خروقات العمل الإنساني والإغاثي في الحروب والصراعات

خروقات العمل الإنساني والإغاثي في الحروب والصراعات

مشاهدة

03/04/2018

"العمل الإنساني" المعاصر ظاهرة ارتبطت بسيرورة العولمة، وولدت من رحم الحروب والصرعات.

وسواء كان هذا العمل فردياً أو جماعياً؛ من خلال الأطراف الفاعلة من الدول أو الأطراف الفاعلة من غير الدول من خلال المنظمات غير الحكومية، أو تلك التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، فقد ظهر بقوة مع نهاية الحرب العالمية الثانية كأحد نتائج الدمار والفوضى الذي خلّفته الحرب. 

وكان أول نتائج هذه الحرب، كما هو معروف إنشاء الأمم المتحدة، بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين، والمحافظة على مصالح واحتياجات الشعوب، وتم التأكيد في مقدمة وثيقة تأسيسها على "نحن شعوب الأمم المتحدة قد آلينا على أنفسنا، أن نؤكد من جديد إيماننا بحقوق الإنسان الأساسية، وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم، كبيرها وصغيرها، من حقوق متساوية".

هناك اتهامات للأمم المتحدة بأنّها حولت ملايين الدولارات لنظام بشار الأسد، من خلال عقود وتبرعات

ولقد أصبح من المسلَّم به في عالم اليوم، أنّ النظام الدولي المعولم لم يعد مقتصراً على الدول، وأنّ السياسات العالمية أصبحت تشتمل على منظومة واسعة من التشكيلات مثل: منظمات دولية غير حكومية (العفو الدولية، والصليب الأحمر، منظمة السلام الأخضر، منظمة إنقاذ الطفل، ...)، والمنظمات غير الحكومية التابعة لدولة واحدة (منظمة أوكسفام البريطانية، كير الأمريكية، ومنظمة "أطباء بلا حدود" الفرنسية، ...إلخ)، ومنظمات حكومية دولية، يزيد عددها عن 300 منظمة (الأمم المتحدة، منظمة الناتو، الاتحاد الأوروبي، ...إلخ).

إنّ هذه المنظمات غير الحكومية متنوعة جداً، في أهدافها وتكتيكاتها، وتحولت بفعل سيرورة العولمة؛ السياسية والاقتصادية من الاهتمام بالشأن السياسي المحلي إلى السياسة العالمية، مثل؛ منظمة أوكسفام البريطانية، وكير الأمريكية، التي أسّست فروعاً لها في كثير من دول العالم، وتعدّ الآن من أنشط المنظمات في ساحات الحروب والصراعات في العالم من إفريقيا إلى آسيا.

معضلة العمل الإنساني

تشارك منظمات الإغاثة والعمل الإنساني في شبكة واسعة ومعقدة من العلاقات العالمية، بما في ذلك مشاركتها في النشاطات الدبلوماسية للدول؛ حيث إنّ الدول والحكومات يمكن أن تفقد استقلالها السياسي وسيادتها.

هذا يعني أنّ حدوث الخروقات والخروج على مدونات السلوك لبعض هذه المنظمات ممكن الحدوث والتكرار.

ولا يعني حدوث هذه الخروقات، أن تتوقف هذه المنظمات والجمعيات عن تقديم خدماتها للمحتاجين وقت الصراعات والحروب، خاصّة إذا علمنا بأنّ هناك أربعمئة وخمسة وستين ألف شخص، معظمهم من المدنيين، بين قتيل ومفقود جراء الحرب الأهلية، التي تدور رحاها على مدى أكثر من 6 أعوام في سوريا، وحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لدى للأمم المتحدة، بلغ عدد اللاجئين السوريين حول العالم 5.5 مليون، موزعين على عدد كبير من الدّول، على رأسها تركيا والأردن.

وبخصوص الخروقات، نشير -على سبيل المثال- إلى أنّ صحيفة الغارديان نشرت تقريراً بتاريخ 29 آب (أغسطس) 2016 يشير إلى اتهامات للأمم المتحدة، بأنّها حولت ملايين الدولارات لنظام بشار الأسد، من خلال عقود وتبرعات لمتعهدين على ارتباط بنظام الأسد.

إزاء هذا المعضلة، صرح المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، لـلإذاعة الكندية ردّاً على مقال الغارديان: "يجب أن يفهم الأشخاص السياق الذي نعمل فيه؛ حيث نعمل في سوريا في وضع سياسي وعسكري ليس من صنعنا"، عندما نعمل خارج دمشق، علينا تأمين الخدمات الأساسية، مثل؛ خدمات الهاتف أو المحروقات. نضع قوائم، وهناك عدد محدود من الباعة، هذا هو الوضع حيث نعمل، وليست لدينا خيارات أخرى، والخيار الآخر الوحيد؛ هو التوقّف عن العمل في سوريا، وفي حال فعلنا ذلك، سيصبح الملايين دون مساعدات، لا تتمتع الأمم المتحدة بالحرية التي تتمتع بها المنظمات الأهلية الدولية".

وسبق للباحث أرون لوند، المتخصص في الشأن السوري، في مركز كارنغي أن أشار في مقال له نشر بتاريخ 9 أيلول (سبتمبر) 2016، إلى  وجود الخروقات في مسألة العمل الإنساني في سوريا، وانطلاق سجال حادٍّ حول العقود التي أبرمتها الأمم المتحدة مع منظمات سورية يديرها أفراد من عائلة الأسد.

وتبيّن أنّه يتعيّن على وكالات الأمم المتحدة، إذا ما أرادت تنفيذ مهامها، عقد شراكات مع منظمات محلية، على أن تكون هذه المنظمات حائزة، أولاً، على ترخيص من وزارة الخارجية السورية.

الأمم المتحدة تسبّبت بتقويض نزاهة برنامجها للمساعدات عبر إقامة شراكات مع منظمات على غرار "جمعية البستان"

وأنّ الأمم المتحدة تسبّبت بتقويض نزاهة برنامجها للمساعدات عبر إقامة شراكات مع منظمات على غرار "جمعية البستان"، وهي مؤسسة خيرية يديرها الملياردير رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري، ومعروفة بتمويلها للقوات شبه العسكرية الموالية للأسد.

غير أنّ بعض المطّلعين على عمليات المساعدات في دمشق، يقولون إنّ الأمور في سورية تسير هكذا ببساطة؛ إذ يخضع الاقتصاد إلى سيطرة أشخاص مقرّبين من النظام، ولا يُسمَح للمنظمات الأهلية المستقلة بالعمل في البلاد، وبالتالي البدائل محدودة، وعلى العاملين في مجال المساعدات أن يحافظوا أيضاً على علاقات ودّية مع النخبة الحاكمة، كي يتمكّنوا من إنجاز أيّ شيء على الإطلاق؛ لأنّهم لا يستطيعون تخطّي الجمود البيروقراطي والفساد، دون تدخّل من السلطات العليا من حين إلى آخر لدفع الأمور نحو الأمام.

وكذلك، غالباً ما تتمكن المنظمات غير الحكومية والشركات المدعومة من الحكومة من العمل في عمق المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق وسطاء، وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات العامة، مثل وزارتَي الصحة والتعليم، اللتين غالباً ما تستمران في العمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوّار السنّة، أو الأكراد، أو تنظيم "داعش"، مع أنّه يتم تمويلها وإدارتها انطلاقاً من دمشق.

بعبارة أخرى؛ تتمتع بعض هذه المنظمات والمؤسسات بالمؤهلات التي تخوّلها أن تصبح شريكة في التنفيذ للمنظمات المعنية بالمساعدات، حتى لو لم تُوجِّه الزمرة الحاكمة الأمم المتحدة نحو التعاون مع المؤسسات العائلية المحظيّة، مع العلم بأنّ هذا ما تفعله بالضبط.

عاد هذا السجال مرة أخرى، في شهر آذار (مارس) الماضي، عندما أشار تقرير أممي إلى وجود خروقات فاضحة في كيفية توزيع المساعدات في سوريا، عنف على أساس الجنس والاستغلال الجنسي أو الجنس مقابل الغذاء، وهذا ما أكّده تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان المُعنون بـ "أصوات من سوريا 2018". ويسهب التقرير في رصد التفاصيل المتعلقة بالعنف على أساس الجنس، سيما ما تتعرض له النساء والفتيات، في سبيل الحصول على المساعدات الغذائية والإنسانية التي تقدّمها المنظمات داخل سوريا، وفي مخيمات اللجوء.

ولقد لوحظ أنّ القناة البريطانية "بي بي سي" بالعربي، ركزت وتوسعت في عرض هذا التقرير، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى الرد على تقرير "بي بي سي"، عبر مؤتمر صحفي لأندريه ماهيسيتش، المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي قال: "من المهم أن نفهم أنّه، في كلّ مرة تُقدَّم بها المساعدات العاجلة، هناك خطر وقوع حالات استغلال جنسي، إنّ الاستغلال الجنسي لشخص يحتاج مساعدات إنسانية، هو أمر خسيس وغير إنساني على الإطلاق، ونحن ندينه دون أيّ تحفظ".

هذا يجب ألّا يعني توقف مسيرة العمل الإنساني والإغاثي؛ بل يعني الدعوة إلى المزيد من الشفافية والتدقيق

وبالتزامن تقريباً مع هذا التقرير، كانت منظمة أوكسفام البريطانية تتعرض لفضيحة أخلاقية مدوّية مشابهة حول الاستغلال الجنسي. وهي ليست المرة الأولى التي تتهم فيها  هذه المنظمة بانتهاكات تهز أوساط منظمات المساعدات الدولية.

وكان المدير التنفيذي للمعهد المركزي الألماني للشؤون الاجتماعية، بورخارد فيلكه أكد في تصريحات صحافية، أنّ "موظفي منظمات المساعدة، أو حتى شركاءها في مناطق العمل أصبحوا مسؤولين، بشكل متكرر، عن الاستغلال الجنسي للسكان المحليين"، ما يوضح أنّ الأمر لا يتعلق بحالة منفردة.

وهناك أمثلة أخرى في الوقت الحالي؛ حيث أعلنت منظمة "أطباء بلا حدود" مؤخراً عن 24 حالة من حالات الاعتداء أو التحرش الجنسي، خلال العام الماضي 2017، وأقرت اللجنة الدولية للإغاثة (IRC) بحدوث ثلاث حالات للاعتداء الجنسي أثناء عمليات الإغاثة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

لقد هزت فضيحة أوكسفام الجنسية، التي طالت أيضاً منظمة "أطباء بلا حدود"، أوساط منظمات الإغاثة؛ حيث كشفت استغلال الموظفين لسلطتهم، وابتزاز النساء في مناطق الأزمات مقابل الجنس، ما يؤثر في مصداقية هذه المنظمات، لدى المتبرعين.

غير أنّ هذا يجب ألّا يعني توقف مسيرة العمل الإنساني والإغاثي؛ بل يعني الدعوة إلى المزيد من الشفافية والتدقيق على ضرورة الالتزام بمدونات السلوك التي تحترم المحتاجين إلى الخدمة.

الصفحة الرئيسية