داعش والقاعدة في السواحل الأفريقية: الشتات الإرهابي واحتمالات المواجهة

أفريقيا

داعش والقاعدة في السواحل الأفريقية: الشتات الإرهابي واحتمالات المواجهة

مشاهدة

01/12/2019

الملمح الذي يفرض تأثيراته وتبايناته العميقة والمكثفة على الحالة الإسلامية، والنشاط الجهادي، والجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء؛ يتمثل في أنّ المنطقة تتّسم بعدة تمايزات على مستوى الجغرافيا السياسية، وتعقيداتها الاجتماعية، إضافة إلى الخبرة التاريخية التي تشكل خصوصية السواحل الأفريقية، وهو ما يجعل البحث عن مستقبل ومآلات تنظيم داعش في تلك المنطقة، أمراً ملحّاً وضرورياً؛ خاصة بعد مقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي"، والتنافس المحتمل بين تنظيم الدولة والقاعدة، والأخيرة تحوز نفوذاً لا يستهان به ولديها قاعدة انتشار.

لمن الولاية؟
بيد أنّ مساحة الخلاف على الولاية والتصدع بين التنظيمين التي تبدو متفاوتة، وتخفت وتحتدّ بحسب سياقات عديدة، قد بلغت حدوداً واسعة، ووصلت مداها، عندما وصف أيمن الظواهري بـ "المرتد"، في أحد الكتب الصادرة عن تنظيم داعش، مطلع عام 2018.

مدير المركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، الدكتور هاني سليمان: تنظيم داعش يعاني من مأزق حادّ

ترجع بدايات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، من خلال ما يعرف بـ "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" الجزائرية، وقد تغيّر اسمها في مطلع عام 2007، لتعرف بـاسم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وأضحى يقود التنظيم، عبد المالك دروكدال، والذي يكنى "أبو مصعب عبد الودود".
كما ظهرت حركة "التوحيد والجهاد" المرتبطة بالقاعدة، في غرب أفريقيا، عبر تبنّيها عملية اختطاف ثلاثة من عمال الإغاثة، في مخيمات اللاجئين الصحراويين، جنوب غرب الجزائر، ويتكون جناحها العسكري من عدة ألوية؛ من بينها: سرية عبد الله عزام، سرية أبو مصعب الزرقاوي، ناهيك عن "كتيبة أسامة بن لادن"، بقيادة عضو مجلس شورى الجماعة، أحمد ولد عامر، المعروف بأحمد التلمسي.

اقرأ أيضاً: مؤشر الإرهاب 2019: لماذا أفريقيا الأكثر تضرراً؟
بينما برز تنظيم داعش، للمرة الأولى، من خلال بيعة أحد التنظيمات الجهادية له، في شمال مالي، بواسطة جماعة "المرابطون"؛ إذ قامت الأخيرة، في أيار (مايو) العام 2015، بإعلان مبايعتها للبغدادي، واختير عدنان أبو الوليد الصحراوي، أميراً للتنظيم، لكن التقديرات -وواقع الحال- تشير إلى انحسار للتنظيم عن التمدّد، أو البقاء، بشكل لافت؛ فسرعان ما أعلن مجلس شورى الكتيبة عن مبايعة مختار بلمختار، لتنظيم القاعدة، وجرى عزل "أبو الوليد"، وإلغاء البيعة لتنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

وعلى ضوء مجموعة من الترجيحات لمراقبين وباحثين في قضايا الإرهاب والإسلام السياسي؛ فإنّ زعيم تنظيم داعش الجديد، "أبو الهاشمي القرشي"، سوف يلتفت إلى منطقة الساحل والصحراء، بهدف استعادة شتات تنظيمه الإرهابي، وتقوية نفوذه، بعد هزيمة آخر جيب للتنظيم، في الباغوز بسوريا، ومن ثم الضربات المتلاحقة التي تكبدها، خاصة أنّ المجموعة المنتمية إلى داعش، بقيادة "أبو الوليد الصحراوي"، تتميز بخبرات تنظيمية وعسكرية مؤثرة.

لماذا السواحل الأفريقية؟
ويضاف إلى ذلك؛ أنّ البغدادي ذاته، قبل مقتله، وإبان هزيمة التنظيم في معركة الباغوز، خرج في نهاية نيسان (أبريل) الماضي، في أحد إصدارات التنظيم، يعلن قبول بيعات جديدة لتنظيمه في أفريقيا، بينما يشير بإيجابية في حديثه المرئي، إلى شخص عدنان الصحراوي، وذلك للمرة الأولى، بينما يثني على دوره في منطقة الساحل والصحراء.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
الأمر ذاته تكرّر في الشهور اللاحقة، عدة مرات؛ حيث تواتر عدد من الإصدارات المرئية التي تبثّ صوراً دعائية للتنظيم في أفريقيا، مثل ظهور "أبو سلمة المنجاوي"، جاء فيها: "الحملات المتتابعة للقوات الحكومة النيجيرية والقوات الأفريقية المكلفة بمكافحة الإرهاب فشلت في استعادة الجزء الخاضع لسيطرة تنظيم ولاية غرب أفريقيا، في بحيرة تشاد، كما أنّ التنظيم تمدّد في النيجر وتشاد".
وحسبما يشير الباحث كولن كلارك، في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، ومقره لاهاي، في كتابه "ما بعد الخلافة: تنظيم الدولة الإسلامية ومستقبل الشتات الإرهابي"، فنحن بصدد ثلاثة سيناريوهات حول العلاقة بين القوتين الجهاديتين الرئيستين؛ القاعدة وداعش:

تنظيم داعش في الساحل والصحراء أكثر عرضة لعدوى الانقسام والتشرذم
أولاً: أن يستمر الوضع الراهن مثلما هو عليه؛ حيث تتواصل حلقات الصراع بينهما، ورغم ذلك يظل كلّ منهما موجوداً ويعمل في حدوده، بحجم المنافسة وما يحوزه كلّ طرف من إمكانيات ونجاح وسيطرة.
الفرضية الثانية: أن يحدث صدام مباشر، يتم في أعقابه تدمير إحداهما، في ظلّ اختلاف التكتيكات والإستراتيجيات بين التنظيمين. بيْد أنّ السيناريو الثالث، والذي لا يرجّحه كلارك، هو أن يحدث توفيق براغماتي وتقارب ما بين التنظيمين، ورغم ذلك لا يستبعد الباحث حدوثه، إضافة إلى فرضية التعاون التكتيكي بينهما.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
من جهته، يشير مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، إلى أنّ هناك اتجاهات عديدة رصدت مستقبل المجموعة "الداعشية" الموجودة في منطقة الساحل والصحراء، والتي تضمّ أخطر الفروع الموالية للتنظيم، في القارة الأفريقية؛ حيث تضمّ بعض العناصر التي لديها خبرة عسكرية وعملياتية قوية، منذ كانوا أعضاء سابقين في تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وقد مثّل تحوّلهم إلى داعش، عام 2014، ضربة قوية للأول في ذلك التوقيت، وهو الأمر الذي ترتّبت عليه مواجهات عنيفة مع العناصر والمجموعات "القاعدية" المنتشرة في تلك المنطقة.

القاعدة وداعش... الإخوة الأعداء
‎ويضيف: "منطقة الساحل والصحراء اكتسبت اهتماماً خاصاً من جانب تنظيم القاعدة، الذي يراها منطقة نفوذه التقليدي والتاريخي، على نحو دفعه إلى العمل باستمرار على تحجيم أنشطة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم داعش، من خلال توجيه ضربات قوية لها، ما أدّى إلى تقليص نفوذها بالفعل، حتى أعلن أبو الوليد الصحراوي، في كانون الثاني (يناير) عام 2018، رغبته في التعاون مع القاعدة، لمواجهة القوى المناوئة للتنظيمات الإرهابية، بيد أنّ مقتل البغدادي وتأخر الصحراوي في إعلان البيعة للقائد الجديد، قد يدفع القاعدة إلى رفع مستوى ضغوطها على داعش، ليعود الصراع والتنافس، مجدداً، كسمة رئيسة للعلاقات بين التنظيمين.

اقرأ أيضاً: أفريقيا.. وجهة لـ"الدواعش"
لكن من ناحية أخرى، تعدّ وفاة البغدادي كاشفة عن جملة من التغييرات، كما يرصدها مركز المستقبل؛ ‎إذ ثمة مؤشرات بدأت تظهر بالفعل؛ حيث لم تقم مجموعة الساحل والصحراء بمبايعة القائد الجديد للتنظيم، والتي في حال صدورها، بأيّ وقت، فإنها ستكون متأخرة، وهو ما يعني وجود حالة من التردّد في تجديدها، بما يزيد من احتمال أن تواجه مجموعة داعش في الساحل والصحراء أزمة غير هيّنة، ستكون لها تداعياتها على وجوده بالمنطقة.
هل ينتهي داعش في أفريقيا؟
وإلى ذلك، يوضح مدير المركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، الدكتور هاني سليمان، أنّ تنظيم داعش يعاني من مأزق حادّ، بعد مقتل البغدادي، زعيم التنظيم، في ظلّ سياق يواجه فيه التنظيم ضربات متلاحقة وقوية، قد تعصف بقوامه، الأمر الذي ينطبق على وجوده في الساحل والصحراء، بيد أنّ التنظيم في تلك المنطقة يتبدى عليه محاولة الهروب من الارتباط المركزي بالتنظيم، في ظلّ حالة التصدع بين القيادات، وسعي البعض الآخر، إلى انتزاع قيادة التنظيم من هيمنة العناصر العراقية، ووجود خلافات حول القيادة المركزية، والتي كانت واضحة في الخلاف بين القرشي و"أبو الوليد الصحراوي"، وهو الخلاف الذي انتقل إثره للأفرع التي تراجعت فيها الثقة في عناصر وكوادر التنظيم القيادية.

يوقع حدوث صدام مباشر بين القاعدة وداعش، يتم في أعقابه تدمير إحداهما، في ظلّ اختلاف التكتيكات والإستراتيجيات بين التنظيمين

ويرجّح سليمان في تصريحه لـ "حفريات" أنّ يكون تنظيم داعش في الساحل والصحراء، "أكثر عرضة لعدوى الانقسام والتشرذم، تحت وطأة خلافات حقيقية وحالات تمرد داخل التنظيم، حتى قبل مقتل البغدادي، وذلك جراء الهزائم العسكرية التي تعرض لها التنظيم، ومعظم هذه العناصر كانت من الشمال الأفريقي، غير أنّ عناصر من الساحل والصحراء تبنوا أيضاً هذا الاتجاه، في ظلّ تحميل القيادة الفشل، وسوء إدارة التنظيم".
ويعاني التنظيم في تلك المنطقة من مشكلات عديدة، أبرزها: الصراع المتنامي مع تنظيم القاعدة، رغم وجود حالة هدوء نسبي في الفترة السابقة، بحسب سليمان، وعليه، فإنّ ذلك الوضع سوف يخلق حالة تنافس وصراع ممتدين، قد يفقد التنظيم قوامه ويستنزف قوته، ما ينعكس أثره على أداء التنظيم الحركي وارتباطاته الفكرية، لكن في الإجمال؛ فإنّ التنظيم في الساحل والصحراء، ربما يكون بمقدوره الاحتفاظ بفرص كبيرة للتوسع، من خلال اشتداد النزاعات العرقية، والسيطرة على الموارد النفطية، وهو ما قد يسمح للتنظيم بالتمدد، بخلاف أيّة منطقة أخرى في أفريقيا، وخاصة مركز التنظيم، في شمال ووسط مالي، ناهيك عن إستراتيجية خطف الأطراف، في المناطق الريفية، وتحديداً، شمال بوركينا فاسو ووسط مالي.

الصفحة الرئيسية