خريطة تركيا عام 2050... لماذا ظهرت الآن؟

خريطة تركيا عام 2050... لماذا ظهرت الآن؟

مشاهدة

24/02/2021

فضح الإعلام التركي نوايا ومخططات الرئيس رجب طيب أردوغان التوسعية في المنطقة بنشر خريطة لتركيا الكبرى، على حدّ زعمهم، تشمل العديد من دول المنطقة، بينها مصر والسعودية، في إشارة واضحة إلى عودة الخلافة العثمانية.

ونسبت قناة TGRT الخريطة الافتراضية إلى مركز أبحاث "ستراتفور" الأمريكي، في تقريرها بعنوان: "خريطة ظل CIA عن تركيا في 2050".

تستند خريطة 2050 إلى تنبؤات جورج فريدمان الكاتب الأمريكي ومؤسس مركز ستراتفور للأبحاث الاستخبارية

وأظهرت الخريطة التي نشرتها قناة "TGRT" التركية امتداد النفوذ التركي بحلول عام 2050 من كازاخستان وتركمانستان شرقاً مروراً بالسعودية ومصر وحتى ليبيا غرباً.

وفي متابعة لها قالت شبكة CNN: إنها لم تستطع الوصول إلى هذه الخريطة على موقع "ستراتفور"، مؤكدة أنها وجدت نسخة منها في كتاب صدر عام 2009 بعنوان "المئة عام المقبلة"، من تأليف الباحث السياسي جورج فريدمان، الرئيس السابق لمركز "ستراتفور".

وأظهرت هذه الخريطة مدى طموحات الرئيس التركي التوسعية، لاسيّما في ظلّ تمسكه بتدخلاته العسكرية في أكثر من جبهة صراع، واستثماره في الاضطرابات والحروب لتحقيق أحلام واهية باستعادة مجد عثماني قديم.

الخريطة تظهر مدى طموحات أردوغان التوسعية، لا سيّما في ظل تمسكه بتدخلاته العسكرية في دول عديدة

وأثار كشف الخريطة مخاوف الكثير من الدول، كإيران روسيا، من تعاظم النزعة الاستعمارية لدى تركيا، خاصة بعد اتساع رقعة التدخلات العسكرية منذ العام 2017 بعد توغلها في شمال سوريا، ومن ثمّ إعلانها اتفاقية تمكنها من الولوج إلى الأراضي الليبية التي تُعدّ بوابة مهمة لشمال أفريقيا والقارة السمراء، وما تحويه من ثروات متنوعة أسالت لعاب أردوغان، فضلاً عن عمليات تركيا العسكرية شمال العراق بذريعة ملاحقة الأكراد، وتخطيطها للخوض في الحرب اليمنية، ثم التدخل جنوب شرق أوروبا لدعم أذربيجان في حربها ضد أرمينيا وانتصار باكو في المعركة، الذي زاد أطماع الرئيس التركي في التوسع أكثر، وفق موقع "ميديل إيست أون لاين".

ودقت العلاقة الجديدة بين أنقرة وباكو ناقوس الخطر بين الروس والإيرانيين، بعد أن نزل أردوغان بكل ثقله الدبلوماسي في دعم أذربيجان، وأشاد بنصرها في إقليم ناغورني قره باغ وشاركها على أراضيها احتفالات النصر، وقال حرفياً: إنّ "المعركة لن تنتهي باستعادة السلطات الأذربيجانية أراضيها، فالكفاح في المجالين السياسي والعسكري سيستمر الآن على العديد من الجبهات الأخرى".

ورغم قناعات بعض المحللين السياسيين بأنّ الهدف من نشر الخريطة التركية المزعومة  هو محاولة لتحسين صورة أردوغان المهتزة وترميم شعبيته المتراجعة، وإثارة الحماسة القومية لدى الأتراك، ولكن ينبغي عدم الاستخفاف بخطورة تكتيكات الرئيس التركي العازم على إحياء أحلام واستعادة الأمجاد العثمانية لدى مواطنيه، لكسب تأييد شعبي لتدخلاته العسكرية، رغم انعكاساتها السلبية على صورة تركيا دولياً وتداعياتها على الاقتصاد التركي، والخسائر البشرية التي خلفتها في صفوف الجيش.

ويهدف نشر استعراض الخريطة في مقام آخر، لا يقلّ أهمية، إلى اختبار الردود الإقليمية تجاه طموحات تركيا التوسعية ومخططاتها الاستعمارية رغبة في إحياء الإمبراطورية القديمة.

وفي الإطار، صرّح سياسيون ومحللون روس وإيرانيون، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس"، بأنّ هذه الخريطة التي تشمل دول شمال القوقاز وشبه جزيرة القرم تهدد المصالح الروسية. وقد شعر الإيرانيون بأنّ مجال النفوذ التركي سيحاصر بلادهم من الشمال والجنوب والغرب، ويهدد مصالحهم الاستراتيجية القومية.

وبعد ظهور الخريطة، قال أندريه كراسوف نائب رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي: "إذا أراد الأتراك اختبار قوة الروح الروسية وأسلحتنا، فدعوهم يحاولون ذلك".

اقرأ أيضاً: أردوغان إذ يجعل السوريين جسراً لأطماعه التوسعية في ليبيا

من جانبه اعتبر العضو في مجلس الاتحاد الروسي فلاديمير جباروف أنّ "مثل هذه المعلومات يتمّ عرضها بشكل متعمد لرؤية ردود الأفعال، لكننا لن نولي ذلك اهتماماً، ولدينا علاقات طبيعية مع تركيا، ونحن شريكان في العديد من المجالات".

ولم يعلّق المسؤولون الإيرانيون على الخطط التركية، في الوقت الذي سعت فيه طهران في العام الماضي إلى تعزيز وجودها العسكري في بحر قزوين، وإقامة علاقات بحرية وثيقة مع الدول المطلة على حوض قزوين (روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان).

وقد يعتبر الإيرانيون بثّ خريطة نفوذ تركيا الافتراضية لعام 2050 أحدث حلقة من مسلسل الاستفزازات التركية، خاصة بعد أن ردّد أردوغان قصيدة قومية تدعو إلى ضمّ مقاطعتين إيرانيتين من أصل أذري إلى أذربيجان، فضلاً عن أنّ خدمة الإذاعة والتلفزيون التركية الحكومية نشرت خريطة على أنستغرام ترسم محافظة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط منفصلة عن إيران.

الهدف من نشر الخريطة التركية المزعومة هو محاولة تحسين صورة أردوغان، وترميم شعبيته، وإثارة الحماسة القومية لدى الأتراك

من جهته، قال جيمس دورسي الخبير في قضايا الشرق الأوسط والأدنى: إنّ "النصر العسكري جعل من أذربيجان طريق نقل بديلاً للغاز باتجاه الغرب، من شأنه أن يسمح لدول آسيا الوسطى بتجاوز الممرات التي تهيمن عليها روسيا أو إيران"، وبالتالي يتراجع النفوذ الروسي الإيراني أمام تعاظم نفوذ تركيا.

وعلقت صفحة "تركيا 24" على تويتر على المقطع قائلة: "دائماً ما يحلم أردوغان بأنّ تركيا دولة عظمى، وأنه سيعيد إحياء الدولة العثمانية، بعد أن عرضت قناة تركية تابعة لنظام أردوغان خريطة لمناطق النفوذ التركي المتوقعة في عام 2050، وتشمل شبه الجزيرة العربية والعراق وسوريا والأردن ومصر وليبيا واليونان وبعض المناطق... أحلام أردوغان أوهام زائفة"، على حدّ تعبيرها.

وقد ردّ رجل الأعمال السعودي عجلان العجلان، رئيس مجلس الغرف السعودية، على خريطة افتراضية لتركيا، نشرتها إحدى القنوات التركية، تظهر ضمّ السعودية ومصر والخليج لتركيا العام 2050.

وقال العجلان في تغريدة نشرها على صفحته الرسمية بتويتر: "عرضت قناة TGRT التركية خريطة لمناطق النفوذ التركي بحلول عام 2050، وتشمل سوريا والعراق والأردن ومصر وليبيا والسعودية ودول الخليج...، هذا يؤكد جنون الحكومة التركية وأطماعها وعدوانيتها، التي سنكون لها بالمرصاد بكل ما نملك، ولهذا نحن مستمرون بمقاطعة تركيا، وإلى صفر تعامل مع تركيا".

هذا، وتداول مغرّدون ونشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو من قناة تركية خاصة، حول خريطة افتراضية عن نفوذ تركيا بحلول عام 2050، ما أثار ردود فعل واسعة.

وحاولت وسائل إعلام مقرّبة من أنقرة نفي صلتها بالفضيحة التي تناولتها وسائل الإعلام الدولية، مؤكدة أنّ الخريطة التي نشرتها القناة التركية صادرة عن معهد "ستراتفور" للأبحاث.

اقرأ أيضاً: تمدد النفوذ التركي في موريتانيا من بوابة الأئمة... ما القصة؟

وتستند خريطة 2050 إلى تنبؤات الكاتب الأمريكي ومؤسس معهد ستراتفور للأبحاث الاستخبارية جورج فريدمان في كتابه "المئة عام المقبلة: توقعات للقرن الـ21"، المنشور عام 2009، وقد تضمّن كتابه في أحد العناصر "مجال النفوذ التركي عام 2050"، وفيه تنبأ بتوسع النفوذ التركي وتمدده الجغرافي.

ويبقى هناك تساؤل مهم للغاية: هل ستقبل القوى الكبرى مثل هذا التوسع المثير وتظل مكتوفة الأيدي؟ حيث من الثابت أنّ لدى الرئيس أردوغان أوهاماً كبرى في التوسع الجغرافي وفق ما فعله الأجداد العثمانيون، وفي استعادة ما يعتبره حقوق تركيا الضائعة وفقاً لاتفاقية لوزان 1923، التي أنهت الدولة العثمانية وحدّدت الخريطة الجغرافية لتركيا المعاصرة.

الصفحة الرئيسية