خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة

1556
عدد القراءات

2019-03-28

عند نصب لنكولن التذكاري وفي 28 أغسطس (آب) 1963 ألقى الزعيم  الأمريكي من أصول إفريقية مارتن لوثر كنج خطبته الشهيرة "لدي حلم" أثناء مسيرة واشنطن للحرية عندما عبّر عن رغبته في رؤية مستقبل يتعايش فيه السود والبيض بحرية ومساواة وتجانس.
واعتبر ذلك اليوم من اللحظات الفاصلة في تاريخ حركة الحريات المدنية، حيث خطب كنج في 250.000 من مناصري الحقوق المدنية، كما تُعتبر هذه الخطبة واحدة من أكثر الخطب بلاغة في التاريخ، وتم اختيارها كأهم خطبة أمريكية في القرن العشرين، بحسب تصويت كتاب الخطب الأمريكيين، ومن أهم مائة خطبة بحسب تقرير من جامعة ويسكنسون ماديسون الأمريكية.

اقرأ أيضاً: جورجي زيدان اللبناني المصري المسيحي المسلم المُفترى عليه
ولد مارتن لوثر كنج في 15 يناير (كانون الثاني) عام 1929 - واغتيل في 4 أبريل (نيسان) 1968. وهو قس وناشط وكاتب سياسي إنساني، خاض معركة إنهاء التمييز العنصري ضد الزنوج، وحصل على جائزة نوبل للسلام في عام 1964، وكان أصغر من يحوز عليها. ويعد يوم الاثنين الثالث من كل شهر كانون الثاني (تقريباً موعد ولادته) عطلة رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية.

قرار إعلان تحرير الزنوج

في خطبته قال لوثر: قبل عقود من الزمان، وقّع الأمريكيّ العظيم الذي نقف اليوم تحت ظله الرمزي قرار إعلان تحرير الزنوج، وجاء هذا القرار المهم أملاً عظيماً للملايين من الزنوج العبيد الذين عانوا واحترقوا بلهب الظلم المزري، جاء كفجر مشرق لينهي سنوات الليل الطويل تحت الأسر، لكن.. وبعد مائة سنة من ذلك الإعلان، يجب أن نواجه الحقيقة المأساوية:
الزنجي.. ليس حراً.

لا يجب أن نسمح لاحتجاجنا الخلاق أن يتدهور للعنف.. يحب أن نرتقي إلى حيث تلتقي قوّة الروح بقوة الجسد

بعد مائة سنة، مازالت حياة الزنجي مشلولة بقيود العزلة، وأغلال التمييز..
بعد مائة سنة، مازال الزنجي يعيش في جزيرة من الفقر المدقع وسط محيط شاسع من الرخاء الاقتصادي..
بعد مائة سنة، مازال الزنجي يعاني في أنحاء مجتمعه، ومازال يعتبر نفسه منفياً في أرضه..
لقد جئنا هنا اليوم لنعبر عن حالتنا المريعة..
جئنا لعاصمة وطننا لنصرف الصك الذي ورّثنا إياه بناة جمهوريتنا عبر الكلمات الرائعة للدستور وإعلان الاستقلال..
لقد وقعوا كمبيالة الحقوق وورثوها لكل أمريكي.

اقرأ أيضاً: أمين معلوف يبحر عبر "موانئ المشرق" ويدعو لمقاومة أعداء البشرية
كان الصك يتضمن وعداً بضمان الحقوق الراسخة في الحياة، حق الحرية، والسعي للسعادة..
ومن الواضح اليوم أنّ أمريكا قد قصّرت في دفع هذا الصك المستحق بسبب نظرتها إلى ألوان مواطنيها..
وبدلاً من القيام بهذا الواجب المقدس، أعطت مواطنيها الزنوج صكاً سيئاً كتب عليه: الرصيد غير كاف..
بنك العدالة مفلس
لكننا رفضنا أن نصدق أنّ بنك العدالة مفلس..
ورفضنا التصديق أنّ الرصيد غير كاف للوفاء في ظل الفرص الكبيرة المتاحة لهذا الوطن.
لذا جئنا لصرف هذا الصك..
الصك الذي يعطينا ثروة الحرية، وضمانات العدالة..
جئنا لهذه البقعة المقدسة لتذكير أمريكا بحالة التطاحن التي نعيشها الآن..
لا وقت لدينا للمشاركة الباردة، ولم تعد تسعفنا الأدوية المهدئة بطيئة المفعول..
لقد حان الوقت لنرتفع من عزلة الوادي المظلم المهجور إلى طريق العدالة المشمس..

اقرأ أيضاً: قاسم أمين.. تحولات في قراءة واقع المرأة
لقد حان الوقت لفتح أبواب الفرص المتساوية لكل أطفال الله..
لقد حان الوقت لرفع وطننا من رمال الظلم العنصري المتحركة إلى صخرة الأخوة المتينة..
وفي الخطبة ذاتها يؤكد لوثر وينبّه: سيكون خطأً قاتلاً للدولة إن أغفلت الظروف الصعبة التي يعيشها الزنجي واستهانت بإصراره على نيل حقوقه..
لن يمر هذا الصيف الحار على الزنجي الساخط حتى يصل إلى خريف نشط بالحرية والمساواة..
لن يكون العام 1963 النهاية بل سيكون هو البداية..
وسيباغَتُ أولئك الذين يعتقدون أنّ ما يجري إنما هو تنفيس عن غضب يمارسه الزنوج وأنهم سيعودون لممارسة أعمالهم المعتادة غداً..
ولد مارتن لوثر كنج في 15 يناير (كانون الثاني) عام 1929

ستستمرّ رياح الثورة
ولن ينعم الوطن بالهدوء حتى يحصل الزنجي على كل حقوقه الوطنية..

لديّ حلم أنه في يوم من الأيام سيعلو كل واد وسينخفض كلّ تلّ وجبل، ستتضح الأماكن الوعرة

وستستمرّ رياح الثورة في هز أسس الدولة حتّى اليوم الذي تتحقق فيه العدالة للجميع ..
لكنّ هناك شيء يجب أن أقوله لشعبي الذي يقف على العتبة الدّافئة التي تتصدر قصر العدل:
للحصول على حقوقنا المشروعة لا يجب أن نتورط في أعمال خاطئة، دعونا لا نحاول إرضاء عطشنا للحرية بالشرب من كأس القسوة والكراهية.
للأبد، يجب أن يقوم صراعنا على الكرامة والانضباط.. لا يجب أن نسمح لاحتجاجنا الخلاق أن يتدهور إلى العنف الجسدي.. دائماً يحب أن نرتقي إلى حيث تلتقي قوّة الروح بقوة الجسد.. النضال الجديد الرائع الذي غمر المجتمع الزّنجيّ لا يجب أن يقودنا للارتياب بالبيض.. كثير من إخوتنا البيض، كما هو ملاحظ بوجودهم هنا اليوم، قد جاءوا مدركين أنّ قدرهم مقيّد بقدرنا، وأنّ حرّيّتهم لا تنفك عن حرّيّتنا.
لا يمكن أن نمشي وحيدين..
لكننا ونحن نمشي، يجب أن نضع تعهداتنا أمامنا..
لا يمكن أن نعود للخلف..
هناك هؤلاء الذين يسألوننا: متى سترضون؟!!
لا يمكن أن نكون راضين
لا يمكن أن نكون راضين أبداً طالما أنّ أجسامنا متعبة بالسفر، لأننا لا نستطيع الإقامة في فنادق الطّرق السّريعة وفنادق المدن.. لا يمكن أن نكون راضين طالما أنّ كل ما يستطيعه الزنجي هو الانتقال من حيّ فقير أصغر إلى حي فقير أكبر قليلاً.. لا يمكن أن نكون راضين أبداً طالما أنّ الزنجيّ في ميسيسبي لا يمكن أن يصوّت.. والزنجيّ الآخر في نيويورك لا يصوت، لأنه يعتقد أنّ لا شيء لديه ليصوت من أجله..
لا، لا، نحن غير راضين..

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
ولن نكون راضين حتّى تهبط العدالة مثل المياه وتكون الاستقامة مثل السيل العظيم.
أنا غير غافل أنّ بعضكم قد جاء محملاً بالتّجارب والمحن الكبيرة..
وبعضكم قد جاء من الزّنزانات الضّيّقة..
وبعضكم قد جاء من مناطق حيت تحطم حلم البحث عن الحرية بعواصف الاضطهاد ووحشية الشرطة..
المعاناة هي سبيل الانعتاق
متمرسين أنتم بالمعاناة..
لكن لتستمروا بالعمل، مؤمنين بأن المعاناة هي سبيل الانعتاق.
ارجع إلى ميسيسبي..
ارجع إلى ألاباما..
ارجع إلى جورجيا..
ارجع إلى لويزيانا..
ارجع إلى المناطق العشوائيّة والأحياء الفقيرة لمدننا الشّماليّة..
وأعلم بأنّ هذه الأوضاع ستتغير..
دعنا لا نسكن في وادي اليأس..
أقول لكم أصدقائي، بالرّغم من الصّعوبات والإحباطات، مازال لديّ حلم..
حلم متأصّل في الحلم الأمريكيّ.

اقرأ أيضاً: فرانز فانون للعرب: المستبد المحلي يترقب في آخر نفق الثورة

لديّ حلم أنه في يوم من الأيام ستنهض هذه الأمّة لتعيش معنى عقيدتها الحقيقيّ: نؤمن بهذه الحقيقة: أنّ كلّ الرّجال خُلِقُوا متساوين.. لديّ حلم أنه في يوم من الأيام وعلى تلال جورجيا الحمراء سيكون أبناء العبيد وأبناء مُلّاك العبيد السابقين قادرين على الجلوس معاً على مائدة إخاء.. لدي حلم أنه في يوم من الأيام أنه حتّى ميسيسبي التي تتصبّب عرقاً من حرارة الظلم والاضطهاد ستتُحَوَّل إلى واحة حرّيّة وعدالة.. لديّ حلم أنّ أطفالي الأربعة سوف يعيشون في يوم من الأيام في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم لكنّ بمحتويات شخصيّتهم.. لديّ اليوم حلم.
اغتيل في 4 أبريل (نيسان) 1968

لديّ حلم في يوم من الأيام
لديّ حلم أنه في يوم من الأيام وفي ولاية ألاباما، التي تقطر شفتا حاكمها بعبارات التحلل وإلغاء الآخر، ستُحَوَّل إلى مكان حيث يستطيع أولاد سود صغار وبنات سود صغيرات أن يتصافحوا مع الأولاد البيض الصّغار والبنات البيض الصغيرات ويمشوا معاً كأخوات وإخوة.. لديّ حلم اليوم، لديّ حلم أنه في يوم من الأيام سيعلو كل واد، وسينخفض كلّ تلّ وجبل، ستتضح الأماكن الوعرة، وستستقيم الأماكن المعوجة، وسيعلن مجد الرّبّ، وسيكون كل الناس معاً.. هذا هو أملنا.. هذا هو الإيمان الذي أعود به إلى الجنوب.. و بهذا الإيمان سنُخرجُ من جبل اليأس نواة أمل.. وبهذا الإيمان سنحول التنافر في أمتنا إلى سيمفونيّة أخوّة جميلة.. بهذا الإيمان سنعمل معاً، ونصلي معاً، ونقاتل معاً، ونذهب إلى السّجن للدّفاع عن الحرّيّة معاً، مؤمنين بأننا سنكون أحراراً ذات يوم.

اقرأ أيضاً: مارتن لوثر: أن تحب الله دون إكراه السياسة وتدخل الناس

سيأتي ذلك اليوم حين يستطيع عيال الله أن يتغنوا بمعان جديدة:
وطني..
أرض الحرية الحلوة..
لك أغني.. حيث مات آبائي..
الوطن الذي فاخر به القادمون الجدد..
من كلّ جهة، دع الحرّيّة تصدح..
ولتكن أمريكا أمة حقيقية.. ولتكون كذلك لندع الحرية تصدح من قمم التلال المدهشة في نيوهامبشاير، دع الحرّيّة تصدح من على الجبال العظيمة في نيويورك.. دع الحرّيّة تصدح من مرتفعات اليجينس ببنسلفانيا.. دع الحرّيّة تصدح من جبال روكي المغطّاة بالثّلج في كولورادو.. دع الحرّيّة تصدح من القمم الجذّابة في كاليفورنيا.. دع الحرّيّة تصدح من جبال جورجيا.. دع الحرّيّة تصدح من جبال تينسي .. دع الحرّيّة تصدح من كلّ تلال ميسيسبي.. من كلّ جبل.. دع الحرّيّة تصدح.
عندما تصدح الحرية
عندما تصدح الحرية.. عندما نتركها تصدح في كلّ قرية وكلّ ضاحية، في كل ولاية وكلّ مدينة، عندها سنعجل الوصول إلى ذلك اليوم، اليوم الذي يقف فيه كل عيال الله متساويين: البيض والسّود، اليهود وغير اليهود، البروتستانت والكاثوليك.. حينذاك سنتصافح ونغني كلمات الأنشودة الزّنجيّة القديمة:

"أحرار أخيراً..
أحرار أخيراً..
شكراً يا إلهي..
نحن أحرار أخيراً..".

اقرأ المزيد...

الوسوم: