جمال ناجي يودّع "ثلوج الليلة الأخيرة" ويعانق البياض

ثقافة

جمال ناجي يودّع "ثلوج الليلة الأخيرة" ويعانق البياض

مشاهدة

07/05/2018

الحياة طريق وعرة محملة بالأسئلة، بدأها جمال ناجي من "بلحارث"، وأنهاها في "ثلوج الليلة الأخيرة" حين وضع الروائي والكاتب العربي الأردني لمساته الأخيرة على مخطوطة روايته الأحدث، ثم غادر عالمنا فجأةً أمس الأحد إثر جلطة دماغية، تاركاً إرثه الأدبي الكبير، الذي يؤكد أنّ الموت، ليس خاتمةً للروائي ولا للكتابة ولا للأسئلة.

موت ناجي، خلّف حسرة في قلوب محبيه وزملائه وأصدقائه، كتاباً وشعراء وروائيين من الأردن والعالم العربي، إذ أكد العديد منهم، أنّهم تركوه يعمل حتى اللحظة الأخيرة، ويكتب حتى اللحظة الأخيرة، ويمارس حياته حتى اللحظة الأخيرة، دون أن يتوقع أي منهم خسارة المحبة الكبيرة التي كان ناجي يغمرهم بها.

الطريق إلى الرواية

لكل كاتبٍ طريقه الوعرة، وابن مدينة أريحا، المولود فيها عام 1954، بدأ طفولته المبكرة هناك، لينتقل فيما بعد إلى العاصمة الأردنية عمّان؛ حيث أنهى دراسته الثانوية فيها، ثم حصل على شهادة الدبلوم في الفنون من كلية تدريب عمّان التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في 1975.

وبحلول عام 1977، صدرت الرواية الأولى للراحل "الطريق إلى بلحارث"، ولاقت نجاحاً كبيراً وطبعت عدة مرات. وفيها؛ أسقط الخيال على الصحراء العربية، واستحضر من خلالها ما عاينه أثناء تجربته في التدريس بالمملكة العربية السعودية خلال عامي 1975 و1976.

موت ناجي خلف حسرة في قلوب محبيه وزملائه وأصدقائه، كتاباً وشعراء وروائيين من الأردن والعالم العربي

ومنذ روايته الأولى، انحاز ناجي إلى الأحلام الجماعية، وتعدد الأصوات، مبيناً في الرواية كيف يمكن للأحلام الفردية أن تنهار أمام دروب الحياة الوعرة وعثراتها، في حال اختار كل إنسانٍ طريقاً خاصاً، يغترب فيه عن الهموم الجماعية للآخرين، ولن تحيله في النهاية إلا للسراب.

واستمرت رحلة ناجي، فشهد العام 1988، رواية مهمة، هي الثالثة في مسيرته الحافلة بالعمق والتجريب، فصدرت له من بيروت رواية "مخلفات الزوابع الأخيرة" وفيها احتفى الراحل بأهم ما رآه أسباباً لنشوء الحضارة الإنسانية؛ الحب والحكمة والحرية. في مدينة أنشأها من الصفر، فقبلها لم يكن هنالك تاريخ، ولم يكن زمان ولا مكان، توافد إليها الغجر والبدو والفلاحون فجأةً. وكان بقاؤهم جميعاً، رهن قبول كل منهم لاختلاف الآخر.

ولم يترك الروائي أبداً، مسيرته لتصبح مريحة وهينة؛ بل ظل منحازاً لوعورة الطريق، والتجريب، واختيار أصعب اللحظات التاريخية في الأمة العربية، من أجل أن يبني منجزاً روائياً لا يتنازل عن توصيف الواقع ونقده بعمق.

ولعلّ روايته الشهيرة "عندما تشيخ الذئاب"، خير شاهدٍ على قدرته هذه، وكانت الرواية وصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) العام  2010، وعكست جرأة جمال ناجي في التجريب، كما يقول الروائي الأردني جلال برجس الذي يضيف أنّ لناجي "علامات فارقة في الرواية العربية منذ بداياته، وأجزم أنّ عديدين، بنوا رواياتهم على أساس (الطريق إلى بلحارث)" لافتاً إلى أنّ ما يميز ناجي كروائي أيضاً؛ يكمن في "عدم تملصه من المقولات السياسية والاجتماعية والثقافية الراهنة، لكنه لم يكن رجل سياسة فجاً، ولا مثقف تنظير، إنما كان يبني هذه المقولات، لتظهر في عمق معماره الروائي، كما في روايته (عندما تشيخ الذئاب) وهو ما جعله روائياً عربياً وأردنياً مهماً".

وأعرب برجس عن مدى صدمته بوفاة ناجي الذي كان على الصعيد الإنساني "محبوباً وخلوقاً وذكياً، ولعلّ وفاته، كشفت الكم الكبير من محبيه في الأردن والخارج، وأظن أنّ الجوائز العربية للرواية، لم تمنحه حقه كاملاً".

روايته الشهيرة "عندما تشيخ الذئاب" وصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) العام  2010

مرارة الرحيل والتأسي بالخيال

وفاة ناجي، ألقت بظلالها على الأسرة الأردنية من كتاب ومثقفين وقراء، وانتشرت صورة ناجي على مواقع التواصل الاجتماعي، كما لم يعرف الطقس العاصف ليلة الأحد/ الإثنين، أياً من أصدقائه، من الحديث عن جمال الحيّ؛ إذ لم يبد أبداً أنّ الموت اختطفه بهذه الطريقة الفجة.

الشاعر الأردني موسى حوامدة، كان أول المبادرين لمرافقة صديقه إلى المستشفى في العاصمة الأردنية عمان حيث لفظ أنفاسه الأخيرة.

وفي حديثه لـ"حفريات،" قال حوامدة إن جمال ناجي "انتقل من العتمة أو البياض الخفيف إلى الوضوح ناصع البياض، علينا الآن أن نعيد قراءته من جديد، وسبق لي أن قرأت أغلب رواياته منذ روايته الأولى، وكتب جمال لاحقاً روايات متنوعة عن عالم المال من خبرته في العمل المصرفي، منها الحياة على ذمة الموت، وليلة الريش، أما عندما تشيخ الذئاب، فكانت عن التحولات والفساد في المجتمع الأردني".

وأضاف حوامدة "ليلة أمس لم تتوقف هواتف بعض الأصدقاء عن الاتصال بي للتأكد من وفاة جمال، بكوا عليه بحرقة، ذكرتني بألمه تجاه فلسطين، وحرقته التي كان يحاول الهروب منها، لكنها ظلت تلاحقه بين ثنايا سطوره طوال حياته".

الكاتبة منال حمدي، أشارت إلى أنّ ناجي لم يكن كاتباً وروائياً فحسب؛ بل "إنساناً راقياً وحديثاً، يمثل الانضباط في العمل والسعي لمساعدة الجميع". وكشفت خلال اتصالٍ هاتفيٍ معه نهار يوم وفاته، أن الراحل "أنهى لمساته الأخيرة على روايته الجديدة (ثلوج الليلة الأخيرة)، وأنّ الرواية كانت في طريقها إلى النشر، يوم وفاته".

وأوضحت حمدي، خلال حديثها لـ"حفريات"، أنّ ناجي ومنذ تسلمه مهام رئاسة تحرير مجلة أفكار الأردنية العريقة، التي تصدر عن وزارة الثقافة في الأردن، أسهم "في إحداث عدة نقلاتٍ مهمة في عمل المجلة وتنوعها، كما أنّه كان يؤكد على روح العمل الجماعي".

لم يكن ناجي رجل سياسة فجاً، ولا مثقف تنظير

أصداء الفجيعة

صدى المحبة والأثر الأدبي الذي خلفه الكاتب، بدا جلياً من خلال صفحات أصدقائه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"؛ حيث كتب الروائي الأردني هزاع البراري على صفحته "صباح داكن وحزين، لحظات مثقلة بالخسارة والفقد.. يالهول الفاجعة.. الصديق النبيل الروائي الكبير جمال ناجي يرحل بعيداً.. كم هو موجع هذا الغياب.. لك الرحمة والمغفرة.. ولنا الصبر وجميل العزاء".

وعلى وقع المفاجأة، حاول الروائي الأردني مفلح العدوان تجاوز الموت كاتباً على صفحته "وداعاً جمال ناجي..يمم روحك نحو سدرة منتهاك، كأنك تكتشف عوالم أخرى، لرواية توشك أن تكتبها".

كتاب عديدون نعوا الراحل، كما نعاه قراؤه وأصدقاؤه، فيما قدمت رابطة الكتاب الأردنيين، نعياً رسمياً عن جمال ناجي الذي ترأس هيئتها الإدارية لعامين من 2001 وحتى 2003، ونشط عربياً ومحلياً، فعمل مديراً لمركز "إنتلجنسيا" للدراسات في عمّان منذ العام 1996، وأسس المركز الثقافي العربي ويديره منذ العام 2009. كما كان عضواً في رابطة التشكيليين الأردنيين ورابطة القلم الدولية.

يذكر أنّ الراحل، نال جائزةَ رابطة الكتّاب الأردنيين العام 1984 عن روايته "الطريق إلى بلحارث"، وجائزة الدولة التشجيعية (حقل الرواية) من وزارة الثقافة العام 1989 عن روايته "مخلفات الزوابع الأخيرة"، وجائزة تيسير السبول للرواية من رابطة الكتّاب الأردنيين العام 1992 عن مجمل أعماله. كما نال عام 2015 جائزة الملك عبد الله الثاني التقديرية.

كان جمال ناجي كلما توقف عند رواية، حزم حقائبه، وانتقل إلى أخرى، إلى أن واجهه الموت بعد أن أنهى مخطوطه الأخير بساعات، كأنّ الموت مجرد غريبٍ عابر يلقي السلام على الطريق.

الصفحة الرئيسية