جزائر ما بعد بوتفليقة.. كيف ستكون؟

6512
عدد القراءات

2019-03-31

ترجمة: محمد الدخاخني


إنّ موجة التّمرّد الشّعبيّ الّتي اندلعت في الأوّل من آذار (مارس) 2019، في شكل احتجاجات مليونيّة عبر البلاد، غيّرت دون شكّ الوضع السّياسيّ في الجزائر. ومع ذلك، إذا كان ثمّة تغيير على مستوى الوعي، فإنّ توازن القوى الأساسي لم يتحرّك بعد.
وكان المطلب الأساسيّ الّذي انطلقت منه هذه الموجة البشريّة هو معارضة حملة الرّئيس الحاليّ، عبد العزيز بوتفليقة، لولاية خامسة في كرسي الرّئاسة، خاصّة في ظلّ الاعتلال الواضح لصحّته. ومن جانبه، ألغى بوتفليقة، خططه لخوض الانتخابات مجدّداً في 18 نيسان (أبريل) 2019، كما قام بتأجيل الانتخابات الرّئاسيّة المزمعة.

اقرأ أيضاً: إعلان شغور منصب الرئيس.. طوق نجاة للمقربين من بوتفليقة أم حل للأزمة؟
وقد انطلقت الاحتجاجات من معارضةٍ أخلاقيّةٍ لنظامٍ تخبّأ طويلاً وراء عُمر بوتفليقة ومرضه. وباستخدام السّجل الأخلاقيّ نفسه، أعرب المتظاهرون عن رفضهم لنظام "الّلصوص والفَسْدى"، مطالبين بإسقاطه على الفور.
ومع ذلك، فإنّ قوّة هذه الحركة الممتدّة في جميع أنحاء البلاد قد أخذت بالفعل تمرّدها إلى ما وراء الرّفض البسيط لمحاولة بوتفليقة الحصول على ولاية خامسة. لقد أصبح التّمرّد ضدّ الرّئيس، الّذي يحكم البلاد منذ عام 1999، دعوة إلى تغيير سياسيّ واجتماعيّ أعمق بكثير.

المتظاهرون في الجزائر، آذار (مارس) 2019

رئيسٌ مريض
هذه الحركة لم تسقط من السّماء ولم تنطلق من العفويّة فقط: في الواقع، استمرّت الاحتجاجات الثّقافيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة طوال حكم بوتفليقة الّذي دام عقدين من الزّمن. وقد أثار الإعلان عن اعتزام الرّئيس المريض التّرشح مجدّداً في انتخابات نيسان (أبريل) تمرّداً وصل إلى ذروته في 3 آذار (مارس)، وهو اليوم الّذي أعلن فيه إغلاق قائمة المرشّحين.

على المستوى التّنظيميّ، اتّخذت الحركة الاحتجاجية في الجزائر شكلاً مشابهاً لـ"السّترات الصّفراء" في فرنسا

ومن الواضح أنّ مسألة الاتّجاه الّذي ستتّخذه الأحداث في المستقبل القريب تعتمد على نتيجة الانتخابات. لكن في التّحليل الأخير، يعتمد تطوّر الحركة على مستوى تنظيمها، ونوع القيادة الّتي ستفرزها، والوزن النّسبيّ لمختلف القوى الاجتماعيّة والسّياسيّة المعنيّة. وسيتمّ تحديد ذلك كلّه من خلال صراعات شرسة على كلّ من شعارات الحركة ومطالبها الفوريّة - وهي معركة بدأت بالفعل في الظّهور على السّطح.
على المستوى التّنظيميّ، اتّخذت الحركة شكلاً مشابهاً لـ"السّترات الصّفراء" في فرنسا. فبعد دعوات مجهولة المصدر على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، اندلعت الاحتجاجات في 22 شباط (فبراير) الماضي. ثمّ انتشرت على يد الطّلاب على مدار الأسبوع التّالي، وذلك قبل التّظاهرات الضّخمة الّتي شارك فيها أكثر من مليون شخص يوم الجمعة الموافق 1 آذار (مارس). كذلك، ليس للحركة قيادة. وترفض كلّ تدخّل سياسيّ رسميّ. ومع ذلك فإنّها منظّمة ومنضبطة بشكل رائع.
ومن النّاحية الاجتماعيّة، فإنّها حركة شعبيّة، بمعنى أنّها تتكوّن من أشخاص من كلّ الأعمار والفئات الاجتماعيّة. ومع ذلك، من المهمّ الإشارة إلى الحضور القويّ للشّباب، خاصّة شباب الطّبقات العاملة - وبشكل رئيس طلّاب المدارس الثّانويّة، الّذين أضفوا حالة من التّناغم بين المسيرات وهتافات مدرّجات كرّة القدم. ويوجد أيضاً ما يمكن أن نسمّيه "الطّبقة الوسطى"، وفي هذه الفئة نجد بشكل خاصّ وجوداً قويّاً للنّساء.

اقرأ أيضاً: الجزائر: الدائرة تضيق حول بوتفليقة.. ما الجديد؟
ومن الواضح أنّ وجود العمّال الصّناعيّين قويّ للغاية أيضاً، ولكن ليس كجزءٍ متميّز من الاحتجاجات. فهم عنصر اجتماعيّ ضمن الاحتجاجات، وليسوا قوّة اجتماعيّة مميّزة فيها. كما أنّ الشّعارات الاجتماعيّة والاقتصاديّة غائبة في الوقت الحاليّ. ولم تكن هناك استجابة تُذكر لنداء البعض بالإضراب العام في الأوّل من آذار (مارس)، (إضراب عام لمدّة خمسة أيّام بدأ يوم الأحد الموافق 11 آذار/مارس). لكن، في بوتقة الانصهار الاجتماعيّ هذه، هناك اندماج ووئام بين المتظاهرين - وكما يقولون، "الجميع ضدّ الحكومة غير الأخلاقيّة والسّارقة والفاسدة".

أزمة النّظام
على المستوى الرّسميّ، النّظام الحاليّ متورّط في أزمة سياسيّة. فالنّظام البرلمانيّ المهيمن عبارة عن ائتلافٍ يضمّ أربعة أحزاب: أكبر حزبين، وهما جبهة التّحرير الوطنيّ والتّجمّع الوطنيّ الدّيمقراطيّ، ومجموعتين أصغر بكثير، وهما الحركة الشّعبيّة الجزائريّة وتجمّع أمل الجزائر. ويُنظر على نطاق واسع إلى هذا التّحالف على أنّه مندمج مع الجيش والشّرطة وأكبر نقابة عماليّة في البلاد، الاتّحاد العام للعمّال الجزائريين، ومنتدى قادة الأعمال.

اقرأ أيضاً: هذا ما قام به بوتفليقة بعد إعلان تخلّيه الترشح لولاية خامسة
وكانت هناك أزمة كامِنة لبعض الوقت، كما يتّضح من الهجمات وعمليّات تصفية الحسابات داخل المؤسّسات نفسها: الاستبدال المشكوك في دستوريّته لرئيس الجمعيّة الوطنيّة الشّعبيّة (مجلس النّواب) في تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي؛ "بوابة الكواكيين"، وضبط سبعمائة كيلوغرام من الكوكايين في أيّار (مايو) 2018، وما تبعه من عزل بوتفليقة لـ"أعلى مسؤول أمنيّ في البلاد"، الّلواء عبد الغني هامل؛ التّنازعات بين الجيش والشّرطة.
والمعارضة البرلمانيّة ضدّ الائتلاف الحاكم هي في حدّ ذاتها ليبراليّة، أو حتّى ما يسمّى بـ"الّليبراليّة المُغالية". وليس لهذا الفصيل الأخير أيّ حضور برلمانيّ قويّ، بالرّغم من أنّه يشمل أولغاركيّين من أمثال الملياردير يسعد ربراب، ومجموعات إعلاميّة مختلفة، وبعض الأحزاب منخفضة الوزن، وكذلك مرشّح حاليّ للرّئاسة هو الجنرال المتقاعد عليّ غديريّ.

اقرأ أيضاً: بعد عودة بوتفليقة.. ماذا سيحدث في الجزائر؟
هذا التّناقض السّياسيّ يأخذ شكل حجج حول الإصلاح الدّستوريّ الّذي يجب أن يُتّبع بعد بوتفليقة. وقد اقترح الائتلاف الحاليّ "مؤتمراً شاملاً" بعد انتخابات 18 نيسان (أبريل). ومع إعادة انتخاب بوتفليقة، سيسيطر على اتّجاه هذا "الإصلاح". وإدراكاً منها للفخّ، فإنّ المعارضة الّليبرالية المنقسمة قد طالبت بإجراء انتخابات دون بوتفليقة. وهم يعتقدون أنّ هذا سيسمح بإضعاف الائتلاف الرّئاسيّ الّذي ضربته الأزمة - ومن هنا الخلاف حول سعيه إلى "ولاية خامسة".

 المعارضة الّليبرالية المنقسمة قد طالبت بإجراء انتخابات دون بوتفليقة

قوّة جديدة
ومع ذلك، فإنّ ما كان لفترة طويلة أزمة كامِنة قد خرج الآن إلى العلن. وهذا مردّه إلى تدخّل لاعب ثالث في المعادلة ألا وهو الطّبقات الشّعبيّة.
إنّ طرح هذا الوضع ضمن الخيار بين الثّورة والإصلاح لَهو نهجٌ شكليّ يعتمد على رؤية ثابتة، بل ومدرسيّة، للتّاريخ. فالانقسامات السّياسيّة لا يمكن إعلانها ولا يمكن حلّها بشكل بَعْديّ. فلا وجود لـ"حدث عظيم". وفي الوقت الحاليّ، تتفتّح الأزمة في شكل مطالب فوريّة مرتبطة بنتائج الانتخابات الرّئاسيّة. وستكون النّتيجة بالتّأكيد ثمرةً للنّضالات، بكلّ حصّتها من الصّدف والاحتمالات. وتتمحور النّتائج المحتملة حول ثلاث فرضيّات رئيسة:

من النّاحية الاجتماعيّة، اتسمت الاحتجاجات بأنها شعبيّة، فهي تتكوّن من أشخاص من كلّ الأعمار والفئات الاجتماعيّة

1. اختيار الائتلاف الرّئاسيّ للمواجهة والإبقاء على بوتفليقة كمرشّح له. وهذا يعني عدم إجراء الانتخابات؛ في الواقع، كيف يمكنهم ذلك، بالنّظر إلى توازن القوى الجديد الّذي يفرضه الشّارع؟ ستشمل هذه النّتيجة تدخّل الجيش، من أجل فرض حالة استثناءٍ تسمح بتنظيم "عمليّة الانتقال". ويمكن لهذا الحلّ أن يحصل بسهولة على موافقة واسعة، حتّى بين الجماهير، بالنّظر إلى المستوى الحاليّ للوعي والتّنظيم.
2. استقالة (أو انسحاب) بوتفليقة قبل الانتخابات. وسيؤدّي هذا إلى خلق "فراغ قانونيّ"، وإلغاء الانتخابات فعليّاً. وبالتّالي ستتأخّر، حتّى بدون تدخّل الجيش.
3. هناك إمكانيّة للتّحرك في اتّجاه عمليّة انتقال عن طريق التّفاوض عبر مؤتمر وطنيّ حول الإصلاح الدّستوريّ، قبل التّحرك نحو انتخابات جديدة.
لكن الوقت ينفد. فالجماهير تضغط في الشّارع؛ وفي هذه الّظروف، يُسرِع التّاريخ من خطواته. وفي الوقت الحاليّ، تتركّز القضيّة في حربٍ بين مطالب المحتجّين. فشعار "ضدّ الولاية الخامسة" يهدف إلى إضعاف الائتلاف الرّئاسيّ، والرّغبة في إزالته بالكامل. وشعار "إصلاح الدّستور" (بعد الانتخابات أو قبلها) يتطلّع إلى تنظيم انتقال سلس تحت قيادة النّظام الحاليّ. وبالنّسبة إلى الدّعوة إلى "جمعيّة تأسيسيّة"، فإنّ هذا الشّعار له وظيفة إبقاء الخرق مفتوحاً ومنع الإجماع التّام بين الّليبراليين الّذين تُستبعَد منهم الأصوات المتنافرة.

اقرأ أيضاً: الجزائريون يردّون على رسالة بوتفليقة وحزبه
وعلى كلّ حال، كان هناك تردّد بين القوى السّياسيّة الّتي طالبت تقليديّاً بجمعيّة تأسيسيّة. وإذا كانت هذه القوى قد حطّت لفترة طويلة من قدر هذا الشّعار الوجيه - ووضعته في المقدّمة في وقتٍ كانت فيه الرّهانات منخفضة -، فيبدو اليوم أنّها قد تخلّت عنه أو، على الأقلّ، صمتت الآن بعد رفع الرّهانات. هذا، وهرعت بعض الجماعات الّليبراليّة لتطوير موقفٍ من شأنه أن "يوحّد جميع الجزائريّين"، في حين تعهّدت مجموعات أخرى بدعمٍ حاسمٍ لبوتفليقة. وكلا الفريقين محاصر الآن بهذه المواقف، حيث يتمّ تشكيل إجماع جديد بدونهما.
والمجموعات السّياسيّة الّتي قرّرت عدم المشاركة في الانتخابات لأنّ "الشّروط غير موجودة للمشاركة بطريقة شفّافة" تُركت على الهامش. لكن أولئك الّذين يوجّهون النّداءات لتكوين لجان شعبيّة في أحياء [الطّبقة العاملة] والبلديّات والجامعات من أجل الإعداد لجمعيّة تأسيسيّة، ما يزالون محاصرين في نمط شكليّ مجرّد. فبالرّغم من أنّ نجاح هذه الجمعيّة التّأسيسيّة يتطلّب بالفعل وجود لجان شعبيّة، وما ينتج عنها من قوّة مضادّة، فإنّه من الضروري أيضاً ضمان طابعها الدّيمقراطيّ والتّقدميّ، من أجل تجنّب مصير مثل إيران الخمينيّ.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء قرارات بوتفليقة الأخيرة؟
وعندما يُسرع التّاريخ، تقوم الجماهير ببناء هياكلها التّمثيليّة الخاصّة حسب إيقاعها. وتستطيع المنظّمات السّياسيّة تسريع هذه العمليّة، من خلال رفع صوتها. ومع ذلك، فإنّ أولئك الّذين يدعون فقط إلى استقالة بوتفليقة يشيرون في الواقع إلى تأجيل الانتخابات، وهو ما يناسب النّظام ليس إلّا.
ولم يتمّ النّظر أوّلاً إلى مرض المرشّح الرّئيس للنّظام أو نزول الجماهير إلى الشّوارع. فهم ليسوا جزءاً من بعض أشكال التّقويم التّاريخيّ - في الواقع، كان هذا هو الحال أيضاً في التّمرّدات الثّوريّة الّتي وقعت في القرن العشرين! لكن إذا ما تطوّرت ديناميكيّة ديمقراطيّة ذات مغزى، فمن الضّروريّ اغتنام الفرصة للحفاظ على الخرق مفتوحاً، قبل أن ينجح النّيوليبراليّين في رتقه.

الخطّة "ب"
على مستوى آخر من التّحليل، يبرز مرشّح رئاسي معيّن: عليّ غديريّ، وهو جنديّ متقاعد، يظهر ضمن الخطّة "ب". وهو بالتّأكيد قادم متأخّر إلى مكان الحادث، لكن ظهوره يسمح لنا باكتشاف مخطّط قد يكون موضع عمل الآن.
يبدو أنّ غديريّ يمثّل جزءاً من عمليّة الإفساد العسكريّ للمعركة. وهذا تمرّد يحصل وراء الكواليس، لكنها كواليس شبه عائليّة: أكبر من حاشية الرّئيس التّونسيّ السّابق بن علي، وحتّى عشيرة الأسد، الأسرة الحاكمة في سوريا. إنّها مجموعة برجوازيّة-بيروقراطيّة لديها شريحة ضخمة من الزّبائن. وهي راسخة بين السّكان أكثر من البيروقراطيّة المصريّة، وأقلّ نخبويّة من العائلة المالكة المغربيّة، ويصعب التّحكّم فيها أو التّلاعب بها.

من المهمّ الإشارة إلى الحضور القويّ للشّباب، خاصّة من الطّبقات العاملة، فضلاً عن الحضور النسائي

ومهما كانت هذه الخطط، فقد انفتح خرق في النّظام الحاكم. وهذا يمكن أن يفيد الفصيل الأكثر مهارة من النّاحية التّكتيكيّة داخل الائتلاف الحاكم والمعارضة الّليبراليّة. ولهذا يجب أن نراقب تحركّات غديريّ عن كثب.
وفي الوقت الحاليّ، لم يسع النّظام إلى مواجهة مباشرة؛ إذ يمكنه بسهولة نشر قاعدته، زبائنه، في الشّوارع. وحقيقة أنّه لم يفعل ذلك بعد تعني فقط أنّ المناقشات ما تزال مستمرّة.
لكن الحركة نفسها تنمو، وتتجاوز "المُبادِرين"، إذا كان هؤلاء موجودين بالفعل (وهذه إشارة إلى الادّعاء القائل بأنّ الاحتجاجات كانت مدبّرة بواسطة جزءٍ من السّلطة، من النّظام). ويتزايد الضّغط الّذي تفرضه التّظاهرات على هذه المناقشات. فالمعركة بأكملها يجب خوضها بين خيار "الإصلاحات" (ومن الّذي سينظّمها)، ومن ناحية أخرى، إمكانيّة تكوين جمعيّة تأسيسيّة (و، بالطّبع، مسألة من سينظّمها).
وبالنّظر إلى المستوى الإقليميّ والجغرافيّ-السياسيّ، هل يمكننا رؤية هذا التّمرّد كجزءٍ من العمليّة الّتي بدأت في تونس، كجزءٍ من الثّورات العربيّة؟ أم يجب أن نرى هذه الّلحظة بوصفها أزمة أوسع للرّأسماليّة؟
لا شكّ أنّ التّمرد قد يفجّر موجات من الصّدمة لجيران الجزائر: بالنّسبة إلى تونس، حيث ما يزال الخرق الّذي شقّته ثورة 2011 مفتوحاً، وبالنّسبة إلى المغرب، حيث فتح تمرّد الرّيف خرقاً آخر. والمؤامرات الّتي يجري الحديث عنها اليوم لا تحصل فقط وراء كواليس النّظام الجزائريّ. ناهيك عن الأزمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة البنيويّة الّتي تتطلّب آثارها استجابةً.
اليوم، توجد كرامة أعيد اكتشافها بين الجزائريّين. إنّهم يشعرون بفرحة القدرة، مجدّداً، على التّفكير في مستقبل مثمر، والاستعداد لصراعات قادمة في الطّريق. ولا يمكننا سوى أن نأمل في ألّا تُقاد البلاد ثانيةً إلى الهاوية.


المصدر: جاكوبين

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

وجهان لعملة واحدة.. ما أوجه الشبه والاختلاف بين ترامب وجونسون؟

2019-08-15

ترجمة: علي نوار


يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لتعزيز علاقة التحالف التاريخي بين دولتيهما، رغم أنّ لكلّ منهما دوافعه الخاصة والتي يصعب التوفيق بينها.

ترامب وجونسون سياسيان وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية

وفي كل مرة يحدث فيها تغيير داخل البيت الأبيض أو 10 داونينج ستريت، تسود حالة من الترقّب تجاه مدى التناغم على المستوى الشخصي أو حتى انعدامه بين الشخصين المكلّفين بالحفاظ على ما كان يُنظر إليه باعتباره أمتن تحالف في العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالعودة إلى الوراء في كتاب التاريخ، يتبيّن أنّ الأمر سار على ما يرام حين كانت هناك أيديولوجيا تربط بين زعيمي البلدين- مثل الفكر الليبرالي في حالة رئيس الولايات المتحدة السابق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر- أو البحث عن مسار ثالث في حالة الشابين الأمريكي بيل كلينتون والبريطاني توني بلير- أو قضية مشتركة قوية مثل إلحاق الهزيمة بالنازية التي جمعت بين فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، رغم أنّهما سليلا عائلتين سياسيتين متناحرتين.

اقرأ أيضاً: جونسون والحلف الشعبوي المحافظ

وخلال زيارتها للبيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، كشفت الصور القليلة التي التُقطت بكل وضوح، غياب التفاهم بين ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، رغم أنّ الزيارة عنت بالطبع أنّ العلاقات لم تُمسّ. إلّا أنّ استقالة ماي بعد هذه الزيارة بعامين ونصف العام تقريباً ووصول بوريس جونسون إلى داونينج ستريت أسهم في زيادة التوقّعات بتعضيد العلاقات الثنائية الخاصة بدرجة أعمق.

رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي

لا يمكن بتاتاً التغافل عن التوافق بين ترامب وجونسون. فهما سياسيان غير تقليديين، وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات، كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية. ربما يكون صحيحاً أنّ جونسون صرّح حين كان لا يزال عمدة العاصمة لندن بأنّ السبب الوحيد الذي يحول دون زيارة مناطق معينة من نيويورك هو "الخطر الحقيقي" المتمثّل في لقاء دونالد ترامب. لكن المديح الذي كاله الرجل فيما بعد لرجل الأعمال النيويوركي يبدو أنّه نجح في رأب الصدع الذي شاب العلاقة بينهما. ويهدف الطرفان اليوم لتعزيز العلاقات الثنائية القوية. بيد أنّ المشكلة تكمن في اختلاف دوافع كلّ منهما والتي يتعذّر تحقيق التوافق بينها.

اقرأ أيضاً: جونسون على خطى ترامب

ويتطلّع جونسون لاتفاق تجاري كبير يعلّق عليه آمالاً عريضة في تخفيف العواقب الوخيمة المتوقّعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). في المقابل، يبحث ترامب عن حليف له في الجبهات العديدة التي فتحها على الساحة السياسية العالمية. ومن الواضح أنّ أياً من الرجلين سيعثران بسهولة على ضالتهما في الشريك الآخر القابع على الجانب المقابل من المحيط الأطلسي.

نجح الزعيمان بتحويل الطابع المحافظ الذي اتّسم به حزباهما لنوع من القومية الجديدة

ولا تتبنّى بريطانيا سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران، ولا مواقفها إزاء ملفات مثل التغيّر المناخي ومستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وبالقطع ليس السياسة الأمريكية العدائية في التعامل مع التهديد الاستراتيجي الذي تمثّله الصين، الدولة التي تنوي لندن الاتجاه إليها بعد البريكست. ولعلّ أبرز ما ميّز مسيرة جونسون السياسية هو الانسيابية التي يغيّر بها مواقفه. رغم أنّ النظام البرلماني البريطاني لديه ما يقوله بشأن هذه السياسات لمجلس العموم حيث لا يحظى جونسون بأغلبية مريحة من الأعضاء المؤيدين له.

علاوة على ذلك، لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ، رغم أنّه وبعد مرور 48 ساعة فحسب على تولّي جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا، تحدّث الزعيمان عن "فرصة سانحة" تلوح في الأُفق لتقوية الروابط الاقتصادية. كل ذلك رغم أنّ ترامب أظهر بعد مرور ثلاثة أعوام من تواجده داخل البيت الأبيض أنّ العلاقات الشخصية تعتمد كلّية على تنفيذ نظرائه لما يريده هو. لكن لا يمكن لأحد التشكيك حيال قُرب دخول ترامب وجونسون في فترة وردية، بدأت مؤشراتها خلال قمة الدول السبع الكبار (جي7)، خاصة مع وجود هدف مشترك لديهما هو العبث مع بروكسل. بيد أنّ لا أحد يستطيع الجزم في الوقت ذاته بأنّه فور تقارب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، أن يتخلّى ترامب على الفور عن شعاره (أمريكا أولاً).

لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ

والواقع أنّ لندن لا تتوفّر على هامش كبير للمناورة في المفاوضات. فبريطانيا تمتثل منذ عقود طوال للمعايير الأوروبية، ولن يكون من السهل بالنسبة لجونسون تخفيف وقع هذه العملية الطويلة كي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الزراعة والعقاقير الطبية، لدخول السوق البريطانية بدون الدعم البرلماني المتواضع. وكلّما تباعدت المسافة عن المعايير الأوروبية، كان من السهل إحراز تقدّم في اتفاق تجاري، لكن هذا الأمر سيستلزم في التوقيت عينه تشديد الرقابة على الحدود الأيرلندية. وفي المقابل يرفض الكونغرس الأمريكي، مثلما حذّرت رئيسته نانسي بيلوسي، أي اتفاق من شأنه إقامة حدود مع بين شطري أيرلندا وينتج عنه تقويض السلام في الجزيرة.

صرّح ترامب مؤخراً بأنّ جونسون رجل صالح إنّه صلب وذكي يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا" ويقولون إنّ هذا شيء جيّد

وتوجد على المحك واردات وصادرات متبادلة قفزت قيمتها الإجمالية عام 2018 إلى 262 ملياراً و300 مليون دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية. وتعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأبرز للمملكة المتحدة (رغم أنّ حجم التبادل الثنائي لا يمثّل 30% من التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017). أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ بريطانيا تحتلّ المركز السابع في ترتيب الشركاء التجاريين لها.

لقد نجح الزعيمان في تحويل الطابع المحافظ التقليدي الذي لطالما اتّسم به حزباهما إلى نوع من القومية الجديدة، قاطعين الوعود لناخبيهما بالعودة إلى حقب ماضية. "جعل أمريكا عظيمة من جديد" في حالة ترامب و"استعادة السيطرة" في حالة جونسون. وفي طريقهما نحو أضغاث الأحلام هذه، يطرح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا رؤية غريبة للعلاقات الثنائية تتبلور في التخلّص من النظام متعدّد الأطراف القائم على الصعيد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن في التأسيس لقيامه.

رئيسة الكونغرس الأمريكي  نانسي بيلوسي

لكن ما هي أوجه الشبه بين الرجلين؟

أثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، مرّ رئيس الوزراء البريطاني بتجربة فريدة من نوعها بالنسبة له شكا منها فيما بعد، فقد أحاط به المصوّرون والمارّة الفضوليون الذين كانوا يطلبون إليه التقاط الصور معه ومنحهم توقيعه.

ليس الأمر أنّه لا يحبّذ أن يكون مشهوراً في شوارع نيويورك، واحدة من أكثر مدن العالم تنوّعاً من الناحية الثقافية، ولا لأنّ شهرته كعمدة لندن قد عبرت المحيط الأطلسي، لكن الحقيقة كانت أنّ الناس خلطت بينه وبين أحد أغرب الشخصيات وإثارتها للجدل في المدينة؛ رجل الأعمال ونجم التلفزيون دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: جونسون يتسلّم رئاسة الحكومة.. أهم ما ينتظره فيها

ويروي جونسون "كنت في نيويورك وحاول بعض المصوّرين التقاط الصور لي، بل أنّ فتاة عبرت الطريق تجاهي ثم توقّفت وقالت "يا إلهي! هل هذا ترامب؟" كانت واحدة من أسوأ اللحظات على مدار رحلتي".

كايل سميث: يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر أنباء كاذبة

بعدها بفترة وجيزة، عاد جونسون للتعبير عن "قلقه العميق" من فكرة وصول رجل الأعمال الأمريكي إلى سدة الحكم. لذا يُعتبر رئيس الوزراء البريطاني الحالي هو أول شخصية عالمية تصنّف ترامب بأنّه "لا يصلح" لشغل هذا المنصب، لكن الوقت مرّ وبات الاثنان على رأس قوتين عالميتين، ويبدو أنّ أيام الريبة قد باتت من الماضي. وقد صرّح رئيس وزراء بريطانيا أنّه يودّ العمل مع ترامب، وأنّه يرى ثمة مستقبل "رائع" للعلاقات بين البلدين.

لكن الإطراء لم يكن يسير في اتجاه واحد، فمن البيت الأبيض صدرت الإشادة أيضاً حين صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً، أثناء مؤتمر انعقد في العاصمة واشنطن، بأنّ "بوريس جونسون رجل صالح. إنّه صلب وذكي. يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا"، ويقولون إنّ هذا شيء جيّد"، والحقيقة أنّ ترامب لم يكن الأول ولا الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة.

 صرّح جونسون أنّه يودّ العمل مع ترامب وأنّه يرى أنّ هناك مستقبلاً رائعاً للعلاقات بين البلدين

فمنذ وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء البريطانية الكائن في العقار رقم 10 بشارع داونينج ستريت في لندن، انطلقت وسائل الإعلام على جانبي الأطلسي تعقد المقارنات وتسلّط الضوء على أوجه الشبه الكبير بين جونسون وقرينه المقيم بجادة بنسيلفانيا في المبنى رقم 1600.

ويرى الكثيرون أنّ نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع، فرغم أنّ هناك فارق 20 عاماً في العمر بينهما، إلّا أنّ قصتي حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة، فقد وُلد الاثنان في نيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة؛ حيث درس ترامب في جامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بجامعة أوكسفورد المرموقة عالمياً، رغم أنّ البريطاني تحصّل على منحة دراسية، فيما اعترف الأمريكي بأنّه طلب المعونة المالية من أسرته كي يستكمل دراسته.

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟

كما أنّ الزعيمين سلكا مسارات غير معتادة في طريقهما نحو السلطة؛ حيث فعل ترامب ذلك بفضل إمبراطوريته العقارية الهائلة وخاصة برامجه التلفزيونية، بينما وصل جونسون لمراده بفضل مسيرته العملية كصحفي ونجم مدعو في برنامج استعراضي تلفزيوني شهير.

جونسون متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالبلاغة على النقيض من ذلك تبدو خطابات ترامب كمزيج من أفكار غير مترابطة

بالمثل، يعُتبر 2016 عاماً فاصلاً بالنسبة للحياة السياسية للاثنين: حين فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي أُجريت ذلك العام، وكذا حين دُعي البريطانيون للاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولم يكن أحد يتصوّر وصول جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية.

كتب الصحفي كايل سميث في مجلة (ناشونال ريفيو) ذات الميول المحافظة أنّ "صعود جونسون يشبه صعود ترامب، لذا لا يحب النخبة السياسية، وهو لا يروق بالمثل لأفراد هذه النخبة ولا يثقون به"، علاوة على ذلك يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر "أنباء كاذبة".

ترامب وجونسون لمع نجمهما بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد

بالمثل، يُتّهم الاثنان بالكذب وبثّ الهراء في خطاباتهما، وقد سبق أن تعرّض جونسون للفصل من جريدة كان يعمل بها بعد فبركته مقابلة صحفية، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي يُنظر لترامب دوماً على أنّه يفتقر للصواب السياسي وخطاباته المثيرة للجدل وانحرافاته وتصريحاته العدائية المستفزة، فضلاً عن دأبهما على تغيير معاييرهما وآرائهما التي تتأرجح حتى بين نقيضين في ليلة وضحاها حسبما تقتضي الأمور.

اقرأ أيضاً: هذا رأي الأمريكيين بالرئيس ترامب.. استطلاع

فقبل أسابيع معدودة، لاحظت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية واسعة الانتشار أنّ البريطاني- مثله في ذلك الأمريكي- هو "رجل أبيض ممتلئ الجسم ذو شعر أشقر، لديه قاعدة من المريدين، وحياة شخصية غير واضحة المعالم، وعلاقة ضعيفة للغاية مع الحقيقة والمبادئ"، وقد ظهر ذلك بشكل جليّ حين قرّر جونسون وفي اللحظات الأخيرة اتخاذ الجانب المؤيّد للبريكست خلافاً لقناعات رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون رغم انتمائهما لنفس الحزب- (المحافظين)- نكاية في الأخير ومن أجل مصلحته الشخصية فقط بدافع الانتهازية.

نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع فقصتا حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة

ووفقًا لأنتوني زاركر، خبير الشؤون الأمريكية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإنّ كلّاً من ترامب وجونسون لمع نجمهما في سماء الساحة السياسية بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد؛ حيث يرى أنّ "الاثنين يُظهران إيماناً مطلقاً بقوة إرادتهما في سبيل تجاوز العقبات، وهو عنصر يعتقد الآخرون أنّه لا يمكن التغلّب عليه".

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة في الحياة الشخصية وأسلوبهما الفريد، يظنّ الكثيرون أيضاً أنّ الرجلين يمثّلان مرحلة خاصة في التاريخ الحديث، مع وصول أزمة الزعامة بالنسبة للأحزاب التقليدية إلى قمة المنحنى، وبالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية والقومية الأكثر تشدّداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التاريخ الطويل من التصريحات المسيئة للأقلّيات والأشخاص المنحدرين من جماعات عرقية بعينها.

اقرأ أيضاً: ترامب يوظّف عنصريته للفوز في الانتخابات.. هذا ما قاله

فمنذ بداية حملته الانتخابية، وضع ترامب المكسيكيين في مواجهة هجماته العنيفة وانتقاداته الحادة، ولم تسلم النساء من الهجوم كذلك، ثم طلب مؤخّراً إلى أربع نائبات ديمقراطيات في الكونغرس، يعارضن سياسات إدارته، أن يعدن إلى بلادهن "التي تعجّ بالجريمة" رغم حملهن الجنسية الأمريكية إلّا أنّ أيّاً منهن تنحدر من العرق الأبيض.

أما جونسون، فيتلقّى الانتقادات بشكل مُعتاد بسبب تصريحاته التي تنمّ عن سخريته من المسلمين والأشخاص من أصحاب البشرة السمراء.

ويشترك الاثنان في أنّهما قدّما أنفسهما بوصفهما "منقذ من الفوضى" التي تعيشها بلادهما.

فقد أعلن ترامب عام 2016 حين فاز بالانتخابات التمهيدية ونال ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية "اقتحمت معترك الحياة السياسية حتى يتوقّف الأشخاص ذوي النفوذ عن ضرب هؤلاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لا أحد يعرف النظام مثلما أفعل أنا، لذا فإنّني الوحيد القادر على إصلاحه".

بينما تعهّد جونسون مؤخّراً بـ "إضفاء الحيوية" على بلاده التي شبّهها بـ "عملاق نائم"، مردفاً "سنستغلّ جميع الفرص التي يوفّرها وصول روح جديدة إلى السلطة. سنستعيد الثقة من جديد في أنفسنا وفيما بوسعنا تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل ترامب عنصري؟ 10 تغريدات تكشف الحقيقة

عمد السياسيان إلى إظهار نفسيهما على أنّهما الأنسب لتسوية بعض الملفّات الأكثر إثارة للجدل في بلديهما، فقد اعتبر ترامب نفسه "خبيراً لا يُشقّ له غبار في المفاوضات" سواء فيما يتعلّق بالخلاف مع كوريا الشمالية أو عملية السلام بالشرق الأوسط أو التوتّر التجاري، الذي انتهى في آخر المطاف بحرب تجارية. وعلى الرغم من عدم تحقيقه أي شيء يُذكر في المفاوضات، لكن الرئيس الأمريكي يصرّ على أنّ طريقته تسير في الاتجاه الصائب.

وُلد الاثنان بنيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة حيث درس ترامب بجامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بأوكسفورد

من جانبه، تعهّد جونسون بإنهاء الملفّ المضني الذي كلّف سلفيه منصبهما: مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، حيث وعد بإنجاز المهمة قبل 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهو الوعد الذي يعتقد حتى المدافعون عن "بريكست حاد"- مثل القومي نايجل فاراج- باستحالة الوفاء به، رغم تمسّك رئيس الوزراء بهذا الأمر، معتبراً أنّ المسألة بالنسبة له هي "خروج أو موت" وتشديده على أنّه الوحيد الذي بوسعه إنجاز هذا العمل.

لكن هل يعني كل ذلك عدم وجود أي نقاط اختلاف؟ بالقطع لا فهناك مواضع تباين واضحة للغاية.

يذكّر الخبراء بأنّ الخبرات التي يتمتّع بها الرجلان متباينة إلى حد بعيد، لذا فإنّ مشروعاتهما قد تكون مختلفة بالتالي: فترامب بدأ مسيرته السياسية بحملته الرئاسية قبل أربعة أعوام، بينما يحمل جونسون في جعبته خبرة سياسية تمتدّ لقرابة عقدين، وسبق وأن شغل مناصب حكومية عدة.

اقرأ أيضاً: من جديد.. تغريدات عنصرية لترامب تثير جدلاً واسعاً

كما أنّ البريطاني متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالتراص والبلاغة حين يفتح فاه. على النقيض من ذلك تماماً، تبدو خطابات ترامب- حين لا تكون مقروءة- كمزيج من أفكار غير مترابطة فيما بينها.

علاوة على ذلك، فإنّ النظام السياسي مختلف؛ ولا يحظى رئيس الوزراء البريطاني بصلاحيات كبيرة مقارنة برئيس الولايات المتحدة، ويجرى انتخاب كل منهما بطرق متباينة. فلم يفز ترامب في التصويت الشعبي، حيث وصل للبيت الأبيض بـ62 مليون و979 ألف و879 صوتاً، في المقابل انُتخب جونسون بفارق 159 ألف و320 صوتاً فحسب، وهو رقم ضئيل للغاية.

وجّه ترامب انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما

لكن بعيداً عن أنظمة الحكم، فإنّ الأفكار السياسية لدى كل من ترامب وجونسون تتباين فيما بينها هي الأخرى، فإذا كان ترامب ينكر حقائق مثل الاحتباس الحراري وقرّر إخراج بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فإنّ جونسون يؤكّد التزامه في هذا الصدد، ولا يتوانى عن التشديد على أنّ بلاده ستظلّ داخل الاتفاقية التي تهدف للحدّ من الانبعاثات الملوّثة.

اقرأ أيضاً: بالصور: ترامب وكيم..خصومة فغزل فلقاء عند الحد "المتأزم"

كذلك، وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما، وأعلن العام الماضي مغادرة بلاده للاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي رفع منذ ذلك الحين حدّة التوتّر في منطقة الخليج. ورغم دعوته لخفض أسعار العقاقير الطبية، إلّا أنّه عاد واستبعد تدخّل إدارته في النظام الصحي الذي يهيمن عليه التأمين الخاص باهظ الثمن.

من جانبه، بدا رئيس الوزراء البريطاني مؤيّداّ للإبقاء على الاتفاق النووي مع طهران، ويدافع بقوّة على النظام الصحي في بلاده.

أما فيما يخص سياسة الهجرة، ونظراً لوقوف عمدة لندن السابق شاهداً عياناً على الدور الذي لعبه العاملون الأجانب في تنمية العاصمة البريطانية، وصل الأمر بجونسون إلى درجة اقتراح منح العفو عن جميع هؤلاء الذين أقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. رغم أنّ الخبراء يتّفقون على أنّه وترامب ربما يغيّران مواقفهما بين يوم وليلة، وأنّ سياسة المملكة المتحدة بدأت في السير سريعاً نحو نفس الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة: التخبّط.


المصادر:

مقال للكاتب بابلو جيمون: https://bit.ly/2MGUr9K

مقال نشرته النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): https://bbc.in/32MMhSZ

للمشاركة:

مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات

2019-08-13

ترجمة: علي نوّار


هل باتت أجهزة الاستخبارات الألمانية مُخترقة من قبل النازيين الجدد؟ هذه هي الفرضية الباعثة على القلق والتي ظهرت عقب اغتيال سياسي مؤيّد للهجرة ووقوع هجمات أخرى على يد عناصر اليمين المتشدد في البلاد.

اقرأ أيضاً: ألمانيا في مواجهة اليمين المتطرف

يشير قطاع من الخبراء إلى وجود صلة محتملة بين أجهزة الأمن الألمانية ومتطرّفين من اليمين المتشدّد، الأمر الذي قد يعني عملياً استحالة مكافحة جرائم الكراهية.

يشير قطاع من الخبراء إلى وجود صلة محتملة بين أجهزة الأمن الألمانية ومتطرّفين من اليمين المتشدّد

يعيش في ألمانيا حالياً 12 ألف و700 متطرّف عنيف، طبقاً لبيانات المكتب الفيدرالي لحماية الدستور. لكن بعض الخبراء ألمحوا إلى أنّ هذا الجهاز، الشرطة السرية في البلاد، ربما يعاني مشكلات في الحقيقة عند محاولة الحدّ من هذا الرقم، بسبب صلاته المحتملة باليمين المتشدّد.

وتدور على وجه التحديد تفاصيل مثيرة للشبهات حول اغتيال السياسي المؤيد للهجرة، فالتر لوبكه، وكذلك هجمات أخرى وقعت مؤخّراً ويُعتقد أنّها وقعت بسبب دوافع سياسية، أثار ذلك فرضية أنّ أجهزة الاستخبارات الألمانية ربما تكون مُخترقة من قبل نازيين جدد جرى تجنيدهم قبل أعوام.

أنصار اليمين الألماني يحتجون في شيمنيتز، ألمانيا، في 27 أغسطس 2018

يوضّح الصحفي، ديرك لابس، المتخصّص في شؤون جماعات اليمين المتشدّد لموقع (مندوزا) أنّ الشكوك ظهرت بعد 5 أعوام من التحقيقات بشأن جماعة (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) والتي قتلت 9 مهاجرين وضابطة شرطة في الفترة بين عامي 2000 و2007 قبل أن يختفي كل أثر لها.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين

ففي العام الماضي صدر حكم بالسجن المؤبّد على بياتي شابه، العضوة السابقة في (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) في محاكمة يؤكّد ذوي الضحايا أنّها لم تشهد مطلقاً الكشف عما وصلت إليه أجهزة الاستخبارات في ألمانيا من معلومات بشأن الجماعة أو معرفتها بعمليات القتل التي ارتكبتها.

يعتبر شولتس أنّ الثقة في أجهزة الاستخبارات تعرّضت للتقويض الشديد لدرجة أنّه بات يتعذّر للغاية حمايتها

وتتحدّث وسائل الإعلام المحلية الآن عن صلة محتملة بين هذه الجرائم وواقعة اغتيال لوبكه، التي أُلقي القبض بموجبها على ستيفان إرنست، وهو شخص على علاقة بجماعات من اليمين المتشدّد. وبحسب مجلة (دير شبيغل)، فإنّ إرنست كان على معرفة بعميل سرّي كان يتواصل بدوره مع (مكتب حماية الدستور) عن طريق أندرياس تيمه، وهو مسؤول كان حاضراً في لحظة ومكان وقوع جريمة القتل التاسعة التي ارتكبتها (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) لكنّه لم يدل أبداً بشهادته في هذا الصدد، ولم تجر محاكمته كذلك.

يقول لابس: "قبل التحقيقات بشأن (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) لم يكن بوسع أحد أن يتخيّل على الإطلاق أنّ الدولة تمنح المال لنازيين جدد خطرين، لكن يتّضح أنّ الغالبية العظمى من قيادات الحركات النازية المسلحة كانوا عملاء سابقين"، كاشفاً أنّ التحقيقات تشير إلى "اجتماعات لقيادات عصابات حصل أربعة من كل خمسة منهم على المال من جانب الدولة".

ويُعتقد أنّه في العام 2011، وبعد ساعات من تسليم شابة نفسها للشرطة، أمر مسؤول رفيع المستوى بتدمير سجلّ يحوي بيانات حول أجهزة الاستخبارات الألمانية. ويتكهّن تانييف شولتس، مؤلّف عدة كتب عن (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) بأنّ السجلّات التي تعرّضت للإتلاف لم تكن تتضمّن معلومات حول الجماعة المتشدّدة بل "أدلة حول جمعها لمعلومات".

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟

وقد سجّلت السلطات الألمانية ارتفاعاً في معدلّات وقوع الجرائم بجميع الولايات الفيدرالية تقريباً منذ العام 2017. وشهد العام الماضي وحده رصد ألف و200 حالة اعتداء بدني ولفظي ضد موظفين حكوميين. بينما جرى تقليص التقرير الناتج عن التحقيقات حول (الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض) إلى 250 صفحة قدّمها المكتب الفيدرالي لحماية الدستور، إلّا أنّ السلطات قرّرت عدم الكشف عنه حتى عام 2134 نظراً لطبيعته.

لذلك يعتبر شولتس أنّ "الثقة في أجهزة الاستخبارات تعرّضت للتقويض الشديد لدرجة أنّه بات يتعذّر للغاية حمايتها".

يسعى اليمين المتشدّد لكسر الحظر المفروض عليه في ألمانيا

وعلى التوازي، يسعى اليمين المتشدّد لكسر الحظر المفروض عليه في ألمانيا رغم رفض المستشارة أنجيلا ميركل لذلك، إلّا أنّ الضغوط تتزايد من داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي من أجل إبرام اتفاقات مع حزب (بديل من أجل ألمانيا) الشعبوي الذي يُعتقد أنّه سيحصل على 20% من الأصوات في الانتخابات الإقليمية المزمع إجراؤها الخريف المقبل.

لكن إمكانية التوصل لاتفاقات مع المحافظين تضفي قدراً من التوتر على النزاع بين الجناح العملي والمتشدّد في الحزب الشعبوي.

لابس: قبل التحقيقات بشأن الاشتراكيين الوطنيين لم يكن بوسع أحد أن يتخيّل أنّ الدولة تمنح المال لنازيين جدد خطرين

يبذل اليمين المتشدّد قصارى جهده للوصول إلى سدّة الحكم، إلّا أنّه سيكون بحاجة لإبرام اتفاقات يبدو أنّ التوصل لها حالياً ضرباً من المستحيل. لذا جرى مؤخّراً تسليط الضوء على واقعة فريدة من نوعها حين قرّرت مونيكا شفايدرفان، عمدة بلدية فرانكنشتاين الصغيرة في غرب ألمانيا، تجاوز لوائح حزبها الديمقراطي المسيحي وأبرمت اتفاقاً مع حزب (بديل من أجل ألمانيا) الذي يمثّله في المجلس البلدي زوجها، هورست فرانتس.

كان هذا الاتفاق باهظ الثمن. فبعد ساعات من خرق اللوائح، تقرّر فصل شفايدرفان من عضوية الحزب الديمقراطي المسيحي. ورغم أنّها تبدو علامة محدودة التأثير، إلًا أنّها تعكس ارتفاع وتيرة الجدل الدائر داخل أوساط المحافظين الألمان بشأن الحظر على التيار الوطني المتشدّد. رغم استبعاد الحزب الذي تتزعّمه ميركل خلال المؤتمر العام للحزب الذي انعقد في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بمدينة هامبورج أي "تعاون" مع حزب (بديل من أجل ألمانيا) بهدف وقف تطلّعاته.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

لكن ونظراً لتقلّص المسافة الانتخابية بين الحزبين، يبدو أنّ هذا الإطار الفاصل أصبح موضع اختبار. ويرفض قطاع من الحزب الاعتراف بالمتشدّدين كقوة معارضة مشروعة، رغم أنّ آخرين مثل المرشح السابق لزعامة الحزب، فريدريش ميرتس، يرون أنّ من الخطأ استبعاد (بديل من أجل ألمانيا) باعتبار أنّ الحظر المفروض عليه هو أثمن هدية حيث يمكنه لعب "دور الضحية" الذي يتغذّى عليه. وهناك حوار داخلي بين الديمقراطيين المسيحيين في هذا الصدد حالياً.

حظر ذو فجوات

وبعيداً عن تعليمات الهيئة العليا، فالواقع أنّ الثقل المتزايد الذي يكتسبه اليمين المتشدّد بدأ يجذب انتباه بعض أعضاء وناخبي الحزب الديمقراطي المسيحي. فقد أظهر استطلاع رأي كان قد أُجري في نهاية حزيران (يونيو) الماضي أنّ 49% من الذين شملهم الاستطلاع في شرق ألمانيا، المنطقة المُفضّلة بالنسبة لليمينيين المتشدّدين، يطالبون بـ"عدم استبعاد التعاون" مع (بديل من أجل ألمانيا)، بينما ما يزال 46% يرفضون ذلك. أما في الغرب الألماني فالفارق شاسع حيث تقفز نسبة الرافضين للتعاون مع اليمين المتشدّد إلى 68%، مقابل 28% فحسب لا يمانعون إبرام اتفاقات.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟

وفي بلدة بنتسلين الصغيرة الواقعة بولاية ماكلنبورج فوربومورن شرقي البلاد، يبدو أنّ هذا الإطار قد انكسر للمرة الأولى حيث يتعاون الاتحاد الديمقراطي المسيحي منذ الانتخابات المحلية في آيار (مايو) الماضي، رغم معارضة برلين.

 يورج مويتين

عملية فائقة

طوال أعوام، روّجت ميركل لسياساتها بوصفها "بلا بديل". لكن رفض هذه السياسات كان هو الركيزة التي قام عليها (بديل من أجل ألمانيا) وكذلك القطاعات الأكثر محافظة وتشدّداً وقومية من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ورغم رفع (بديل من أجل ألمانيا) على مدار الأعوام الخمسة منذ نشأته للواء انتقاد ميركل، لكن من الواضح أن ليس ثمة طريق نحو السلطة خلافاً لـ "سنّ سياسات عملية مع الآخرين"، وهو الأمر الذي صرّح به رئيس الحزب، يورج مويتين.

سجّلت السلطات الألمانية ارتفاعاً في معدلّات وقوع الجرائم بجميع الولايات الفيدرالية تقريباً منذ العام 2017

وتبدو الرياح مواتية لأشرعة (بديل من أجل ألمانيا) قبيل الانتخابات الإقليمية التي تُجرى في ألمانيا الخريف المقبل. ويتطلّع الحزب القومي المتشدّد لحصد ما يفوق الـ20% من الأصوات في ولايات براندنبورج وساكسونيا وتورينجن، وهو ما سيخوّله لأن يكون لاعباً أساسياً في تشكيل الحكومة. وانطلاقاً من وعيه بذلك، أخذ الحزب بالفعل في الحراك من أجل التقارب مع القطاعات الأكثر محافظة من الديمقراطيين المسيحيين الذين ينتابهم الشعور بالقلق وتسعى قيادتهم للحيلولة دون حدوث أي اتفاق مع الشعبويين. وقد عبّرت خليفة ميركل في زعامة الحزب، آنيجريت كرامب-كارنباور، عن ذلك التوجّه بشكل قاطع بكلمة واحدة هي "أبداً". ورغم أن احتمالية إبرام اتفاق تبدو بعيدة المنال في الوقت الراهن، إلا أنّ مويتين يؤكّد من جانبه أنّ المحادثات "بدأت بالفعل".

صراع داخلي

تعدّ الخلافات مرادفاً للسياسة تقريباً، لكن حزب (بديل من أجل ألمانيا) يشهد منذ نشأته نزاعات داخلية باتت هي جوهر تأسيسه. وقد كانت إمكانية إبرام اتفاق مع المحافظين بمثابة إذكاء للنار المستعرة بالفعل بين الجناح الأكثر عملية في الحزب والآخر الأكثر تشدّداً، وهو الخلاف الذي سيكون له بالغ الأثر في نتائج الانتخابات المرتقبة في خريف العام الجاري. وسيتعيّن على الحزب وقتها أن يقرّر؛ إمّا خفض حدة خطابه العدائية من منطلق وقوفه في موقع القوة أو الإبقاء على اللهجة الحادة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟

علاوة على ذلك، يعقد (بديل من أجل ألمانيا) أواخر العام الجاري قمة جديدة من أجل انتخاب هيئة فيدرالية للحزب ستشهد صداماً قوياً. حيث يرغب مويتين في إعادة انتخابه مجدّداً رئيساً للحزب، لكن يقف له بالمرصاد بيورن هوكه، رئيس الحزب في ولاية تورينجن وممثّل الجناح الأكثر تقارباً مع النازيين الجدد. وسيرسم هذا الصراع بشكل كبير مسار إستراتيجية الحزب اليميني المتشدّد في المستقبل القريب.


مقال حول احتمالية اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات الداخلية في ألمانيا، بالتزامن مع قرب الانتخابات الإقليمية الخريف المقبل.
المصادر:

روسيا اليوم : https://bit.ly/2GHbRPI
مقال كارليس بلانا بو في صحيفة (البريوديكو) الإسبانية:  https://bit.ly/2KnNTKr

للمشاركة:



رفض عربي ودولي للاعتداء الإرهابي على حقل الشيبة السعودي.. تصريحات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

توالت الإدانات الدولية للحادث الإرهابي الذي استهدف حقل الشيبة النفطي في السعودية، أمس؛ حيث دانت دولة الإمارات الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية، عن طريق طائرات مسيَّرة بدون طيار "درون" مفخخة، أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية.

واستنكرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان نشرته، اليوم، وكالة "وام"، بشدة، هذا العمل الإرهابي، الذي يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويشكّل خطراً جسيماً على إمدادات الطاقة للعالم أجمع.

الإمارات تدين الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة بالسعودية

وجدّدت دولة الإمارات تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، ووقوفها التام إلى جانب الأشقاء في المملكة، وتأييدها ومساندتها لها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، ودعمها الإجراءات كافة التي تتخذها في مواجهة التطرف والإرهاب.

وأكّد البيان؛ أنّ أمن دولة الإمارات العربية المتحدة وأمن المملكة العربية السعودية كلٌّ لا يتجزأ، وأنّ أيّ تهديد أو خطر يواجه المملكة تعتبره الدولة تهديداً لمنظومة الأمن والاستقرار في الإمارات.

وفي هذا السياق؛ أعرب مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية عن إدانة واستنكار دولة الكويت الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة البترولي في السعودية.

وأوضح المصدر؛ أنّ "هذا العمل الذي يستهدف أمن واستقرار المملكة العربية السعودية وإمدادات الطاقة العالمية يتطلب جهداً عالمياً لوقفه بما يجنب المنطقة أزمات وصراعات ومزيداً من التوتر".

الكويت تعبّر عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة من قبل الحوثيين

وأكّد وقوف الكويت التام إلى جانب السعودية، وتأييدها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لصيانة أمنها واستقرارها.

بدورها، دانت الحكومة الأردنية، أمس، "الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة باستخدام طائرة مسيّرة مفخخة".

ورأى الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، السفير سفيان القضاة، أنّ هذا العمل الإرهابي "تصعيد يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويزيد من التوتر في المنطقة".

وأكّد، في بيان صحفي، تضامن الأردن الكامل ووقوفه إلى جانب السعودية "في كلّ ما تتخذه من إجراءات للحفاظ على أمنها واستقرارها والتصدي للإرهاب بكل صوره وأشكاله".

الأردن يدين الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة ويؤكّد تضامنه الكامل مع السعودية

من جهتها، دانت مصر، بأشدّ العبارات، الهجوم على حقل الشيبة جنوب شرق السعودية.

وجدّد بيان لوزارة الخارجية المصرية "تضامن مصر حكومةً وشعباً مع حكومة وشعب المملكة العربية السعودية الشقيقة، ودعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار المملكة ضدّ محاولات النيل منها".

وحذّر البيان من "استهداف المنشآت الحيوية في السعودية بما في ذلك المساس بسلامة البنية التحتية للطاقة".

في السياق ذاته؛ أعربت أفغانستان عن استنكارها الشديد للهجوم الإرهابي الذي وقع صباح السبت في إحدى الوحدات بحقل الشيبة البترولي.

وأكّدت أفغانستان "إدانتها لكلّ الأعمال التخريبية والإرهابية" و"تضامنها التام" مع السعودية في الوقوف بحزم ضدّ ما يمسّ أمنها واستقرارها، ويستهدف منشآتها الحيوية المدنية.

مصر تتضامن مع السعودية، حكومة وشعباً، وتدعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمنها واستقرارها

وأوضحت؛ أنّ "هذه الأعمال الإرهابية التخريبية ما هي إلا امتداد للاستهداف المتواصل لإمدادات الطاقة في العالم بشكل عام، وفي المنطقة على وجه الخصوص، وهذه السلسلة المتواصلة من الاعتداءات الجبانة تتطلّب من المجتمع الدولي تكثيف جهوده لوقف ومنع هذه الاعتداءات على إمدادات الطاقة حفظاً للاقتصاد العالمي".

بدورها، أعربت جيبوتي عن إدانتها وبأشد العبارات للاعتداء الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة النفطي.

وقال سفير جيبوتي لدى السعودية، ضياء الدين سعيد بامخرمة: إنّ "جيبوتي تعدّ هذا الاعتداء استمراراً للتهديدات التي استهدفت إمداد البترول العالمي".

كما أكّد بامخرمة تضامن جمهورية جيبوتي "المطلق" مع السعودية.

وكانت وزارة الطاقة السعودية قد صرّحت، أمس، بأنّ "إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي، جنوب شرق السعودية، تعرضت لهجوم إرهابي، من قبل ميليشيات الحوثي الإرهابية".

وأوضحت الوزارة؛ أنّ الهجوم "تم عن طريق طائرات مسيرة من دون طيار "درون" مفخخة، ونجم عن ذلك حريق تمت السيطرة عليه، بعد أن خلَّف أضراراً محدودة، ودون أيّة إصابات بشرية"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس".

 

 

للمشاركة:

اعتداء مسلَّح على سعوديين في إسطنبول.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

حذرت السفارة السعودية في تركيا المواطنين السعوديين المتواجدين في إسطنبول، وذلك بعد تعرّض مواطنين سعوديين لاعتداء مسلّح، بمنطقة شيشلي في إسطنبول، أسفر عنه إصابة أحدهما بطلق ناري وسرقة أمتعتهما.

السفارة السعودية في تركيا تحذّر مواطنينها المتواجدين في إسطنبول وذلك بعد تعرّض سعوديين لاعتداء مسلح

وقالت سفارة الرياض لدى أنقرة، في بيان أمس: "نظراً لتعرض مواطنين أثناء تواجدهما في إحدى الكافيهات بمنطقة شيشلي في إسطنبول لاعتداء مسلح من قبل مجهولين، نتج عن ذلك إصابة، أحدهما بطلق ناري، وسرقة أمتعتهما الشخصية؛ تطلب السفارة من المواطنين والمواطنات المتواجدين في مدينة إسطنبول أخذ الحيطة والحذر، كما تنصح بعدم ارتياد منطقتي (تقسيم شيشلي) بعد غروب الشمس"، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط".

ويعدّ التحذير الحالي الذي أصدرته السفارة، أمس، التنبيه السادس الذي أصدره السفارة السعودية، خلال العام الحالي.

وفي الشهر الماضي؛ نبّهت السفارة السعودية لدى تركيا مواطنيها من عصابات تركية تستهدف السائح السعودي، بسرقة جوازات السفر والأموال.

وأكّدت مصادر موثوقة؛ أنّه تمّت سرقة 165 جواز سفر سعودياً خلال أربعة أشهر، في ثلاثة مواقع سياحية تركية، هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش، وجميع أصحابها وصلوا إلى تركيا للسياحة.

يأتي ذلك بعد أن رصدت السفارة تعرّض مواطنين ومواطنات لعمليات نشل وسرقة لجوازات سفرهم ومبالغ مالية في بعض المناطق التركية من قِبل أشخاص مجهولين.

وشدّدت السفارة، في بيان لها، على ضرورة المحافظة على جوازات السفر والمقتنيات الثمينة، والحذر، خصوصاً في الأماكن المزدحمة، داعية المواطنين لعدم التردّد في التواصل معها، أو مع القنصلية العامة بإسطنبول، في حالات الطوارئ.

السفارة السعودية في تركيا تؤكّد سرقة 165 جواز سفر سعودياً في ثلاثة مواقع سياحية هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش

من جهته، أكّد القائم بالأعمال في القنصلية السعودية في إسطنبول، مشاري الذيابي، في تصريح صحفي؛ أنّ "السفارة والقنصلية شكّلتا غرفة عمليات على مدار الساعة لاستقبال البلاغات من المواطنين المقيمين في تركيا، الذين تعرضوا إلى سرقة جوازات سفر، ومبالغ مالية"، مشيراً إلى أنّ "موظفي السفارة يتوجهون على الفور إلى موقع الحادثة"، مشيراً إلى أنّ عدد السياح السعوديين انخفض بشكل كبير عن العام الماضي.

وفي أيار (مايو) الماضي، أفادت سفارة الرياض بأنقرة، في بيان؛ بأنّه ورد إليها كثير من شكاوى المواطنين المستثمرين والملاك، حول المشكلات التي تواجههم في مجال العقار في تركيا، مثل عدم حصولهم على سند التمليك، أو الحصول على سندات تمليك مقيدة برهن عقاري، إضافة إلى منعهم من دخول مساكنهم، رغم تسديد كامل قيمة العقار، إلى جانب تهديدهم من قبل شركات المقاولة.

 

للمشاركة:

هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

يحشد الحرس الثوري الإيراني قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق، ما يرجّح تحضيره لعمليات عسكرية داخل قرى عراقية.

وأفادت المصادر، التي نقل عنهم موقع "السومرية" الإخباري؛ بأنّ "قوات تابعة للحرس الإيراني بدأت تتجمع بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، قرب الأراضي العراقية في إقليم كردستان".

الحرس الثوري الإيراني يحشد قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق لاستهداف جماعات كردية معارضة

وبيّنت أنّ "الحشد الإيراني الجديد يؤشر إلى احتمال وجود مخططات إيرانية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل قرى عراقية حدودية في الإقليم".

وأضافت: "هذه العمليات تأتي رداً على هجمات نفذتها أجنحة كردية مسلحة معارضة ل‍طهران انطلقت من مناطق عراقية حدودية في كردستان".

وتابعت: "قوات الحرس الثوري اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية، ومنها الاستعداد لقصف مدفعي على مقرات أو مواقع أحزاب إيرانية في بلدات سيدكان وقلعة دزة ومناطق عراقية أخرى حدودية مع إيران".

وأكّد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، خلال تفقده المناطق التي تتولى مهام الحفاظ على أمنها القوة البرية للحرس الثوري في شمال غرب إيران، ومنها المرتفعات الحدودية لمدينتي بیرانشهر وسردشت، المحاذيتين لكردستان؛ أنّ جميع قمم الجبال على الحدود الشمالية الغربية للبلاد خاضعة بشكل كامل لسيطرة وإشراف الحرس الثوري.

 

 

للمشاركة:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

محمد بدر الدين زايد

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط، وبدأت حالة تهدئة غالباً موقتة مع الشريك الاستراتيجي منذ الحرب العالمية الثانية، أي الولايات المتحدة، بعد أن كان مناخ العلاقات في توتر شديد منذ إصرار أنقرة على إتمام صفقة الصواريخ الروسية "اس 400" وحول عدد آخر من الملفات، ولكن يبدو أن واشنطن اختارت بعض التهدئة في المرحلة الراهنة. العدوان التركي على ليبيا مستمر منذ بدء الاضطرابات ضد القذافي. ولكي لا يكون هناك خلط، فإن تأييد أنقرة الثورة ضد القذافي، فهذه رؤيتها السياسية على شرط أن لا تصحبها إجراءات تتضمن محاولة تغيير والتأثير على إرادة الشعب الليبي. وهذا هو ما حدث للأسف. وبالإضافة إلى دعم الميليشيات المسلحة ضد النظام، فقد استمر هذا الدعم بعد إطاحة القذافي واغتياله. وبدت معالم التورط التركي – القطري في مراحل متقدمة وسابقة لآخر انتخابات برلمانية، وهي التي أسفرت عن مجلس النواب الحالي الذي لجأ إلى طبرق منذ منتصف العام 2014. بعدها بدأت تركيا تورطها العدواني ضد الشعب الليبي، ووصل الأمر إلى نقل سفينة تركية لأعداد من مقاتلي "داعش" من الجبهة السورية إلى أحد الموانئ الليبية، ما كان له دور خطير في انقلاب التوازن العسكري لصالح فصيل "فجر ليبيا" الإخواني ضد خصومها والسماح لها بالسيطرة على مطار طرابلس في العام 2014، ومن ثم تكريس الوضع الراهن الذي يشهد آخر تداعياته حالياً مع زحف الجيش الليبي ضد هذه الميلشيات التي تسيطر في شكل مطلق على العاصمة منذ ذلك الوقت. والآن ونحن في هذا الفصل الحرج من المواجهة الصعبة حول العاصمة الليبية، واصلت تركيا نقل أسلحة وذخائر لهذه الفصائل الإرهابية، وهو ما أشرنا إليه هنا غير مرة، متمثلاً في حوادث ضبط السفن التركية أو الاستيلاء على هذه الأسلحة خلال المعارك، وآخرها الطائرات المسيَّرة التركية التي تم إسقاطها وتدميرها. وفي سورية تكتسب طاقة العدوان على الدولة والشعب المزيد من قوة الدفع. فمنذ البداية لعبت تركيا دوراً مشوهاً لثورة الشعب السوري، وعملت على تسليح الفصائل المتطرفة وبخاصة "جبهة النصرة" ذات الصلة بتنظيم "القاعدة". وواصلت هذا بعد تغيير اسمها إلى "هيئة تحرير الشام"، وكانت دوماً طرفاً في المعادلة السورية، ما اضطر روسيا إلى إشراكها في المظلة الثلاثية، أي روسيا وتركيا وإيران، كصيغة لإدارة وتنظيم نظام الوصاية واحتلال هذه الدول للأراضي السورية وليس فقط إدارة الأزمة. وفي العام الأخير أصبحت أنقرة هي الراعي العلني للتطرف ولفصائله المختلفة وأمام أعين العالم كله. ففي ترتيبات إدلب، كان الاتفاق أنها ستنزع السلاح الثقيل الخاص بالفصائل المسلحة، كما ستفصل تللك المتشددة ومنها "القاعدة" و"داعش" عن تلك الأكثر اعتدالاً. وهو طبعاً لم يحدث. وقامت أنقرة بتوظيف وجودها في هذه المناطق شمالي غرب سورية لنقل مزيد من الإرهابيين والمتشددين إلى ليبيا. أما العدوان الأكبر والصريح فتجري تطوراته منذ أكثر من عام، بتحرك قوات تركية مباشرة لاحتلال مناطق من سورية بحجة التصدي لمحاولات إقامة دولة كردية. وأخيراً كان تصعيد الأزمة بتهديدها باحتلال مساحات من الأراضي السورية المتاخمة لها لإقامة منطقة آمنة.

وهي الأزمة التي كان عنوانها الرئيس هو التخوف من احتمال حدوث مواجهة عسكرية ضد القوات الأميركية المصاحبة للقوات الكردية في قتالها ضد "داعش". واختتمت فصول هذه المسرحية الهزلية بالاجتماعات الأمنية التركية - الأميركية التي أسفرت عن ترتيبات غامضة في ما يتعلق بمساحة المنطقة الآمنة التي كانت تركيا تريدها بعمق 35 كيلومتراً وطول 140 كيلومتراً، وواشنطن تريدها أقل من نصف هذا. بينما ما تمَّ الاتفاق عليه هو إنشاء مركز عمليات مشترك ودوريات أميركية تركية مشتركة. ولم تتضح بعد بدقة مساحة المنطقة الآمنة ولكن بدأ الحديث عن حل وسط في ما يبدو بعمق 20 كيلومتراً، وإن كان لا يزال هناك خلاف حول مسألة التدرج في إنشاء هذه المنطقة التي تريدها واشنطن بينما تتعجل أنقرة في هذا. كما أنه من الواضح أن تركيا تريد نقل النازحين السورين الذين كانت تزايد وتتاجر باستضافتهم إلى هذه المنطقة الآمنة، لتطوي صفحة لم تعد في حاجة إليها. ومرة أخرى، وأياً كانت رؤيتي تجاه نهج التعاطي الإقليمي مع المسألة الكردية وضرورة معالجتها في شكل مختلف يتضمن نهج الاحتواء الإيجابي، فإنه يمكن تفهم دواعي تركيا لو كانت تكتفي بضمانات ضد قيام كيان كردي وإعطاء وقت كاف لترتيبات لمعالجة الأوضاع السورية كافة، ولكن الواضح هو تكريس سيطرة تركية على أراض سورية وتعقيد فرص تسوية هذه الأزمة وتصعيب مهمة القضاء على التنظيمات المتطرفة التي تصر أنقرة على مواصلة رعايتها.

وتواصل تركيا التنقيب عن الغاز خارج مياهها الإقليمية في سلوك يعكس ثورة غضبها لما تعتبره استبعاداً لها من "منتدى غاز شرق البحر المتوسط" الذي تلعب فيه مصر دوراً محورياً بالتعاون مع اليونان وقبرص. ولم تنتبه تركيا بالطبع إلى أن عزلتها الإقليمية المتوسطية هي نتاج سياسات من العدوان على مدى قرون، تأكدت حديثاً بغزو قبرص في سبعينات القرن الماضي، وإعلان انفصال الجزء التركي منها واعتباره جمهورية مستقلة، لم يعترف بها أحد في العالم سوى أنقرة التي تتجاهل أن هذا النهج يناهض محور سياستها الخارجية وهو عدم السماح بقيام دولة كردية أو بأي تعديلات للحدود القائمة التي من بينها لواء الأسكندرونة الذي احتلته منذ عقود طويلة. وتتغافل أنقرة عن أن احتلالها لهذا الشق القبرصي يعرقل أي عمليات لترسيم الحدود في شمال شرق المتوسط. بعبارة أخرى، فإن سياساتها العدوانية والمتعالية هي التي خلقت منظومة استبعادها من شرق المتوسط، ثم جاءت رعايتها لمشروع الإسلام السياسي المتطرف لتعمق من مخاوف جيرانها الذين يرون أن هذا التوجه ينطوي على نيات توسعية وأوهام تركية مكشوفة. وفي الواقع فإن هذا الموضوع يتضمن الكثير من التفاصيل والمعلومات التي تكشف مدى تفشي العدوانية في العقل التركي، وهي الدليل الدائم على طغيان طبيعة الشخصية القومية التركية وتاريخها على استمرار هذه السياسة الخارجية، التي يبدو أن غيابها لبعض الوقت في تركيا الحديثة كان فقط تحت السطح، ولم يكن يعكس الواقع. ودليل ذلك هو قِصر هذه الفترات في التاريخ التركي. ومن ثم فإنه عندما طرح وزير خارجية تركيا السابق أحمد داود أوغلو –الذى أصبح رئيسا لوزرائها بعد ذلك لفترة من الوقت، ثم استقال لخلافه مع أردوغان - فكرة صفر مشاكل مع الجيران، وبدا بعض التحسن في أداء السياسة الخارجية التركية، ثم انتكس لتبرز مجدداً المواجهة مع الجيران، ويبرز كذلك التوتر في علاقاتها الأوروبية، ونمط معقد من إدارة الخلافات مع واشنطن. أما مع روسيا، فهناك قدرة على إدارة مصالح وترتيبات مشتركة، ولكنها لا تخفي حقيقة عمق التناقضات الاستراتيجية بين الجانبين، وعلى رأسها الخلاف حول توظيف الإسلام السياسي ومخاوف روسيا الجادة من هذا المشروع.

وأشير أخيراً إلى أمرين؛ أولهما أنني كنت من المتحفظين علمياً على مخاطر التعميم وما نطلق عليه التنميط في فهم ثقافات الشعوب المختلفة، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك أشكالاً تركي معقد في نمط تعاطيها مع الآخرين عموماً أو في ما يتعلق بطموحاتها التوسعية تاريخياً، وثانيها أنني أظن أيضاً أن دولة بهذه التقاليد العدوانية، لن تستطيع الحفاظ على ازدهارها الاقتصادي، الذي يحتاج الحفاظ عليه إلى سياسة خارجية أكثر حصافة وأقل عدوانية وإلى حكم يفهم أن بعض المكاسب قصيرة الأجل قد يتم دفع ثمن باهظ لها في مراحل تالية.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

بابكر فيصل

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وجدت جماعة الإخوان المسلمين المصرية، حرجا كبيرا في مواصلة رفع شعارات الحاكمية وتطبيق الشريعة فقررت الخروج من ذلك المأزق عبر طرح جديد يتمثل في إنشاء حزب مدني يستند إلى مرجعية إسلامية أطلقت عليه مسمى "حزب الحرية والعدالة"، باعتباره حلا يدفع عنها شبهة السعي للخلط بين السياسة والدين وتوظيف الأخير لخدمة الأهداف السياسية.

بمناسبة حلول الذكرى السادسة لسقوط حكم الإخوان، أصدر المكتب العام للإخوان المسلمين بمصر في 29 حزيران (يونيو) الماضي بيانا أوضح فيه أن الجماعة أجرت مراجعة جادة، أفضت إلى إعادة النظر في أفكارها وسلوكها، وأبان أن الجماعة ستعمل على إنجاز التغيير الثوري الشامل بالتعاون مع القوى السياسية الأخرى.

أهم ما جاء في البيان هو القول "فإننا نعلن أن جماعة الإخوان المسلمين تقف الآن على التفريق بين العمل السياسي العام، وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة، وسنعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة".

ظل مطلب الوصول للحكم وإقامة "الدولة الإسلامية" يمثل الركن الأساسي في أفكار جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره الضمانة الوحيدة لتطبيق حكم الله القائم على الشريعة الإسلامية، وكذلك لكونه نقطة الانطلاق نحو استعادة الخلافة الإسلامية التي ستقود بدورها لسيطرة المسلمين على كل أرجاء المعمورة أو ما أسماه المرشد المؤسس، حسن البنا، "أستاذية العالم".

نسبة لأهمية ذلك المطلب، أي إقامة الدولة الإسلامية، ومركزيته في فكر الجماعة، فقد رفع البنا من مكانته وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'".

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر المرشد المؤسس أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

إن قرار الجماعة بعدم السعي للمنافسة على السلطة والاكتفاء بالعمل السياسي العام يمثل "جريمة إسلامية" في نظر حسن البنا، ويعتبر تحولا كبيرا في المنطلقات الفكرية للجماعة التي سعت منذ نشأتها للوصول للسلطة عبر جميع الوسائل بما فيها قوة السلاح والانقلاب العسكري، وليس أدل على ذلك من دخولها في مواجهات عنيفة شاملة مع الدولة المصرية طوال تاريخها الممتد منذ عام 1928.

الأمر الثاني الذي أشار إليه البيان بوضوح هو السماح "لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء" من أبناء الجماعة بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانضمام للأحزاب والحركات الأخرى التي تتقاطع رؤيتها مع رؤية الجماعة للنهضة، وهذا أيضا يمثل نقلة في فكر الإخوان المسلمين الذين كانوا يرفضون انضمام عضويتهم لأية جهة سوى حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة في أعقاب ثورة يناير.

على الرغم من أن البيان أوضح تركيز الجماعة على "القضايا الوطنية" و"القيم الوطنية"، إلا أنه حمل بين طياته ذات التوجهات الأممية للجماعة بحديثه عن "الأمة"، والمقصود بها الأمة الإسلامية، وهذه إحدى الإشكاليات في فكر الإخوان المسلمين، الذين ظلوا ينادون بعودة الخلافة الإسلامية ويرفعون شعار "الجهاد" من أجل السيطرة الكونية عبر المراحل الست التي وضعها المرشد المؤسس والتي تنتهي بما أسماه "أستاذية العالم".

كان المرشد المؤسس قد أوضح الهدف النهائي من أستاذية العالم بقوله: "نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

الالتباس الثاني الذي حملته سطور البيان يتمثل في عدم التعريف الدقيق لماهية "العمل السياسي العام" الذي ترغب الجماعة في الاكتفاء به، فضلا عن سكوت الجماعة عن كثير من الأمور الهامة وفي مقدمتها الإجابة عن السؤال التالي: هل يعني عدم السعي للمنافسة الحزبية على السلطة توقف الجماعة عن المطالبة بتطبيق شعارات الشريعة والحدود والحاكمية والخلافة الإسلامية؟

أيضا لا يشرح البيان معنى القول بأن الجماعة "ستعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية"، ذلك لأن الحديث عن "الخلفية الإسلامية" هو حديث فضفاض وحمَّال أوجه، وقد يعني استمرار الجماعة في خلط القضايا السياسية مع الأمور الدينية ومواصلة استخدام ذات الأساليب التي ظلت الجماعة تعمد بها إلى إخفاء أهدافها السياسية والاجتماعية وراء قناع الدين.

خلاصة الأمر هي أن بيان المكتب العام للإخوان المسلمين يطرح أسئلة أكثر من كونه يُعطي إجابات على كثير من الأمور والقضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتبيين، وإذ يتضح من العنوان العريض للبيان أن مراجعة الجماعة لأفكارها وتجربتها الطويلة أفضت إلى قرارها بترك المنافسة على السلطة، فإنه يتوجب عليها أن تطرح رؤيتها الجديدة بصورة أكثر شمولا وتفصيلا، وأن توفر الإجابات عن الأسئلة الكثيرة المرتبطة بانعكاسات ذلك القرار ومدى تأثيره على مبادئها وأفكارها وشعاراتها وممارستها التي استمرت منذ عام 1928 وحتى اليوم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية