"داعش سيناء" وإسرائيل.. البحث في جذور الصراع ومآله (1)

"داعش سيناء" وإسرائيل.. البحث في جذور الصراع ومآله (1)

مشاهدة

03/04/2018

يسود اعتقاد لدى شريحة لا يُستهان بها في الداخل المصري، أنّ تنظيم ما يُطلق عليه "ولاية سيناء" المبايع لـ"داعش"، هو صنيعة إسرائيلية؛ إذ إنّه لم يوجه نيرانه إلى العدو الصهيوني رغم أنّه لا تفصله عنه سوى أمتار، بيد أنّه لم يطلق طلقة واحدة في اتجاه تلك القوات، في حين يستهدف القوات المصرية بعشرات العمليات الانتحارية، ومئات الألغام المفخخة على جوانب الطريق.

بينما يرى البعض الآخر أنّ العقل العربي مصاب بداء إلقاء عيوبه على شماعة عدوه الخارجي، بدعوى أنّ تلك الجماعات هي أحد تجليات أمراض العقل الجمعي للأمة، بدليل أنّ نشوء الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمين، كان أسبق من ظهور الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يكن أحد تداعياته.

من وادي مصر إلى سيناء

أطلقت الجماعة الإسلامية في مصر مبادرتها لوقف العنف العام 1997، وقبلها أعلن زعيم تنظيم الجهاد آنذاك أيمن الظواهري، وقف العمليات المسلحة في مصر بحجة "عدم القدرة"، ليبدو بعد ذلك أنّ سحابة الخريف الدموية تنقشع بعيداً عن سماء أرض الكنانة.

إلا أنّه في العام 1999 كان ثمة من يجمع عناصر جماعة أخرى في منطقة بعيدة عن حزام الإرهاب التقليدي في مصر "الوجه القبلي والقاهرة"؛ حيث قاد طبيب الأسنان الدكتور خالد مساعد، وصديقه نصر خميس الملاحي، جماعة جديدة في شمال سيناء، استهدفت العام 2004 فندق هيلتون طابا الذي كان يرتاده مئات السياح الإسرائيليين.. كانت هذه الجماعة النواة الأساسية لتنظيم أنصار بيت المقدس الذي كشف عن نفسه عقب "ثورة 25 يناير"  في مصر، بإعلانه استهدافه خطوط الغاز المتجه إلى إسرائيل.

فاجأ التنظيم في سيناء الجميع بعودته للحياة بعد سقوط الأجهزة الأمنية بعد ثورة 25 يناير 2011

اللافت أنّ هذا التنظيم لم يعلن عن تبعيته أو ولائه لتنظيم القاعدة، كما لم يُرصد على ألسنة قادة التنظيم الأخير وبياناتهم ذكر للتنظيم الوليد في سيناء، ربما لمحاولة ابتعاد تنظيم الجهاد (صلب تنظيم القاعدة) عن الدخول في صراعات مع الدولة المصرية التي كان قد أعلن وقف العمليات فيها، أو محاولة من القاعدة الظهور بالتمسك بإستراتيجيتها الجديدة المرتبطة بوجوده وكيانه، وهي استهداف العدو البعيد "أمريكا وإسرائيل" دون العدو القريب "الأنظمة الحاكمة"،  إلا أنّ ثمة أحداثاً كانت تجري على ذرى جبال أفغانستان، تلقي بشواهد عديدة تشير إلى حالة ارتباط ما لا يمكن التغاضي عنها.

 الجماعة التي استهدفت فندق هيلتون طابا بسيناء العام 2004 مثلت نواة تنظيم أنصار بيت المقدس

الزرقاوي كلمة السر

في العام 1999، الذي بدأت تتشكل فيه طلائع "التوحيد والجهاد" في سيناء، كان أبو مصعب الزرقاوي، الذي حمل تنظيمه في العراق المسمى نفسه "التوحيد والجهاد"، يعكف  في جبال قندهار، على خطة تهدف إلى استهداف الكيان الصهيوني، ولم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد وقعت بعد.

فبعدما وصل "أبو مصعب" لقندهار أرسل تنظيم القاعدة، وفداً لمقابلتهم كان على رأسهم سيف العدل، القيادي في التنظيم، الذي كان قد تلقى تقريراً يشير إلى أنّ أبو مصعب ورفاقه لديهم بعض الأفكار المختلفة في بعض القضايا، ومنها انحياز الزرقاوي، كما صديقه أبو محمد المقدسي، إلى إستراتيجية استهداف الإسرائيليين، وهو الأمر الذي لم يعترض عليه قادة القاعدة وقتذاك وعلى رأسهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.

وحسب شهادة سيف العدل التي نشرتها عدد مواقع التابعة للقاعدة فقد فوض بن لادن "الزرقاوي" لتنفيذ خطة تقضي بالتواجد والانتشار في الدول المتاخمة لإسرائيل، لتنفيذ عمليات ضدها، لجلب التعاطف مع القاعدة باعتبار أنّ "القضية الفلسطينية هي قلب الأمة النابض الجريح ودخول التنظيم على تماس معها مهم للغاية لاستقطاب مشاعر الأمة"، وفق العدل.

فقد التنظيم أحد أهم دوافع التجنيد ألا وهو "الأنظمة الحاكمة" التي سقطت في تونس ومصر وليبيا

كما أنّ القاعدة وضعت إستراتيجيتها الكبرى في قتال العدو البعيد وخصت أمريكا وإسرائيل، وكانت بالفعل قد استهدفت سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام، إلا أنّها طمحت في توظيف المجموعة الأردنية في تنفيذ عمليات ضد إسرائيل تثبت من خلالها أنّها جادة في استهداف الكيان العبري أيضاً.

استندت النقطة الأساسية في المشروع الموكل للزرقاوي على ضرورة إيجاد منطقة في أفغانستان، يتم فيها إنشاء معسكر بسيط للتدريب اليومي، وتهدف إلى استقطاب عناصر من الأردن وفلسطين وسورية ولبنان والعراق وتركيا، لأهمية هذه المناطق بالنسبة للقاعدة ولضعف عناصرها فيها، ثم عودتهم مرة أخرى لتنفيذ عمليات ضد الكيان الصهيوني انطلاقاً من تلك الدول.

استندت النقطة الأساسية في المشروع الموكل للزرقاوي على إيجاد منطقة بأفغانستان لإنشاء معسكر للتدريب اليومي

المهاجر وتنظيم سيناء

بدأت عمليات التجنيد على أشدها في الدول المستهدفة ومن بينها مصر، وتولى المهمة أبو حمزة المهاجر الذي دفعت به القاعدة لأسباب عديدة؛ منها عدم وجود معلومات عنه لدى الأجهزة الاستخباراتية، وقدرته على تزوير جوازات سفر بأسماء مستعارة، استطاع التنقل من خلالها إلى لبنان وسوريا وعدد من الدول الآسيوية والخليجية، فاستطاع إنشاء عدد من الخلايا كان من بينها نواة تنظيم التوحيد والجهاد في مصر.

فوجئ الزرقاوي بضربة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 التي لم تكن القاعدة قد أطلعته على شيء منها، ولم يكن لديها خطة واضحة مدروسة لمواجهة تداعياتها، حتى بدأ الهجوم الأمريكي على أفغانستان نهاية العام 2001، فعاد إلى هيرات (المحاذية للحدود الإيرانية) لحماية جماعته، فقُصف معسكره وانسحبت القاعدة وطالبان من المنطقة بعد أن قصفت تجمعاتهم ومخازن سلاحهم، ووقعت مجموعة من جماعته في أسر القوات الشيعية الموالية لإيران، التي كانت تتربص بمعسكرهم، وشُرِّد الباقون تحت نيران القصف العنيف، وأصيب الزرقاوي ثم أتت أوامر قادة القاعدة بتوافدهم تباعاً على إيران، ثم كانت رحلته إلى الشمال العراقي مصطحباً معه أبو حمزة المهاجر.

لم يعد للتنظيم في سيناء سوى رفع شعاره القديم "الحرب ضد اليهود" حتى يضمن ضم مجندين جدد

بعد الغزو الأمريكي للعراق العام 2003 عزمت الخلايا في سيناء على الهجرة إلى العراق، لكن ظروفاً لوجيستية كانت قد منعتهم "وفق مذكرة اتهام نيابة أمن الدولة العليا في مصر"، فبدأوا في العودة للخطة القديمة، وهي استهداف إسرائيل عبر سيناء، لكن الهدف الأسهل كان ضرب مناطق سياحتهم في الجنوب، فكانت سلسة الهجمات في طابا وشرم الشيخ ودهب.

وهو ما أحدث ارتباكاً لدى القاعدة، فصدرت بيانات تبنٍّ متضاربة كان أحدها من "كتائب عبدالله عزام" ذات الصلة الوثيقة بالمصري أبو حمزة المهاجر، وكان إعلان آخر باسم "كتائب التوحيد الإسلامية"، إلى أن أعلنت السلطات المصرية، أنّ المسؤول عن تلك الهجمات هو تنظيم يدعى "التوحيد والجهاد".

لم يكن لإسرائيل ردة فعل، فالسلطات المصرية كانت قد أعلنت عن القضاء المبرم على تنظيم "مساعد" بعد مقتله ومساعديه، بعد ذلك، والإعلان عن اعتقال كافة عناصره، وصدور أحكام إعدام على بعضهم، وبالسجن المؤبد على آخرين.

عودة التنظيم قبيل يناير

بعد أن ساد الاعتقاد بانتهاء التنظيم في سيناء، عاد فجأة للحياة من جديد، بعد سقوط الأجهزة الأمنية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وبدء سلسات تفجيرات خطوط الغاز المتجهة إلى إسرائيل عبر سيناء، إلا أنّ التنظيم أعلن في بيان له أنّه كان على وشك القيام بعملية ضد القوات الإسرائيلية على خط صحراء النقب المحاذي لوسط سيناء قبل اندلاع أحداث يناير، مما يشير إلى تواجد التنظيم في سيناء قبل الثورة المصرية؛ إذ إنّه نجح في قيام كيانه بعد هروب فلول أتباع الشيخ عبداللطيف موسى من غزة في اتجاه سيناء، بعد الحملة التي شنتها "حماس" على معتنقي أفكار السلفية الجهادية.

لكن بعد ثورة 25 يناير، فقدت أحد أهم دوافع التجنيد في صفوفها ألا وهو "الأنظمة الحاكمة"، التي سقطت في تونس ومصر وليبيا، بفعل ثورات سلمية قادها شباب رفعوا شعارات غير إسلاموية، وهي ما فشلت فيه التنظيمات الجهادية الراديكالية طيلة تاريخها الدموي، فلم يعد للتنظيم في سيناء سوى رفع شعاره القديم "الحرب ضد اليهود"، حتى يضمن جلب مجندين جدد في صفوفه، بروافع الشعار البراق، وبدأ التجهيز لعدد من العمليات التي استهدفت بالفعل قوات النخبة الإسرائيلية على الحدود مع مصر.



الصفحة الرئيسية