دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟

دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟
صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
4020
عدد القراءات

2019-07-21

يبدو أنّ التوتّر والتصعيد في منطقة الخليج العربي وصل إلى أقصى مستوىً يمكن بلوغه، في ظل التزام جميع أطراف الصراع بعدم الانجراف إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وبالفعل بدأ أطراف هذا الصراع المتمحور حول المسألة الإيرانية بالاتجاه إلى التهدئة، باستثناء ربما طرف واحد يبحث عن مداخل لإشعال المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو الطرف الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"

ولعل إيقاف واشنطن عملية إدراج وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على لائحة العقوبات الأمريكية، التي طالت من قبله قيادات عليا في النظام الإيراني، على رأسهم القائد الأعلى للثورة علي خامنئي، وكبار قادة الحرس والقوى الأمنية، تشير بوضوح إلى رغبة واشنطن بإبقاء باب الدبلوماسية مُشرعاً، في حين مثّل قرار واشنطن منح الوزير الإيراني تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة مبادرة إيجابية أخرى، قابلتها إيران بالحديث لأول مرة عن إمكانية مُناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني مع الولايات المتحدة. وكانت مبادرة طهران إلى إطلاق سراح المواطن الأمريكي-اللبناني نزار زكا الذي كان معتقلاً في طهران بتهمة التجسس، قد قُرِئت أيضاً في المنطقة باعتبارها مبادرة حُسن نية من الجانب الإيراني.

لا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت لحافّة الهاوية

وعلى ضفتي الخليج، ظهر ما بدا أنّه رسائل إيجابية متبادلة بين طهران، ودول الخليج العربي، بدأتها دولة الإمارات بالامتناع عن توجيه الاتهام مباشرة إلى طهران في حادثة الاعتداءات على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، على الرغم من محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية الدفع بهذا الاتجاه دون امتلاك أدلة دامغة. ثم جاء الإعلان الإماراتي غير الرسمي عن إعادة الانتشار العسكري في اليمن، والذي ترافق مع الإفصاح عن الانتقال إلى إستراتيجية جديدة في الملف اليمني، تقوم على أساس تمكين الحل السياسي أولاً.

ورحّبت طهران بالخطوات الإماراتية على لسان وزير الخارجية جواد ظريف، الذي أشار، لأول مرة، إلى إمكانية تجزئة ما يسميهم الوزير ظريف بـ "خصوم المجموعة ب"، والذين يتّهمهم بالتحريض ضد إيران في واشنطن. وقد ألمح ظريف إلى أنّ طهران ترى فرقاً بين خصومات تكتيكية سياسية، مع ولي العهد السعودي، وولي عهد أبو ظبي، بينما ترى العلاقة مع الطرفين الآخرين في "المجموعة ب" (اليمين الجمهوري الأمريكي الذي يمثله جون بولتون، واليمين الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتانياهو) قائمة على أساس العداء الوجودي الدائم.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟

هذه الإشارات الإيجابية، وأخرى غيرها لا داعي لاستعراضها، تفيد بأنّ التهدئة باتت خيار مختلف الأطراف في الإقليم، وهي خطوات أولية جيدة بالطبع، على طريق شاقّ وطويل لحلحلة الأزمات القائمة. لكن ما تحتاجه المنطقة شيء آخر.

إنّ كثرة الحديث في المنطقة خلال الأعوام الماضية عن حافة الهاوية، لم يكن مجرّد مبالغات إعلامية، بقدر ما كان تعبيراً عن موقف متأزم، وخصومات مستعصية على أيّة حلول أو مبادرات سياسية. لقد اجتاحت المنطقة موجة استعداء واستقطاب حادّة للغاية، بخلفيات طائفية، وأطماع جيوسياسية، ومخاوف أمنية وجودية، وضعت مستقبل المنطقة كلها في مهب الريح.

اقرأ أيضاً: المناورة الإيرانية على حافة الهاوية
إنّ الاقتراب إلى آخر ميكروميتر من مواجهة عسكرية بأبعاد عالمية مدمرة للجميع كشف عن حاجة ماسّة إلى بُنية أمنية مستدامة في المنطقة، تحفظ استقرارها في عالم متحول، وإقليم تتشابك وتتنافر فيه المشاريع الجيوسياسية، والمصالح الدولية. مثل هذه البنية الأمنية جاءت في الغرب متأخرة، بعد حرب عالمية مدمرة، وخسائر مرعبة على جميع المستويات، فهل تأتي في منطقتنا التي تمرّ بظروف مشابهة، قبل الحرب كما تقتضي الحكمة؟ أم "يأتي الدواء بعد موت سُهراب" كما في الأسطورة الفارسية؟

استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو معوّق رئيس لمحاولات التنمية والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم

ومع ازدياد فرص حدوث "استدارة إيرانية" باتجاه الغرب الأمريكي، نتيجة حملة "الضغوط القصوى" التي تفرضها واشنطن على طهران، واستمرار نجاحات التعاون الأمريكي-الروسي الذي بدأ في الملف السوري، ولن ينتهي في الملف النووي الإيراني، وتبلوُر ملامح نظام دولي جديد، تبدو دول المنطقة أمام تحدٍّ بالغ الأهمية في إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية على أسس جديدة. وخاصة في ظل اتجاه الدراسات والتقديرات المستقبلية إلى الحديث عن دور أقلّ للشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمي، وترافُق ذلك مع إعادة هيكلة النظام الدولي، على أساس استمرار أحادية القطبية الأمريكية، لكن بمركزية أقل، واعتمادية أكبر على دور الولايات المتحدة في المشهد الكوني، والذي يأتي على حساب تراجع أدوار المؤسسات الأممية، والمنظمات الدولية.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. السير على حافة الهاوية

لقد ثبت بشكل قاطع بأنّ إدارة المشهد الإقليمي وفق "توازنات المصالح" ليست كافية، ولا بدّ من إعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس "توازن القوى" الأكثر ديمومة واستقراراً. وهو ما يقتضي مقاربة رؤية أمنية إقليمية أكثر شمولية، لا تقتصر على المفاهيم الجيوعسكرية، والجيوسياسية، بل تعزز العوامل المشتركة؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية والدينية.

اقرأ أيضاً: إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية

ولا يمكن الحديث بشفافية عن بنية أمنية مستقرة في المنطقة، دون استعراض أهم المهددات الأمنية التي قادت إلى حافّة الهاوية، وعلى رأسها احتدام الصراع الطائفي الذي قاد إلى ظاهرة الاصطفاف المذهبي إقليميّاً، وأنتج سياسات المحاصصة الطائفية المقيتة محليّاً، في عدد من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط التي أصبحت خطراً يتهدد دولاً عديدة بالتفتت والحروب الأهلية. وازداد الأمر سوءاً في العقد الثاني من القرن الجاري؛ حيث أصبحنا نشهد ظاهرة الكشف عن المشاريع الجيوسياسية المستندة إلى أسس ونزعات طائفية صريحة؛ إذ عملت إيران بشكل واضح على بناء مركزية شيعية، دون مراعاة لسيادة دول الجوار واستقلالها، وهذه المركزية الشيعية الإيرانية، تركت انعكاسات خطيرة على أمن دول الخليج العربية؛ لأنها ارتبطت بمشروع توسُّع جيوسياسي.

أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل وتضع البدائل المناسبة

ولعلّ أحد المخاوف الأمنية المشتركة التي أظهرت الحاجة إلى التعاون الإقليمي، تمحور حول تنامي التطرف الديني والقراءات الأصولية المتشددة؛ إذ دفع غياب قراءة دينية مقبولة شعبياً في المنطقة الكثير من الشباب المُتديّن للتعبير عن مشاعرهم الدينية من خلال أطر وتيارات خارجة عن القانون. لكنّ التعاون الإقليمي في هذا الإطار أيضاً، شابه الكثير من الكيد السياسي؛ إذ سعت مختلف الأطراف الإقليمية إلى إلصاق تهمة دعم الإرهاب بالأطراف الأخرى في المحور المقابل. وهو ما اضطرّ الجميع في النهاية إلى البقاء في دائرة الدفاع عن النفس. وكانت النتيجة تكريس صورة مُجتزأة، ومنحازة تركزت أنظار العالم فيها على الإسلام دون غيره من الأديان والأيديولوجيات باعتباره مصدراً للتطرف العالمي.

اقرأ أيضاً: ما بعد قطر: السياسات القطرية وحافة الهاوية

كما كشفت حافة الهاوية التي وصلت إليها المنطقة أيضاً، عن هشاشة النظرة الضيّقة للتنمية، وأظهرت الحاجة إلى مقاربة تنموية مشتركة وشاملة في المنطقة. إذ بات واضحاً بأنّه لا يمكن لأي طرف أن يهنأ بالنمو الاقتصادي والتنمية وحده، في ظل استمرار تفاقم الأزمات الاقتصادية في دول الجوار، وتعطُّل عجلة التنمية في عديد من دول المنطقة. فقد شاهدنا جميعاً كيف أدى إخفاق الخطط التنموية في دول "الربيع العربي" إلى خطر يتهدد الأمن الإقليمي والدولي برمّته؛ إذ لا يمكن منع تأثير الاضطرابات في مكان ما، على باقي دول الإقليم والعالم.

اقرأ أيضاً: الحروب على الطريقة الترامبيّة

وإذا ما صدقت التنبؤات القائلة بتوجه بعض القوى الدولية الفاعلة إلى خفض أسعار النفط عالمياً بشكل إستراتيجي، واتجاه الشرق الأوسط نحو دور أقل أهمية في سوق الطاقة العالمي، فإنّ أمام دول المنطقة تحديات اقتصادية جمة، تحتاج إلى خطط وبرامج تستشرف المستقبل، وتضع البدائل المناسبة.

لقد أعادت المنطقة مؤخراً، اكتشاف الحقيقة القائلة، بأنّ الصراع العربي-الإسرائيلي هو أهم أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. وبغض النظر عن حقيقة سعي بعض القوى الإقليمية لاستغلال هذه القضية المركزية، لتعزيز قوتها الناعمة، وتمرير أهدافها السياسية، ومشاريعها التوسعية، لكنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو بلا شكّ، معوّق رئيس لمحاولات التنمية والإصلاح، والمهدد الأبرز للاستقرار في الإقليم.

يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة كالأمن المائي والغذائي

وفي ظل تشابك المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، برزَ غياب رُؤية سياسية وأمنية عربية، أو حتى خليجية جامعة، كأحد أبرز نقاط الضعف العربية. وشهدنا تراجعاً مستهجناً في أداء المنظومتين العربية والخليجية. وهو ما كشف أيضاً، ضعف المؤسسيّة في العمل السياسي العربي. وبعيداً عن شعارات التضامن العربي، والعمل العربي المشترك التي لم يعد الشارع العربي يتفاعل معها نتيجة حالة اليأس المهيمنة، يمكن للدول العربية تعزيز التعاون المؤسسي انطلاقاً من الاهتمامات غير السياسية المشتركة، مثل؛ الأمن المائي، والغذائي، وتحديات العولمة، والتعليم الأجنبي، ومسائل الهوية، وقضايا العمالة الأجنبية، وملف الأقليات. وهي جميعها عوامل أسهمت في إبقاء البنية الأمنية في المنطقة هشّة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

أما وقد بدأت تلوح بوادر خروج المنطقة من نقطة التأزم الحرج، وبوادر مغادرة النظام الدولي حالة السيولة السابقة إلى وضع أكثر استقراراً، فقد آن الأوان للحديث أيضاً عن معالم نظام إقليمي تعاوني، متفق على تراتُبيّته، وعلاقاته البينية في منطقة الخليج، يشمل دول "مجلس التعاون"، وإيران، والعراق، واليمن. وهو ما يتطلب مغادرة عقلية القوة الكبرى، أو الأولى تماماً في المنطقة، لصالح الإدارة المشتركة لأمن المنطقة، بما يعزز السِّلم الإقليمي والدولي.
وهذا النظام المقترح، ليس بديلاً عن المنظومة الخليجية، المتمثلة بـ"مجلس التعاون"، بل ينبغي على دول المجلس الانخراط في هذا النظام المقترح ككتلة منسجمة. ويحتاج إنجاح مثل هذا النظام إلى جملة من إجراءات بناء الثقة، منها: احترام السيادة الوطنية لدول الإقليم، والتخلي عن المشاريع الجيوسياسية المتداخلة مع التركيبات الاجتماعية في دول الجوار؛ لأن ذلك يمنع قيام بنية أمنية مستدامة. وبالطبع لا يتنافى ذلك مع صناعة النفوذ في إطار الأعراف الدولية السائدة. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على وحدة أراضي جميع دول المنطقة، والاتفاق على مقاومة جميع أشكال التقسيم والتفتيت، ومقاومة الحركات الانفصالية، مهما كانت بواعثها ومنطلقاتها.

اقرأ أيضاً: دوافع التهديد الإيراني بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم
ولعل الاعتراف بضرورة مراجعة الشراكات الاستراتيجية لمختلف الأطراف الإقليمية مع القوى الدولية، بات حاجةً ملحةً، حتى لا يظل الأمن الإقليمي مَرْتعاً لتجاذُبات المشاريع الجيوسياسية الدولية. ولا يعني ذلك التدخُّل في خيارات الأطراف الإقليمية، بل المطلوب هو فقط، وضع شراكات الأطراف الإقليمية الإستراتيجية مع القوى الدولية المختلفة في إطار رؤية ناظمة لهذه الشراكات، تمنع تحولها إلى مُهدِّدات أمنية لدول الجوار، وبما يساهم في تقوية البيئة الأمنية في الخليج العربي؛ لتكون رافداً للسلم العالمي. ولا بدّ من العمل بشكل حثيث على الاقتراب من توافق بين دول الإقليم حول التهديدات المشتركة، وتنظيم الجهود والمساعي المشتركة للتغلب عليها.

اقرأ أيضاً: ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

وتمتلك المنطقة مروحة خيارات واسعة، ومتنوعة للغاية لتعزيز التكامل الاقتصادي، والاعتماد المتبادل الذي من شأنه أن يعمل إستراتيجياً على كبح جماح الصراعات السياسية، وتبديد المخاوف الأمنية الفردية لصالح تعزيز مفهوم الأمن الجماعي المشترَك. وتكريس أهمية المنطقة على خريطة التنافس الاقتصادي الدولي.

ولعل أحد أبرز التحديات المشتركة التي تقتضي استجابة جماعية من دول الإقليم، هو السعي لإنتاج قراءة معتدلة، وتوافقية للدين، تُبعد عن المنطقة شبح الصراع الطائفي، وشبح الإرهاب. كما يبقى السعي إلى التوصل إلى حلّ للقضية الفلسطينية، أحد أبرز الخيارات المتاحة لتقليل مصادر التوتر، وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما الرسائل التي حملتها خطبة خامنئي؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-01-18

لا نبالغ القول إنّ مجرد ظهور المرشد الأعلى الإيراني، خامنئي، لإلقاء خطبة الجمعة في طهران، والإعلان عن ذلك مسبقاً في 17 الشهر الجاري، تبعث رسالة واضحة بالأسباب التي دفعته لمخاطبة الشعب الإيراني والخارج مباشرة، والتي تتعلق بالتطورات الداخلية في إيران، على خلفية المطالب بالإصلاح، وتداعيات الأزمة الاقتصادية جراء العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتصاعدة، وغير المسبوقة، إضافة إلى تطورات الصراع بين إيران وأمريكا، بما فيها مقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني والتراجع الملحوظ لدور إيران في الإقليم، جراء الاحتجاج على هذا الدور في العراق ولبنان،

وفيما يلي قراءة لرسائل خامنئي:
أولاً: رسالة للداخل الإيراني بأنّ الاحتجاجات، خاصة التي نفّذها طلبة الجامعات، بعد تناقض الروايات الإيرانية على خلفية إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية، قد تمت السيطرة عليها، بالإضافة إلى إعلان دعمه للحرس الثوري الإيراني الذي تعرض لانتقادات حادة بعد حادث الطائرة الأوكرانية.

تعكس تصريحات المرشد الأعلى حجم الخلافات داخل أوساط القيادة الإيرانية، بين التيار الإصلاحي بقيادة روحاني والمتشدد بقيادة خامنئي والحرس الثوري

وتعكس تصريحات خامنئي حجم الخلافات داخل أوساط القيادة الإيرانية، بين التيار الإصلاحي الذي يقوده رئيس الجمهورية، حسن روحاني، والتيار المتشدد بقيادة خامنئي والحرس الثوري، والتي تجلّت في العديد من المحطات منذ مقتل سليماني؛ إذ أكدت تصريحات وزير الخارجية، جواد ظريف، أنّه بالرد الإيراني على مقتل سليماني، بقصف قاعدتين أمريكيتين في العراق؛ فإنّ ملف سليماني يكون قد أغلق، فيما تردد أنّ روحاني قدم استقالته، بعد اطلاعه على معلومات "مؤكدة" حول مسؤولية الحرس الثوري عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، وهو ما أجبر المرشد على إعلان الاعتراف بإسقاط الطائرة وتحمّل تبعات ذلك.
أما التأكيد على إنهاء الاحتجاجات، فهو مكرّر، يعقب كل حراك احتجاجي داخل إيران، ويتم إنهاؤه بأساليب وحشية من قبل الحرس الثوري وقوات الباسيج، فيما تنطلق الاحتجاجات مجدداً بعد كل عملية قمع لها، مع ملاحظة أنّ إيران حاولت إرسال رسالة بأنّها غيرت من أساليبها، في التعامل مع المظاهرات التي انطلقت بعد حادثة الطائرة الأوكرانية، بتقليل مظاهر استخدام القوة، وخاصة الرصاص الحي، بعد الانتقادات الواسعة التي وجهت لها بعد استخدامها أساليب وحشية في إخماد المظاهرات التي انطلقت قبل أسابيع.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء هتاف الشعب الإيراني ضد خامنئي والنظام: أنتم عدونا؟
ثانياً:
الرسالة الثانية، جاءت في إطار مقاربات خامنئي في التعامل مع قضية تصفية سليماني، في إطار الردود على التساؤلات التي طرحت حول هذه القضية، بالتركيز على تجاوز حقيقة أنّ الرد الإيراني لم يكن بمستوى الحدث "انتقام وردّ مزلزل" وأنّ الحرس الثوري سيضعف بعد غياب سليماني وأنّ مبررات أمريكا لما أقدمت عليه بأنّ سليماني "إرهابي".

اقرأ أيضاً: أزمة خامنئي تبدأ الآن: كيف تعاد هيكلة السلطة في إيران؟
لذا أكد المرشد على مقولة قدرة إيران على الردّ، وربطها بقدرة الله، وأنّها "صفعة لهيبة الاستكبار العالمي والولايات المتحدة"، وأنّ أمريكا التي تلقّت "الصفعات في سوريا ولبنان على أيدي رجال المقاومة ولكن هذه الصفعة كانت أكبر؛ لأنّها وجهت إلى أمريكا بشكل مباشر"، كما أكد خامنئي على دور سليماني بمواجهة الإرهاب في المنطقة، وأنّ غيابه لن يؤثر على أداء وأدوار الحرس الثوري؛ لأن "فيلق القدس مقاتلون بلا حدود وملايين في إيران وآلاف في العراق، وأنّ الحرس الثوري منظمة إنسانية".

ما يلفت النظر أنّ خطبة خامنئي جاءت في بعض أجزائها باللغة العربية بهدف تطمين حلفاء إيران من العرب

وبعيداً عن دلالات خطبة خامنئي، التي أكدت على مواقف سابقة معروفة، تشكل الخطوط العريضة للمواقف الإيرانية، تجاه الملف النووي الإيراني، وعدم ثقة القيادة الإيرانية مجدداً بالدول الأوروبية المنحازة لأمريكا، وأهمية الحرس الثوري ودوره، فإنّ ما يلفت النظر أنّ الخطبة، جاءت في بعض أجزائها باللغة العربية، بهدف تطمين حلفاء إيران من العرب، كما أنّها خلت من التهديدات والخطاب التصعيدي الإيراني المعتاد، وأنّ الإشارة لإنجازات المقاومة التابعة لإيران في الخارج، كانت في إطار الحديث عن الماضي وليس المستقبل، فيما جاء تزامن الإعلان الأمريكي عن إصابة عدد من الجنود الأمريكيين، خلال الضربة الصاروخية للقواعد الأمريكية في العراق، بالتزامن مع خطبة خامنئي في إطار مساعدة خامنئي لمنح خطبته مصداقية، تمهد الطريق أمام المفاوضات الإيرانية- الأمريكية، خاصة وأنّ تسريبات أمريكية تتحدث وبكثافة حول شكل ومضمون الاتفاق الجديد بين الجانبين، والذي سيتضمن ثلاثة ملفات وهي: البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى دور إيران والحرس الثوري في الإقليم.

للمشاركة:

الكتابة والمعنى التعددي عند الصوفية

2020-01-16

إذا كان العرفان لا ينتج معرفةً بالمعنى اليقيني والطبيعي للمعرفة، فإنّه ينتج كتابة وجوديّة كأعمق ما يكون. ويبدو أنّ الكتابة بما هي جملة من الاشتباك الحادّ بين الذات والخارج عبر اللغة لا تجد كمالها إلّا في عجزها. إنّ تجربة التصوّف عامة، والكتابة الصوفيّة خاصّة، هي تجربة تمثّل الهشاشة البشريّة في صفائها، وتضيء الاحتجاب الذي نحياه، وتبيّن هذه المسافة الهائلة التي نحياها بيننا وبين أنفسنا وبين وجودنا. 

فكما كان المتصوفة أهل الطريق، كذلك كانوا أهل طريقة في الكتابة. والكتابة عند المتصوفة لاشك أنّها تُوقعنا في كثير من الأفخاخ البلاغية، التي سيُتعامل معها وتُقرأ كزينة بلاغية، ورتوش جمالية للنص المكتوب. هذا على صعيد من يكتب عنهم، فكيف بكتابتهم؛ فلا شك أنّ الكثير يتعامل مع النصوص الصوفية على أنّها نصوص أدبية بمعزل عن النسق الصوفي الذي ينتجها. وسأحاول في هذه السطور بيان كيف أنّ الكتابة الصوفية ليست كذلك، وأنّها تنمّ وتشف عن النسق الصوفي، بمقولاته الأساس، الذي أنتجها على مدار تاريخه العرفاني.

اقرأ أيضاً: ماذا يبقى من الصوفية إذا تورطت في السياسة؟

يُلاحظ أدونيس، في كتابه الهام: "الصوفية والسوريالية"، أنّ الكتابة الصوفية يُعاني قارئوها من تِيه دلالي وغموض في الرؤية، ويعلل ذلك بأنّ المتصوف يذهب إلى الكتابة ولم يكن النص قد تبلور في ذهنه بعد. وأظنّ أنّ هذه المُلاحظة مهمة للغاية، خاصةً في ظلّ تصاعد الشكوى من غموض التصانيف الصوفية على الكثير من القرّاء. فلن يحتمل كلُّ أحدٍ أن يقرأ المواقف للنفري، ولا الفتوحات لابن عربي،... إلى آخر تلك النصوص المركزية في الفضاء الصوفي.

يعاني قارئو الكتابة الصوفية من غموض ويعلل أدونيس ذلك بذهاب المتصوف للكتابة ولم يكن النص تبلور بذهنه بعد

لقد قال النفري في مواقفه كلمة عظيمة سأجعلها محور تفسير أو أداة لاستبصار هذا الغموض الحادث، قال: "قال لي: العلمُ المستقر، هو الجهل المستقر". وهذا هو الحادث على صعيد الكتابة الصوفية تماماً. نُلاحظ ونحن نقرأ النص الصوفي، أنّ صاحبها يُعالج نفسه وأفكاره من خلاله. النص هو حالة من اللامجهول للوصول إلى نُقطة هناك، إن وصلتَ إليها فأنت في بداية الطريق. هو حالة من اللاوعي لإدراك الوعي الحقيقي. كما إنّ النص عندهم هو مرآة أو انعكاس لـ"حال" أو لـ"موقف" ما. فلا عجب أن نجد ضمن النص الصوفي عدة "إغماءات" لغوية متكررة، وكأنّ المتصوف قد غاب حتى أُغمي عليه من فرط اللغة. إنّهم لم يتصوفوا بأرواحهم فقط، تصوفوا بلغتهم كذلك، تصوفوا بما يملكون ليصلوا إلى ما لا يملكون.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟

النص عندهم هو، باختصار، جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. الكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي وتخون دائماً في أن توصلهم، دوماً ما تُخاتلهم فتُخاتل القارئ من بعدُ. إلّا أنّ هناك احترازاً منهجيّاً لا بدّ من التنويه إليه: وهو أنّ (النصّ) الصوفي ليس نصاً ناجزاً، وليس نصّاً منطقياً يبتدئُ من فواتح إلى خواتيم ضمن تسلسل بنائي وهرميّة منطقيّة، بل إنّ نصاً كنصّ النفري هو نصّ تهذيبي وغير نسقي، نصّ غير كِتابي، رؤى مخضرّة، والتماعات وجوديّة عميقة.

على سبيل المثال، تمثل عبارة الشيخ ابن عربي تجربة وجودية قبل أن تكون لغوية. إنّ لغة الشيخ هي لغة داخل اللغة؛ لأنها لغة لا تسعها اللغة، وكيف تسعها وهي تريد أن تصف "اللامتناهي" الذي تعجز عن وصفه كل اللغات. إنّ عبارة ابن عربي رؤيا بدايةً، ثم هي حروف، وهذا الارتباك المشع في لغته ناتج عن تلعثم "أنطولوجي" عجزت عنه اللغة فارتبكت مفاصلها فهامت على وجهها. إنّ لغة الشيخ ابن عربي هائمة على وجهها، تتلمس الأبجديات جميعها، وتطرق أبواب المعاجم، لكنها تعود عارية إلا من تجربتها المليئة بـ "ما لا يقال"؛ إنّها لغة واقفة في موقف "الما لا يقال"؛ لذا هي لغة تصمت أكثر مما تتكلم، ولهذا أيضاً لاحظ باحث كأحمد الصادقي في كتابه عن ابن عربي أنّ هناك سكتات تملأ لغة الشيخ ابن عربي. وبرأيي أنّ هذه السكتات ما هي إلا نافذة التأويل التي تركها الشيخ للذين سيأتون خفافاً مبللين بالمعنى.

النص عند المتصوفة هو باختصار جهلٌ مستقرٌّ بالمعنى. والكتابة ضرب من ضروب العلم به. لكن اللغة لا تفي

ولا يخفى على قارئ الخطاب الصّوفي هذا التأزّم العنيف للغة، إنّ اللغة تكاد أن تخرج من نفسها كي تعبّر عن المعنى المراد، اللغة لا تسعها اللغة في يد الصوفيّ، وهي عاجزة لهوْل المعنى وليس لركاكة العبارة. إنّ هذا الارتباك اللغوي هو ناتج عن هزات وجودية يعانيها المتصوف، وهذا ما جعل البعض منهم يرى اللغة (كحجاب) وليس كإبانة. فإذا كان الشاعر يعاني تلك المعاناة ويتكبّدها، إلّا أنّ المتصوّف على كتفه إرث ميتافيزيقيّ مشعّ: إنّه يريد أن يمرّر المطلق في اللغة. أنّت اللغة، وحقّ لها أن تئن.

ما أودُّ قوله هو أنّ الكتابة الصوفية ليست هرطقة من الهرطقات، وإنما حقيقة وجدانية في البداية يتمثلها المتصوف، ثم هي من بعض نص حائر كحيرة الصوفي. ومَن يصفها بالهرطقة لا يعرف أنّها ليس كتابة طبيعية سائدة، بل هي كتابة إشارية خفيّة. فإذا كان الكاتب الطبيعي يعبّر بالمعاني، فالمتصوف يعبّر بالإشارة. فهم، وإن اشتركوا في الاسم مع الكتابة الطبيعية، يختلفون تماماً في المسمّى. الدوال واحدة، والمدلولات مختلفة. لذا؛ فالدخول إلى النص الصوفي يحتاج إلى إفراغ الذهن من المدلولات المُسبقة، والعلامات الثابتة، فالطريق هناك ليس هو الطريقُ هنا، والمقام هناك ليس هو المقام هنا.

ولذلك كان التأويل هو حديقة المعنى هناك. فالثابت متغير، والمتغير في حالة تغير، والتأويل هو سيد المشهد. فكيف ينثر الصوفيّ نفسه معنىً وهو لا معنى له؟ كيف ينكسرُ على مذبح اللغة، وهو الذي ما فتئ يندد باللغة، واصفاً إياها بالضيق، على قول النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضافت العبارة"؟... هذه اللعثمة، أو هذا التلعثم اللغوي هو تلعثم وجودي قبل أن يكون لغوياً، فلم تحتمل عيناه النور فسَكِر سُكراً هو أشبه بصعقة موسى، فكانت لغته سُكراً لا حروف جامدة.

اقرأ أيضاً: من يخطط لاستدراج الصوفية إلى ملعب الإسلام السياسي في تونس

لكن علينا أن نفهم عبارة "استحالة المعنى" في ضوئها الأخضر، وليس في قتامتها السوداء. فاستحالة المعنى هي التي تجعل المعنى يمرّ، وهي التي تجعله يظهر من جديد في تبدّيات مختلفة، هي من تجعله مختلفاً، كي لا نعيش في تكرار أبديّ لا يفتأ يتكرّر.

وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكّر بهذه المقولة لعبد الجبار النفري في "المواقف": "وقال لي: عزمك على الصمت في رؤيتي حجبة؛ فكيف على الكلام؟"، فهي توضّح هذا الصمت المتكلّم أو الكلام الصامت عند الصوفية، لكنّه أيضاً كلام مُنتج للمعنى، وتعدديّ، بعيداً عن اللغات التقريريّة التي لا تهتم بالوجوديّ في الإنسان؛ هذا الإنسان الذي لا يملك سوى اللغة للتعبير عن المطلق، لكنها، في تعبيرها، هي قاصرة بحد ذاتها.

للمشاركة:

كيف أصبحت البرجوازية الصغيرة حاضنة لجماعة الإخوان؟

2020-01-16

عندما تمكّنت الطبقة البرجوازية من اكتساب وعيها بنفسها، فإنّها وبحسب هابرماس، شرعت في تبنّي مشروعها الذاتي، وتكوين موقفها الخاص تجاه السلطة، ولأنّها كانت أكثر طبقات المجتمع الأوروبي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، قدرة على الانخراط في قضايا المجتمع، وقرباً من دوائر السلطة، نجحت في تأسيس قواعد عامة تخلّق من خلالها وتشكّل الفضاء العام، الذي اتسم في نظره بالطابع البرجوازي، وهو ما منح بدوره جملة من القضايا التي كانت محل اهتمام الطبقة، أهمية عن غيرها.  

 

 ويبدو أنّ إهمال هابرماس لفضاء الطبقة العاملة، يعود إلى الطبيعة الليبرالية للمجتمع الرأسمالي، وهو ما جعل للفضاء العام ذلك الإطار، الذي تضافرت من خـلاله عدة معطيـات، أدت إلى (بَرْجزة) قضايا المجتمع، ومن ثم منح مجموعة من الأفكار دون غيرها انتشاراً واسعاً، ما أفسح المجال لإشعال الثورة الفرنسية، وتموضع النظريات والطروحات الليبرالية، والانطلاق نحو الحداثة بكل معطياتها الرأسمالية.

إنّها الطبقة التي تجمع بين رأس المال والعمل وتتأرجح بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع وتتطلع للثورة وتخشى الفقر

البرجوازية الصغيرة وتبادل الأدوار الطبقيّة
على الجانب الآخر، كانت نواة البرجوازية المصرية أضعف من أن تؤسس طبقة مؤثرة، خاصة في مجتمع زراعي لم يستطع التحول إلى نمط الإنتاج الصناعي، وتحالفت فيه شريحة كبار الملاّك مع السلطة-أي سلطة- لخدمة مصالحها، دون أن تبلور موقفاً خاصاً تجاه قضايا المجتمع، ودون أن تكتسب وعياً معرفيّاً بوجودها. وحتى مع قيام المثقفين بتأسيس فضاء خاص عبر الصالونات الثقافية، والمؤسسات الصحافيّة، إلا أنّ تأثير هذا الفضاء كان محدوداً في دوائر مغلقة، بحيث لا يمكن إطلاق صفة الفضاء العمومي عليه، بحسب التوصيف الهابرماسي، بينما كانت طبقة الفلاحين، بوصفها تمثل السواد الأعظم، ترزح تحت أشكال مختلفة من الضغط الاقتصادي، وتمارس وفق وعيها المتردي دوراً محدوداً في أي حراك، ومع التحولات التي شهدها التركيب الطبقي التقليدي، بات واضحاً أنّ البرجوازية الصغيرة وحدها، هي الأكثر قدرة على التأثير، ودفع الأفكار من حيز التنظير، إلى مساحات واسعة من الانتشار، ومن ثم التطبيق.

استغل الإخوان البرجوازية الصغيرة بتوظيف أدواتها الإنتاجية وتدريجيّاً قضى تطور الجماعة الرأسمالي على الإنتاج الصغير

وبحسب المفكر الراحل فؤاد مرسي، فإنّ البرجوازية الصغيرة هي أقدم الطبقات الموجودة، وأكثرها تعقيداً من حيث التركيب، وتتكون من صغار المنتجين أو المنتجين العمال، وصغار الملّاك والحرفيين، وهي أكثر الطبقات عدداً وأوسعها نفوذاً، وأبعدها أثراً في أي مجتمع، من حيث وظيفتها الاجتماعية وقدرتها على إحداث التغيير، إبان حركات التحول الكبرى، نظراً لطبيعتها الثنائية، فهي وإن كانت طبقة برجوازية مالكة لوسائل إنتاج، وقد تستعين بقوة عمل تستأجرها، فإنّها من جانب آخر طبقة عاملة، تعمل بنفسها في أرضها أو متجرها أو ورشتها، "إنّها الطبقة التي تجمع بين رأس المال والعمل، الطبقة التي تتأرجح بين الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع، تتطلع للثورة وتخشى الفقر.. تفكر كما تفكر البرجوازية، لكنها تنطوي على أفكار عمالية".

اقرأ أيضاً: كيف فصل حسن البنا جماعته عن عموم المسلمين؟

هذه الطبقة التي وصفها لينين بأنّها "تناقض حي"، لديها إمكانيّة تحويل تناقضها إلى نموذج ومعيار مفارق، يصبح فيما بعد مثلاً أعلى للمجتمع، ومن خلال تبنيّها مواقف أيديولوجية، تتوهم القدرة على الإفلات من واقعها المؤسف، عبر جملة من الأفكار والقيم، تحاول بها صياغة عالمها المغلق، نظراً لطبيعتها المحافظة، فهي كما يقول فؤاد مرسي "من أكثر القوى الاجتماعية التي يلائمها المنطق الصوري، أو الميتافيزيقي الذي لا يتطلب سوى اتساق الفكر مع نفسه، اتساق المقدمات مع النتائج، اتساقاً يقع في الذهن عقلاً، بغض النظر عن وقوعه في الواقع فعلاً".

البرجوازية الصغيرة استقبلت أفكار البنا بتوهم القدرة على فض اشتباك حالة الارتباك الحاد بعلاقتها بالبرجوازية العليا

الإخوان واللعب على التناقض الطبقي
كانت البرجوازية الصغيرة بيئة طبيعية لظهور الأفكار الأيديولوجية المغلقة، المرتكزة على أسس دينية، وكانت جماعة الإخوان المسلمين أبرز تجليّاتها، فهي الطبقة التي ينتمي إليها المؤسس حسن البنا، وغالبية قيادات التنظيم.
يقول البنا في الرسائل: "توجب علينا روح الإسلام تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية، وهذا هو باب التحول إلى الروح الصناعي والوضع الصناعي". ومن ثم، كانت البرجوازية الصغيرة هي الطبقة التي استقبلت أفكاره بنوع من توهم القدرة على فض الاشتباك الناتج عن حالة الارتباك الحاد في علاقتها بالبرجوازية العليا، وتوهم إمكانيّة تجاوزها بامتلاك الحقيقية الدينية المطلقة، كحلّ سحري للصراع الطبقي، يدفعها إلى ذلك ضغط البرجوازية العليا، والخوف من الطبقة العاملة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)

مع صعود جماعة الإخوان المسلمين اتبعت الجماعة نمطاً اقتصاديّاً يتسق وبنيتها الطبقيّة، من خلال مجموعة من المشروعات الصغيرة، مع الاهتمام بالصناعات الحرفية، وفي ظل النظام الرأسمالي أصبحت تجارة التجزئة حرفتها الأولى، وكان أبرز عملائها ممن ينتمون إلى البرجوازية العليا، حيث أصبحت البرجوازية الصغيرة مساهماً فعالاً في خلق فائض القيمة، ومع تطلعها للبرجوازية كمثل أعلى، شرعت جماعة الإخوان على المستوى النخبوي في إنجاز تحولها الطبقي، نحو البرجوازية العليا، والانخراط في السباق الرأسمالي بالسعي نحو امتلاك أدوات العمل والإنتاج ووسائل المعيشة، والعمال الذين يبيعون قوة عملهم.

مع صعود الجماعة اتبعت نمطاً اقتصاديّاً يتسق وبنيتها الطبقيّة عبر مجموعة من المشروعات الصغيرة مع الاهتمام بالصناعات الحرفية

ولا يبدي حسن البنا أي انزعاج من تضخم ثروة البرجوازية، فقط يبدي نوعاً من التحفظ على نظام الملكيات الزراعية الكبيرة، يقول حسن البنا في الرسائل: "توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي، أن نعيد النظر في نظام الملكيات، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم.. ونشجع الملكيات الصغيرة". فهو يرى ضرورة تعويضهم عما يراه حقاً أصيلاً تقتضي طبيعة الاقتصاد القومي تقليمه، مع فتح المجال أمام نمو البرجوازية الصغيرة، كبيئة حاضنة للتنظيم، من خلال تشجيع الملكيات الصغيرة.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟

وعليه، استغل الإخوان المسلمون البرجوازية الصغيرة، باستغلال طبيعتها الطبقيّة، وتوظيف أدواتها الإنتاجية، وتدريجيّاً قضى تطور الجماعة الرأسمالي على الإنتاج الصغير، لتدخل البرجوازية الصغيرة في نظام التبعية لشركات الإخوان الكبرى، وهو ما سقط بها إلى مصاف الطبقة العاملة، في ظل تضخم شركة المعاملات الإسلامية التي قام من خلالها حسن البنا بتأسيس نحو ست عشرة شركة وهيئة تجارية.
ومع امتلاك الجماعة لأدوات الإنتاج، شرعت في استغلال الطبقة العاملة المنضوية تحتها، وحشدها وظيفيّاً خلف مشروعها السياسي، ونفس الأمر تكرّر في الريف، عبر بقايا البرجوازية الصغيرة من صغار الملاك، الذين قاموا بحشد وتجييش الفلاحين، واستغلال حالة الفقر والعوز، لتحقيق أغراض انتخابيّة، سعيّا خلف وهم التمكين.

للمشاركة:



الاتحاد الاوروبي يقطع مساعداته عن تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت تقارير إعلامية؛ إنّ الاتحاد الأوروبي سيصدر قراراً بقطع 75٪؜ من مساعداته لتركيا بسبب عمليات التنقيب التي تجريها في شرق البحر الأبيض المتوسط وعملياتها العسكرية في سوريا.

تأتي هذه الخطوة بعد أن قطع الاتحاد الأوروبي عن تركيا مساعدات بلغت 85 مليون يورو من ميزانية 2020، وذلك بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

أوروبا تقطع المساعدات عن تركيا بسبب عمليات التنقيب في البحر الأبيض والعمليات العسكرية في سوريا

وقالت مجموعة "فونكة" الإعلامية الألمانية، إنّها اطلعت على رسالة أرسلها إلى البرلمان الأوروبي الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بورل، كشف فيها أنّ الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارا بقطع 75٪؜ من المساعدات التي يقدمها الاتحاد لتركيا في إطار مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.

ووفق وسائل الإعلام الألمانية؛ فإنّ مساعدات الاتحاد الأوروبي لتركيا ستقتصر على 168 مليون يورو، على أن تستخدم 150 مليون يورو منها في مجالات تطوير الديمقراطية وسيادة القانون، فيما ستنفق بقية المبلغ في سبيل تطوير المناطق الريفية.

وبحسب خبر أورده موقع "يورو نيوز"، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، فإنّ المساعدات التي قطعها الاتحاد الأوروبي عن تركيا خلال العامين الأخيرين وصلت إلى 1.2 مليار يورو.

واشتكى عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين من سياسة الابتزاز التي انتهجاها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بما يتعلق بالمهاجرين والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية عبر تركيا.

 

للمشاركة:

تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:



ثلاثة أطماع عثمانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

محمد نور الدين
ليس من دولة تتحرك وفق العواطف فقط، فالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية تتقدم كل الأولويات. لكن النموذج التركي في التعامل مع قضايا المنطقة، يُرفد بشحنة عالية جداً من الموروث التاريخي والإيديولوجي ويكاد أحياناً ينحبس فيه.
ولنا في حالات العراق وليبيا وسوريا نماذج واضحة على التوجهات التركية التي تختلط فيها المصالح والإيديولوجيا.
في الحالة العراقية: في العام 1926 انسلخت ولاية الموصل نهائياً عن خريطة حدود «الميثاق الملّي» التي رسمها البرلمان التركي/العثماني عام 1920. ولم تكن مطالبة تركيا بتلك الولاية حينها إلا لهدفين أساسيين، الأول وضع اليد على الثروات النفطية فيها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ولكن في اتفاق أنقرة 1926 نجحت تركيا في وضع اليد على عشرة في المئة من نفط العراق على مدى 25 عاماً. والثاني هو إلحاق أكراد العراق بتركيا، حيث يبقون تحت رقابتها المباشرة، فلا يتحركون ضدها من خارج الحدود، وضمن سيادة دولة أخرى.
لكن بعد ذلك، ولا سيما مع حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، استيقظت العثمانية الجديدة عند الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال، وأراد إحياء ضم الموصل/كركوك، بفكرة دخول الجيش التركي إلى هناك. لكن معارضة رئيسي الحكومة والأركان منعاه من تنفيذ المشروع. ومع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 استعادت العثمانية الجديدة دماءها بسعي قادة حزب العدالة والتنمية لضم شمال العراق، بذريعة أن الفيدرالية الكردية تخالف اتفاق أنقرة 1926. وذهبت كلمة أردوغان من «أن الموصل كانت لنا» مثلاً، للتدليل على هذه الأطماع. كما أن الجيش التركي موجود في أكثر من عشرين مركزاً عسكرياً في شمال العراق وبشكل ينتهك السيادة العراقية التي يفرط بها حكام بغداد، ولا يجرؤون على حمايتها من نفوذ العثمانيين الجدد.
في الحالة السورية: كان اتفاق أضنة يضمن أمن تركيا مئة في المئة بين عامي 1998 و2011، ولم يكن أي مقاتل كردي من حزب العمال الكردستاني يستطيع التحرك من سوريا للقيام بعمليات في تركيا. لكن مع ما يسمى ب «الربيع العربي»، كانت أوهام «الربيع العثماني» تتحرك من جديد في رؤوس قادة حزب العدالة والتنمية جميعاً. المصالح كانت واضحة بالتدخل العسكري في سوريا. تريد أنقرة ضم الشمال السوري الذي كان ضمن حدود ميثاق 1920. وتريد تغيير البنية الديموغرافية حتى لا يبقى كردي واحد هناك. وعبر الاحتلال تتم المساومات في النهاية على تطلعات تركيا النفطية والاقتصادية والتاريخية، لتحقق تركيا في الشمال السوري ما فشلت فيه في كل سوريا. بل إن أردوغان هدد علناً الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي من أنه إذا لم يوقف خروقاته لوقف النار في إدلب، فسيتحرك الجيش التركي لوضع حد لها.
في الحالة الليبية: رغم آلاف الكيلومترات، فإن تركيا ترى في ليبيا المنقذ لسياساتها الفاشلة في المنطقة. حكومة في طرابلس تأتمر بإيديولوجيا الإخوان المسلمين، مستعدة لاستقدام الاحتلال التركي إلى ليبيا، ووقعت اتفاقاً مع أنقرة التي بدأت بإرسال قوات إلى ليبيا بعدما سبقت ذلك بإرسال آلاف المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا. وقد وجدت تركيا الفرصة مناسبة لوضع قدم لها هناك. من جهة للاستفادة من الثروات الليبية بحراً وبراً، ومن جهة ثانية تهديد الأمن القومي العربي والمصري تحديداً.
وفي الحالتين السورية والليبية يهدد المحتل أصحاب الأرض، لكن مع الأطماع التركية في الثروات الليبية، وتحويل ليبيا إلى منصة تهديد لمصر وتونس والجزائر وكل شمال إفريقيا، لا ينسى أردوغان في كلمة له الثلاثاء الماضي القول «إن البعض يرى ليبيا بعيدة عن تركيا لكنها بالنسبة لنا ليست كذلك. لقد كانت ليبيا جزءاً من الدولة العثمانية. ولا يمكن أن ندير ظهرنا لمطلب مساعدة إخوتنا هناك. إن الانقلابي حفتر يريد أن يقضي على بقية الدولة العثمانية هناك، قبيلة «كور أوغلو»، ووظيفتنا أن نحمي أحفاد أجدادنا هناك». وكان هو نفسه قال بعد عودته من زيارة تونس إن ليبيا «أمانة عثمانية».
ثلاثة نماذج تتعامل معها تركيا انطلاقاً من أطماع تجمع بين الراهن والتاريخي/الإيديولوجي. وعلى هذا المنوال، تتواصل الحركة التركية لتشمل لاحقاً كل زاوية من أراضي الوطن العربي كانت تحت الاستعمار العثماني. فهل ثمة شك بعد في ما يضمره حزب العدالة والتنمية من العام 2002 وحتى اليوم من تطلعات وأطماع عثمانية تجاه منطقتنا العربية؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية