جستن ترودو.. نجاشي العصر أم محتضن الدواعش؟

جستن ترودو.. نجاشي العصر أم محتضن الدواعش؟

مشاهدة

25/01/2018

الحكومات الليبرالية الكندية عادةً ما تكون نصيراً قوياً لحقوق الأقليات العرقية والدينية والثقافية، والمثليين في المجتمع الكندي، وتعدّ هذه المجموعات والأقليات المخزن الانتخابي الذي يمدّ الليبراليين بمددٍ كبير من الناخبين يوم الانتخاب العام في كندا، ما يدفع القوى المحافظة المعارضة إلى تتبّع أيّ نشاط، أو تقرّب يقوم به تلك الحكومات، ومنها حكومة جستن ترودو، رئيس وزراء كندا الليبرالي، من هذه الأقليات، خاصة الأقلية المسلمة في المجتمع الكندي؛ بل إنّ كثيراً من التجمعات السياسية المحافظة، حاولت أن تعزف على وتر أنّ الليبراليين متعاطفون مع المسلمين على حساب الأكثرية المسيحية.

الحكومة الكندية تكافئ الإرهابيين

من الأحداث التي تم التركيز عليها، في مسألة تقرّب رئيس الوزراء جستن ترودو من المسلمين؛ استقبال جستن ترودو، الدفعة الأولى من اللاجئين السوريين، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، الذي كان له أثر كبير في الغرب والعالم الإسلامي، وبدا السياسي الشاب، بوجهه المبتسم والوسيم، على أنّه مثالٌ حيّ وفعّال في تطبيق التعددية الثقافية، والحرص على حقوق الإنسان في كندا، جعل المسلمين يستحضرون، كعادتهم، مثالاً مشابهاً من التاريخ الإسلامي، وأطلقوا لقب "نجاشي العصر"، ملك الحبشة المسيحي الذي استقبل الهاربين من بطش قريش في مكة، على رئيس الوزراء جستن ترودو.

تعلم الحكومة الليبرالية الكندية أنّ ولاء المسلمين مطلق لها، وأنّ أصواتهم لن تذهب للمحافظين لذلك ازدادت قرباً منهم

كما أظهر استقبال ترودو لأفواج اللاجئين الهاربين من جهنّم الحرب السورية آنذاك، في مطاري تورنتو ومونتريال الدوليين، ليعيشوا في نعيم السلام وكرامة الإنسان في كندا، كرماً كندياً عزَّ نظيره، خاصة عند المقارنة بمشاهد الأفواج الكثيرة، التي دخلت إلى أوروبا مشياً على الأقدام، وغرق كثير منهم في مياه البحر المتوسط، أمام أعين شعوب العالم وأبصارهم.

ثم عملت الحكومة الليبرالية فوراً على تأمين المساكن والإعانات والتسهيلات الكثيرة للقادمين الجدد، وكانت كلّ المساعدات تقدّم من أموال دافعي الضرائب الكنديين، وحاولت حكومة ترودو ملء قلوب الكنديين بالفخر والعزة، بأنّ استقبال اللاجئين وإكرامهم، يعدّ امتثالاً للقيم والمبادئ الكندية التي تحرص على حماية الإنسان، وحفظ كرامته.

لكنّ ظهور بعض اللقاءات التلفزيونية مع لاجئين، وهم يقيمون في شُقق جميلة، مزودة بكامل الأجهزة المنزلية، أغضب كثيراً من أنصار حزب المحافظين المعارض، الذين بدأوا يثيرون الشارع العام، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، متذرّعين بأنّ حكومة ترودو الليبرالية تتقرّب من اللاجئين، وتجود من أموال الضرائب على ناخبين جدد، سيعيدونها إلى كراسي الحكومة من جديد في انتخابات 2019.

ومن الأحداث أيضاً؛ ركوب جستن ترودو وعائلته في طائرة مروحية خاصة بزعيم الطائفة الإسماعيلية، الآغا خان، أثناء عطلة أعياد الميلاد في إحدى جزر الكاريبي، وكان لملاحظات مفوّض الأخلاقيات الكندي على هذا التصرف، غير المقبول قانونياً، أثر كبير في خفض شعبية رئيس الوزراء الكندي، خاصّة أنّ الاغا خان ومؤسساته، قد يكونون من جماعات الضغط الطامعة بمكاسب من الحكومة الكندية.

المراقب يلحظ تنامي التذمر، والاستياء في صفوف الكثير من الكنديين، وذلك لتقرّب هذه الحكومة من قوى إسلامية متطرفة

وجاءت قضية المواطن الكندي، من أصل مصري، عمر خضر، الذي سُجن في معتقل غوانتانامو، بسبب انضمامه لتنظيم القاعدة، وقد كان حينها طفلاً يبلغ من العمر 14 عاماً فقط، ولم تقدّم له كندا الدعم الكافي لإخراجه من ذاك السجن الرهيب، وقد أقرّت المحكمة الكندية العليا، بعد المداولات، بتعويض عمر، الذي بلغ الآن 31 عاماً من عمره، بمبلغ مالي كبير، وهو 10.5 مليون دولار كندي، ما أثار غضب دافعي الضرائب، والأحزاب المعارضة، والمنظمات المجتمعية، بسبب تقديم هذا المبلغ الكبير إلى شخص كان يحارب مع أبيه في صفوف القاعدة في أفغانستان، ما أحدث تحوّلاً في نظرة الكنديين إلى أداء السياسي الشاب، جستن ترودو، وحكومته.

أزمة الحكومة الكندية مع غير المسلمين

تعلم الحكومة الليبرالية الكندية، أنّ ولاء المسلمين مطلق لها، وأنّ أصواتهم لن تذهب للمحافظين أبداً، لذلك ازدادت قرباً منهم، ولذلك نجد أنّ كثيراً من أعضاء الحكومة يشاركون المسلمين في مناسباتهم الدينية، مثل: إفطار جستن ترودو مع المسلمين في رمضان، وتهنئتهم بأعياد الفطر والأضحى، وغيرها من الاحتفالات الإسلامية؛ بل إنّ بعض النواب من غير المسلمين، وقفوا في البرلمان الكندي، وقالوا: "إنّهم يصومون رمضان تطوعاً مع المسلمين، للتضامن مع الناس الأقل حظّاً في المجتمع".

رابط فيديو تهنئة ترودو للمسلمين بقدوم شهر رمضان:

 

 

 

لكنّ صورة الليبراليين وجستن ترودو الإنسانية، التي طُبعت في أذهان الكنديين المسلمين، ليست الصورة نفسها في أذهان كثير من غير المسلمين في كندا، وقد تعاظم هذا الغضب والكره لليبراليين، عندما أعطت الحكومة الكندية، عام 2017، كثيراً من الكنديين المسلمين، الذين حاربوا في العراق وسوريا في صفوف داعش، الحق بالعودة إلى كندا؛ بل إنّ رئيس الوزراء جستن ترودو، زار أحد أفراد القاعدة العائدين من الأسر في أفغانستان في بيته، واسمه جوشوا بويل، وهو كندي اعتنق الإسلام، وقام رئيس الوزراء باحتضان أطفال هذا السلفي الجهادي وممازحتهم، ما زاد سخط كثير من الكنديين غير المسلمين، عليه وعلى حكومته.

تجمعات سياسية محافظة حاولت أن تعزف على وتر أنّ الليبراليين متعاطفون مع المسلمين على حساب الأكثرية المسيحية

ومما زاد الأمر تفاقماً، في بداية هذا العام، تعاطف رئيس الوزراء الكندي العلني مع فتاة مسلمة من تورونتو، ادّعت أنّ رجلاً، أوقفها أثناء ذهابها للمدرسة، ومزّق حجابها بسكين، لكنّ التحقيق الجنائي، أثبت أنّ الفتاة لم تكن صادقة، وأنّها اختلقت القصة لأسباب غير معلومة، ما زاد ترودو حرجاً، وزاد منتقديه حماسة لمهاجمته في موسم زياراته للمدن الكندية؛ حيث واجهه بعض الحاضرين بأسئلة تعكس غضباً شعبياً كندياً، لتعاطف ترودو مع مسلمين متَّهمين بالإرهاب.

قد تختلف التصورات والانطباعات عند الكثيرين بشأن الحكومة الكندية، برئاسة جستن ترودو، وتعاملها مع قضايا إسلامية حساسة، لكنّ المراقب يلحظ تنامي التذمر، والاستياء في صفوف الكثير من الكنديين، وذلك لتقرّب هذه الحكومة من قوى إسلامية متطرفة.

إنّ صمت القوى الإسلامية المعتدلة في المجتمع الكندي، وعدم إدانتها تقرّب الليبراليين من المتطرفين المسلمين، قد يثير موجة كراهية ضدّ المسلمين عامة، ويُلاحظ أيضاً انتشار مفهوم "التقية"، عند الحديث عن المسلمين من كنديين كثير، حول أنّ المسلمين جميعاً يخفون نوازع إرهابية، وقد يفرز ذلك تياراً معارضاً كبيراً، يطيح بالحكومة الليبرالية في انتخابات 2019 القادمة، فمن واجب المسلمين الكنديين المعتدلين الانحياز للوسطية، والتعبير عن عدم رضاهم عن سماح الحكومة بعودة الإرهابيين إلى كندا، لأنّ هؤلاء لا يستطيع أيّ إنسان التنبؤ بنواياهم، أو خططهم الإرهابية، ممّا قد يعود بالضّرر على الإسلام والمسلمين في كندا.

الصفحة الرئيسية