خلع الإيرانيات حجابهن يهدّد بخلع نظام الولي الفقيه

إيران

خلع الإيرانيات حجابهن يهدّد بخلع نظام الولي الفقيه

مشاهدة

22/02/2018

شهدت فترة حكم رضا بهلوي، شاه إيران، الممتدة من عام 1925وحتى 1941، تأسيس جامعة طهران، وإنشاء مشروعات تحديثية تميّز بها، نتيجة نزعته وميوله للحضارة الغربية؛ فاستمدّ منها بعض العناصر، التي تؤسّس لحكمه الجديد، وخالف بها السائد؛ حيث اعتمد في سبيل ذلك، على المكونات الطبقية والاجتماعية التي احتمى بها، مثل الطبقات الأرستقراطية، وأعضاء التيار اليساري الذين عارضوه في مجمل سياساته، إلّا أنّهم ساندوه في مواجهة معارضة المرجعيات الدينية في قضايا الحريات الفردية، عندما حشدوا دعاية ضدّه عبر المساجد، بعد تمرير قانون منع الحجاب، وحظره، في الأماكن العامة والمصالح الحكومية، وكذلك، في المدارس والجامعات، ووضعه قانوناً يفرض على الرجال البدلات الأوروبية.

ويستدعي ذلك الزمان الماضي، لحظة راهنة عبّرت عن نفسها في احتجاجات شهدتها الجمهورية الإسلامية في إيران، ضدّ فرض الحجاب الإلزامي على الإيرانيات، حيث رافق ذلك الجدل المحتدم حول قضية الحجاب، أنظمة الحكم المتعاقبة في إيران، منذ عام 1979، بين التيارات السياسية والمرجعيات الدينية.

فرض الحجاب الإلزامي على النساء

  لم تختلف آلية التعامل مع المخالفين، خلال تلك الفترة أيضاً، رغم كلّ انفتاحها الاجتماعي؛ حيث دأبت دوريات الشرطة التي تطوف الشوارع والأحياء في المدن، على مطاردة الفتيات اللواتي يرتدين غطاء التشادور، في الشارع والأماكن التي حظر فيها ارتداؤه، وملاحقتهنّ، وممارسة العنف ضدّهن، وخلع حجابهنّ بالقوة، كما حرّض رجال الدين النساء على الالتزام بالحجاب، والحفاظ على هوياتهن. وعندما خرجت الاحتجاجات بقيادة رجال الدين، شهدت حزماً وقمعاً في مواجهاتها.

هناك فجوة بين النخبة الحاكمة والمجتمع؛ لا سيما أنّها نخب دينية، ومعظم المسؤولين قيادات في الحرس الثوري

حظيت المرأة بمكانة مرموقة في الفترة الاستثنائية التي حكم فيها رضا بهلوي، ابن الشاه، ومؤسس الدولة البهلوية، فقد عطّل القانون الذي يلزم بارتداء الحجاب، بعد الإطاحة بحكم والده في ظروف سياسية، كان العالم فيها منقسماً، بين قوات التحالف والمحور؛ حيث قامت بريطانيا والاتحاد السوفياتي بعزله عن السلطة، خشية تأييده النازية في الحرب العالمية الثانية.

وقد شهدت المرأة حينها وضعاً جيداً، كفل لها العديد من المكتسبات الاجتماعية والسياسية؛ فنالت حقّ التصويت في الانتخابات عام 1963، وصدر قانون الحماية الاجتماعية، الذي يصون حقّها في الطلاق والحدّ من تعدد الزوجات، وتبوّأت المناصب السياسية والوزارية.

عندما اندلعت الثورة الإسلامية، أصدر الإمام الخميني مرسوماً يفرض على النساء ارتداء التشادور

احتجاجات تتخطى الحجاب إلى الكرامة

عندما اندلعت الثورة الإسلامية، أصدر الإمام الخميني، بعد شهر من عودته إلى إيران، الذي صادف "اليوم العالمي للمرأة"، مرسوماً يفرض على النساء ارتداء التشادور، في السابع من آذار (مارس) 1979.

مشهدان متشابهان في أبعادهما وتفاصيلهما وتأويلاتهما الراهنة، ولو بصورة معكوسة، فالاحتجاجات التي كانت قائمة من أجل حرية ارتداء الحجاب، تحوّلت لاحتجاجات من أجل حرية خلعه.

إذاً، هي احتجاجات لا تتعلّق بالحجاب بحدّ ذاته، وليست ضدّ الحجاب من عدمه، بقدر ما تعنى باستعادة حق المواطن الإيراني لحريته، في اختيار الزيّ الذي يناسبه، دون إلزام وتوجيه قسري، وبغض النظر عن إكراهات الدولة له بالقانون، وتخويفه بما يعرف بـ "شرطة الأخلاق"، التي تفرض على المخالفين الغرامات المالية والسجن، ناهيك عن الانتهاكات اللفظية والجسدية أحياناً.

ماسية آلينجاد

انطلقت الحملة ضدّ الحجاب الإلزامي، من قبل صحافية إيرانية، تعيش في الولايات المتحدة، اسمها "ماسية آلينجاد"، وجّهت دعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للنساء الإيرانيات، بغية ارتداء حجاب أبيض كعلامة احتجاج، كل يوم أربعاء، سميت الدعوة بأيام "الأربعاء الأبيض"، ليخالف الرداء الأسود المفروض قسراً عليهن، كما أنّ لدى الصحافية الإيرانية المغتربة، موقعاً تنشر فيه النساء في إيران صورهن علناً، من دون حجاب.

وعبر صفحة "حريتي المسروقة"، التي دشّنتها آلينجاد، وبلغ عدد متابعيها، نحو 130 ألف شخصاً، قادت ما بات يعرف بين الإيرانيين بـ "الثورة الصامتة"، وتفاعل عدد كبير من النساء الإيرانيات مع المنصة، التي حرضتهن على نشر صورهنّ دون حجاب، وصلت نحو 150 صورة، يظهرن فيها النساء بعدة أماكن، وفي مواقف مختلفة، بغير غطاء الرأس، وكذلك، يقدن سيارتهن بدونه.

هناك تناقضات عديدة في التعاطي مع قضية الحجاب، من أنظمة الحكم المختلفة في إيران

وتعمّدن نشر كلّ تلك الصور على صفحاتهن، في منصات التواصل الاجتماعي، أسوة بمبادرة آلينجاد، والتعبير الرمزي عن تجاربهن المختلفة، التي تلخّص رغبتهن في التحرّر من إلزامية الحجاب.

ووصفت آلينجاد صفحتها، في منشور منسوب لها على منصتها بفيسبوك، بأنّها لا تهدف إلى أي أغراض سياسية، كما أنها تحترم الحجاب، لكنّها تسعى أن يكون ذلك بالاختيار لا الإجبار، وهدفها الوحيد هو مساعدة الإيرانيات على نيل حقوقهنّ.

وتعتمد فكرة "الأربعاء الأبيض"، الحملة الاحتجاجية التي تقودها الإيرانيات ضدّ الحجاب الإلزامي، على ارتداء النساء ملابس بيضاء بخلاف التشادور الأسود، ومن ثم تخرجن في الشارع دون الحجاب التقليدي، وتشرعن في تصوير أنفسهنّ في الأماكن العامة، وبثّ الصور على صفحة الحملة بـ "فيسبوك".

الأربعاء الأبيض: الحملة الاحتجاجية التي تقودها الإيرانيات ضدّ الحجاب الإلزامي

فتنة الحجاب تهدّد بقاء النظام الإيراني

وواجهت الحكومة الإيرانية الحملة الاحتجاجية المتصاعدة بالقمع والاعتقال؛ حيث أوقفت الشرطة الإيرانية نحو 30 امرأة في طهران، كشفن رؤوسهن في الأماكن، بينما كشفت تصريحات الدولة الرسمية والبيانات الإعلامية، التي نقلتها وكالة "فارس" في إيران، أنّ "الشرطة أوقفت 30 امرأة بتهمة الإخلال بالنظام الاجتماعي، وسلّمتهن إلى القضاء".

وأوضحت الشرطة في بيانها، إبان عمليات القبض والتوقيف لبعض العناصر المشاركة في الاحتجاجات، أنّها شنّت حملة اعتقالات في العاصمة، بغية "ضمان الزمن الاجتماعي"، من خلال اعتقال "المخدوعين بحملات شبكات التواصل الذين يهدّدون أمن المجتمع".

الحركة النسوية في إيران

يقول محمد محسن أبو النور، الباحث في الشؤون الإيرانية لـ"حفريات": إنّ "الحركة النسوية في إيران نشطة، ويمكنها إحداث زخم، بالفعل، في المجتمع. كما ظهر ذلك متجسّداً على نحو لا يقبل التأويل، في الاحتجاجات الأخيرة، التي نشبت مساء الأربعاء 27 ديسمبر الماضي؛ حيث خلعت الطالبات في الجامعات الحجاب، والنساء خضن المظاهرات، في مدينتي قم ومشهد، وهما أكثر المدن المحافظة والمتشددة، فنجحت في إحداث حالة مجتمعية، تحمي التنوّع، وحاولت توفير حماية لهن.

صرّح  روحاني، داعياً إلى استفتاء على بقاء النظام في إيران وهو أخطر تصريح في تاريخ الجمهورية الإسلامية ومسيرة روحاني السياسية

وبسؤاله حول ما تفصح عنه قضية الحجاب، من وجود مسافة بين السياسة الإيرانية، تتقاطع مع دور المرجعيات الدينية، وولاية الفقيه، تبعث بتوتراتها وانسجامها ومصالحها وصراعاتها في عدة قضايا، أوضح: "مسألة الحجاب المنتشرة في إيرن، أظهرت إلى أي مدى هناك فجوة بين النخبة الحاكمة والمجتمع؛ لا سيما أنها نخب دينية، ومعظم المسؤولين من أصول دينية، وقيادات في تنظيم الحرس الثوري، الذين لهم ولاءات عقائدية، فثمّة حالة انفصام وانفصال بين المجتمع والسياسة الإيرانية، الدائرة الآن، فيما يبدو أنّ الدولة لاحظت ذلك. لذا، سمحت بعدم اقتياد النساء لمخافر الشرطة ممن لا يلتزمن بالزي الديني".

وأردف: "بالتأكيد، هناك تناقضات عديدة في التعاطي مع قضية الحجاب، من أنظمة الحكم المختلفة في إيران، لكن، اللّافت أنّ ثمة صراعاً حادّاً بين دوائر صناعة القرار في إيران، امتدّ من الاقتصاد للسياسة للقضايا المجتمعية، وقد صرّح حسن روحاني، داعياً إلى استفتاء على بقاء النظام في إيران، وهو أخطر تصريح في تاريخ الجمهورية الإسلامية وفي مسيرة روحاني السياسية؛ حيث دعا لاستخدام المادة 59، التي تتيح للشعب حسم الجدل حول القضايا العالقة، ومنها: مسألة الحريات والسماح للمرأة لارتداء الملابس التي تريدها.

 

الصفحة الرئيسية