات التنظيم بعد مؤسسه الأول، والذي يرى فيها أن إسلام المسلمين مجرد إدعاء كاذب ولا يوجد من يثبت إيمان هؤلاء حتى ولو أعلنوا خلاف ذلك ولو كانت شهادة ميلادهم تقول بخلاف ما يعتنقه "الإخوان المسلمين" وسيد قطب، ويرى أن دليل إسلام الناس ينحصر في إيمانهم بإقرار العقيدة، كما يفهمها "الإخوان" طبعاً، ورد الحاكمية لله بإقامة الدولة الإسلامية ومواجهة اي سلطان آخر... دون ذلك لا إيمان ولا إسلام لأحد.

وهنا أقر سيد قطب بضرورة الإيمان بعقيدة "لا إلة إلا الله" والعمل تحت لوائها مختصراً إياها في الحاكمية وموظفاً هذه الحاكمية في مفهوم النظام السياسي الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة، دولة دينية كما يفهمها "الإخوان المسلمون"، وهنا طالب بضرورة هذا الاعتقاد ولكنه اشترط العمل له بقوله: وطرد المعتدين على سلطان الله بإدعاء هذا الحق لأنفسهم، وهنا وجب الاعتقاد والعمل لهذه الأفكار حتى نستطيع بداية أن نصف الشخص بأنه مسلم، وما دون ذلك تنتفي عنه صفة الاعتقاد وبالتالي الإسلام.

وهنا أخذنا التنظيم ومنظره إلى دائرة التكفير، فوزع صكوك الإيمان والإسلام، فأدخل أقواماً الإسلام وأخرج آخرين، وربط بين المرء وإسلامه بشرط عضويته في التنظيم. صحيح أنه لم يقل ذلك صراحة ولكنها تبدو واضحة من النصوص السابقة، التي كانت بمثابة باب التكفير لكل جماعات العنف والتطرف التي أتخذت من أقوال سيد قطب دليلاً.

في قضية الحاكمية يرى "الإخوان" أنها لا بد من أن تكون أساس دعوة الناس إلى الإسلام للمرة الأولى، وأن المسلمين على طريقة "الإخوان" هذه هم بمثابة العصبة المؤمنه التي يتشكل منها المجتمع المسلم الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس وألا يحكم في حياته كلها إلا الله. هذا بمثابة توضيح لمعنى وصف الجاهلية والحاكمية، وهو معنى مبسطاً لتكفير المجتمع، (الجاهلية، الحاكمية، التكفير) مثلث إيمان وتكفير المجتمع عند جماعات العنف والتطرف وفي مقدمهم حركة "الإخوان المسلمين".

لا يضع "الإخوان المسلمون" اعتباراً لعوام المسلمين، الذين نفوا عنهم هذه الصفة، ولكنهم يرون أن التغيير لن يحدث إلا من خلال النخبة المسلمة أو الطليعة المؤمنه؛ التي تؤمن بـ "لا إله إلا الله" وتعمل وفق مقتضاها برد أي حكم لغير الله وطرد المعتدين على سلطان الله بإدعاء هذا الحق لأنفسهم، وهذه القضية بمثابة باب التكفير الأكبر الذي دخلت منه حركة "الإخوان المسلمين" مع غيرها من جماعات العنف والتطرف، ففيها حصر التنظيم الإيمان والإسلام في تنصيب الخليفة أو الإمام.

يوضح الشهرستاني أن أعظم خلاف حدث بين الأمة ما حدث على الإمامة بقوله: "إذْ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان"، وهنا جسد "الإخوان المسلمون" الخارجون عن الدولة في كل زمان ومكان، فكان مثالهم الخوارج ومن بعد هذه الأفكار كثرت الأمثلة الجماعات الخارجة عن الدولة وعن الإسلام.

أود أن أختم بما قالة المؤسس الأول حسن البنا، فكل ما سبق ترجمه لما سطره في رسائله وربى عليه أتباعه: "فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة الإسلام ومجده وسنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هواده".

ليس أكثر من ذلك وضوحاً، فالرجل يُعلن الحرب على الجميع طالما لا يعملون لإقامة الدولة الإسلامية كما يفهمها هو وإخوانه أو يعملون على استعادة الإسلام ومجده، ويقول إن هذه الخصومة نهائية معبراً بأنه لا سلم فيها ولا هواده، فهذا مبدأ العنف مع شركاء الوطن من الزعماء ورؤساء الأحزاب، الذين لديهم رؤية في إدارة النظام السياسي داخل البلاد، فما بالك برؤية "الإخوان" لغيرهم من عوام المسلمين، وهذا ما يجعلنا نحتار بين وصف التنظيم للمجتمع بالجاهلي ومحاولة استمالته، ولعلها أبلغ صورة على جاهلية "الإخوان المسلمين".

عن "النهار" العربي

الصفحة الرئيسية