حرب الغاز.. العرب والكيان الصهيوني في مواجهة من نوع جديد

23941
عدد القراءات

2018-08-12

في الوقت الذي ارتبطت فيه الاضطرابات في الشرق الأوسط، العسكرية منها والسياسية، غالباً بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ظهرت بوادر لصعود أزمة أخرى ولكن هذه المرة على أرضية أخرى تتعلق بمصادر الطاقة والبحث عن الاستقرار الاقتصادي، يعد الاكتشافات المهمة لحقول الغاز في البحر المتوسط التي وضعت المنطقة مجدّداً في الواجهة محوراً لصراع جديد متوقع بين دولة الاحتلال والعرب في القرن الحادي والعشرين.

عنوان الاستقرار وعدمه

غدت مياه الأراضي العربية، وتحديداً شواطئ البحر الأبيض المتوسط، في فلسطين ولبنان ومصر، قبلة الاهتمام بعد اكتشاف غناها بالغاز الطبيعي، الذي أصبح يعد طموحاً للاستقرار ومهدّداً له في الآنٍ نفسه.

حقل "تامار"يضم مخزوناً لا يقل عن 240 مليار متر مكعب من الغاز

القصة، بدأن منذ تسعينيات القرن الماضي في لبنان، التي أخذت تقوم في حينه باختبارات اهتزازية قرب شواطئها من أجل التحقق من إمكانيات وجود غاز في قاع البحر، وفي الفترة ذاتها، كانت دولة الاحتلال تجوب بطريقةٍ غير مباشرةٍ الشركات الأمريكية بحثاً عمن يساعدها في التنقيب عن النفط أو الغاز المحتمل وجودهما في شواطئها.

غدت شواطئ فلسطين ولبنان ومصر على المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي ممثلاً للاستقرار وانعدامه في آنٍ واحد

ومنذ نهاية العام 2012، بدأت "إسرائيل" باستخراج الغاز الطبيعي من حقل "تامار"، الذي يبعد عن حيفا مسافة 90 كيلومتراً في البحر المتوسط، ويضم مخزوناً لا يقل عن 240 مليار متر مكعب من الغاز، ليلحق به حقل "ليفياثان" بسعةِ 450 مليار مترٍ مكعب، أما الحقل الأكبر، وهو حقل "ظهر" فيضم 850 مليون مترٍ مكعبٍ من الغاز، ويشكل هذا الحقل، نواةً أولى لصراعٍ محتمل.

حقل "ظهر"، يقع في جزءٍ منه على الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان و"إسرائيل"، وهي تمتد مسافة 850 كيلومتراً بعد ترسيم الحدود بين البلدين؛ حيث بقي هذا الشريط البحري، وتحديداً المنطقة "بلوك 9" تطالب به لبنان من جهة، وإسرائيل من جهةٍ أخرى.

حقل "ظهر"، يقع في جزءٍ منه على الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان و"إسرائيل"

لبنان، البلد المنهك تحت طائلة الديون ومشاكل الكهرباء والطاقة "تقدّر حصته من الغاز الطبيعي الذي يحتضنه هذا الجزء من المتوسط بحوالي 96 تريليون قدم مكعب، وهي ثروة يمكن أن تساعد هذا البلد على خفض حجم دينه العام الذي بلغ مؤخراً نحو 77 مليار دولار، ويعد أحد أعلى معدلات الدين العام في العالم". بحسب تقريرٍ لموقع روسيا اليوم نُشر بتاريخ 31 كانون الثاني (يناير) 2018.

ووفقا للتقرير ذاته، أقرّت الحكومة اللبنانية منذ كانون الأول (ديسمبر) 2018 "منح رخصتين للتنقيب عن النفط والغاز في البلوكين 4 و9 من حصته في البحر المتوسط، للشركات "توتال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية و"نوفاتك" الروسية".

حقل "ظهر" يضم 850 مليون مترٍ مكعبٍ من الغاز ويشكل نواةً أولى لصراعٍ محتمل بين لبنان و"إسرائيل"

دولة الاحتلال، التي تحاول تحقيق ما يسمى "الاستقرار والاستقلالية" في حقل الغاز والطاقة، ردّت على المحاولات اللبنانية في الأول من شباط (فبراير) 2018، واصفةً حق لبنان بالتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة البحرية بـ"المحاولات الاستفزازية للغاية، قائلةً إن مشاركة الشركات الدولية ستكون من قبيل الخطأ" بحسب تقريرٍ لصحيفة "الشرق الأوسط" في التاريخ ذاته.

وكانت الاتهامات آنذاك، تم تداولها بين أفيغدور ليبرمان وزير دفاع دولة الاحتلال، ومسؤولين لبنانيين كسمير جعجع، والرئيس اللبناني ميشيل عون.

ويتضح أنّ دولة الاحتلال، مهتمة جداً بتحقيق استقرارها بشأن الطاقة، ومحاولة تأمين القدرة العالية على تصدير الغاز لدعم اقتصادها، وكانت بدأت ذلك بالفعل، من خلال اتفاقيةٍ مع مصر في نهاية شباط (فبراير) 2018 بقيمة 15 مليار دولار، سبقتها اتفاقية بقيمة 10 مليارات دولار مع الأردن، بينما تطمح "إسرائيل" إلى الهيمنة على حقول الغاز في شرق المتوسط ومد أنابيب غازٍ في المستقبل، باتجاه قبرص، ومن ثم إيطاليا.

اقرأ أيضاً: الغاز في شرق المتوسط يزعزع العلاقة القطرية التركية

الأوضاع السيئة في لبنان، بأزماته الداخلية المتوالية، في البحث عن استقرارٍ سياسي، إضافةً إلى السجالاتِ الكبرى بين حزب الله، والقوى السياسية اللبنانية الأخرى كتيار المستقبل وجماعة 8 آذار، والأهم، كان الأثر الواقع على لبنان وحدوده البرية منذ بداية أزمة سوريا في ظل "الربيع العربي" العام 2011، كل ذلك أخّر كثيراً، جهوده لاستثمار حقوله قبل أن تتحرك دولة الاحتلال لفرض "الأمر الواقع" كعادتها.

بؤرة الانفجار في سوريا

وفق تحقيقٍ تم نشره كفيلمٍ وثائقي، من قبلِ قناة فرانس 24 على موقع يوتيوب في 17 أيار (مايو) 2017، يقول مهندس البترول والمستشار بالبنك الدولي موفق حسان، وهو سوري الجنسية، إنّ "خط أنابيب الغاز في سوريا حقيقي، غير أنني لا أعده سبباً رئيسياً للحرب في سوريا، فقد شهدت سوريا احتجاجاتٍ ضد دكتاتورية النظام السوري في الثمانينيات ولم يكن هناك أي صراعٍ عل مد أنابيب غاز في حينه".

أزمات لبنان أعاقت جهوده لاستثمار حقوله قبل أن تتحرك دولة الاحتلال لفرض "الأمر الواقع" كعادتها

وأوضح حسان، "غير أنّ الرفض السوري لمشروع خط أنابيب الغاز الذي قدمته دولة قطر عام 2009 ويمتد من أراضيها مروراً بالسعودية والأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا، ورفضته سوريا مطلع العام 2012 لصالح خطٍ آخر إيراني يمر بالعراق وسوريا، سبب دعم قطر للجماعات المسلحةِ في سورياـ وهذا أمرٌ مؤكد". وفقاً لحسان.

تحقيق القناة الفرنسية حول الغاز:

الشركاء الإقليميون في لعبة الغاز، وخصوصاً حول سوريا، باتوا معروفين، فتركيا وقطر تقبعان في جهة، بينما تأتي إيران وروسيا في الجهة الأخرى؛ حيث لا يمكن استثناء روسيا، أحد أكبر مزودي أوروبا بالغاز الطبيعي، من الصراع على احتكار الحصة الأكبر من تزويد أوروبا بالغاز. وكانت، حصلت على حقوق التنقيب عن الغاز والنفط من سوريا مدة 25 عاماً وفق ما أعلن عنه رسمياً العام 2013.

المكاسب من مشاريع الغاز في الشرق الأوسط تذهب حتى الآن إلى دولة الاحتلال

أما "إسرائيل"، فتبدو في خضم هذا الصراع، أقرب إلى الضبع المتفرج على المطاردة المميتة ربما، بين الفريسة والمفترس، وهي التي تنافس بدورها على تصدير الغاز من حقولها المزعومة الملكية، وتهدد لبنان، بينما يسعدها انتظار تمزق محتمل للأراضي السورية، أو أن تؤول الأوضاع فيها، إلى ما يشبه وضع لبنان، مع عدم استقرارٍ أمني، بينما تتدخل دولٌ مثل إيران في مستقبل سوريا غير الواضح حتى الآن.

ومن خلال التقرير، يبدو، أنّ المكاسب من مشاريع الغاز في الشرق الأوسط، تذهب حتى الآن إلى دولة الاحتلال، المتعاقدة مع شركة نوبل الأمريكية للتنقيب عن الغاز منذ العام 2010، في سعيها للاقتراب من شواطئ قبرص واليونان وإيطاليا، متوجهةً إلى أوروبا بالغاز، تاركةً خلفها منطقة، لا يهم مقدار الحرائق وانعدام الاستقرار فيها، فالمهم، هو ضمان سلامة أنابيب الغاز، تلك الموجودة حالياً، والأخرى المخطّط لها بأي ثمن، حتى لو كان على ركام دول الجوار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: