جولة التقاط الأنفاس بانتظار الحسم في أستانا-13

جولة التقاط الأنفاس بانتظار الحسم في أستانا-13

مشاهدة

04/08/2019

كما في جولات أستانا السابقة، الـ "12"، لم تتضمن مخرجات البيان الختامي للجولة الجديدة، التي عُقدت في الأول من آب (أغسطس) الجاري بين الدول الضامنة: "روسيا، وإيران، وتركيا"، أيّ جديد، إلّا ما اقتضته التطورات وساحات المعارك، في إدلب وريفي حلب وحماه، وربما كان خرق اتفاق خفض التصعيد، الذي أُعلن عنه في الجولة الجديدة بمواصلة قصف مواقع المعارضة في ريفَي حماه وإدلب، القاسم المشترك في كلّ اتفاقات جولات أستانا؛ إذ وقبل أن يجفّ حبر الاتفاق، يتمّ اختراقه من قبل روسيا والحكومة السورية والميليشيات الإيرانية، بصورة تؤكّد "هلامية" أستانا وقراراتها، وتعارض أجندات أطرافها، خاصة بين تركيا من جهة، وكلّ من روسيا وإيران من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: قيادي في حماس يكشف علاقة الحركة بسوريا وإيران
البيان الختامي لجولة "أستانا- 13"، تضمن قرارات وتوصيات تلبّي طموحات الأطراف الضامنة، إضافة إلى صيغ عامة، من نوع: أَسَف الأطراف لسقوط ضحايا مدنيين، والاتفاق على حمايتهم، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة دون شروط، وهو خطاب موجَّه لأمريكا والدول الأوروبية، التي طالما أكّدت على ضرورة حماية المدنيين ووقف شلالات الدم في إدلب، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والإغاثية، خاصة مع تقارير الأمم المتحدة التي انتقدت وبشدة روسيا وسوريا لارتكاب مجازر بحقّ المدنيين، شملت المدارس والمشافي، وسقوط ضحايا نساء وأطفال، وعرقلة أعمال الإغاثة الإنسانية في إدلب ومحيطها.

لم تتضمن مخرجات البيان الختامي لأستانا-13 أيّ جديد إلّا ما اقتضته التطورات وساحات المعارك في إدلب وريفي حلب وحماه

كما جاء في البيان؛ أنّ الدول الثلاث "عبّرت عن قلقها إزاء زيادة نفوذ تنظيم "هيئة تحرير الشام" الإرهابي، وأكّدت عزمها على القضاء عليه وعلى داعش، وغيرهما من التنظيمات الإرهابية"، والمؤكَّد أنَّ هذا الاتفاق غير دقيق، في ظلّ الخلافات والتباينات المعروفة بين الدول الثلاث؛ فهل ترى تركيا في داعش وتحرير الشام تنظيمات إرهابية؟ خاصة أنّ المفهوم التركي للإرهاب يقتصر، وفق معايير الأمن القومي التركي، على التنظيمات الكردية في الشمال السوري.

أما ما جاء في البيان من أنّ الدول الضامنة بحثت التطورات في شمال شرق سوريا، وأعلنت رفضها "أيّة محاولات لخلق حقائق جديدة على الأرض، بما فيها مشاريع غير قانونية لإعلان حكم ذاتي، بذريعة مكافحة الإرهاب"، فإنّ وحدة أراضي الدولة السورية، شكّلت قاسماً مشتركاً بين روسيا وتركيا وإيران، وتتفق تركيا مع مقاربة وحدة الأراضي السورية، التي تتبناها إيران أيضاً، في إطار إستراتيجتهما الهادفة للحيلولة دون إقامة كيان كردي في الشمال السوري، ولا حتى على غرار كردستان العراق، لحسابات مرتبطة بمخاوف انتقال عدوى الانفصال إليهما، خاصّة أنّ أكراد تركيا (حوالي 20 مليوناً)، وإيران (حوالي 12 مليوناً)، هم الأكثر تأثيراً من أكراد العراق (حوالي 6 ملايين)، وأكراد سوريا (أقلّ من 2 مليون)، ومع ذلك؛ فإنّ تركيا معنية أكثر من الأطراف الأخرى بهذا التأكيد، في ظلّ تطورات شمال شرق سوريا والدعم الأمريكي الجديد لأكراد سوريا، الذي وصل حدّ قصف مواقع وتشكيلات للجيش السوري في المنطقة، والضغوط التي تواجهها تركيا من قبل أمريكا لعدم شنّ هجوم واسع على الأكراد في شمال شرق سوريا، وفشل تركيا بإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، والضغوط التي تتعرض لها من قبل الحليف الروسي بوقف دعمها للفصائل "الإرهابية" في إدلب.

اقرأ أيضاً: كيف أثرت الحرب على قطاع النفط والغاز في سوريا؟

وفيما يتعلق بعمل اللجنة الدستورية، المكلَّفة بإعداد دستور سوريا الجديد، والإشادة بعمل اللجنة الدستورية، فإنّ حجم الخلافات بين الدول الفاعلة بهذا الملف، واستمرار الفشل بتشكيل اللجنة، والاعتراضات المتكررة من قبل كافة الأطراف على نسب المشاركة وأسماء المشاركين، تثير الشكوك بتلك الإشادة، ومدى جديتها.

مفهوم تركيا للإرهاب يقتصر وفق معايير الأمن القومي التركي على التنظيمات الكردية في الشمال السوري

وفي الخلاصة؛ فإنّه رغم الإشادة بمخرجات جولة أستانا الجديدة، إلّا أنّها لم تخرج عن صيغة الجولات السابقة، التي استهدفت "إخفاء" الخلافات والتناقضات بين الأطراف الضامنة، لتناقض أجنداتها وأهدافها في سوريا، ومقارباتها للحلّ النهائي فيها؛ بدلالة مواصلة القصف قبل عودة الوفود إلى عواصمها، غير أنّ الجولات الأخيرة من أستانا، بما فيها هذه الجولة، كشفت تلك التناقضات، ارتباطاً بكون إدلب تشكّل المحطة الأخيرة في الحسم العسكري، بعد أن تمّ تجميع الفصائل الإرهابية فيها من كافة مناطق سوريا، خاصّة من دمشق، تلك الفصائل التي تراهن تركيا على أن تكون ورقتها لتأمين دور لها في القضية والحلّ السوري، يؤمّن لها هدفها بالحيلولة دون قيام أيّ كيان كرديّ، وربما تقدّم تنازلات في علاقاتها مع هيئة تحرير الشام، والجيش الحرّ، لتحقيق ذلك، فيما تتطلع الحكومة السورية لاستعادة سيطرتها على كافة أراضي الدولة السورية، بالقضاء على الفصائل الإرهابية، بمساندة روسية وإيرانية، وبذلك فإنّ أفضل وصف يمكن إطلاقه على جولة أستانا الأخيرة؛ أنّها "جولة التقاط الأنفاس بالنسبة إلى كافة الأطراف، بانتظار الحسم في إدلب".

الصفحة الرئيسية