خلافة خامنئي وأثرها في النخبة الحاكمة في إيران

2078
عدد القراءات

2019-05-07

كيريل دجافلاخ

مرور الوقت، هو العدو الرئيس للأنظمة السياسية الثورية. ففي دوامة الزمن، تغرق الأنظمة السياسية والأيديولوجيات والقيادات. في 2019، ستحتفل إيران بمرور (40) عاماً على قيام الثورة الإيرانية وبمرور (30) عاماً على جلوس علي خامنئي على قمة السلطة. إن الزعيم الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية يبلغ من العمر (78) عاماً، وهو مهتم بالانتقال السلمي للسلطة بعد رحيله والحفاظ على النظام الإسلامي في إيران. إلا أن هناك مجموعة متشابكة من التناقضات داخل النخبة الحاكمة الإيرانية، ما بين كبر سن الأعضاء البارزين للثورة الإسلامية، والضغط الخارجي المستمر على طهران وتزايد السخط الشعبي على القيادات الإيرانية، والذى نراه في تزايد وتيرة الاحتجاجات في الشوارع، مما يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الجمهورية الإسلامية بعد علي خامنئي.

ما بعد خامنئي: ما الذي تنتظره إيران؟

العديد من الأنظمة السياسية لدول الشرق الأوسط، والتي سقطت خلال فترة «الربيع العربي» كانت وما زالت تعتمد على الشخص الواحد أو قائد السلطة، من هنا يأتي التهديد الرئيس لاستمرارية هذا النظام في وضعية وفاة أو عزل هذا القائد. حيث تعتبر أزمة الخلافة من الأمور التي تهدد هذه الأنظمة، خصوصاً وأن المنطقة، تواجه خطط إعادة رسم خرائطها منذ انتهاء الحرب الباردة، حيث سنرى ازدياداً في وتيرة هذه الخطط في السنوات القليلة القادمة.

إن إيران الآن لا تعاني فقط من حالة الحرب الاقتصادية والإعلامية، لكنها تعاني أيضاً بسبب تورطها بشكل مباشر أو غير مباشر في نزاعات مسلحة خارجية في سوريا، والعراق واليمن. وهذه الحالة تشبه الوضع العام في إيران عام 1989، بعد مرور عشر سنوات على بداية الثورة وبعيد انتهاء الحرب بين إيران والعراق، توفي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد روح الله الخميني 1989. وبذلك كان أمام الجمهورية سواء نخبة أو شعباً الإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية: من سيصبح القائد الجديد؟ كيف يتم بناء آلية من الضوابط والتوازنات؟ كيف تتحول حياة المجتمع الإيراني من مجتمع عسكري- ثوري إلى مجتمع مدني؟ في كل عام منذ ذلك الحين تقترب لحظة الإجابة عن هذه الأسئلة، بالنسبة للنخبة الإيرانية.

في الوقت الحالي، يمكن تقسيم النخبة الإيرانية إلى مجموعتين رئيستين. الأولى: المحافظون المعتدلون. حتى عام 2017، كان رفسنجاني هو الزعيم غير الرسمي لهذه المجموعة. ويمثل هذا القسم من النخبة: محمد خاتمي، كمال خرازي، علي أكبر ناطق نوري، محمود علوي، إسحق جاهانجيري، حسن روحاني، بالإضافة إلى ممثلين عن وزارة الاستخبارات والجيش.

المجموعة الثانية: المحافظون. ومن بين هؤلاء قيادات الحرس الثوري الإيراني: علي أكبر ولايتي، أحمد جنتي ، محمود هاشمي شاهرودي ، عائلة لاريجاني. الزعيم غير الرسمي هو علي أكبر ولايتي، الذي يؤخذ برأيه في عملية اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية والداخلية. فإذا نظرنا للزيارة الأخيرة لولايتي إلى موسكو، والتي نقل خلالها شخصياً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة المرشد الأعلى، نجد أنها تؤكد مرة أخرى المستوى العالي من الثقة بينه وبين خامنئي. من المعلوم أن بين هاتين المجموعتين لا توجد تناقضات مفاهيمية، لكن خلافاتهم تحمل فقط طبيعة تكتيكية.

استمرت موجة الاحتجاجات التي اجتاحت جميع أنحاء إيران في ديسمبر (كانون الأول) 2017 – يناير (كانون الثاني) 2018، إلى فصلي الربيع والصيف. ومن مارس (آذار) إلى مايو (أيار) انتشرت الاحتجاجات في مناطق مختلفة من الجمهورية الإسلامية. وكان أحد الاحتجاجات الواسعة النطاق، احتجاج سائقي الشاحنات في جميع مقاطعات جمهورية إيران الإسلامية. في حين أعرب المزارعون الإيرانيون عن استيائهم من الوضع الاقتصادي الحالي. وكل هذه الاحتجاجات يتم تناولها ليس فقط من قبل قوى المعارضة على شبكات التواصل الاجتماعي، إنما أيضاً من قبل وسائل الإعلام الإيرانية المحسوبة على المجموعة المحافظة داخل النخبة الإيرانية.

بالنسبة للاحتجاجات الحالية، هناك أسباب اجتماعية واقتصادية ترتبط بارتفاع معدلات البطالة، ومعدلات التضخم، وأسعار المحروقات، وأسعار المواد الغذائية وزيادة العبء الضريبي على المواطنين ورجال الأعمال. وقد يؤدي انهيار الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه إلى إضعاف موقف روحاني وفريقه بشكل كبير، حيث كانت الحملة الانتخابية الرئاسية الخاصة به تعتمد على مكاسب الاقتصاد الإيراني من الاتفاق النووي.

الأمريكيون الآن، إلى جانب التحضير لعملية عسكرية ضد إيران، تمهيداً لزعزعة استقرار النظام في طهران، يتم تركيزهم على تقسيم النخبة الإيرانية والعمل على زيادة حدة نشاطات الاحتجاج، بالإضافة لتعزيز نظام العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ومن خلال تصريحات الابن الأكبر لشاه إيران الراحل رضا بهلوي، الذي يعيش في الولايات المتحدة، أعرب عن رؤيته لنظام جديد في طهران. والشكل المثالي للحكومة بالنسبة له هو جمهورية برلمانية([2]). وفي هذا السياق النخبة الأمريكية لا تخفي خططها. ففي اجتماع مع ممثلي منظمة الجاليات الأمريكية الإيرانية، ذكر مستشار دونالد ترمب للأمن المعلوماتي رودي جيولياني أن «ترمب مؤيد لتغيير النظام في طهران وهذا هو السبيل الوحيد للسلام في الشرق الأوسط»([3]). إلا أن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون حذر بقوله: «يجب أن أعترف: لا أعتقد أن هدفنا يجب أن يكون انقلاباً في طهران. يمكن أن نحقق تغيير النظام في المستقبل القريب، لكنني لست متأكداً من أن هذا سيكون تغييراً نحو الأفضل. أنا لا أستبعد تماماً في هذه الحالة أن الجنرال قاسم سليماني سيخلف آية الله خامنئي كقائد أعلى»([4]). ويهدف رهان البريطانيين على قاسم سليماني إلى تقويض التوازن المعقد بالفعل داخل القوات الخاصة الإيرانية.

تطور وإصلاح أم ثورة؟

في الوقت الحاضر، هناك سيناريوهان كبيران لشكل إيران في حقبة ما بعد خامنئي. السيناريو الأول يفترض الحفاظ على النظام الإسلامي. هنا نكون أمام تغيير القيادة طبقاً لأحكام الدستور. في هذه الحالة، هناك العديد من الخيارات: خيار «المرشد الوريث»، خيار «المرشد ولي العهد» أو خيار إنشاء مجلس إدارة جماعي- مجلس أعلى. وفي هذا السيناريو يمكن أن يستمر تطوير النظام الإسلامي عن طريق الإصلاحات التدريجية التي تطيل من عمر «سلطات آية الله» إلا أنه إذا تم اتباع سياسة «تشديد الخناق» من قبل السلطات الإيرانية فسيؤدي ذلك حتما إلى تسريع انهيار النظام.

السيناريو الثاني، يفترض حدوث تحولات جذرية، ستكون عواقبها تفكيك النظام الإسلامي، الأيديولوجي والنظام السياسي. يمكن أن تحدث مثل هذه التغييرات في حالة العدوان العسكري ضد إيران أو في حالة الانقلاب العسكري. بالتالي من الممكن أن يتحول النظام السياسي الإيراني إلى الأشكال التالية: جمهورية رئاسية أو برلمانية. إلا أن من المرجح أن يتحول النظام إلى الديكتاتورية العسكرية، خصوصا في الفترة الانتقالية ومن بين الخيارات الأقل احتمالا: استعادة الملكية.

في حالة السيناريو الأول لتطور الأحداث في إيران، والذي سيكون في ضوء أحكام الدستور الإيراني، نجد المادة (111) من الدستور الإيراني هي الحاكمة «في حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتولى الخبراء بأسرع وقت تعيين القائد الجديد وإعلان ذلك. وحتى يتم إعلان القائد، يتولى مجلس شورى مؤلف من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، منتخب من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام، جميع مسؤوليات القيادة بشكل مؤقت. وإذا لم يتمكن أحد المذكورين من القيام بواجباته في هذه الفترة (لأي سبب كان) يعين شخص آخر في مكانه، بقرار يتخذه مجمع تشخيص مصلحة النظام بأكثرية الفقهاء فيه». وفي ظل هذه الظروف، سيكون حسن روحاني، وصادق لاريجاني، وعلى الأرجح، آية الله أحمد جنتي، هم الذين سوف يشاركون بشكل مباشر في تسمية المرشد الأعلى الجديد للثورة الإيرانية.

خيار «المرشد الوريث» سيتبلور في نقل السلطة إلى أحد ممثلي النخبة الإيرانية، فلن تراعى مسائل الروابط الأسرية لخامنئي في عملية الاختيار. إنما هذه العملية تأتي استمراراً لتقاليد اختيار القائد الأعلى عام 1989. ومن بين المرشحين لمنصب المرشد الأعلى: الرئيس الحالي حسن روحاني، رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني، حفيد زعيم الثورة الإسلامية حسن الخميني ورئيس الهيئة العليا لحل الخلاف وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث، محمود هاشمي شاهرودي، فضلا عن إبراهيم رئيسي رئيس منظمة «آستان قدس الرضوي» وهو أيضاً عضو في مجلس خبراء القيادة. وعند التنبؤ بكينونة المرشد الأعلى الجديد، من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار العامل العرقي. فخامنئي أذربيجاني. إلا أن خليفته -على الأرجح- سيكون فارسياً.

يتمتع رئيس الهيئة العليا لحل الخلاف وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث بميزة على منافسيه المحتملين لمنصب الزعيم الأعلى الجديد لإيران. فمحمود هاشمي لديه أعلى لقب روحي للقادة الروحيين الشيعة «مرجع تقليد». وذلك بالرغم من أن غياب هذا اللقب لم يمنع خامنئي في وقتها من قيادة إيران. بالإضافة إلى ذلك، سيعزز تعيين شهرودي مواقف وتأثير الشيعة العراقيين من النجف على الحياة السياسية في إيران. بالطبع هذه حجة لصالح روحاني. أما بالنسبة لصادق لاريجاني، فرجال الدين الإيرانيون لن يسمحوا بذلك، كما هو الحال بالنسبة لشاهرودي، فسيؤدي انتخاب صادق إلى تقوية رجال الدين من النجف. أما بالنسبة للمقارنة بين حسن روحاني وصادق لاريجاني، فالخبرة السياسية لروحاني ترجح كفته ليصبح المرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

إلا ان الموقف السياسي الدولي سيكون له دور في عملية اختيار المرشد الأعلى، حيث تتابع كبار الدول الفاعلة العالمية والإقليمية عن كثب التطورات في الجمهورية الإسلامية. ويحاولون، قدر استطاعتهم، التأثير على العمليات السياسية الداخلية في إيران. ويرجع السبب إلى أساس اقتصادي في المقام الأول. إن الموقع الجغرافي الفريد لإيران عند تقاطع طريقين للنقل مع بداية القرن الحادي والعشرين -مشروع «طريق الحرير الجديد» وممر النقل «الشمال والجنوب»- يدفع أي دولة لأن تراقب الوضع الإيراني وتضع النظام الحاكم الإيراني في حسبانها. وترجع ثقة النخبة الإيرانية أيضاً بأهمية إيران، إلى وجود احتياطيات كبيرة من النفط والغاز. لذلك، يجب أن تكون أي توقعات سياسية داخل إيران، متسقة مع الوضع الدولي الراهن. فيتلقى حسن روحاني أكبر دعم في الوقت الحالي من ممثلي النخبة البريطانية والفرنسية. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فتشكل محاولات زعزعة استقرار إيران جزءًا من استراتيجية الضغط على بكين. والصين بالطبع مهتمة بوجود شخص مثل روحاني على رأس السلطة في إيران.

الخيار الثاني «المرشد ولي العهد». وهذا سيصبح ممكناً إذا تم نقل السلطة من خامنئي إلى ابنه مجتبى خامنئي. ففي 2019، سيكون عمر مجتبى (50) عاماً. وعندما وصل والده لهذا السن أصبح القائد الأعلى للبلاد. إلا أن مجتبى ليس له نشاطات في الشأن العام، لكن له تأثير على مكتب المرشد الأعلى وتأثير على بعض جنرالات الحرس الثوري. ومع ذلك، لا يمكن نقل السلطة من الأب إلى الابن إلا بوجود علي خامنئي على قيد الحياة. ووفقا لهذا السيناريو، يجب أن يترك طوعا منصبه ويضع مجتبى مكانه. لكن سيقف جزء كبير من رجال الدين ضد هذا السيناريو، حيث سيعتبر ذلك استعادة للنظام الملكي، وهو ما يتعارض تماما مع أفكار الثورة الإسلامية. وهذا السيناريو بعيد الحدوث عمليا.

هناك خيار آخر مرتبط بإنشاء مجلس أعلى على أساس مجلس الخبراء، تم تقرير هذه الفكرة مباشرة بعد وفاة الخميني، لكن تم التخلي عنها. فقبل وفاة الخميني تحدث رفسنجاني عن الحاجة لتقديم هذا النموذج السياسي، لكن السلطة الجماعية غير مناسبة للنظم الاستبدادية، كما أن هذا النموذج يثير المشاكل والشكوك أثناء عملية اتخاذ وتنفيذ القرارات.

وبموجب أي من الخيارات المذكورة أعلاه، فإن انتقال السلطة بموجب أحكام الدستور، سيستمر معها النظام الإسلامي للجمهورية الإيرانية. الأمر الذي سنكون معه أمام طريقين: طريق الإصلاحات التدريجية التي ستطيل من عمر سلطة الولي الفقيه أو طريق سياسة «تشديد الخناق» التي من شأنها أن تعجل بانهيار النظام الإسلامي الإيراني.

أما السيناريو الثاني، والذي يتضمن تحولاً جذرياً، تكون من نتائجه تفكك النظام الإسلامي الإيراني أيديولوجياً وسياسياً. وهذه الفرضية يمكن أن تتحقق في حالة العدوان العسكري على إيران أو أزمة سياسية داخلية. لتتحول بعدها إيران إلى نظام جمهوري صريح أو جمهوري-برلماني ومن المرجح أن تظهر الديكتاتورية العسكرية في الفترة الانتقالية، أما بين الخيارات فالأقل احتمالا استعادة الملكية.

من المعلوم أنه تم إنشاء مجموعة عمل خاصة بين المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، مهمتها الرئيسة هي إضعاف النظام الإيراني. علاوة على ذلك، فإن الأمريكيين لديهم بالفعل تجربة ناجحة في تنظيم انقلاب عسكري في إيران عام 1953، على إثره تمت الإطاحة بحكومة محمد مصدق بالتعاون مع جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6). عندما قام بتأميم شركات قطاع النفط. من الجدير بالذكر أنه بعد ستة أشهر من فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية، رفعت وزارة الخارجية السرية عن الوثائق الأرشيفية المتعلقة بالعملية «أياكس».

وأي شكل من أشكال النظام السياسي في إيران بعد التخلص من نظام ولاية الفقيه سيكون مرتبطاً بالزعيم الواحد. فتجسيد السلطة في يد شخص واحد هو جزء من تاريخ وثقافة الشعب الإيراني وخصائص الأنظمة السياسية في الشرق ككل. إلا أن على الأرجح في المستقبل سوف تصبح الجمهورية الإيرانية رئاسية.

فعلى سبيل المثال، أحداث «الربيع العربي»، يمكن للمرء أن يرى قيمة كتلة السلطة في نجاح حركة أي احتجاجات وتغيير القيادة السياسية. في هذا الصدد، بموجب أي من السيناريوهات، سيتم إسناد الدور الرئيس في التحولات القادمة إلى الاستخبارات والقوات العسكرية. ومن هنا سيحاول الحرس الثوري الإيراني، على الرغم من حياده الرسمي وحواجزه التشريعية أمام المشاركة السياسية، «تقديم» مرشح له لمنصب القائد الأعلى. وعلى عكس الوضع في 1989، لدى الحرس الثوري الآن موارد اقتصادية خاصة وثقل سياسي يعتد به.

ومن الجدير بالذكر أنه حتى مع انهيار النظام السياسي، سيحتفظ رجال الدين الشيعة، خصوصاً في السنوات الأولى، بنفوذ كبير. فليس من قبيل الصدفة أنه في ربيع عام 2018 نشرت وسائل الإعلام معلومات عن خيار إنشاء الفاتيكان الشيعي في مدينة «قم». ففي اقتراح مماثل عشية إسقاط الشاه عام 1979، تحدث آخر رئيس وزراء للشاه «شابور باختيار»، عن فصل الدين عن الدولة. فهذا الخيار هو واحد من ضمن خيارات الاتفاق مع رجال الدين، إلا أن خيار فصل الدين عن الدولة أمر صعب الحدوث في هذا التوقيت.

من الصعب أن تتوقع بالضبط كيف ستصبح إيران بعد خامنئي. فتاريخيا، حدث أكثر من مرة أن الأحداث تطورت على عكس التوقعات. إلا أنه يمكن القول بكل تأكيد: إنه في حالة الحفاظ على النظام الإسلامي، أو في حالة انهياره، سيجد جزء من النخبة الإيرانية مكانًا تحت راية الحكومة الجديدة. بطبيعة الحال، ستفقد أكثر القوى محافظةً الكثير من قوتها. وبالمقابل، ستزداد قوة ممثلي الدوائر الإصلاحية. وهنا يأتي دور إرادة الشعب الإيراني، التي ستشكل النظام السياسي الجديد في إيران.

علي خامنئي وأركان نظامه

خلال فترة حكم الزعيم الإيراني الأعلى، تم استبدال أربعة رؤساء إيرانيين وستة رؤساء أمريكيين وثمانية رؤساء وزراء إسرائيليين ولم يعد الاتحاد السوفيتي على خريطة العالم، أما العلاقات الدولية فأصبحت بعد انهيار عالم ثنائي القطبين في حالة من الفوضى. ولفهم أساسيات النظام الإسلامي وأركان قوة نظام ولاية الفقيه الحالية، دعونا نتحول إلى التاريخ.

من 1981 إلى 1989 شغل خامنئي منصب الرئيس الإيراني، في هذه الفترة بدأت وانتهت الحرب بين إيران والعراق، واستمر النضال ضد الثورة المضادة وتم تشكيل الجمهورية الإسلامية. في 4 يونيو (حزيران) 1989، في صباح اليوم التالي لوفاة الإمام الخميني، زعيم الثورة الإسلامية، تم عقد اجتماع طارئ لمجلس الخبراء، الذي تم فيه انتخاب علي خامنئي الزعيم الأعلى الجديد لإيران. بعد (29) عامًا ، في يناير (كانون الثاني) 2018، ظهر مقطع فيديو مدته (19) دقيقة لهذا الاجتماع على الإنترنت. تم نشر المقطع من قبل الصحفي الإيراني شهيد علوي، الذي يعيش في واشنطن([5]). تاريخ النشر مثير للاهتمام أيضًا -8 يناير (كانون الثاني) الذي يمثل الذكرى الأولى لوفاة علي أكبر رفسنجاني، الذي وافته المنية عام 2017. من الجدير بالذكر أن الصحفي نشر مقطع فيديو في قناته الخاصة به على موقع تيليجرام. ويعتبر التيليجرام الوسيلة الأكثر شعبية بين الإيرانيين. وسرعان ما تم توزيع هذا الشريط من قبل وسائل الإعلام الغربية الناطقة باللغة الإيرانية -إذاعة (راديو فاردا) و(BBC).

ترأس هذا الاجتماع رفسنجاني. الذي لعب الدور الحاسم في تعيين خامنئي في منصب القائد الأعلى. فيظهر على شريط الفيديو، كيف دعا رفسنجاني -في شكل توجيهات لأعضاء المجلس- إلى التصويت لصالح خامنئي. وذلك على الرغم من رفض خامنئي لهذا المنصب خلال خطابه في حفل التنصيب، مشيرا إلى عدم وجود الخبرة والكرامة الروحية. فقال خامنئي في خطابه: «أنا لا أستحق هذا المنصب: ستكون قيادتي احتفالية وليست حقيقية»([6]). وينص دستور 1979 على أن يكون للمرشح الأعلى في إيران لقب «مرجع تقليد»، ولكن بما أن خامنئي لم يكن له هذا اللقب، فقد تقرر حذف هذا الشرط من الدستور.

في 28 يوليو (تموز) 1989، في وقت واحد مع الانتخابات الرئاسية، التي فاز بها رفسنجاني، تم تعديل الدستور. وتم إلغاء منصب رئيس الوزراء، بالإضافة لتوسيع سلطات الرئيس، وتحولت الهيئة العليا لحل الخلاف وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث إلى هيئة دائمة، فقد ترأسها رفسنجاني حتى وفاته. وعلى الأرجح، بهذه الطريقة، كان رفسنجاني ينوي أن يقود إيران من خلال «قائد أعلى خاضع للرقابة»([7]) في الواقع، قام رفسنجاني وخامنئي بتقسيم السلطة فيما بينهما في إيران في البداية، إلا أنه بعد مرور الوقت وانفراد علي خامنئي بالسلطة وتقوية منصبه بشكل رأسي، فشلت كل خطط رفسنجاني في هذا الخصوص.

ويمثل مفهوم «ولاية الفقيه» العمود الفقري للنظام السياسي الإيراني. وقد تم وصف هذا المبدأ في كتاب الخميني «الحكومة الإسلامية» وهي تشجع فكرة نقل كل السلطة في يد رجال الدين وليس الناس العاديين([8]). وفي فجر بناء النظام السياسي الإسلامي في إيران بدأت خلافات بين رجال الدين الشيعة حول آليات تطبيق مبدأ «ولاية الفقيه» وطبيعة ومضمون الحكومة الثيوقراطية وتشكيلها، وكيفية تنفيذ أحكام الدستور وانتخاب خليفة للخميني. في هذا التوقيت، كان أساس الانقسام في القيادة الدينية والسياسية يرجع إلى عمق الخلافات بين التيارين الرئيسين: مؤيدي «التحرر المعتدل» و«الأصوليين». وكانت الخلفية الخارجية لهذا الصراع تتمثل في اعتراف من موقف الدوغماتية الشيعية، أو العكس من ذلك، بإنكار مبدأ الخميني «ولاية الفقيه»، الذي سمح له أو لخليفته باغتصاب السلطة على المجتمع المسلم خلال غياب الإمام الشيعي الثاني عشر المهدي([9]). والتيار الأساسي الذي كان يعارض «ولاية الفقيه» كان جماعة «الحجّتية». إلا أن «الحجّتية» تجاهلت في معارضتها لمفهوم «ولاية الفقيه»، الجوانب الاجتماعية والسياسية للشيعة، فسمحت بفصل الدين عن السياسة، وعملت بشكل عام لمصلحة البورجوازية الإيرانية الكبيرة، وبالإضافة لمعارضة احتكار السلطة في أيدي أنصار الخميني، طالبوا بمسار رأسمالي للتنمية، وتعزيز التعاون مع العالم الغربي، بما في ذلك الولايات المتحدة. في الواقع ، كما كانت لهم مصلحة في الحفاظ على الدور المهم للقوات المسلحة، كما كان في عهد الشاه. لم ينضم إلى «الحجّتية» فقط معارضو الخميني من «المعتدلين»، والعلماء والسياسيين الليبراليين، بل تفاعل معهم كل من علي خامنئي وعلي أكبر رفسنجاني([10]).

وعلى الجانب الآخر للحجتية، وقف الأصوليين، بدعم غير مشروط لمبدأ «ولاية الفقيه»، وتصدير «الثورة الإسلامية» واستمرار الحرب مع العراق لتحقيق النصر الكامل([11]). أما في السياسة الخارجية، عارضوا تعاون إيران مع الدول الغربية وخصوصاً مع الولايات المتحدة. حصل ممثلو «الأصوليين» على مكانة ثابتة في الهيئات التشريعية والقضائية، وبالتالي الهيئات التنفيذية. وهكذا، فإن التقسيم المعتاد بين القوى داخل النخبة الإيرانية بـ«الأصوليين» و«الإصلاحيين» يأخذ أصله في النزاع بين المعسكرين على جهاز السلطة العليا. وعلى الرغم من الحظر المفروض على الحجتية داخل المجتمع الإيراني، فإن هذا الانقسام داخل النخبة الإيرانية مستمر. أيديولوجية الجمهورية الإسلامية منصوص عليها في الدستور. المصادر الرئيسة في تطبيق الدستور هي القرآن والحديث وأعمال الخميني. تبنى أيديولوجية إيران على أساس ديني وتمثل امتثالًا صارمًا لقواعد الشريعة وقوانينها. إلا أنه من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار العوامل النفسية لتكوين شخصية الشعب الإيراني، من ناحية، جمهورية إيران وريث الإمبراطورية الفارسية القديمة، التي احتلت نصف العالم القديم. من ناحية أخرى، كانت إيران مركز الشيعة على مدى القرون الستة الماضية. تحت تأثير هذه العوامل التاريخية الكبرى، ولعدة قرون، تشكلت عقلية الإيرانيين الشيعية الصارمة وغير المتهاونة في الدفاع عن مصالحهم في مواجهة الأعداء([12]). لذلك، فإن الشخصية القومية للإيرانيين تمثل خليطاً من القوة الإمبريالية العظيمة والقومية الشيعية. وهذا أمر مهم لفهم رد فعل الإيرانيين في حالة التدخل الأجنبي المباشر.

تم تشكيل شبكة شخصية حول خامنئي. ويشمل الجهاز البيروقراطي، أهم عنصر فيه يحتله مكتب المرشد الأعلى: الجنرالات العاملين والمتقاعدين في الحرس الثوري، ميليشيا «الباسيج» ، أئمة صلاة الجمعة، ممثلي المرشد الأعلى في الحكومة، شخصيات مستقلة من النخبة الإيرانية (علي لاريجاني، علي أكبر ولايتي، يحيى صفوي)، الصناديق المالية، فضلا عن أعضاء عائلة خامنئي([13]).

إمبراطورية الحرس الثوري الإيراني

يتم توفير عنصر القوة في هيكل أركان حكم خامنئي من قبل فيلق الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) –وهو جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة الإيرانية. في فترة ما بعد الثورة، كان الحرس الثوري الإيراني هو الذي مكّن أنصار مسار الخميني من تعزيز مواقفهم داخل المجتمع الإيراني ورجال الدين. في فترة منصب الرئيس خامنئي (1981-1989) تم العمل على تحويل قوات الحرس الثوري الإيراني من شكل الميليشيا الشعبية إلى قوات خاصة منتقاة. في البداية، كان المقصود من إنشاء الفيلق، حماية النظام ومكاسب الثورة الإسلامية. خوفاً من أي انقلاب عسكري وخلق توازن القوى، جنبا إلى جنب مع الجيش، تم تشكيل قوات برية، جوية، بحرية وقوات خاصة (فيلق القدس) ترتبط بالحرس الثوري. في الوقت الحالي يصل عدد أفراد الحرس الثوري إلى حوالي (120) ألف مقاتل. وبالإضافة إلى موارد القوة الخاصة به والقوات الخاصة، فلدى الحرس الثوري قاعدة اقتصادية قوية. ولديه نفوذ على مسؤولين تابعين له في جميع السلطات الرئيسة للجمهورية الإسلامية.

إن الأعمال التجارية المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرس الثوري، قد توغلت في جميع قطاعات الاقتصاد الإيراني. تقوم شركات الحرس ببناء الطرق وإدارة الموانئ وشبكات الاتصالات. حتى إنهم يمتلكون العيادات التي تجري عمليات الليزر للعيون. ووفقاً لتقديرات مختلفة، يسيطر الحرس الثوري على (20-40٪) من الاقتصاد الإيراني من خلال ملكية كاملة أو جزئية من خلال (229) شركة على الأقل([14]). على سبيل المثال، شركة «خاتم الأنبياء» هي أكبر شركة بناء في إيران، تابعة للحرس، يعمل فيها حوالي (135) ألف شخص، بما في ذلك (5000) متعاقد و(800) شركة تابعة في قطاعات مختلفة من الاقتصاد، بما في ذلك الطاقة والدفاع والبحوث النووية وبرامج البناء والهندسة. وتقدر تكلفة العقود الحالية بمبلغ (50) مليار دولار، أي ما يعادل (12٪) من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني([15]). ويمتلك  أيضاً شركة الاتصالات الإيرانية بنسبة (50٪) من قبل اتحاد «Etemad-Mobin» التابع لقوات الحرس([16]).

لدى الفيلق شركاته الخاصة في قطاع النفط والغاز، بالإضافة إلى شبكة مصرفية كاملة. وهناك أيضاً شركات الخدمات اللوجستية التي تسمح بنقل البضائع الضرورية. إمبراطورية رجال الأعمال في الحرس الثوري الإسلامي لا توفر فقط اكتساب المليارات، ولكن تعطي الحرس الثوري المزيد من السيطرة على المجتمع الإيراني.

يتمثل أحد العناصر الهامة في الحرس الثوري الإيراني في قوات المقاومة «الباسيج» -وهو نظام راسخ للتدريب المركزي للمدنيين لقواعد التدريب العسكري والأيديولوجي والمعنوي والنفسي. إن أعضاء الباسيج هم احتياطي ليس فقط للجيش وحرس فيلق الحرس الثوري الإيراني، بل أيضاً للجماعات الشيعية الأكثر تطرفاً المدعومة من قبل المحافظين([17]). يقدر العدد الإجمالي للميليشيا بـ(11) مليوناً، منها (300-400) ألف هي احتياطي المرحلة الأولى، التي يمكن تعبئتها وتسليحها في عدة أيام. وفي كل عام، تُجرى تدريبات كبيرة، تتم خلالها تعبئة جزئية للميليشيا وتطور أعمالها المشتركة مع القوات أو الشرطة. تستخدم الميليشيات من قبل النظام لفض المظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية في الشوارع وتنظيم حركة الجماهير في الأعياد الرسمية للثورة الإسلامية.

المخابرات والجيش

في معظم الدراسات التي أجريت على النخبة الإيرانية، كان هناك القليل من الاهتمام -في رأينا- للخدمات الخاصة الأكثر غموضاً في جمهورية إيران الإسلامية. نحن نتحدث عن وزارة الاستخبارات، التي أنشئت عام 1983 على أساس منظمة الأمن والإعلام لشعب إيران، وريث جهاز السافاك. واصل معظم الموظفين السابقين في السافاك بأمان خدمتهم في النظام الإسلامي. وسر تفرد الوزارة هو استمراريتها. لم تمر المنظمة بتغييرات كبيرة في فترة الثورة. إلا أن ذلك يلفت انتباهنا بشكل خاص إلى حقيقة أن جميع قادة هذه المخابرات، باستثناء محمود علوي، الذي ترأسها عند قدوم روحاني للرئاسة، كانوا خريجي المدرسة الدينية «حقاني» في مدينة «قم». ويشكل خريجو المدرسة أساس طبقة الإدارة، التي يشغل ممثلوها مناصب سياسية وتشكل الأساس لقيادة وزارة الاستخبارات([18]). زعيم هذه المدرسة هو شخصية دينية وسياسية إيرانية بارزة، آية الله محمد تقي ماضي يزدي (84 عاما). فهو يعتبر بشكل صحيح مئة بالمئة، أهم شخصية ظل للنخبة الحاكمة، تمكن هذا اللاهوتي الشيعي من تركيز قوة كبيرة بين يديه([19]).

لعب الجيش دوراً حاسماً في التقليل من ضحايا الثورة الإسلامية. فبعد عشرة أيام من عودة الخميني إلى إيران في فبراير (شباط) 1979، أعلن الجيش الحياد([20]). يصل قوام الجيش الإيراني الآن إلى حوالي (350) ألف جندي. في أغسطس (آب) 2017 ، وللمرة الأولى منذ عام 1989، عيّن وزير الدفاع الإيراني من داخل النظام العسكري الإيراني- أمير خاتمي. في السابق، كان وزراء الجيش الإيراني ممثلين عن الحرس الثوري الإيراني. في يناير (كانون الثاني) 2018، أعلن خاتمي، الحاجة إلى قيام الحرس الثوري الإيراني والجيش بالتوقف عن الانخراط في الأنشطة الاقتصادية التي لا تتعلق بمهامهم المباشرة. ومثل هذه التصريحات مستمرة من قبل الرئيس الإيراني حسن روحاني([21]). فحسن روحاني يراهن على موقف الجيش والاستخبارات ويرى فيهم الداعم في معارضته لسطوة الحرس الثوري على الحياة السياسية والاقتصادية الإيرانية.

مكتب المرشد الأعلى

مكتب المرشد الأعلى هو مفتاح القوة الرئيسة لعلي خامنئي. هذه المؤسسة «أكثر تأثيراً من الوزارات والدوائر الحكومية الأخرى، فهي مخولة بالتدخل في أي مجال من مجالات الحياة العامة»([22]). مع أي قائد دولة، دائماً يكون دور مكتبه قوياً ومؤثراً. المكتب يتمتع بوصول دائم إلى الشخص الأول، أما القائد فيعطيه كل الثقة. في حالة زعيم البلد المتقدم في السن، يزداد دور هذا المكتب في إدارة شؤون الحكم. وكقاعدة عامة، لا أحد يعرف هؤلاء الأشخاص على نطاق واسع، فنادرًا ما يكتبون عنهم في وسائل الإعلام. ومن بين هؤلاء الأشخاص قائد مكتب المرشد الأعلى لإيران: محمد محمدي كلبايكاني، علي أصغر حجازي، المدير التنفيذي لمكتب القائد ووحيد حقانيان مسؤول عن التفاعل مع الخدمات الخاصة.

من الجدير بالذكر أن محمد محمدي كلبايكاني من أوائل المؤسسين لمجتمع الاستخبارات في الجمهورية الإسلامية، أما علي أصغر حجازي فيشرف على إدارة الاستخبارات داخل مكتب المرشد. والأهم أن له ابناً اسمه «محمد حسن» حجازي، وهو من القيادات الميدانية لفيلق القدس التابع لـ«الحرس الثوري». والوحدة التي يعمل فيها، وفق مصادر مختصة في الشأن الإيراني، هي وحدة استخبارية تعنى بإعداد الترتيبات العملياتية في ميادين نشاطات «فيلق القدس» خارج إيران. وطالت بلداناً أوروبية وجنوبي شرق آسيا والشرق الأوسط([23]).

في الواقع، مكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرنية هو العقل المحرك للسياسة الإيرانية. فهو ينسق عمل الفروع الثلاثة للحكومة ومجتمع المخابرات، يتناول كذلك القضايا الاقتصادية الرئيسة للجمهورية الإيرانية. تحت سيطرتهم الحرس الشخصي للزعيم الأعلى «وحدة خاصة شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني مسؤولة عن ضمان أمن خامنئي ومكتبه. وتضم حوالي (21) ألف جندي([24]). ومع تغيير السلطة، يهتم أعضاء هذا المكتب المقربون من خامنئي بالحفاظ على مواقعهم. لذلك، سيحاولون المشاركة في الألعاب السياسية من وراء الكواليس عند اختيار قائد أعلى جديد.

دولة داخل الدولة

وفقاً لتحقيقات أعدتها وكالة رويترز، فإن أساس الإمبراطورية الاقتصادية لعلي خامنئي هو هيئة تنفيذ أوامر الإمام، وهذه المنظمة عام 1989 قام الخميني بتأسيسها قبل وفاته بوقت قصير. وقد تم اعتبارها مؤسسة خيرية لإدارة العقارات العديدة التي بقيت بدون ملاك، نتيجة للثورة، وكان يجب أن تستمر لمدة عامين فقط. وكانت تذهب عائدات بيع هذه العقارات لمساعدة المحاربين في الحرب مع العراق والفقراء. ويقدر معدو هذا التحقيق، أن الأصول التي تمتلكها «هيئة تنفيذ أوامر الإمام» حوالي (95) مليار دولار، منها (52) مليار دولار عبارة عن عقارات وتبقى (43) مليار دولار، عبارة عن حصص في مئات الشركات، ليس فقط في إيران، لكن أيضا في الخارج، فضلا عن غيرها من الأصول([25]). وبالإضافة لهذا، توجد مؤسسة بونياد موستازافان «مؤسسة المضطهدين والمعاقين» الإيرانية الخيرية، ثاني أكبر شركة في إيران بعد شركة النفط الوطنية الإيرانية وواحدة من أكبر الشركات القابضة في منطقة الشرق الأوسط. وهكذا، تمكن القائد الأعلى من خلق دولة موازية تسمح بتعزيز قوته.

في مدينة مشهد، يوجد صندوق إسلامي كبير «آستان قدس الرضوی‎»، بالإضافة إلى ضريح الإمام رضا. تعمق قيادة هذا الصندوق من سلطتها الدينية وإمكاناتها الاقتصادية. والصندوق غير مسؤول أمام الحكومة. مدير هذا الصندوق والراعي للضريح منذ عام 2016 هو إبراهيم رئيسي، الذي خسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام حسن روحاني. بعض المحللين يصفون إبراهيم رئيسي بأنه خليفة لخامنئي. فقط الأراضي التي تخضع للصندوق مسجلة بـ(20) مليار دولار، بالإضافة إلى حوالي (25) مليون حاج يتوافدون على مدينة مشهد سنويًا. جميع الأرباح تذهب إلى الصندوق، الذي يملك أسهماً في شركات مختلفة من العقارات إلى تكنولوجيا المعلومات وينفذ مشاريع في: أذربيجان، سوريا، أفغانستان، والهند([26]).

خلال فترة الثورة الإسلامية، تحول ممثلو البازار إلى جانب الخميني. وهناك رأي في إيران يقول بأن البازار هو الذي يشكل الحكومة. هناك اتحادات تجمع ممثلي البازار، سواء من خلال مؤسسات مشتركة أو من خلال تحالفات، ومرة واحدة كل سنتين أو ثلاث سنوات يختارون غرفة التجارة، التي تمثل جميع البازارات([27]). دائمًا ما تخلق الحكومة ورجال الدين في السلطة توازنًا بين مجموعات المصالح المختلفة من خلال البازار. وهذا يعني أن البازارات لديها بعض الأشخاص من الرتب الروحية الذين يدعمونها. وهم يعطون جزءًا من أموالهم لرجال الدين. في المقابل ، يدعم رجال الدين هذه البازارات. ويقدر حجم الأموال من السوق بنحو (80) إلى (100) مليار دولار، ويعتبر البازار أحد أهم مجموعات النخبة الاقتصادية في إيران([28]).

فالاحتجاجات الأخيرة في إيران، الناجمة عن تدهور في العملة الوطنية مقابل الدولار، تذكرنا مرة أخرى بتأثير البازار على العمليات السياسية. فهم يدعمون القوى المحافظة ولا يهتمون بزيادة دور رأس المال الأجنبي في الاقتصاد الوطني.

الدعاية الحكومية

من أجل الحفاظ على السلطة، بالإضافة إلى القوة والموارد الاقتصادية، هناك حاجة إلى نظام راسخ للدعاية. بعد وصوله إلى السلطة، بدأ خامنئي في بناء آلة دعائية لنفسه. وقد بدأ بتعديل في هيكل الموظفين في شركة التلفزيون التي تديرها الدولة «صوت جمهورية إيران الإسلامية». فهي تعد أكبر شركة إعلامية في إيران بميزانية سنوية تبلغ حوالي مليار دولار، ويعمل بها أكثر من (50) ألف موظف. عام 1994، استلم علي لاريجاني منصب مدير عام شركة التلفزيون والإذاعة الحكومية الإيرانية من محمد هاشمي رفسنجاني، الذي شغل هذا المنصب لمدة (10) سنوات. قبل ساعات من إعلان إقالة رفسنجاني من هذا المنصب، التقى به خامنئي وشكره على عمله، لكنه أشار إلى أوجه القصور في الدعاية الحكومية من خلال البث الإذاعي والتلفزيوني، داعياً إلى مزيد من اليقظة ضد الدعاية المعادية([29]). ومع رحيل رفسنجاني، في الواقع، أصبحت شركة الإذاعة والتلفزيون الحكومية تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني، لأن لاريجاني وخليفته عزت الله ضرغامي، والمدير العام الحالي عبدالعلي علي ‌عسگري ضباط متقاعدون. وحتى محمد سارافراز، كان ضابطا في الحرس الثوري وشغل هذا المنصب من 2014 حتى 2016.

مدينة «قم» والسياسة الإيرانية

بالتوازي مع المؤسسات الاقتصادية والسياسية في إيران، هناك مكان خاص في التسلسل الهرمي للقوة الإيرانية مخصص للسلطة الروحية. وهذا المكان لجمعية مدرسي حوزة «قم» العلمية، وتأسست هذه الجمعية الدينية عام 1961 على يد طلاب آية الله الخميني بعد نفيه إلى العراق، شاركت الجمعية بنشاط في التحضير للانقلاب والترويج لأفكار الدولة الإسلامية والنظام الاجتماعي. فتأثير رجال الدين في مدينة «قم» بالغ الأثر في الحياة السياسية الإيرانية، فعلى سبيل المثال، في الانتخابات الأخيرة لمجلس الخبراء، احتل أعضاء الجمعية (64) مقعدًا من أصل (88) مقعدًا. يتم تعيين قائد هذه الجمعية مباشرة من قبل المرشد الأعلى لإيران. ويرأس الجمعية حاليا آية الله أحمد جنتي البالغ من العمر (91) عاماً. كما يشغل أيضا منصبين رئيسين في السلطة الإيرانية (مجلس حراس الدستور ومجلس الخبراء)، لذلك في حالة وفاة خامنئي سيكون له رأي حاسم في اختيار القائد الأعلى الجديد.

وهنا بعد ما ذكرنا باختصار أركان قوة علي خامنئي، يتبين لنا وجود مراكز قوى مختلفة في إيران. وعلى الرغم من المواجهة داخل النخبة، فإنهم يتعاونون فيما بينهم من أجل مصلحة النظام وتعزيزه، لأن ثرواتهم الشخصية ومواقعهم الممتازة تعتمد على ذلك. فتعتمد ذخيرة قوة النظام السياسي في إيران على انتخابات المناصب العليا في السلطات الثلاث، وبوجود تغيير في القادة السياسيين يقلل من الضغط على النظام، مما يسمح بالتغلب عليه مع الحد الأدنى من حالات أي أزمة.

فالتقسيم الحالي للنخبة الإيرانية لـ«المتطرفين» و«المعتدلين» و«الإصلاحيين» مشروط. فاختلافاتهم في مجالات السياسة الاقتصادية والداخلية والخارجية تكتيكية ولا تقوض أسس النظام.

تحول النظام

منذ وصول علي خامنئي إلى السلطة، نجد في فترات الانتخابات الرئاسية، انتخابات أعضاء البرلمان وانتخابات مجلس الخبراء، يشتد الصراع على السلطة داخل النخبة. وخلال أوقات الانتخابات، شهدت إيران أيضًا عدة موجات من النشاط الاحتجاجي. مثلاً: احتجاجات عام 1994 في قزوين، المظاهرات الطلابية في 1999، احتجاجات الشوارع بعد الانتخابات الرئاسية «الحركة الخضراء» في 2009، فضلاً عن احتجاجات نهاية 2017 وحتى الآن في جميع أنحاء الجمهورية الإسلامية، علاوة على ذلك، فكل هذه الأعمال من العصيان المدني والاحتجاجات كانت فقط عناصر ضغط من جانب جزء من النخبة الإيرانية لآخر.

في إيران، لا يوجد نظام حزبي كلاسيكي بالمعنى الغربي. ترتبط الحياة الحزبية بشكل مباشر بالانتخابات، وتعود للحياة فقط في الفترة الانتخابية. كقاعدة عامة، يتم إنشاء الأحزاب والحركات السياسية لإجراء انتخابات محددة. ففي إيران الحديثة، الديمقراطية «موجودة في جو خانق من أيديولوجية إسلامية ديكتاتورية، لذلك فهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية التي نعرفها».([30]) وبغض النظر عن مدى تطور ميزان القوى داخل النخبة الإيرانية، ينبغي تحليل المجتمع الإيراني الذي تتحكم فيه هذه النخبة، للوصول لمدى استقرار النظام الإسلامي في إيران. السؤال الرئيس الذي يجب أن نجيب عنه: إلى أي مدى هذا المجتمع قادر على تحقيق إرادة السلطات؟. وسنذكر التغييرات الاجتماعية التي حدثت داخل المجتمع الإيراني. وسنسهب بالتفصيل في الحدث السياسي الرئيس الذي كان له تأثير خطير على النظام: وفاة رفسنجاني.

سكان إيران

عام 1990، كان التعداد السكاني في إيران (56) مليون شخص. واعتبارا من عام 2017، ارتفع عدد السكان إلى (82) مليون نسمة. ويبلغ متوسط عمر الإيرانيين (30) عامًا. فتعتبر إيران واحدة من أصغر الدول في العالم في متوسط العمر([31]). (38٪) من الشباب بين عمر عام و(24) عاماً. فهذا هو الجيل الذي وُلد وينمو تحت قيادة خامنئي([32]). فيشكل الشباب، الذين يعرفون في أحسن الأحوال الثورة الإسلامية من خلال القصص والأفلام، تحديًا خطيرًا للنظام.

من السمات المميزة لجمهورية إيران، المستوى المرتفع للتحضر. حوالي (75٪) من الإيرانيين يعيشون في المدن. وهذا الأمر في حد ذاته، يتعارض مع محاولات الطبقة الحاكمة للحفاظ على البلاد. في المجتمع المتحضر، تلغى الفروق الاجتماعية والثقافية تمامًا، ويسهل فيه الوصول إلى وسائل الإعلام والمعلومات وتكنولوجيات الاتصال، مما يضعف دور الدعاية الحكومية. فسكان المدن لديهم الفرصة لتحليل المعلومات بشكل مستقل وتلقيها من مصادر مختلفة، وعلى هذا الأساس يتم تكوين آراء شخصية حول الوضع في البلاد. إن البيئة الحضرية لها تأثير على المرأة الإيرانية. فهي تحصل على مستوى تعليمي مرتفع وتلعب دوراً فعالاً في حياة الدولة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى «استقلاليتها»، وهذا أمر لا تستسيغه القيادات الدينية والسياسية في إيران.

للمدن تأثير سلبي على معنويات المجتمع. بطبيعة الحال، يزيد سن الزواج وتزيد عدد حالات الطلاق. فكل زواج رابع ينتهي بالطلاق([33]). فعلى الرغم من حقيقة وجود النظام الإسلامي منذ (39) عامًا، ومعايير الشريعة هي أساس التشريع الإيراني، فقد اختار العديد من الإيرانيين في السنوات الأخيرة «الزواج الأبيض» -التعايش دون تسجيل قانوني للزواج. وتحاول السلطات الإيرانية حل هذه المشكلة، لكن دون جدوى.

الإمكانات الفكرية

من أجل تطور الدولة، تكتسب الكوادر الفكرية أهمية قصوى. حول هذه المسألة القيادة الإيرانية غير راضية عن الإحصائيات. فمنذ التسعينيات لم تتوقف عملية «نزيف الأدمغة» فسنوياً كان يغادر إيران حوالي (150) ألف إيراني بالتعليم العالي. الآن انخفض هذا العدد، لكن ليس بشكل كبير. يتم تسهيل هذه العملية من خلال برامج تعليمية خاصة للإيرانيين. ذكرت بعض وسائل الإعلام أن وكالة المخابرات المركزية تنفذ مشروعًا خاصًا تحت مسمى «Braindrain»، يهدف إلى جذب الشباب الإيراني الموهوب المنخرط في المجال النووي([34]). هناك حوالي (100) ألف طالب إيراني يدرسون في الخارج([35]). في 2017، كان هناك (4.8) ملايين طالب في إيران([36]). زاد عدد الطلاب الإيرانيين في الجامعات الأمريكية من عام 2011 إلى عام 2016 تقريباً مرتين. إذ كان هناك (5626) طالبًا مسجلين في الولايات المتحدة، فوصل العدد إلى (12256) بعد خمس سنوات([37]). وصلت ذروة عدد الطلاب الإيرانيين في الولايات المتحدة عام 1980، عندما كان يدرس حوالي (50) ألف طالب من إيران في الجامعات الأمريكية([38]). من الجدير بالذكر أن مضاعفة عدد الطلاب الإيرانيين في الولايات المتحدة أمر مهم للغاية. فهناك احتمال أن يكون خريجو هذه الجامعات الأمريكية هم النخبة السياسية والاقتصادية والفكرية المستقبلية في إيران، التي ستكون مهمتها بناء نظام سياسي جديد بعد التخلص من الجمهورية الإسلامية أو النظام الديني.

وتثير دورات اللغة قصيرة المدة للإيرانيين في الولايات المتحدة وأوروبا قلق الحرس الثوري الإيراني، فمن خلال هذه البرامج، كقاعدة عامة، يزعم الواهمون أن مخابرات الدول الغربية تجند الشباب الإيراني الواعد. فيتم رشوة الشباب الإيرانيين من خلال انبهارهم بطريقة الحياة الأوروبية المتحررة وبغياب الحظر الكامل، كما هو الحال في إيران. بالإضافة لهذه العوامل التي تسهل من تجنيد الشباب الإيراني: ارتفاع معدل البطالة بين الشباب، فنسبة البطالة تصل إلى (12.1٪). وتصل نسبة البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (15-29) عاماً إلى (25٪). على سبيل المثال، يصل معدل البطالة في طهران إلى (41٪) وفي بعض المحافظات تصل نسبة البطالة إلى (50-63٪) من الشباب([39]). وتوجد محاولات للحكومة الإيرانية لحل مشكلة البطالة، إلا أنه حتى الآن لم تستطع إيجاد حل.

مشكلة الإدمان

على خلفية مشكلة البطالة في إيران، يتزايد عدد مدمني المخدرات. فعلى الرغم من أن قوانين الجمهورية الإسلامية تنص على عقوبة الإعدام، أصبحت مشكلة المخدرات في إيران وباء وطنياً. على مدى السنوات الست الماضية، ارتفع عدد مدمني المخدرات من (1.3) إلى (2.8) مليون شخص([40]). إذا أخذنا في الاعتبار (21) عامًا كمتوسط عمر بدء تعاطي المخدرات، نجد أن الإدمان يبدأ مبكرا في فترة المراهقة. فعلى مدى (15-20) سنة الماضية، انخفض متوسط العمر عند بدء تعاطي المخدرات، مما يشير -في حد ذاته- إلى أن العديد من الشباب والمراهقين في إيران يواجهون هذه المشكلة([41]).

يتفاقم الوضع فيما يخص معضلة الإدمان ليس فقط من خلال الصعوبات الاقتصادية في البلاد، لكن أيضاً من خلال قرب إيران الجغرافي من مركز إنتاج المخدرات في العالم- أفغانستان، التي تستحوذ على نسبة (75٪) من الإمدادات العالمية من الهيروين([42]). منذ عام 1979، على الحدود الإيرانية- الأفغانية خلال المعارك مع مهربي المخدرات ومحاولات وقف تهريب المخدرات، قتل حوالي (4000) موظف من وكالات إنفاذ القانون الإيرانية([43]). ومن ناحية أخرى، فإن مشكلة مكافحة الاتجار بالمخدرات معقدة بسبب حقيقة، مفادها أن جزءًا من النخبة في الخدمات الخاصة الإيرانية يجني الأرباح من ذلك من خلال توفير ضمانات بمرور البضائع عبر أراضي إيران([44]).

الإنترنت بين الرقابة والحرية

كان التحدي الذي يواجه النظام السياسي والديني في طهران هو التطور السريع للإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة. في 1992، أصبحت إيران الدولة الثانية في الشرق الأوسط، المرتبطة بالشبكة العالمية. في الوقت الحالي، يوجد في البلاد حوالي (41) مليون مستخدم للإنترنت، ونحو (50) مليون من مالكي الهواتف الذكية([45]). بينما تجد السلطات الإيرانية مخرجًا للمواجهة مع بيئة المعلومات من خلال الحظر. لذلك تم حظر الفيسبوك وتويتر منذ فترة طويلة. وفي 2018، منعت السلطات أشهر تطبيق بين الإيرانيين: «تيليجرام».

فمن بين (200) مليون مستخدم لهذا التطبيق في جميع أنحاء العالم، هناك (40) مليون إيراني. تيليجرام في إيران ليس مجرد وسيلة للاتصال، لكنه أيضا يستخدم كوسيلة إعلام هامة. في يونيو (حزيران) 2016، استحوذ التطبيق على (40٪) من جميع حركات الإنترنت([46]). يقضي المواطن الإيراني العادي وقتًا أطول على تطبيق تيليجرام أكثر من وقته على التلفزيون الحكومي -أكثر من ساعتين في اليوم([47]). يعد هذا التطبيق مصدرًا مهمًا للأخبار ومنصة يمكن للمقيمين فيها مناقشة الأمور السياسية وانتقاد السلطات. على سبيل المثال، كان النداء الأول الذي شارك في الاحتجاجات في مدينة مشهد منتشرًا على نطاق واسع على تيليجرام. وأصبح التطبيق نفسه المنصة الرئيسة لتلقي وتبادل المعلومات خلال الاحتجاجات في ديسمبر (كانون الأول) 2017 – يناير (كانون الثاني) 2018.

ويتمتع تطبيق «إنستجرام» بشعبية كبيرة بين الشباب الإيراني. فوفقاً لعدد المستخدمين في العالم، تحتل إيران المرتبة الثامنة بـ(22) مليون مستخدم. وتؤكد الحالة الأخيرة باعتقال «مائدة حجابري» (فتاة تبلغ من العمر «18» عاما) التي جمعت آلاف المتابعين لحسابها على إنستجرام، بعد نشرها فيديوهات لنفسها وهي ترقص على موسيقى إيرانية وأخرى غربية، تؤكد أن الشباب الإيراني يرفض فرض قواعد تحد من حرياتهم، ويطمح أن يكون مثل أقرانهم في أوروبا والولايات المتحدة. فتظهر الإحصائيات أعلاه فشل النظام تحت القيادة الحالية في تغيير فكر الشباب الإيراني. فنحن نشهد المزيد والمزيد من اغتراب الإيرانيين عن الدولة واغتراب النخبة الإيرانية من شعبها.

إيران بدون رفسنجاني

كان الحدث الرئيس في الحياة السياسية الإيرانية طوال فترة حكم خامنئي، هو وفاة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، الرئيس السابق ورئيس البرلمان، علي أكبر هاشمي رفسنجاني. فهو كان واحداً من الدعائم التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية، وقد لعب دوراً هاماً في تطوير إيران ما بعد الثورة، أيضاً كان عضواً في الدائرة الضيقة المقربة من الخميني. ففي مساء يوم 8 يناير (كانون الثاني) 2017، توفي بسبب نوبة قلبية في مستشفى في طهران. في اليوم التالي في مسجد جامران، الذي يقع في شمال العاصمة الإيرانية، تكريما له تجمع رجال الدين، ورجال الجيش والسياسيون، بمن فيهم الرئيس الإيراني حسن روحاني، والرئيس السابق محمد خاتمي، وحسن الخميني وهو حفيد الإمام الخميني، رئيس هيئة الأركان العامة محمد باقري، قائد فيلق حرس الثورة الإسلامية (الحرس الثوري الإيراني) علي جعفري وقائد وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني، «فيلق القدس» قاسم سليماني. أقيمت مراسم الوداع لجثمان رفسنجاني يوم 10 يناير (كانون الثاني) في جامعة طهران. وحضرها جميع القيادات العليا للجمهورية الإسلامية. تمت قراءة جنة-نماز (صلاة الجنازة) من قبل الزعيم الروحي لإيران علي خامنئي. خرج لوداع رفسنجاني إلى شوارع طهران أكثر من مليوني شخص. وقد دفن في ضريح الإمام الخميني.

أعربت النخبة السياسية الإيرانية عن مدى الحزن العميق لخبر وفاة رفسنجاني. فقال خامنئي في رسالته: إن «التعاون والصداقة استمرا أكثر من (59) عاماً، ولكن الاختلافات في نهجها في حل المشاكل التي تواجه البلاد، لم تكن عائقاً أمام الصداقة». وفي يوم الجنازة كتب حسن روحاني في تويتر: «اليوم نحن مستعدون للوداع الأخير لرحلة رجل صنع التاريخ. دعونا نستغل هذه الفرصة للصداقة والمصالحة والوحدة الوطنية. بدلا من الجدران سنبني الجسور». وقام الجنرال قاسم سليماني بزيارة أقرباء الرئيس السابق الراحل. «السيد رفسنجاني من البداية وحتى نهاية حياته ملتزم بموقف ثابت. في فترات مختلفة، التزم بتكتيك واحد أو آخر. وفي الوقت نفسه، عارض دائما التوسعية الأمريكية والصهيونية»، حسب ما نقلته تسنيم نيوز عن الجنرال.

كان الموضوع الرئيس لوسائل الإعلام الغربية هو المشاركة في الجنازة من جانب قوى المعارضة التي يمثلها أنصار «الحركة الخضراء». تجدر الإشارة إلى أن رفسنجاني هو رمز الاحتجاجات عام 2009، فكانت عدم موافقته على نتيجة الانتخابات الرئاسية، تمثل وقودا لحركة الاحتجاجات، فقام بدعم المتظاهرين آنذاك بشكل كبير. وفي حفل الحداد، ردد المتظاهرون شعارات مؤيدة لمير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي، قادة حركة الاحتجاج عام 2009. ولا يزال اثنان منهم قيد الإقامة الجبرية.

إلا أنه قد تم توجيه النقد لعمل التلفزيون الرسمي الإيراني في أيام الحداد. بسبب عدم تغطية احتفالات الحداد بشكل كافٍ، وبسبب كذلك تجاهل مشاركة قوى المعارضة في مراسم وداع رفسنجاني. الأمر الذي اضطر معه علي عسكري مدير التلفزيون الحكومي وراديو إيران «صوت جمهورية إيران الإسلامية» للرد على انتقادات وسائل الإعلام الوطنية. «لقد سمعنا انتقادات وسنحاول تصحيح عملنا». وردا على سؤال الصحفيين حول حقيقة أن الصحف الحكومية لم تظهر خطابات وتعليقات رفسنجاني، فضلاً عن الأخبار حول أنشطة المجلس لتحديد المنفعة السياسية، أكد عسكري: «نحن دائماً نعامله باحترام كبير».

احتل رفسنجاني مكانًا خاصًا في النظام السياسي الإيراني، الذي تم إنشاؤه بفضله إلى حد كبير. بالطبع، من الصعب القول: إنه سيكون من الممكن إيجاد بديل مكافئ. فالشخص الذي لديه مثل هذه الخبرة والسلطة والدعم في المجتمع لا يمكن تعويضه. ومع ذلك، لا تتحمل السياسة الفراغ، فقد ترك رفسنجاني منصبين رئيسين.

أولاً: منصب رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي ترأسه رفسنجاني على مدار الـ(27) عاماً. هذا المجمع يكون حكماً بين مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) ومجلس صيانة الدستور في حال نشوب أزمة بينهما، وتصبح قراراته بشأن خصومة الهيئتين نافذة بعد مصادقة المرشد الأعلى عليها. ويقدم إلى المرشد الأعلى للثورة (الولي الفقيه) النصح عندما تستعصي على الحل مشكلة ما تتعلق بسياسات الدولة العامة، كما أن المجمع يختار في حالة موت المرشد، أو عجزه عن القيام بمهامه بقرار من مجلس الخبراء، عضواً من مجلس القيادة يتولى مهام المرشد حتى انتخاب مرشد جديد. ووفقا للدستور الإيراني، يتم تعيين رئيس وأعضاء المجلس من قبل القائد الأعلى. في هذا المنصب تم استبدال رفسنجاني بالرئيس السابق للقضاء (1999-2009) محمود هاشمي شهرودي.

ويشهد تعيين شهرودي في هذا المنصب على تعزيز دور «المجموعة العراقية» في النخبة السياسية، وهذه المجموعة تضم رئيس النظام القضائي صادق لاريجاني وعائلته التي تمسك بمفاصل القضاء والبرلمان، ولها أنشطة اقتصادية واسعة في إيران، حيث يتولى شقيقه الأصغر محمد جواد اردشير لاريجاني، منصب معاون السلطة القضائية، بينما يرأس أخوه الأكبر علي لاريجاني البرلمان منذ 2008.

ثانياً: تبين أن مكان الزعيم غير الرسمي كراعي القوى المعتدلة والإصلاحية في إيران فارغ. مباشرة بعد وفاة رفسنجاني، ساد في الإعلام الإيراني رأي قائل بأن الزعيم الحالي لمعسكر القوى المعتدلة والإصلاحية سيحتل من قبل الرئيس الإيراني الحالي. «لا يوجد رجل، باستثناء روحاني، أكثر تشابهاً في وجهات النظر والفلسفة مع هاشمي رفسنجاني». عندما لم يوافق مجلس الخبراء على ترشح حسن روحاني للانتخابات الرئاسية عام 2013، قام رفسنجاني بتقديم حسن روحاني إلى العالم وفعل كل شيء من أجل فوزه. فحتى آخر أيام رفسنجاني، قام بالتظاهر وساعد روحاني، ورأى فيه خليفته. الآن بالفعل تم اتخاذ هذا المكان من قبل حسن روحاني والنائب الأول له «إسحق جاهانجيري». هم بالفعل حلقة الوصل بين القائد الأعلى وممثلي الإصلاحيين. وهنا يلعب الرئيس السابق محمد خاتمي دورا مهما في هذا المعسكر السياسي. فرحيل رفسنجاني كان عاملا قويا في خمول السياسة الإيرانية في الفترة الأخيرة.

وهناك عامل آخر ترك بصمة جدية سلبية على النظام الإسلامي، هذا العامل مرتبط بالعقوبات الأمريكية. فنجاح الاتفاق النووي لم يدم طويلاً. مع تغيير السلطة في البيت الأبيض، اشتدت حدة الخطاب المناهض لإيران من جانب السياسيين الأمريكيين. وكانت النتيجة المنطقية لهذا، هي إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني.

سيبدأ تطبيق نظام العقوبات الكامل ضد إيران في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، حينها ستكون الضربة القاتلة التي ستوجه للاقتصاد الإيراني: فسيتم فرض عقوبات على مشغلي الموانئ الإيرانيين، وكذلك الشحن وبناء السفن في هذا البلد، فضلاً عن حظر تصدير النفط ومنتجاته من إيران. بالطبع تزامن فرض هذه العقوبات مع ذكرى الاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 ليس صدفة، إنما هو أمر مقصود.

من الواضح أن هذه ضربة مباشرة لمواقف الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني. فمنذ الحملة الانتخابية الرئاسية الخاصة به، تم بناء برنامجه الاقتصادي بأكمله على المكاسب المحتملة من تنفيذ أحكام الاتفاق النووي الإيراني. أولا وقبل كل شيء كان يعتمد البرنامج الاقتصادي على التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي. أما النتيجة الرئيسة للاتفاق النووي، فكانت إعادة نصيب إيران في تجارة النفط العالمية. ففي غضون عامين منذ توقيع الاتفاق، تضاعف مستوى إنتاج النفط الإيراني إلى (3.830) ملايين برميل في اليوم. نصفهم يستهلك من قبل إيران نفسها. والباقي تم تصديره. فصدرت إيران (62٪) إلى آسيا (الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية)، والبقية (38٪) إلى أوروبا (إيطاليا وبريطانيا العظمى وبلغاريا وهولندا)([48]).

وقد أدى قرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي إلى انسحاب عمالقة الطاقة العالميين من مشاريع نفطية إيرانية مثل شركتي توتال وإيني. فقط الشركة الصينية (CNPC) أعلنت استمرار العمل في إيران. إلى جانب ذلك، يعمل الأمريكيون مع المستوردين الآسيويين الرئيسين للنفط الإيراني -الصين وكوريا الجنوبية واليابان والهند لتصدير النفط الأمريكي إليهم. أما البنوك اليابانية فرفضت بالفعل إجراء عمليات شراء نفط مع إيران. وستظهر نتيجة جهود البيت الأبيض في هذا الاتجاه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، عندما تكون مجموعة جديدة من العقوبات ضد إيران جاهزة للعمل بشكل كامل. ففي الخريف، سيواجه الاقتصاد الإيراني والنظام السياسي تحديات خطيرة.

تظهر الإحصاءات المذكورة أعلاه التغيرات التي حدثت في المجتمع الإيراني منذ وصول خامنئي إلى السلطة. فلقد تغيرت أسس وسلوك ومطالب الإيرانيين. لا تتناسب رغبات الشباب الإيراني مع إطار النظام الإسلامي المفروض. وإن محاولات السلطات لفرض سيطرتها الكاملة على المواطنين، تتعرض لخطر متزايد وتؤدي فقط إلى نجاح قصير الأجل.

منذ عام 1989، تطور الصراع داخل النخبة في إيران في إطار النظام السياسي القائم ولم يشكك أحد في أساس هذا النظام. فهذه نقطة مهمة لفهم استقرار النظام الإيراني. لطالما أن النظام القائم يسمح للنخبة بإثراء أنفسهم ويعطي بعض الضمانات للحفاظ على هذه الموارد، فأعضاء هذه النخبة سيدافعون عن النظام القائم حتى النهاية. أما في حالة تخفيض هذه المزايا، فذلك سيكون سبباً لإعادة النظر في موقف النخبة من النظام. فالأمريكيون والإسرائيليون يعتمدون على هذه النقطة. تواجه النخبة الإيرانية خيارًا صعباً بين الإصلاح الجذري للنظام الحالي أو انهيار النظام. إلا أن عامل الاستقرار الذي يوحد جميع مجموعات النخبة هو علي خامنئي. إلى حد ما، فإن استمر خامنئي على قيد الحياة، فإن الجمهورية الإسلامية هي أيضاً ستستمر على قيد الحياة. لأن تحول النظام بعد وفاته، من الممكن أن يُفقد إيران الكثير من سلطتها ونفوذها وقد يؤدي إلى خسائر في الطموحات الإقليمية الإيرانية.

عن "المسبار"

اقرأ المزيد...

الوسوم: