حروب وفساد وتدخلات إيرانية: العراق منذ 2003 وحتى الثورة (1-3)

العراق

حروب وفساد وتدخلات إيرانية: العراق منذ 2003 وحتى الثورة (1-3)

مشاهدة

15/10/2019

ينتفض العراق الآن، ويثور شبابه ضدّ المآسي التي بدأها الاحتلال منذ 2003، وتراكمت وتنوعت أسبابها حتى اليوم، وسط جدل بقي محتدماً طوال أعوام؛ كون العراق أصبح حديقة خلفية للتدخلات الخارجية، وتمّ العبث بأمنه ومجتمعه واقتصاده من الداخل والخارج.

اقرأ أيضاً: قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟
وفي ظلّ هذا كلّه، لم يعد الصمت ممكناً تجاه ما يحلّ بالبلد التي أودت الطائفية والإرهاب به إلى الدمار مرات عديدة، فكان ثمن الثورة والاحتجاج  الأخير أكثر من مئة وعشرة قتلى وأعداد كبيرة من الجرحى، بينما أخذت الهوة بين الأحزاب والميليشيات الطائفية وبين الشعب تتّضح أكثر؛ فمن أيّ باب يمكن للعراق الخروج وتجاوز هذه الأزمات؟ ومن أنتجها في الأصل؟ ولماذا تتم مواجهتها بالعنف اليوم؟ كلّ هذه الأسئلة وغيرها، هي مثار هذه المجموعة المكونة من ثلاثة تقارير، بصحبة مختصين عراقيين، حاولوا المساعدة في رسم خريطة العراق الجريح منذ 2003، إلى انتفاضة العراقيين اليوم.

التفكّك والاختراق
بعد عام 2003؛ تمخّضت الحرب عن شكلٍ من الدعم الدولي، من أجل إنشاء دولةٍ عراقية جديدةٍ، إن صحّ التعبير، لكنّ الطائفة وقفت في وجه هذه الدولة، وهو أمرٌ طبيعي؛ إذ لم تتوفر كلّ مقومات الاستقرار في العراق منذ ذلك الحين، فالوجود الأمريكي هو احتلال، وعمليات تصفية الحسابات أخذت طابعاً تقسيمياً طائفياً واضحاً، بين من أطلقوا على أنفسهم (شيعة) و(سنّة)، سياسياً وليس دينياً فقط، بالتالي؛ بدأت التفجيرات هنا وهناك، والانتقام، والقتل على الهوية، أحياناً، تأخذ طابعاً فوضوياً.

وظّفت إيران جهودها للتغلغل في الداخل الإيراني وساهمت في إنشاء كونفدرالية سنّية شيعية حتى تضمن الولاء لها لاحقاً

ويشارُ إلى أنّ إطاحة نظام صدام حسين، عام 2003، وفّر فرصة تاريخية لجمهورية إيران، حتى تقوم بتغيير علاقتها مع العراق (التي كانت سابقاً واحدة من أشدّ أعدائها)، فاستغلّت إيران "الحدود الطويلة التي يسهل اختراقها مع العراق وعلاقاتها طويلة المدى مع سياسيين عراقيين رئيسين وأحزاب وجماعات مسلحة عراقية، فضلاً عن قوتها الناعمة المتمثلة في المجالات الاقتصادية والدينية والإعلامية لتوسيع نفوذها"، وفق دراسة صدرت عن "معهد واشنطن"، عام 2011، وبالتالي ترسيخ مكانتها بالقوة، كوسيط خارجي في العراق.
ومن هذا المنطلق؛ حاولت إيران التأثير على سياسات العراق من خلال العمل مع الأحزاب الشيعية والكردية لخلق دولة فيدرالية ضعيفة يهيمن عليها الشيعة وتتقبل النفوذ الإيراني؛ حيث "شجعت إيران حلفاءها المقربين؛ كالمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وميليشياته السابقة: "منظمة بدر"، و"حزب الدعوة الإسلامي"، وكذلك "الصدريين" للمشاركة في الحياة السياسية والمساعدة على تشكيل المؤسسات الوليدة في العراق"، بحسب المصدر السابق.

استغلت إيران ضعف العراق بعد الاحتلال وعملت على تقسيمه طائفياً

وفي هذا السياق؛ يتحدث أستاذ الدراسات الثقافية في الجامعة الأمريكية بالعراق، عقيل عباس، قائلاً: "أمريكا ارتكبت أخطاء جوهرية في العراق، مما أدّى إلى حربٍ أهلية بين 2006 و2007 تحديداً؛ إذ ظهر هناك تحالف شيعي كردي، عمل على إقصاء السنّة من المحاصصة السياسية في العراق، وهذا أدّى مباشرةً إلى نوعٍ من التطرف، وربما أدّى ذلك إلى تطور ظاهرة القاعدة، ومن بعدها تنظيم داعش الإرهابي؛ حيث أخذت تتشكل نخبة شيعية سياسية قوية، أبدت تحالفاً واضحاً ومستمراً مع إيران".

عباس: تشكلت نخبة سياسية موالية لإيران عمّقت الهوّة بين السنّة والشيعة من أجل تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية طويلة الأمد

ويضيف عباس، في تصريحه لـ "حفريات": "تغوّل الدولة أصبح يتّضح بعد ذلك كله، خصوصاً في الفترة ما بين عامَي 2008 و2010".
من جهتها، رأت الباحثة والأكاديمية العراقية، الدكتورة لقاء الساعدي؛ أنّ الأساس في تفكك الدولة العراقية بعد 2003، يعود إلى سياسات أمريكا التي قامت "بإجراءاتٍ اتخذها الحاكم العسكري بريمر، وكانت كفيلة بتحطيم بنية الضبط الاجتماعي في الدولة العراقية؛ حيث تمثلت في حلّ الجيش العراقي، وإلغاء جميع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وحلّ وزارتَي الدفاع والإعلام".
وتؤكّد الساعدي؛ أنّ تشكيل مجلس قيادي من 15 شخصية معارضة في 2003، من أجل تشكيل هيكل للحكم في العراق، أفضى في النهاية، رغم ضعف ذلك المجلس، إلى نوعٍ من "المحاصصة العرقية والطائفية، أصبحت لاحقاً عرفاً يَصعب الخلاص منه، ورسخ هذا العرف مبادئ الطائفية السياسية التي صار من الصعب تجاوزها فيما بعد، حتى حين أصدر مجلس الحكم، في آذار (مارس) 2004، الدستور المؤقت، كانت الطائفية قد توغلت وثبتت".

الأحياء الشيعية الفقيرة في العراق كانت هدفاً للاختراق دينياً ومادياً

الوجه القبيح للتدخل
بالنسبة إلى كلّ من عباس والساعدي، أسهمت المرحلة التالية للاحتلال من تاريخ العراق، في تشكل طبقة سياسية داخلية نخبوية، موالية لإيران، فكيف استثمرت إيران هذا داخل العراق؟

الساعدي: المحاصصة العرقية والطائفية أصبحت لاحقاً عرفاً يَصعب الخلاص منه ورسّخ هذا العرف مبادئ الطائفية السياسية في العراق

تكشف الدكتورة لقاء الساعدي؛ أنّه في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتخذ إجراءات لتفكيك المجتمع العراقي، وتعمد إلى بناء طبقة سياسية جديدة، كانت إيران تتغلغل في المجتمع العراقي، عبر "نشر رجالها الذين عرفوا (بالاطلاعات) ومهمتهم جسّ نبض الشارع العراقي لتشكيل مجموعات تؤمن بالولاء لإيران عبر نشر ثقافة مذهبية متطرفة تضع فكرة ولاية الفقيه محلّ الإيمان التقليدي الشيعي بالمرجعية الدينية العراقية في النجف".
وخلال تلك الفترة، حرّكت إيران قوتها الناعمة، فنشرت ممثليها في التجمعات الدينية الشيعية عبر مدن العراق، وأخذت تخترق الحسينيات الشيعية من خلالهم، وتعلّق الساعدي على هذه التحركات التي تمددت بعد 2003، بالقول: "استغلت إيران مناخ الحرية والخلاص من النظام الدكتاتوري، فقامت بإنشاء مراكز لتدريب الشباب، وكسب ودّهم، وأسست مدارس دينية في الأحياء الفقيرة، مستغلة فقرهم وانخفاض وعيهم بالمرامي البعيدة لهذا الدعم، وفي الوقت نفسه؛ بدأت نواة التشكلات المليشياوية الطائفية بالتمدد والعمل بسرية تامة في بناء المقرات وكسب الأتباع وتدريبهم على حروب الشوارع والعصابات".

أنتج التدخل الإيراني طبقةً سياسية وطائفية لا تُمحى بسهولة

وقد أدّى هذا التغلغل الإيراني في المجتمع العراقي من أبواب طائفية واجتماعية، إلى احتدام الحرب الأهلية العراقية لاحقاً، خصوصاً بعد ظهور تنظيم القاعدة الإرهابي، الذي ترى فيه الساعدي عاملاً مهماً في إذكاء نيران الطائفية؛ فهو بدأ محارباً للأمريكيين، كما ادّعى، ثم أسهم في تفجير "مراقد شيعية عديدة مهمة، وإشعال حربٍ راح ضحيتها آلاف الأبرياء".

اقرأ أيضاً: إيران تتخلى عن ميليشيا مسلحة في العراق
من ناحيته، أكّد الدكتور عقيل عباس؛ أنّ القوة الإيرانية المتغلغلة سياسياً واجتماعياً، قبل كونها عسكرياً، وصعود النخبة منها إلى الحكم، (مثال ذلك المالكي ومن ثم العبادي) زاد الهوة بين السنّة والشيعة في العراق، وأتاح الفرص لظهور تنظيم داعش الإرهابي نوعاً ما، بل و"تشكيل الصحوات السنّية لاحقاً برعايةٍ أمريكية، من أجل محاربة الإرهاب"، وأيضاً تشكيل قوى ميليشيويةٍ شيعية، قاد إلى انقسامٍ كبيرٍ ونهائي، على مستوى الطائفة والقيادات والأحزاب؛ إذ تدير نخبة ترتهن إلى إيران وغيرها في الخارج كلّ هذا الانقسام، من أجل تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية طويلة الأمد، على حساب دم العراق، الذي جرى امتصاصه؛ حيث تمّ تقويض مشروع دولةٍ عراقيةٍ ناجحة اقتصادياً وسياسياً طوال أعوام، وهذا ما سوف يتضح أكثر، في الجزء التالي.

الصفحة الرئيسية