حج بابا الفاتيكان إلى العراق.. يتحدى الإرهاب ويختبر الأمن ويفتح آفاق السياسة

حج بابا الفاتيكان إلى العراق.. يتحدى الإرهاب ويختبر الأمن ويفتح آفاق السياسة

مشاهدة

04/03/2021

فيما كان البابا فرنسيس الثاني يوجه كلماته إلى العراق قبل ساعات من بدء زيارته غداً، "إني أوافيكم حاجاً تائباً، لكي ألتمس من الرب المغفرة والمصالحة بعد أعوام الحرب والإرهاب، ولأسأل الله عزاء القلوب وشفاء الجراح"، كانت سماء بغداد تستقبل صواريخ جديدة تعكس حالة عدم الاستقرار الأمني، في البلاد، وتعمّق من تحدياتها.

أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الكوفة: البابا بعد أن اعتزل العالم بسبب جائحة كورونا، قرّر أن يخرج، وأن يزور العراق من بين كل الدول التي تتمنى زيارته

ورغم سقوط أكثر من 10 صواريخ على قاعدة "عين الأسد" الأمريكية في العراق، أمس الأربعاء؛ أي قبل 48 ساعة فقط من بدء الزيارة التي تستمر 4 أيام، فإنّ البابا أصرّ على استكمالها، وخرجت التصريحات الرسمية من الفاتيكان أنّ البابا يرفض أن يخيّب أمل العراقيين، بل وأمله ذاته في الزيارة، التي كان يتوق إليها سابقه البابا يوحنا في العام 2000، غير أنّ ظروف الحصار حالت دون ذلك.

اقرأ أيضاً: العراق يختبر أياماً مفصلية في علاقته مع أمريكا.. والسبب إيران

وتأتي الزيارة لتفك الحصار عن البابا الذي فرضته جائحة فيروس كورونا، إذ يمثل العراق القبلة الأولى للبابا بعد شهور طويلة لم يبرح فيها الفاتيكان إثر الجائحة، والتي على الرغم من التحذيرات الطبية من إتمام الزيارة في ظل استمرار تفشيها، غير أنّ البابا تجاهل كل ذلك.

يمثل العراق القبلة الأولى للبابا بعد شهور طويلة لم يبرح فيها الفاتيكان إثر الجائحة

ويزور البابا خلال الزيارة للمرّة الأولى المرجعية الشيعية علي السيستاني، لتصبح بذلك ليست فقط أول زيارة لبابا الفاتيكان إلى العراق، ولكن أول لقاء يجمع مرجعيتين كبيرتين، مسيحية وشيعية.  

وإلى جانب رمزية الزيارة المعنوية إلى العراق، الذي يعاني أزمات متراكمة ما بين أوضاع سياسية مضطربة وتردٍ اقتصادي يتفاقم تأزمه بفعل فيروس كورونا، وانتعاش لفلول الإرهاب، فإنّ الزيارة تمثل اختباراً حيوياً ومهمّاً للأمن، يبشر تجاوزه بآفاق جديدة من الاستثمار والتعاون مع البلد الحيوي.

اقرأ أيضاً: العراق يعود إلى دائرة الاحتجاجات... ماذا سيفعل الكاظمي؟

وتقدّم الزيارة أيضاً صورة مختلفة للعراق، الذي تصدّر وسائل الإعلام على مدار الأسابيع الماضية بل الأعوام الماضية، على اعتباره ساحة صراع إقليمي، تقدّمه الزيارة قبلة دينية ودولة حضارية، تستحق الالتفات والدعم.

ويملك العراق العديد من المزارات الدينية والأثرية التي تدهورت أحوالها بفعل الحرب، وتنظيم داعش الإرهابي، وتتوجه الحكومة إلى إحياء تلك المناطق وإعادة البريق السياحي إلى العراق، وإن كانت عودته قبلة من جديد يصعب تحقيقها حالياً في ظلّ الأوضاع الأمنية، سواء من فلول داعش من جهة، أو من الميليشيات الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: عقد تأهيل ميناء الفاو العراقي: تدخلات إيرانية ورشاوى للشركات

وهذه الزيارة، بحسب مراقبين، تدفع كذلك من توجهات رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الصعبة، في تحقيق التوازن الخارجي في علاقات العراق، وفك ارتباطه بإيران.

ومن جانبه، قال أستاذ مادة تاريخ العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية في جامعة الكوفة الدكتور صباح الفتلاوي: إنّ "زيارة البابا فرنسيس للعراق تاريخية، لأنّ البابا بعد أن اعتزل العالم بسبب جائحة كورونا، قرّر أن يخرج، وأن يزور العراق من بين كلّ الدول التي تتمنى زيارته"، لافتاً إلى أنّ "الزيارة قد تكون مرتبطة أيضاً بإرادة البابا في تحقيقه حلماً فاتيكانياً قديماً بالحج إلى مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام"، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء العراقية (واع).

يملك العراق العديد من المزارات الدينية والأثرية التي تدهورت أحوالها بفعل الحرب

الأب فائز بشير راعي رئيس الطائفة الإنكليكانية المسيحية في العراق يرى هذه الزيارة مهمّة جداً، وقال للوكالة الرسمية إنها: "زيارة مهمّة للعراق، وخصوصاً في ظل الظروف الراهنة"، مبيناً أنّ "الزيارة قد تفتح أبواباً وآفاقاً نحو سلم أكثر وتعايش أكثر نحو لملمة ورصّ صفوف العراقيين من مختلف الأديان والمذاهب والمعتقدات".

ومن جانبه، قال الأب حنا قلوقس، كنيسة مريم العذراء في بغداد، لوكالة الأنباء العراقية (واع): زيارة البابا ليست متأخرة، بل جاءت في وقت حاسم، ليغيّر الكثير من الأفكار ويساعد على زيادة الوعي للقيام بعراق جديد وآمن".

 

البابا: المسيحيون يملكون أماكن مقدّسة عديدة وقديمة جداً، ولو تمّت إعادة ترميمها، فسوف تساعد كثيراً على جذب الحجاج من أوروبا ومن مختلف أنحاء العالم

 

وأكد الأب حنا أنّ "زيارة البابا فرنسيس لها أهمية للمنطقة، لأنّ موقع العراق هو موقع استراتيجي، ومهم في المنطقة، وسيساعد في توجيه النظر إلى العراق مهد الحضارات، وفيه توجد أماكن مقدّسة كثيرة، وبغضّ النظر، فإنّ التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي هو أساس زيارة البابا، لتشجيع وإعطاء أمل ورجاء لهذا الشعب، لأنّ البابا فرنسيس شخصية عالمية ورمز عالمي مشهور جداً".

وأضاف: إنّ "مبادرة البابا قوية ومهمّة، كون هذه الزيارة هي الأولى للعراق في التاريخ، والسبب الثاني أنّ هذه الزيارة تأتي بعد إيقاف الرحلات الجوية الخارجية لقداسة البابا لما يقارب الـ 15 شهراً، إذ لم يقم بزيارة أيّ بلد طوال فترة جائحة كورونا، وحالياً ما يزال الفيروس يهدد حياة الكثيرين، ولكن البابا أصرّ على زيارة العراق، وقال إنه لن يخيب أمل العراقيين من جديد، وأيضاً زيارة البابا فرنسيس هي رسالة رجاء للمسيحيين في العراق للبقاء على أرض آبائهم وأجدادهم والتمسك بها".

اقرأ أيضاً: من ينتهك السيادة العراقية أكثر إيران أم تركيا!

وأضاف الأب حنا: إنّ "العراق يملك أماكن أثرية مقدّسة، وهي كثيرة جداً، وهذا ما يثبت أنّ العراق هو مهد الحضارات، وبالتأكيد يجب أن تساعد زيارة البابا لهذه الأماكن على إعادة تأهيلها لتكون أماكن قابلة للزيارة من قِبل الجميع في أنحاء العالم، لأنّ السياحة الدينية من الممكن أيضاً أن تنعش خزينة الدولة العراقية".

ولفت إلى أنّ "المسيحيين يملكون أماكن مقدّسة عديدة وقديمة جداً، ولو تمّت إعادة ترميمها، فسوف تساعد كثيراً على جذب الحجاج من أوروبا ومن مختلف أنحاء العالم، وبغضّ النظر عن هذا، كان لا بدّ أن يتمّ الاهتمام بهذه الأماكن المقدسة ولكلّ الديانات الموجودة في العراق، كون هذا يدلّ على أنّ العراق يمتزج فيه الكثير من الألوان، وهو موطن لكلّ الحضارات والديانات، وهذا ما يجعله من أهمّ وأكثر الدول التي يسكن فيها أناس كثيرون من عدّة ديانات".

رسالة البابا للعراق

وقبل بدء الزيارة بعث البابا، المعروف بإنسانيته المؤثرة، ورحلته التي جعلته شديد الحساسية للمعاناة، أرسل رسالة مفعمة بالإيجابية والطاقة إلى العراقيين، تعكس الأجواء المتوقعة بعد الزيارة.

اقرأ أيضاً: بايدن والبوابة العراقية

وجاء في رسالته، بحسب ما نقلته "سكاي نيوز":" أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، فلننظر إلى النجوم، وفيها نرى ما وعدنا به الله، إخوتي وأخواتي الأعزاء، لقد فكرت فيكم كثيراً طيلة هذه الأعوام، فيكم أنتم الذين عانيتم الكثير، لكنكم لم تشعروا بالإحباط، فكرت فيكم مسيحيين ومسلمين، وفيكم أنتم الشعوب، مثل الشعب الإيزيدي، فكرت في الإيزيديين الذين عانوا الكثير الكثير، جميعنا إخوة، جميعنا".

وأضاف: "الآن أوافي أرضكم المباركة والمجروحة، حاجاً يشوقني الرجاء. من وسطكم في نينوى، تردد صدى نبوة يونان التي حالت دون دمار المدينة وحملت رجاء جديداً، رجاء الله. فليملأنا هذا الرجاء الذي يمنح الشجاعة من أجل إعادة الإعمار والبدء من جديد".

اقرأ أيضاً: الإرهابان الإيراني والداعشي يقوّضان هيبة الدولة العراقية

وأوضح: "في فترة الجائحة العصيبة هذه، لنساعد بعضنا البعض، فنشدد روابط الأخوة ونبني معاً مستقبلاً يسوده السلام. معاً إخوة وأخوات من مختلف التقاليد الدينية. منذ آلاف الأعوام بدأ إبراهيم مسيرته، وعلينا اليوم أن نواصل هذه المسيرة بالروح نفسها ونجوب دروب السلام معاً".

وختم رسالته: "لذا، فإني ألتمس لكم جميعاً السلام وبركة الله العلي، وأطلب من جميعكم أن تقتدوا بإبراهيم، أي أن تسيروا بالرجاء وألّا تتوقفوا عن النظر إلى النجو،. وأطلب منكم جميعاً، من فضلكم، أن ترافقوني في صلاتكم".

الصفحة الرئيسية