"دعاة على أبواب جهنم" يقصف السلفيين

4466
عدد القراءات

2018-02-18

"من ذا يحب الصدمات الصاعقة؟! ومن يتحمّل تضخم يقينه، كلّ يوم، بأنّه كان مخدوعاً، أو مخدَّراً لعشرين سنة! لكنّ المعرفة حلٌّ واجب منحه إلى المحتاجين! والبصيرةُ كهواء العصاري اللطيف، لن تطيب أجواءُ الحياة إلا بهبوبها. لكنّ نسيم العصاري إنّما يأتي بعد قيظ ظهيرة الحقيقة الملتهب! لذلك أكتب عن المنافقين"، هكذا بدأ إسلام أنور المهدي فتح نيرانه على قيادات المدرسة السلفية الذين تربّى على أيديهم، في كتابه "دعاة على أبواب جهنم".

جاسوس سلفي

الكتاب، الصادر نهاية العام 2014 والذي يقع في 249 صفحة، يتعرض لقيادات سلفية تمّ تجنيدهم ليكونوا مرشدين عن زملائهم داخل التيار السلفي، وذكر أنّ الشيخ السلفي إبراهيم أباظة، الذي يروّج نفسه على أنّه سليل الكاتب الشركسي فكري أباظة، لم ينجح أبداً في التخرج من كلية الآداب، "وهو كسائر المقرَّبين من ياسر برهامي، كان طوال أيام حسني مبارك يرسب في الكلية، وتهرَّب من التجنيد؛ لأنّ برهامي كان يفتي بأنّ الملتحق بالجيش سيموت تحت راية علمانية، وهي ميتة جاهلية".

برهامي، استغلّ أباظة في التجسس على أعضاء الدعوة السلفية، وفقاً للكتاب، فقد تمّ ضبطه يقوم بتسجيل لقاءٍ إداري خاصّ بجريدة الفتح -في بدايتها- بواسطة الموبايل، "ورغم كلّ تلك الفضائح، فهو رفيقه الدائم، وقد انتحل صفة صحفي، وما يزال هارباً من التجنيد حتى لحظة كتابة هذه السطور".

ياسر برهامي كان يفتي بأنّ الملتحق بالجيش سيموت تحت راية علمانية، وهي ميتة جاهلية

حكومة الظلّ

يتحدّث إسلام المهدي في كتابه عن حكومة الظل "هم السبعة الذين يديرون الدعوة السلفية، وهم الأذرع التي تعبث: غريب أبو الحسن، أحمد عبدالحميد عنوز، عبد المنعم الشحات، أسامة رشاد، محمد شَيف، سيد عبدالهادي، وإيهاب عبد الجليل".

لهؤلاء مهمّة كبرى في خلق "كُتلة واحدة" على مقاس محمد إسماعيل المقدم، المرشد الحقيقي للسلفيين ومؤسّس الدعوة، وتصفية الكيانات المستقلة، وتمكين "مجلس الشورى"، و"إدارة الدعوة"، و"رجالات برهامي" من كلّ شيء له قيمة، ولو معنوية، داخل الدعوة السلفية، والكيانات الداخلية في الدعوة، ومنها؛ "طلائع الدعوة السلفية" و"شباب الجامعة".

يتحدث الكتاب عن قيادات سلفية تمّ تجنيدهم ليكونوا مرشدين عن زملائهم داخل التيار السلفي

الغريب الذي يورده المهدي أنّ برهامي قلقٌ من "حكومة الظلّ" السلفية؛ لأنّه شعر بأنّ سلطته المطلقة التي منحها له محمد إسماعيل المقدم، يمكن أن تزول، "لدرجة أنّهم اشترطوا عليه، في إحدى المرات، أنّه إذا أراد نشر شيء في جريدة "النور"، وهي أول جريدة سلفية، أن يستأذنهم، بعد تصريحات له مثيرة للجدل".

من أهم أعضاء حكومة الظل السلفية، وفق المهدي؛ أحمد عبد الحميد عنُّوز، وهو أحد المشرفين على موقع (صوت السلف)، قبل أن يتم دمجه الآن في موقع "أنا السلفي"، للتغطية على حذف فتاوى قديمة لبرهامي تدينه الآن، وتُظهر تناقضه.

أما أسامة رشاد فهو من كان ينظّم العام 2010 مظاهرات "كاميليا شحاتة" بالإسكندرية، وحين قُبض عليه، اعترف للأمن بكلّ مساعديه، وبعدها قررت الدعوة، جعل منظمي المظاهرات سريّين، كما يشرف على المؤسسة الاستثمارية للدعوة "بيت الأعمال"، وهي مؤسّسة اقتصادية تمويلية لكلّ أعمال التيار السلفي، جنباً إلى جنب، مع إيهاب عبد الجليل.

يقول المهدي: "حنان علام، من حكومة الظل السلفية، وهي التي أشرفت على تنظيم المؤتمر النسائي الأول للحزب في أرض المعسِّل بالإبراهيمية، وكانت المتحدّثة الأولى فيه، وهي المسؤولة عن أمانة المرأة بالحزب، والتنظيم النسائي السلفي".

يركز إسلام المهدي في كتابه على "حكومة الظل" وهم السبعة الذين يديرون الدعوة السلفية في مصر

يضيف المهدي: "من السبعة الذين يديرون التيار السلفي في مصر؛ أحمد الشحات، وإيهاب عبد الجليل، والأخير هو المسؤول السابق عن صندوق حزب النور، ثمّ المسؤول المالي في لجنة انتخابات مجلس الشعب، وأحد مسؤولي "بيت الأعمال"، أوسع وأضخم مؤسسة سلفية مالية في مصر، وقد توسط كثيرون أربعة شهود لإبلاغ رئيس السلفيين محمد عبدالفتاح، أبي إدريس، أنّ إيهاب يخون في أمانات الأموال في عمله بمعهد دراسي خاصّ يعمل به، وهؤلاء الشهود لا يرضون لمثله أن يحكم في أموال حزب النور، فلم يصدقهم، وأخبر إيهاب بأسمائهم، ليتآمر على فصلهم من وظائفهم بذلك المعهد، ومنهم من كان حديث الزواج، ومنهم من كان قد رُزق بمولودٍ جديدٍ".

تفاوض مع الإخوان

يقول المهدي: "أبو إدريس، محمد عبد الفتاح، زعيم السلفيين، شخص متعالٍ، يعيش في تابوه بشكل مقصود، حتى يعطي لنفسه أهمية. وبعد الثورة، حين فكّر الإخوان بالتفاوض مع الدعوة السلفية قبل كتابة القوائم واختيار المرشحين لانتخابات مجلس الشعب، وأرسلت الجماعة إلى مكتب الدعوة السلفية تطلب أن يزور وفد منهم المكتب، ليجلس مع أبي إدريس ومن يختاره.

وكان وفد الإخوان يتكون من عضوين في مكتب الإرشاد، ومسؤول الإسكندرية، رفض زعيم السلفيين دعوتهم، واشترط أن يجلس مع المرشد شخصياً، فاعتذر الإخوان لانشغال المرشد وعدم استطاعته السفر في ذلك الوقت، وأخبروه أنّ هذا هو الممكن في حينه، فرفض المقابلة، ولما أراد السلفيون التعاون مع الإخوان في انتخابات مجلس الشعب، ردّتها الجماعة بطرد وفد السلفيين".

المهدي: أبو إدريس، محمد عبد الفتاح، زعيم السلفيين، شخص متعالٍ، يعيش في تابوه بشكل مقصود، حتى يعطي لنفسه أهمية

"كلب" الدعوة

يقول المهدي: حين سئل أبو إدريس عن حزب النور قال: إنّه كلب الدعوة؛ أي هو "الكلب" الذي يطلقونه على أعدائهم!!

استخدم المقدم وبرهامي وأبو إدريس شباباً موالين لهم، "وهكذا يُصنع الشيوخ، شيوخ يصنعون شيوخاً، فيُعلن الشيخ الكبير أنّ فلاناً من الشباب صار شيخاً، ويفوّض إليه بعض مهمات الفتيا على موقعه، فيفتي باسمه، أو يفوّضه في الإمامة مكانه في التراويح وغيرها، أو يخلفه مكانه في خطبة الجمعة، أو على كرسي الدرس، أو في ترتيب بعض المهام الدعوية المزعومة، وأهون الأشياء أن يبعث إليه بالمتخاصمين والمتحاكمين ليفصل بينهم بدلاً منه، وكلّ هذه التفويضات كانت لتكون ترقية طيبة وتطويراً، وكان منهم مصطفى دياب؛ الذي ردّ على سؤال حول حزب النور، فقال: وضعنا فيه من لا وظيفة لهم، فإذا قرّر أحد أن يهاجمنا؛ أطلقناهم عليه".

تجارة المسلمات الجدد

"حزب النور يدعو إخوته المسيحيين للانضمام إلى الحزب" هذه هي الدعوة التي نشرها ياسر برهامي، طوال عقدين من الزمان ويزيد، لتجنيد المزيد من العناصر من المسيحيين.

وظفت الدعوة السلفية تاجراً مغموراً من البحيرة، وأوكلت إليه إنهاء مشكلات "المسلمات الجُدد"، كان هذا الرجل يعمل مباشَرة تحت يد ياسر برهامي، ولا يُطيع غيره، ولا يتلقى التوجيهات من سواه، وقد نقل نشاطه في تلك الفترة إلى الإسكندرية.

يجمع الرجل من هذه الزيجات المال الوفير، يصل أحيانا إلى 25 ألف جنيه، بشرط الحصول على صورة من الإشهار والاطلاع على الأصل.

يزعم الكتاب اختفاء تبرعات الصومال التي جمعتها السلفية ووصلت إلى حوالي 96 مليون دولار

"تزدهر هذه التجارة جداً بين راغبي التعدد بلا مقابل، فلا هي تجرؤ على الشكوى لأهلها عند أيّ خلافٍ أو طلاقٍ سريعٍ، ولا الزوج سيدفع في نكاحها شيئاً؛ بل سيتلقى على حسّها التبرعات العظيمة والمنح الكريمة، وكلّ هذه الزيجات تتم عرفياً؛ لأنّ القاصر لا يُعقد لها رسمياً، ولأنّ التي هربت من زوجها المسيحي لا يصلح أن يعقد لها رسمياً، حتى ترفع قضية تفريق بسبب اختلاف الدين، ويتم الحكم لها فيها، وإجراءات هذا النوع من القضايا قد تزيد مدتها على سنةٍ كاملة"!

يقول الكاتب: "وقفنا مشدوهين إزاء سيل النجاسات هذا، ولم يكن يخطر ببالنا أنّ هناك شيخاً واحداً يرتضي ما يجري؛ لذلك قررنا محاكمة غنيم لدى المشايخ، ولم نجد أمامنا إلا أبا إدريس (قيّم) الدعوة السلفية، فاستمع منّا، وهدّد وتوعّد غنيم، لكنّه نكص على عقبيه، وقال: اذهبوا".

محمد إسماعيل المقدم، كان يعيش بحي فقيرٍ لينتقل بعد ذلك في قفزةٍ واحدةٍ، ويسكن في حي "مصطفى كامل" الذي يسكنه الأثرياء

مشايخ "البزنس"

يقول إسلام المهدي: "ربما تظن أنّ الدعوة السلفية هي مجموعة من الشيوخ الزُّهاد، وأنّهم مخلصون لا يبتغون من وراء موقفهم هذا أيّة مصلحة، ولا يتقاضون عن خيانتهم تلك أجراً. لقد نشأ هؤلاء على بيع دينهم بالثمن؛ كانوا العام 1978، لا يملكون مالاً أو شهرةً، يجتمعون في مسجدٍ دون إمكانيات، أو شيء يُذكر، وبالتزامن مع انتشارهم في مساجد، مثل "محرم بك"، بدأ ظهروهم في "ندوة للرأي" بالإسكندرية، وبدأت الأموال تظهر مع محمود عبد الحميد، والنشاطات الأخرى، ومنها سوبر ماركت، قالوا: إنّهم سيفتتحونها للإنفاق عليهم، كي ينفقوا من إيراداتها، ويتفرغوا للعلم".

ويتابع المهدي قائلاً: "محمد إسماعيل المقدم، على سبيل المثال، كان يعيش في حي فقيرٍ، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، لينتقل بعد ذلك، في قفزةٍ واحدةٍ، ويسكن في حي "مصطفى كامل"، الذي يسكنه الأثرياء، وكذلك باقي المشايخ الذين يسكنون منطقة الكبار (جنكاليس)، رغم أنهم عاطلون عن العمل، أو يمارسون أعمالاً ديكورية لا تدرّ دخلاً أبداً! وكلّهم، بالطبع، يطير إلى السعودية أو الكويت أو قطر عدّة مرات سنوياً!".

يورد المهدي أنّ برهامي قلقٌ من "حكومة الظلّ" السلفية لأنّه شعر بأنّ سلطته المطلقة يمكن أن تزول

في كفر الشيخ، ظهر على السطح الشيخ "الحويني"، بعد أن كان أحد المحسنين، ينفق على طلبة العلم، أصبح ذا نشاطٍ واسعٍ في توظيف الأموال، وفق الكاتب الذي أن يزعم أن للحوينيين علاقة بالقطريين، "وفي مرحلة ما كانت الدعوة، أيضاً، ترتوي بالريال القطري، لكن ليس كلّهم، فمنهم من يعمل في مدارس تابعة للمموِّل، أو في مؤسسات خيرية أو علمية، ومنهم من يعمل إماماً للتراويح، ويتم تلميعه واعتماده شيخاً وباحثاً".

وهناك، كما يقول، إدمان للفتاوى التي تجيز الحصول على جزء من أموال التبرعات، من أجل الإنفاق على الدعوة ومسؤولياتها، "فحين انطلقت الدعوة السلفية لجمع تبرعات للصومال، انهالت عليهم من كافة المستويات، من الميسورين والبسطاء؛ فصورةٌ واحدةٌ لطفل صومالي تلوح عظامه، كفيلةٌ بإذابة حجارة القلوب، وجعلها دموعاً تتدفق من العيون، وأموالاً تنهمر من الجيوب! وأجرت الدعوة تحقيقاً مع مندوبين لها في إحدى المرات، عن اختفاء تبرعات الصومال، التي كانت قد وصلت إلى حوالي 96 مليون دولار".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟

2019-08-21

تتعدد الخطابات والمقاربات حول علاقة الإسلام السياسي بالحداثة وقيمها بتعدد مقاصد أصحابها وتنوع اهتماماتهم الفكرية والمنهجية والسياسية والأيديولوجية من جهة، وبتعدد تشكيلات الحركات الإسلامية نفسها وملابسات نشأتها وكثرة انعطافاتها التاريخية من جهة ثانية، والتباس خطابها وزيغ مواقفها من قيم الحداثة وقضاياها الحيوية، كقضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وحقوق المرأة وحقوق الآخر المختلف وغيرها من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟

فإذا كان ثمة من يقول بوجود اختلاف جوهري بين المعتدلين والجهاديين من الإسلاميين حول تلك القضايا ولكل منهما سلوكه وخطابه، فثمة من يرى أنّ الاختلاف بينهما هامشي وليس أساسياً. كما أنّ الفرق في خطابهما هو فرق بالدرجة لا بالنوع، وهو خلاف حول مجال تطبيق المبدأ وليس في المبدأ ذاته. فما هو واضح معلن في خطاب المتطرفين منهم كامن خفيّ في خطاب المعتدلين.

يبين الكاتب أن هناك قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية

في سياق المشاركة في هذا السجال حول مدى التماثل أو التمايز في فكر ومواقف الإسلاميين من قيم الحداثة، يقدم الباحث المغربي، إبراهيم أعراب، إسهاماً مهماً في هذا السجال؛ من خلال كتابه "الإسلام السياسي والحداثة" الصادر عن دار إفريقيا الشرق عام 2000، والذي يقدم مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها بشكل عام، وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية في المغرب بشكل خاص، كجماعة "العدل والإحسان" و"الإصلاح والتوحيد" و"البديل الحضاري" تُبيّن مدى اختلافها عن مثيلاتها في المشرق ومدى تعارضها أو توافقها مع الحداثة والديمقراطية وقيمها، وتحاول استجلاء مواقفها من مسألة المشاركة السياسية أو رفضها على ضوء التحولات السياسية التي شهدها المغرب في عامي 1996-1997 بما فيها الاستفتاء على الدستور المعدل والانتخابات البرلمانية.

غلاف الكتاب

وانطلاقاً من تعريفه لمفهوم الثقافة السياسية باعتباره "مجموعة المعتقدات والمواقف والقيم والمثل والعواطف والتقييمات المهيمنة عند جماعة ما، والتي تقوم بدور توجيهي لسلوك أعضائها على المستوى المعرفي أو العاطفي أو التقييمي" والتي غالباً ما تكون صعبة التغيير، يَرجِع الباحث في تحليل مضامين الثقافة السياسية للحركات الإسلامية إلى تاريخ هذه الحركات وملابسات نشأتها واستقصاء علاقتها الفكرية بما سبقها من حركات مؤثرة في تاريخ الإسلام الحديث كالحركة الفكرية السلفية، ليبين أنه ثمة قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية.

يقدم الكتاب مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها عامة وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية بالمغرب خاصة

فالسلفية كانت منبهرة بالنموذج الحداثي الغربي ومنفتحة نسبياً على الحوار الحضاري بين الغرب والشرق، وإن كانت مسيرتها تقهقرية من فكر الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا الذي استلهم حسن البنا ثقافته من أفكاره الارتدادية نحو ابن تيمية، وأصبحت حركته أقرب إلى التنظيم السياسي المحكم ذي المركزية الصارمة، وإن كانت ترفض الحزبية من منطق عدم الإخلال بوحدة الأمة. وقطيعة ثانية بين التيار الجهادي الذي يتمثل فكر سيد قطب الذي يشكل فكر المودودي وخطابه الجهادي مرجعيته الأساسية، وبين الفكر التأسيسي لحركة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها جملة الحركات الإسلامية المعاصرة وخرجت من تحت عباءتها بظروف سياسية مختلفة.

اقرأ أيضاً: هل تلاحق الفضائح الأخلاقية أعضاء في الجماعات الإسلامية بالمغرب؟
وبالرغم من انتماء حسن البنا وسيد قطب إلى جيل واحد وظرفية تاريخية واحدة ومنبت اجتماعي فلاحي ريفي وثقافة تقليدية واحدة وأهداف مشتركة وتحركهما بإستراتيجية واحدة مع اختلافهما في المنهج والتكتيك، وبالرغم من اشتراك المرجعية النصية لهذه الحركات مع سلفها الإخواني في مسألة الإحيائية الأصولية والعودة للسلف الصالح، ورؤيتها للإسلام في كليته وشموليته باعتباره "ديناً ودنيا" وصالحاً لكل زمان ومكان، والدعوة إلى التغيير وأسلمة المجتمع والدولة بكل الطرق الجهادية التي تمكنها من الوصول إلى السلطة وفرض الحل الإسلامي، وهو ما يتفق مع المرجعية الإخوانية التي ظل خطابها وثقافتها السياسية نموذجاً جاذباً لهذه الحركات على كل حال.

 ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية

إلا أنّه ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية، وتوجهها الجديد مع سيد قطب، ذهب بها بعيداً نحو التطرف والراديكالية والعنف الجهادي والعمل السري والمواجهة مع السلطة ومقاطعة الدولة والمجتمع بتأثير الخطاب القطبي وقوله بالتكفير وجاهلية المجتمع ومبدأ الحاكمية تحت ضغط المرحلة الشعبوية الناصرية والاصطدام بالفكر القومي الناصري بداية، ثم بتأثير التجربة الإسلامية الخمينية فيما بعد، بينما كان الخطاب الإخواني التقليدي يميل إلى الاعتدال والحذر من اللجوء إلى التكفير والميل إلى قبول المشاركة السياسية والعمل العلني المتدرج والاهتمام بالجانب الدعوي التربوي.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟
ويشير الباحث إلى (وضوح هذا التمايز في ما كتبه حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" وكتاب الهضيبي" دعاة لا قضاة" وبين ما كتبه سيد قطب في "معالم في الطريق" وما كتبه شكري مصطفى في "التوسمات" ومحمد عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة"...). كما يشير إلى أنّ هذا الانعطاف لم يلغ وجود التيار المعتدل تماماً من ساحة الفعل السياسي الوطني المحلي أو العربي بل نشهد تعايش التيارين؛ الدعوي والجهادي، معاً رغم الاختلاف والمنازعات بين فصائلهما المتعددة.

الحركة الإسلامية بالمغرب وسؤال المشاركة السياسية وحقوق الآخر المختلف

لا يختلف حال الحركات الإسلامية في المغرب عن مثيلاتها في المشرق اختلافاً جدياً في الموقف من الديمقراطية والمشاركة السياسية في مؤسسات الدولة وتدبير شؤون الحكم، أو في موقفها من المواطنة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات؛ إذ يرى الباحث أنّها كمثيلاتها في المشرق "يتوزعها تياران أساسيان يميل أحدهما إلى الاندماج والمشاركة السياسية وفق أسلوب وإستراتيجية تقوم على التوافق والتراضي... ويميل الآخر أكثر إلى إستراتيجية المواجهة والصراع في سلوكه السياسي".

إن قبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر

وقد صار تمايز هذين التيارين أكثر وضوحاً بعد التحولات السياسية والدستورية التي جرت في المغرب خلال عام 1996 و1997. التي أفصحت عن تكوّن بوادر وعي قابلة للتطوير بأهمية الديمقراطية وضرورتها كآلية إجرائية تقوم على حق الانتخاب والترشيح وتداول السلطة والتعددية والتسوية عند التيار المعتدل الذي باتت تمثله حركة الإصلاح والتجديد بعد انضمامها إلى حركة الجبهة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي غيرت اسمها لاحقاً إلى حزب "العدالة والتنمية"، ودخولها العمل السياسي الحزبي الشرعي ثم توحدها مع رابطة المستقبل الإسلامي، ليصبح اسم المكون الجديد حركة الإصلاح والتوحيد.

جماعة "العدل والإحسان"

أما التيار الثاني والمتمثل في جماعة "العدل والإحسان" وفكر زعيمها ومرشدها عبد السلام ياسين و"منهاجه النبوي" الذي يمكن اعتباره نسخة مغربية عن كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" مع التشابه النسبي في كاريزما ونفسية الرجلين اللذين خضعا طوال مسيرتيهما الحزبية إلى الحصار والاضطهاد أو الاعتقال، فما تزال مواقفه تتسم بالتشوّش إزاء الديمقراطية وآلياتها كصيغة ومفهوم وقيم، وما يزال ينظر إلى الدولة القائمة باعتبارها "دولة الطاغوت" وإلى قيم الديمقراطية والحداثة باعتبارها قيماً غربية وافدة ومرفوضة باسم الأصالة والخصوصية والهوية.

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟

ويلفت الكاتب في هذا الصدد إلى أنّ البنية التنظيمية للجماعة التي تكرس الشخصية الريادية لمرشدها وتتشكل أساساً حوله؛ والدور التعبوي المفرط للأيديولوجيا في أدبياتها تركت انعكاساتها على مواقف الجماعة وأدائها، مما غيب الآلية البراغماتية التي تُعتبر شرطاً في الممارسة السياسية وتعمل على تكييف المواقف وإعطائها نوعاً من المرونة. وهو ما يمكن قراءته في كتاب ياسين "الشورى والديمقراطية" الذي يفرق بين "سياق الشورى" و"مساق الديمقراطية" لما يحمله التعبير الأول من قيمة إيجابية وما يحمله التعبير الثاني من قيمة سلبية؛ لأنه حسب تعبيره، من "صفات الأشقياء أهل النار"، كما يرفض الديمقراطية صراحة باعتبار "مساقها" وبيئتها التي ظهرت فيها هي الحضارة الأوروبية، وهذه الحضارة دنيوية دهرية أو دنيا بلا آخرة، وهي مرتبطة بالفلسفة "الداروينية الدوابية" الاستهلاكية والإباحية. وإذا كانت هذه هي رؤية ياسين للديمقراطية فماذا يبقى من غاية دعوته لمن يصفهم بالديمقراطيين الفضلاء للحوار؟

اقرأ أيضاً: هل ينجح المغرب في محاربة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؟

وفي اتصال مع موضوع الديمقراطية والمواطنة ومنظومة الحقوق يتعرض الكاتب إلى موقف الإسلاميين من قضية المرأة من خلال كتابات ياسين التي تظهر أنّ الحركة الإسلامية عموماً في تعاملها مع قضايا المرأة وحقوقها اتخذت (موقفاً يرفض مفاهيم الحداثة وحقوق الإنسان من منطق أن هذه المفاهيم ما هي إلا تغريب وغزو من ثقافة الغرب للثقافة الإسلامية وقيمها، وإشاعة الانحلال والإباحية في المجتمعات الإسلامية).

وقد عبر عبد السلام ياسين عن موقفه وموقف جماعته في كتابه "تنوير المؤمنات" بعنف لفظي واضح ولم يتحرج من رفض مساواة المرأة مع الرجل واعتبارها مواطن من الدرجة الثانية ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة أيضاً، واتهم المدافعين عن حقوقها وحريتها بالمروق والانحلال الأخلاقي ونشر الإباحية تحت شعار المساواة بالأجور والحقوق ومنع تعدد الزوجات... وأنهم "النوافذ التي دخل منها الغرب لتخريب المجتمعات الإسلامية".

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟

ولما كان الموقف من المواطنة وحقوق الإنسان ينسحب على حقوق النساء وحقوق الآخر المختلف إثنياً أو دينياً، فإن موقف الحركات الإسلامية من الحركة الأمازيغية وحقوق الأمازيغ الثقافية والسياسية والمساواة بين اللغة العربية والأمازيغية لم يكن بأحسن من وضع النساء، ولا يختلف الموقف جذرياً بين المعتدلين والمتشددين إلا في لهجة الخطاب. فقبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر المختلف التي تهدد وحدة الأمة بالانقسام والتشرذم حسب تعبيرهم وتعرضها للحروب الأهلية.

فيما لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم، وأنها ليست سوى نداء الجاهلية... و"شعاراتها صنم يعبد دون الله"، وأن أية دعوة للدفاع عن اللغة الأمازيغية أو مساواتها باللغة العربية هي بمثابة "غزو" يستهدف إقصاء العربية أو اللسان العربي المبين و"اللغة التي شرفها الله واصطفاها وجعلها وعاء لكلامه المقدس". وهو ما يشير إلى موقف تمايزي ينم عن نزعة الاستعلاء على الآخر تارة والخوف منه تارة أخرى بهاجس المؤامرة الذي لا يرى في الآخر المختلف غير عدوّ مفترض.

لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم

ويخلص الكاتب إلى القول "إنّ المنهج المعتمد في التعامل مع الأمازيغية ومطالبها هو المنهج الفقهي البياني" وهذا المنهج أو العقل البياني الذي كرسته الثقافة الإسلامية في الفقه والبلاغة والكلام يرفض العقل البرهاني "المعاشي" أي عقل الغرب الذي هو عند ياسين عقل طاغوتي متأله، ويرفض بالتالي كل نتائج هذا العقل بما فيها الديمقراطية. "وأمام هذا الرفض للعقل التعددي ولحق الاختلاف كيف يمكن إذن تحقيق حوار يعترف بالآخر وبالتعددية والاختلاف؟" وأي حوار ممكن ما دام الشرط الأول لكل حوار منتج وهو تكافؤ أطراف الحوار شرطاً مفقوداً؟

يختم إبراهيم أعراب كتابه بالدعوة إلى التسامح وإقرار شرعية الاختلاف كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ويستعرض تاريخ المفهوم وإشكالياته في الثقافة الإسلامية من خلال عرض آراء مجموعة من المفكرين المتنورين مثل؛ حسن حنفي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وعلى أومليل على اختلافاتهم الفكرية والمنهجية في التفكير في المفهوم والنتائج التي توصلت مقارباتهم الفكرية إليها حول مدى اندراج مفهوم التسامح في الثقافة العربية الإسلامية أو غيابه عن ساحة التفكير في الفكر الإسلامي وهو السؤال الذي يبقى مفتوحاً حتى الآن.

للمشاركة:

الاختلاف الديني وصناعة الطائفية: محاولة لرؤية مغايرة

2019-08-15

يتيح كتاب "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّة"،  للبروفيسورة الراحلة، صبا محمود، تحدّي الاستقطاب الثنائيّ لفهم المشكلة الطائفيّة في الشرق الأوسط، مدجّجة بحسّ جينالوجيّ وتاريخيّ، يَسبر في كوامن الخطابات المصريّة والعالميّة، فلسفيّيها وقانونيّيها وسياسيّيها، حول مسألة الأقليّات، لا سيّما المسيحيين الأقباط الأرثوذكسيين، والبهائيين بصورة جزئيّة في مصر ما بعد الاستعماريّة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

إنّ حجاج الكتاب طريف من نوعه، فلطالما اعتُبر أنّ الشرق الأوسط، في خطابات المحلّلين، مكان تزدحم داخله كلّ هذه الاضطرابات؛ نظراً إلى علمانيّته النّاقصة، ولعدم علمنة قوانين دوله بما يكفي؛ إذ، كما توضّح صبا محمود على مدار كتابها، تُعتبر ما تسميها الكاتبة "العلمانويّة السياسيّة"؛ أمراً نموذجياً تمثّله المجتمعات والدّول الغربيّة أفضلَ تمثيل، بينما تنحرفُ أو تزيغ عنه أو تطبّق "نسخة" منه المجتمعات الشّرق أوسطيّة، وعليه؛ عندما نتعامل مع المجتمعات الشّرق أوسطيّة فإنّما نتعاملُ معها بـ "قياسيّة" على المجتمعات الغربيّة، ونرى كيف تقترب منها أو تحيد عنها.

اقرأ أيضاً: صبا محمود: مايزال العالم قابلاً للنقد والاستجواب

فالحال أنّ المشكلة الدينيّة، سواء تجلّت في مشكلة الأقليّات أو في ظاهرة الإسلام السياسيّ لإثارته مسألة علاقة الدّين بالدّولة، أو في تدابير الدّولة العربيّة ما بعد الاستعماريّة، ومصر على الأخصّ، للمسألة الدينيّة، موضع نقاش وأخذٍ وردّ دائم في الكتابات العربيّة والغربيّة حول الموضوع.

غلاف الكتاب

وتتقاسمُ الكتابةُ العلمانيّة والدينيّة الموضوع نفسه مناصفةً؛ فهو موضوع يَمسّ الشأن العربيّ والإسلاميّ برمّته، بيد أنّ النّقاشات غالباً ما تكون ثنائيّة ومنسّقة إلى متقابلين: هذا في مقابل ذاك، الدينيّ في مواجهة العلمانيّ، والمتعالي في مواجهة المحايث، والقانون في مواجهة الشريعة. هذا الاستقطاب المبنيّ على الثنائيّات ربّما تكمن فيه المشكلة، لا في الموضوع المُناقَش نفسه، بالتالي؛ يمكننا القول: إنّ "المنطق" الذي يحدو النقاشات حول الطائفيّة في العالم العربيّ، ومصر تحديداً، هو منطق القياسيّة: أي الافتراض بأنّ علمانيّتنا مقابل علمانيّة الغرب هي علمانيّة ناقصة.

يعتني الكتاب بإشكاليّة أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ وهي علاقة السياسات الدينيّة والعلمانيّة وإنتاج الطائفيّة

تضع محمود هذا المنطق موضع تحدّ على مسار كتابها، وتحاجج بفهم آخر للعلمانيّة السياسيّة؛ حيث تضعها فيما وراء مبدأ حياديّة الدّولة تجاه الدّين، أو فصل الدّين عنها، أو غيرها من الفهومات الكلاسيكيّة للعلمانيّة السياسيّة، فتَنظر إليها باعتبارها نسقاً للحوكمة، وإعادة ضبْط للحياة الدينيّة والاجتماعيّة، واعتماداً على الإسهامات الباذخة لطلال أسد، تأخذ محمود العلمانيّة السياسيّة كأمر أبعد من هذه الصيغة الكلاسيكيّة، لترى كيف أنّ الدّولة الليبراليّة تُقاسِم الدّول السلطويّة في علمانيّتها، وأنّ العلمانيّة ليست حصراً على الدّول الليبراليّة؛ فهي أيضاً قائمة في أغلب الدّول السلطويّة.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
يُصاحب ماركس أيضاً محمود على مدار كتابها، لتثبت -نظرياً وتطبيقياً- أنّ الدّولة الليبراليّة لا تلغي الدّين، إنّما تُخصخصه بالأحرى؛ أي تجعله أمراً خاصاً بالمجال الخصوصيّ، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة.

يعتني هذا الكتاب المهمّ بإشكاليّة لطالما أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ، ألا وهي علاقة السياسات الدينيّة والسياسات العلمانيّة وإنتاج مشكلة الطائفيّة في بلدان شرق أوسطيّة تزخرُ بأقليّات تعيش في ثناياها، وفي ظلّ أنظمة ما بعد استعماريّة. لقد كان حلّ مشكلة الطائفيّة دائماً جاهزاً وواضحاً، نحو مزيدٍ من العلمنة، ونحو مزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه.

البروفيسورة الراحلة صبا محمود

فهل هذا الحلّ صحيح؟ كما سنرى في هذا الكتاب، فإنّه بالتحديد هو المشكلة ذاتها.

إذ تحاجج صبا محمود بأنّ السياسات العلمانيّة نفسها أنتجت بشكل كبير التفاوت الدينيّ في الدّول القوميّة الحديثة، وتأخذ مصر حالة لدراستها، مع اعتبار للسياق الجيوسياسيّ والعالميّ الذي تحلّل فيه. 

حلّ مشكلة الطائفيّة كان دائماً جاهزاً وواضحاً نحو مزيدٍ من العلمنة ومزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه

في سياق دراستها لحالة الأقليّات في مصر؛ بعد تعقّبها لمسألة الأقليّات في الدّولة العثمانيّة قبل وبعد الإصلاحات العثمانيّة، ودور القوى الغربيّة في تفاقم المشكل، واستغلال هذه المسألة آنذاك للتدخّل في الإمبراطوريّة العثمانيّة باسم "تدخّلات أنسنيّة" لـ "إنقاذ" المسيحيين العثمانيين من الحكم العثمانيّ (الفصل الأوّل)، توضّح محمود كيف أنّ مفهوميْ "حقوق الأقليّة" و"الحريّة الدينيّة" كانا دائماً محلّ نزاع وجدال في السياقات الوطنيّة والعالميّة على حدّ سواء.
وتتبّع جينالوجيّاتهما في القانون الدّوليّ، وفي الجدالات القوميّة بمصر منذ مطلع القرن العشرين حول مكانة الأقباط في الدّولة المصريّة، وكيف أنّ هناك انقساماً في تسمية "الأقليّة" وتنزيلها على الأقباط: فبينما ترفض الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة مثلها مثل الدّولة المصريّة وعديد من النّشطاء الأقباط هذه التسمية، متمسّكةً بمصطلح "أهل الكتاب" القرآنيّ، نظراً لما يوفّره لها من استقلاليّة مليّة على قوانين الأسرة القبطيّة وقوانين الأحوال الشخصيّة، ينادي قطاع آخر من الأقباط باعتناق هذه التسمية؛ لأنّها هي التي ستجلبُ المشكل القبطيّ إلى السّاحة العالميّة (الفصل الثاني)، فإذا كان نضال الأقليّات دائماً موضوعاً على هذين المفهومين الإشكاليين، ويعمل تحت عنوانهما، فإنّ هذا الكتاب يوضّح الطبيعة المشوّشة والمخاتلة للمفهومين، وكيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير. 

يتطرق الكتاب للحديث عن الأقليات ومنها البهائية

وتجادل محمود، بفهم طريف، بأنّ العلمانويّة السياسيّة ليست هي مبدأ حياديّة الدّولة، وإنّما هي إعادة تنظيم الدّولة للحياة الدينيّة على عكس ما يُشاع عنها، ومن ثمّ، تَنظر كيف تحوّل السياسات العلمانيّة الدينَ، وكيف يتواشج الدينيّ والعلمانيّ معاً بموجب الدّولة الحديثة، وهذا يتجلَّى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلاميّة والقبطيّة (الفصل الثالث)، وكيف يتضافر الدّين والجنسانيّة والجنوسة والعلمانويّة في هذه القوانين التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقباط بالأخصّ.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

لقد حوججَ كثيراً بأنّ قوانين الأسرة هي ميراث من الإمبراطوريّة الإسلاميّة يعوق عمليّة التحديث والعلمنة؛ بل إنّه أمارة على العلمنة غير المكتملة لهذه البلدان، تنقد محمود هذا الفهم بإظهار أنّ ما يُسمّى "قانون الأسرة" لم يكن موجوداً في فقه الشريعة الكلاسيكيّ، وأنّه نتاجٌ حديثٌ تماماً ظهر مع الإصلاحات العثمانيّة، وأنّ العلمانيّ ليس هو الأساس الذي يبقى بعدما يُنحَّى الدّين، إنّما يتضافرُ العلمانيّ والدينيّ -كمقولتين- في ظلّ الدّولة الليبرالية الحديثة.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي

إنّ الكتاب معنيّ بإنتاج "التفاوت المدنيّ والسياسيّ" في الدّولة الحديثة، هذا التفاوت الذي لطالما نُظِرَ إليه على أنّه موجود، شرق-أوسطياً، بسبب هيمنة المفاهيم والممارسات الإسلاميّة في هذه البلدان والمجتمعات. سوى أنّ الكتاب يتحدّى هذا ليثبت أنّ التفاوت والطائفيّة إنتاجهما موكَلٌ، في جزءٍ كبير منه، إلى الدّولة الليبراليّة الحديثة بما هي كذلك؛ لأنّها مُطاردة بازدواجيّة لا فكاكَ منها: ففي حين تدّعي الحياديّة تجاه الدّين، فإنّه تُنظّمه وتديره وتحدّد ما يجب أن يكونه، وبالتالي تُنتج التفاوت بفعل هذا التدبير الدّولتيّ النابع من سلطتها السياديّة.

يوضّح الكتاب كيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير

يتّضح هذا أشدّ الاتّضاح في حالة البهائيين (الفصل الرّابع) بمصر؛ حيث تدرس محمود التهديد السياسيّ والقانونيّ الذي شكّلته حالة البهائيين على المحاكم المصريّة باعتبار أنّ المعتقد البهائيّ معتقد غير إبراهيميّ في دولةٍ لا تعترفُ إلّا بالدّيانات الإبراهيميّة الثلاث: الإسلام (دين الدّولة، بموجب القانون)، والمسيحيّة، واليهوديّة. وتسبر محمود الأحكام الصادرة بشأنهم فيما يتعلّق بالاعتراف بمعتقدهم وتسجيله على بطاقات الهويّة (ما يُطلَق عليها في مصر "بطاقات الرّقم القوميّ")، والطريف؛ أنّ صبا توضّح التفاوت المُنتَج من قبل الدّولة باعتباره تفاوتاً تتشاركه كلّ الدّول القوميّة الحديثة، لتظهر أنّ ثمّة جينالوجيا عالميّة تتقاسمها السياسات العلمانيّة؛ إذ تقارن قرارات المحاكم المصريّة بقرارات المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان حول عدّة حالاتٍ فصّلتها بالكتاب في فرنسا وسوسيرا وتركيا بخصوص تمييزات دينيّة تعرّضت لها معلّمات لارتدائهنّ الحجاب، أو في حالة لوتسي التي اعترضت على عرض الصليب في المدرسة الحكوميّة؛ نظراً لأنّه ينتهك حريّة أبنائها الدينيّة والفكريّة، تُظهر هذه المقارنة عن جينالوجيا واحدة للعلمانويّة الحديثة، تُنتَج في المحاكم المصريّة على هيئة دينيّة، وفي المحاكم الأوروبيّة على هيئة علمانيّة دينيّة في جوهرها، أي المسيحيّة وقد عُلمِنَت.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

وكما أشارت البروفيسورة كميل روبسيس في مراجعتها لهذا الكتاب؛ فإنّ ماركس الشاب يُصاحب هذا الكتاب، ويتمثّل وجود ماركس هنا، كما نوّهتُ على ذلك في بدء هذه المقالة، في إشارته إلى أنّ الدّولة الليبراليّة لم تلغِ الدينَ، وإنّما خصخصته وعمّقته اجتماعياً على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ منذ المقدمة، تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهوديّة" التي يردّ فيها على باور الذي يمثّل قمّة المثاليّة الهيغليّة، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في هذا الكتاب: الأوّل يقول باستحكام الدّين في الدّولة الليبراليّة، والثاني يقول إنّ الدينَ نفسه هو مفهوم علمانيّ، لكن وإنْ كان ماركس يقول ذلك ليحدّدَ الدينَ باعتباره "اعتقاداً"؛ فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين كـ "اعتقادٍ" هي نفسها تصوّر حداثويّ يَنظر إلى الدين في أبعاده المثاليّة دون استثمار ماديّة الدين الخاصّة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين (أي كمنظِّمة للدين في الحياة الاجتماعيّة للمجتمعات والجماعات البشريّة)، وأن ننظرَ للدّين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابيّة وماديّة)، وسنجدُ ذلك في أثناء هذا الكتاب في مواطن كثيرة لمحمود.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

أمّا الفصل الأخير؛ فيتطرّق إلى أمر نشاز عن الكتاب؛ أي إلى العلمانيّة (secularity) -لا العلمانويّة (secularism)-  وعلاقتها برؤية التاريخ والوحي، وذلك من خلال قراءة نقديّة لرواية "عزازيل"، ليوسف زيدان، والجدالات حولها، مموضعةً إيّاها في سياق القراءة الأنواريّة للدين منذ القرن الثامن عشر.
لقد أثارت هذه الرّواية ضجّة، كما هو معروف، في الوسط المصريّ، نظراً لتعرّضها للنقاش الكريستولوجيّ المتعلّق بطبيعة المسيح.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟
تبيّن محمود أنّ الرواية تقوم على تصوّر إنسانويّ للدّين باعتباره خلْقاً بشرياً، وأنّها مدجّجة بنقدٍ أنواريّ للدّين، وتوضّح أنّ الجدال حولها من قبل رجال الدّين المسيحيين -مثل الأنبا بيشوي- يتقاسم علمانيّة زيدان نفسها؛ فكلا الطرحين يَنظران إلى الكتاب المقدّس كمستودع للحقائق التاريخيّة، غير مفرّقين بين التاريخ التقويميّ والتاريخ المقدّس، وكيف انفصلت "الحقيقة" عن "المعنى" في تفسير الكتاب المقدّس تأويلياً وإبستمولوجياً منذ القرن الثامن عشر.
إنّ هذا الفصل بديع؛ لأنّه يوضّح زاوية أخرى للنّقاش حول هذه الرّواية المهمّة والمثيرة للجدل.

 علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين

ربّما لم تكن الطائفيّة، إذاً، بعد كلّ هذا التطواف، ترتيباً دينياً، بقدر ما هي ترتيب علمانيّ تدفعنا الدّولة الليبراليّة الحديثةُ إليه دفعاً، لإنتاج التفاوت بنيوياً ونسقياً. وسيعلّمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأثر؛ فمصطلح الأقليّة نفسه مرّ بترحّلات كثيرة، وهو مصطلح حديث عموماً، ومقاربته عربياً من منظور ما قبل حديث هي خطأ معرفيّ وسياسيّ؛ لأنّنا عندما نتكلّم عن الأقليّات فنحن نتحدّث بالأحرى على أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (كما سيوضح الفصل الأوّل)؛ أي بعد أن استقرّت "الدّولة الحديثة" وتثبّتت، كما أنّ التعامل مع "الطوائف" في الحقبة الإسلاميّة ما قبل الحديثة، لا سيّما العثمانيّ منها، بثنائيّة الأكثريّة-الأقليّة هو ارتكاب للخطأ ذاته، لسببٍ بسيط؛ أنّ التحوّل من الطائفة إلى الأقليّة (وهو عنوان فرعيّ داخل الفصل الأوّل) تحوّل حديث تماماً، وله مستلزمات سياسيّة ومعرفيّة واجتماعيّة هائلة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية

إنّ التفاوت الذي يحدث للأقليّات عموماً -أو ما تسمّيه صبا محمود ببراعة "المكانة المتداعية" التي تحتلّها الأقليّات- في الدّول الحديثة، ليس ناجماً بالأساس عن وجود كُتلة تسمّى الأكثريّة؛ بل عن تدخّل الدّولة نفسها في تنظيم الشأن الدينيّ والاجتماعيّ لحيوات الشعوب بتثبيت نظام أكثرويّ معيّن، بالتالي؛ إذا لم يبدأ النّقاش من الدّولة ودورها في إحداث التفاوت فهو الغبنُ والتيه، ولا مناص من ذلك إن لم نقلب التدابير العلمانيّة على رأسها، لنقول إنّ استحكام "العلمانيّ" في العصر الحديث قد أدخلَ الدينَ في سيرورات التعلمُن بموجب الدّولة ذاتها؛ أي كي تتمكّن الدّولة من إعادة تنظيمه وترتيبه كـ "شأن خصوصيّ" من المفترَض أنّها محايدة تجاهه، في حين أنّها تنظمّه في الواقع، ممّا ينتج التفاوت والتداعي للأقليّات عموماً.

ولذلك؛ فهذا الكتاب، في نهاية المطاف، هو مساءلة للدّولة، لحياديّتها، لادّعائها الدائم بالمساواة؛ وهو، من ناحية أخرى، تهديد للخطابات التي تستنجدُ بالدّولة وتستدعيها لحلّ مأزق التفاوت الدينيّ فيها؛ فكيف يُدعى لحلّ المشكلة مَن تسبّب فيها قبلاً، أي الدولة؟

للمشاركة:

هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

2019-08-03

أعادت أحداث العنف التي شهدها العالم مؤخراً والتي ارتبطت باسم التنظيمات "الجهادية" الظاهرة "الإسلاموية" إلى صدارة الاهتمام من جديد. واستأثرت دراسة الحركات الإسلامية بنصيب وافر من النتاج الفكري في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء عبر المبادرات البحثية الفردية، أو من خلال المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث العربية والدولية المتخصصة.

إن المشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي

وفي سياق هذا الاهتمام المتزايد يأتي كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من كونه يقدم إحاطة شاملة حول تجربة الحركات الإسلامية سعياً نحو فهم ملابسات نشأتها، وتقييم تجربتها، ورصد أثرها، واستشراف مستقبلها. ومن كونه عملاً جماعياً شارك في إعداده عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ حيث ساهم كل باحث منهم بتغطية جانب من تلك التجربة من زاوية تخصصه ورؤيته على مدار 6 فصول متكاملة.

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية

فقدم الباحث عبدالوهاب الأفندي في الفصل الأول "النشأة والمدلول وملابسات الواقع" استعراضاً للظروف والمتغيرات المحلية والعالمية والتحديات الجديدة التي ألقت بظلالها على الواقع الإسلامي، وشكلت الخلفية التاريخية التي ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية من واقع أزمة مختلفة نوعياً عن كل الأزمات والانتكاسات السابقة التي مرت بها الأمة.

غلاف كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي"

فلم تتزعزع ثقة الأمة بنفسها كما زعزعتها فترة الهيمنة الأوروبية، وصدمة الحداثة الغربية، وتجربة الاستعمار الجديد. وقد ناقش الأفندي عدداً من الآراء والقراءات التي تصدت لتعريف الحركات الإسلامية وأسباب وملابسات ظهورها وفهم الظروف التي مهدت ورافقت نموها وانحرافها عن الدور الذي رسمته لنفسها. وخلص إلى أنّ "الحركات الإسلامية" هي: تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام  لكل نواحي الحياة والتي تصدت لما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات ومكايد الأعداء، وتدعي لنفسها دور القيادة الأخلاقية للمجتمع.

يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها

ويُفسِر انتشارها في الأرياف وهوامش المدن، والخلفية  الاجتماعية لكوادرها ومؤيديها؛ أنّها نشأت من أزمة مزدوجة: أزمة العلاقة بين "العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية" التي تعيشها هذه المجتمعات، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي أفضى إليها استبداد الدولة وفشل سياساتها التنموية وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية.

وقد أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية"، الليبرالية منها والاشتراكية والقومية، إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ، ووظيفة اجتماعية لابد أن تجد من يتصدى لها. الأمر الذي يؤكد أنّ الحداثة التي رفضتها تلك الحركات قد تركت ميسمها عليها، فهي نشأت في كنف الحداثة وأزمتها، واستجابة لتحدياتها ورد فعل عليها. وأرادت إيجاد مخرج من تلك الأزمة لكنها انتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

 أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية" إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ

تشكل أطروحة حسن حنفي في الفصل الثاني "الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة" استمراراً منطقياً لسابقه بتأكيده على أنّ الدين كان باستمرار وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحركة اجتماعية تعبر عن المضطهدين والمهمّشين ضد قوى الطغيان، ووسيلة لتحرير الأوطان وتوحيد الثقافات. ويرى حنفي أنّ ثمة ثلاثة جذور للإسلام السياسي: جذر قديم يتمثل في الحركات السياسية والفكرية الإسلامية القديمة، سواء نشأت في كنف الدولة أو في معارضتها، وهي كلها نشأت في أجواء السياسة أو بدوافع وغايات اجتماعية سياسية، وجذر حديث تمثل في حركة الإصلاح الديني التي قامت بدافع سياسي كرد فعل على ضعف الخلافة العثمانية ثم انهيارها وعلى احتلال أراضي الأمة وتجزئتها ورداً على تخلف الأمة عن المدنية الحديثة، وخرج معظم الحركات الوطنية من عباءة الإصلاح الديني لكنها انحدرت إلى السلفية بعد فشل تجاربها، ومن هذا الجو المشبع بالروح السلفية تشرب حسن البنّا أفكاره  وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، الذي خلفه سيد قطب في قيادتها. وجذر معاصر تمثل في فشل دول الاستقلال الوطني "الحديثة" في القيام بمسؤولياتها الدفاعية والسياسية والتنموية وتأرجح وتوتر علاقة تلك الحركات مع حركات الضباط الأحرار، وتبدل مواقعها ما بين المشاركة السياسية في السلطة أو السجون والمعتقلات.

يبني حسن حنفي أطروحته بتأكيده أنّ الدين كان وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي

ومن تضافر هذه الجذور الثلاث، تشكلت شعارات الإسلام السياسي حسب واقع الحركة في كل حال، وهي شعارات سلبية أكثر منها إيجابية وتدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ. وتجلت تلك الشعارات في "الحاكمية" و"الإسلام هو البديل" و"الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهي شعارات تعبر عن تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتذبذب نشاط تلك الحركات وشعاراتها ما بين المشاركة السياسية والعنف من خلال جدل الشرعية واللاشرعية التي حددت علاقاتها مع النظم السياسية القائمة، نظراً لحداثة المجتمعات الإسلامية بالتجربة الديمقراطية.

 

 

ومن هذا الجدل يستشرف حنفي صورة مستقبل الحركات الإسلامية ما بين مزيد من العنف الهدام وبين برنامج يبني ولا يهدم، يحاور ولا يستبعد، ويقوم على توسيع المشاركة السياسية المشروطة بالديمقراطية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

تحت عنوان "التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية" يناقش عماد الدين شاهين الأسباب والدوافع التي حدت ببعض الحركات الإسلامية لتبني العنف وسيلة ومنهجاً لتحقيق أهدافها، والجهاد طريقاً  لمناهضة ما تسميه الدول الكافرة ومجتمعات الجاهلية. في حين سارت شقيقاتها على نهج الوسطية والاعتدال وتحولت إلى العمل السياسي أو العمل الاجتماعي الإصلاحي وقبلت المشاركة السياسية على أسس الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

ويشير شاهين  إلى أنّ "التطرف ليس الدين، ولا يقتصر على الحركات الإسلامية وحدها، فثمة تطرف علماني وتطرف حكومي كذلك". كما أنه لا بد من التمييز بين التطرف الفكري الذي يعتبر من طبيعة الحركات التغيرية وثقتها بصحة أفكارها، وبين العنف والعمل المسلح من أجل فرض فكر ما على الآخرين بالقوة العارية. كما يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

يرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها

ويخلص شاهين إلى أنّ جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب؛ الذي نشأ من عذابات السجون والقهر، وتلقفته فئة من الشباب المهمّش؛ كتعبير عن نقمتها ووسيلة لتغير واقعها المرير في الدول الناشئة بعد الاستقلال، والتي تبنت النموذج "الكمالي" التركي مع تفاوت في تطبيقه بين بلد وآخر؛ حيث يتناقض هذا النموذج  الذي فُرض بالقوة والعنف في علمانيته وتسلطه مع النظام الإسلامي. وقد وجد قطب أنّ المهادنة مع هذا النموذج والسكوت عليه سيمنح الدولة الشرعية التي تحتاجها ويرسخ دعائمها، لذا فقد دعا إلى إزالتها بسائر أنواع القوة وإقامة النظام الإسلامي. وهذه القطبية الحادة بين عنف الدولة وعنف المعارضة لن تفضي إلا إلى مزيد من العنف.

شاهين: جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب

يناقش أحمد الموصللي في الفصل الرابع "رؤية الحركات الإسلامية لمفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية في العالم العربي"، ومدى ملاءمة الفكر الإسلامي المعاصر للديمقراطية والتعددية من خلال استعراض الخطابات الإسلامية المعاصرة حول هذا الموضوع من جهة، وما تروجه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية حوله من جهة ثانية. ويخلص إلى أنه ورغم المرجعية النصية المشتركة والشعارات المتماثلة في خطاب الحركات الإسلامية، إلا أنه كان هناك دائماً في فكر الحركات الإسلامية خطابان متزامنان: خطاب استئصالي استبعادي وهو لا يقتصر على تلك الحركات وحدها فقط، بل تمارسه أغلبية الأنظمة "العلمانية" في العالم الإسلامي، وخطاب استيعابي ينفتح على مفاهيم التعددية والديمقراطية وقبول الآخر، ويدعو إلى توسيع المشاركة وتوسيع دائرة الحريات السياسية.

السيد: القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة

إلا أنّ بروز الحركات "الجهادية ذات الخطاب الاستئصالي الاستبعادي على الساحة السياسة ودور النظم السائدة ووسائل إعلام مراكز القرار الغربي في إظهاره واستثماره لصالحها قد غيّب الخطاب الآخر ودفعه إلى الظل. ولا بد من البحث دائماً في الظروف التي تفضي بالخطاب الأصولي إلى التشدد والاستبعاد أو المرونة والاعتدال.
ينطلق فواز جرجس في الفصل الخامس في معالجة "دور الحركات الإسلامية في الاستقرار السياسي في العالم العربي" من العلاقة السببية ما بين طبيعة النظام القائم ودور قوى المعارضة وسلوكها. فالمعارضة امتداد طبيعي للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين وتعبر خير تعبير عن نوعية العلاقة وطبيعتها بين الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية

ويرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها، وبادرتها العنف ودفعتها نحو العمل السري والانقلابي والتآمري، مما زاد في غطرسة قيادات الحركات الإسلامية بعد شعورها بالتمكن والقوة فازداد خطابها عنفاً وتصعيداً وتحولت من رد الفعل إلى المبادرة والفعل، مستفيدة من ضعف شرعية النظم وفشل مشروعات التنمية في معظم الدول العربية.

 

 

وقد تغلبت إرادة القوة والسيطرة على منطق التعايش السلمي في تعاطيها وتعاملها مع النظم القائمة، بل ذهبت إلى تهديدهم وتكفيرهم وتحدي المنظومة العالمية بشكل انتحاري ودون حساب أي عواقب. وهذا الإقصاء المتبادل هو ما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي، واستمرار دوامة العنف، ومنع أي عملية تحول ديمقراطي ما لم تنجح الحركات الإسلامية بفك ارتباطها مع التيارات "الجهادية"، وتعلن صراحة رفضها للآليات والوسائل الدموية التي تستخدمها، وتجعل من الاهتمام بهموم المواطن الحياتية وبناء مجتمعات أكثر صلابة وثقافة وقدرة على مواجهة الاستبداد السياسي عملاً أهم من انتهاز نتائج المواجهة بين"الجهاديين"والنظم القائمة للوصول إلى السلطة، وأن تعيد النظر في أفكارها ومناهجها وتستفيد من تجارب غيرها وتكف عن تكرار التجارب الفاشلة.

تجذرت الحركات الإسلامية في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها

يقدم رضوان السيد في الفصل الأخير استخلاصاً حول "مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية" انطلاقاً من مراجعة وجهات النظر التي تنبأت بقرب نهاية الحركات الإسلامية، بحكم فشلها في الوصول إلى السلطة بالقوة في أي بلد بعد التجربة الإيرانية وتكرار تجاربها المأساوية الفاشلة، وبحكم أنّ القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للحركات الإسلامية.

ويسعى السيد لتوسيع دائرة الحكم من خلال مراجعة الأصول الفكرية والثقافية لتلك الحركات باعتبارها ليست حركات سياسية فحسب، بل هي حركات إحيائية ذات صبغة دينية قبل أن تصبح السياسة من أولوياتها. وقد تأرجح فكرها وممارساتها ما بين الرفض المطلق إلى المهادنة فالتكيف والقبول مع المتغيرات العالمية الكبرى وكرد فعل عليها أو استجابة لها في كل مرة، وأنّ الحركات الإسلامية قد تجذّرت في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها في المدى المنظور.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: هل انتهى الشكل التقليدي للحركات الإسلامية؟

لكن ذلك رهن بقدرة الفكر الإحيائي الذي تحمله تلك الحركات على التحول من فكر هوية إلى فكر انتماء، وعلى التحرك من الهوية العقدية سريعة التأزم والانكماش إلى الانتماء الحافظ للمشروع عن طريق المشاركة بالعالم. فلم يعد من الممكن اليوم الاستمرار بالحديث عن الغزو الثقافي أو عن المشروع الحضاري العربي أو الإسلامي؛ فالمشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي، وبالإسهام في تغيير العالم وتقدمه، ولم يعد من الممكن تصور وجود جزر معزولة في عصر العولمة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك حركات الإسلام السياسي في الأصل مشروعاً نهضوياً يحمل في طياته عناصر تغيير حقيقي؟

للمشاركة:



بهذه الطريقة يصل الإرهابيون والمرتزقة إلى ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-24

قال مدير التوجيه المعنوي في القوات المسلحة الليبية، العميد خالد المحجوب، أمس: إنّ "عدداً من الإرهابيين والمرتزقة الأجانب وصلوا إلى مطار مصراتة الليبي، عبر طيران "الأجنحة"، المملوك لعبد الحكيم بلحاج".

وأوضح المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ "عدداً من المرتزقة والإرهابيين قدموا من أنقرة إلى مصراتة عبر تونس" وفق "العين" الإخبارية.

المحجوب: الإرهابيون والمرتزقة يصلون إلى مطار مصراتة عبر طيران "الأجنحة" المملوك إلى بلحاج

وشدّد المحجوب على أنّ الاستعانة بالمرتزقة وفتح المجال للقواعد الأجنبية في البلاد مسألة غاية في الخطورة، وتمسّ الأمن القومي الذي يبعث به الإخوان من خلال ميلشيات مصراتة التي تنفذ أجندة الإخوان المسلمين.

وعبد الحكيم بلحاج؛ هو الأمير السابق للجماعة الليبية المقاتلة، فرع تنظيم القاعدة في ليبيا، وقد أسّس شركة للطيران بعد استيلائه على الملايين من الدولارات من أموال القذافي، بعد أحداث 17 شباط (فبراير) 2011، وتتهم شركته، المعروفة بـ "الأجنحة"، بتهريب الإرهابيين من تركيا إلى ليبيا.

وفيما يخصّ الوضع الميداني؛ أكّد المحجوب أنّ قوات السلاح الجوي نفذت عدة ضربات، أمس، استهدفت مخازن أسلحة وذخائر للمليشيات في مصراتة.

وأضاف: "مقاتلات السلاح الجوي الليبي استهدفت ودمرت عدداً من تمركزات المليشيات الإجرامية في مدينة غريان، جنوب طرابلس، إضافة إلى استهداف تمركز في منطقة غوط الريح وتدميره، عصر الجمعة".

سلاح الجوّ ينفّذ عدة ضربات تستهدف مخازن أسلحة وذخائر للمليشيات في مصراتة

وأشار المحجوب إلى أنّ القوات المسلحة تصدت، الخميس، لهجوم "يائس" من المليشيات بمحاور طرابلس، وكبدتها خسائر بالأرواح والمعدات.

ويتهم الجيش الوطني الليبي تركيا بشكل متكرر بدعم المليشيات والفوضى والجماعات الإرهابية في البلاد، ونقل السلاح للبلد الذي مزقته الحرب.

واتخذ الجيش الليبي حزمة من القرارات العقابية، في وقت سابق، ضدّ التدخل التركي السافر في شؤون ليبيا؛ كان أبرزها استهداف أيّ طيران أو مصالح تركية عسكرية داخل ليبيا.

 

 

للمشاركة:

السودان: الأمطار والسيول تقتل 54 شخصاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-24

تسبّبت الأمطار والسيول في مصرع 54 شخصاً في السودان، منذ بداية تموز (يوليو) الماضي، كما أثّرت على نحو 200 ألف شخص آخرين.

وأفادت الأمم المتحدة، أمس، بأنّ "أكثر المناطق تضرراً ولاية النيل الأبيض جنوباً، إلّا أنّ الخرطوم ومناطق أخرى تأثرت كذلك"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السودانية.

يانس ليركا يؤكّد الحاجة إلى 150 مليون دولار إضافي لمواجهة الفيضانات، إضافة إلى 1,1 مليار للمساعدات الإنسانية

وذكرت الأمم المتحدة، نقلاً عن أرقام وكالة حكومية تتعاون معها في الاستجابة للأزمات؛ أنّ “أكثر من 37 ألف منزل تدمّر أو تضرر بفعل الفيضانات".

وأضافت: "الجهات الإنسانية قلقة من الاحتمال المرجح بحدوث مزيد من السيول"، مؤكّدة أنّ معظم الوفيات التي سجلت كانت بسبب انهيار أسقف المنازل والصدمات الكهربائية.

كما تؤدي الفيضانات إلى انقطاع الطرق وتلحق الأضرار بنقاط التزود بالمياه، وتسفر عن خسارة الماشية، فضلاً عن انتشار الحشرات بسبب المياه.

وأكّد المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يانس ليركا، خلال مؤتمر صحفي، الحاجة إلى 150 مليون دولار إضافي من المانحين لمواجهة الفيضانات، إضافة إلى 1,1 مليار دولار للمساعدة في الأوضاع الإنسانية في السودان.

ليركا: وصل عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد في السودان إلى حوالي 5.8 مليون

ولفت إلى أنّ سكان 15 ولاية، من أصل 18 ولاية بالسودان، في حاجة عاجلة إلى مأوى للطوارئ، وغذاء، وخدمات صحية، ومياه نظيفة، إضافة إلى مكافحة ناقلات الأمراض، للحدّ من انتشارها.

وأوضح أنّ البنية التحتية الحيوية، مثل المدارس والطرق، تعرضت للضرر، قائلاً: "أصبحت قرى ومجتمعات بأكملها معزولة بسبب تأثر الطرق، خاصة في ولاية النيل الأبيض وكسلا والخرطوم".

ونوّه إلى أنّ ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد في السودان، والذي وصل إلى حوالي 5.8 مليون شخص.

 

للمشاركة:

بالأرقام.. ألمانيا تواصل ترحيل الأجانب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-24

ازداد، بشكلٍ واضحٍ، عدد الأجانب الذين تمّ ترحيلهم من ألمانيا، خاصة أولئك الذين يرتكبون جرائم.

وقالت صحيفة "نويه أوسنابروكر تسايتونغ"، استناداً إلى ردّ من الحكومة الألمانية على طلب إحاطة من كتلة حزب اليسار في البرلمان الألماني "بوندستاغ": إنّ "النصف الأول من العام الجاري شهد، حتى الآن، صدور 4666 أمراً بترحيل أجانب"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

صدور 4666 أمراً بترحيل أجانب من أصل 304095 تمّ تقييدهم في السجل المركزي تحت وصف "مرحل"

وأضافت الصحيفة: أنّ وزارة الداخلية ذكرت أنّ العدد الإجمالي للأشخاص المسجلين تحت وصف "مرحَّل" وصل، حتى 30 حزيران (يونيو) الماضي، إلى 304095، تمّ تقييدهم في السجل المركزي للأجانب، ويدخل ضمن هؤلاء 29288 شخصاً ما يزالون يقيمون في ألمانيا، معظمهم في ولاية شمال الراين ويستفاليا، بينما رحل الباقون، طواعية أو قسراً.

ومنذ تشديد القانون، عام 2016، أصبح ترحيل الأجانب الذين يرتكبون جرائم أسهل من السابق؛ حيث يمكن ترحيل حتى من يحكم عليه بعقوبة السجن مع وقف التنفيذ.

 وجاء التشديد كردّ فعل على ما شهدته مدينة كولونيا، في ليلة رأس السنة 2015/201٦، من سرقات وهجمات على نساء وتحرش جنسي، اتُّهم مهاجرون بارتكابها، كما تمّ تشديد قوانين اللجوء أيضاً؛ ما ساهم في زيادة عدد اللاجئين الذين يتمّ ترحيلهم بعد رفض طلبات لجوئهم.

واستناداً إلى مصادر وزارة الداخلية؛ رحّلت السلطات الألمانية، خلال العام الماضي، 7408 أجنبياً من أراضيها.

 

للمشاركة:



لهذه الأسباب.. غابات الأمازون مهمة جداً للعالم كله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-24

بريسيلا جوردو- صلاح شرارة

تزود الغابات المطيرة في منطقة الأمازون جميع أنحاء أمريكا الجنوبية بـ "الأنهار الطائرة"، وتساهم في استقرار مناخ العالم كما أن بها أكبر تنوع بيولوجي في العالم. اختفاء أشجارها بفعل القطع أو الحرائق له تبعات خطيرة.

هطول الأمطار

غابات الأمازون المطيرة تنتج كميات هائلة من المياه، ليس فقط للبرازيل وإنما لأمريكا الجنوبية بأكملها. وما تسمى بـ "الأنهار الطائرة" تنقل الرطوبة إلى مناطق واسعة في أنحاء البرازيل. إنها عبارة عن كتل هواء مشبعة ببخار الماء، تنشأ نتيجة للتبخر، سواء من عالم النباتات والحيوانات أو من المسطحات المائية والأسطح الأرضية. هذه السحب المطيرة تؤثر أيضًا على الأمطار في بوليفيا وباراغواي والأرجنتين وأوروغواي وحتى في أقصى جنوبي شيلي.

وفقًا لأبحاث معهد الأبحاث الحكومي "INPA"، يمكن لشجرة يبلغ قطرها 10 أمتار توفير أكثر من 300 لتر من المياه يومياً في صورة بخار تطلقه في الغلاف الجوي، وهو أكثر من ضعف ما يستهلكه أحد البرازيليين يوميًا.

الحفاظ على غابات الأمازون أمر لا غنىً عنه بالنسبة للزراعة وإنتاج الغذاء وإنتاج الطاقة في البرازيل.

إن عملية إزالة أشجار ونباتات الغابات المطيرة تلحق الضرر بالتبخر ونطاق تأثير "الأنهار الطائرة"، كما أن لذلك أيضا تأثيراً على هطول الأمطار في العديد من بلدان أمريكا الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، توفر غابات الأمازون ما يقرب من خمس المياه العذبة التي تصب في المحيطات.

التغير المناخي

تخزن الأمازون والغابات الاستوائية الأخرى ما بين 90 و140 مليار طن من الكربون، وتساعد بذلك على استقرار المناخ العالمي. وتمثل غابات الأمازون المطيرة وحدها 10٪ من إجمالي الكتلة الحيوية للكوكب. وفي المقابل فإن الغابات التي تمت إزالة شجرها ونباتها هي أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة. وإزالة الغابات من أجل تحويلها لأراض تستخدم للزراعة ينتج عنها إطلاق غازات دفيئة في الغلاف الجوي وتزعزع استقرار المناخ.

نصت اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 على وضع هدف الحد من ارتفاع حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وينطوي ذلك حتماً على الحفاظ على الغابات. وتظهر بيانات الأمم المتحدة لعام 2015 أن البرازيل هي واحدة من البلدان العشرة التي لديها أعلى انبعاثات للغازات الدفيئة على مستوى العالم.

وأعلنت البرازيل التزامها دولياً بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 43 في المائة بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2005. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، التزمت البلاد بزيادة حصة الطاقة الحيوية المستدامة في مزيج الطاقة لديها، والتزمت بأمور أخرى أيضاً من بينها إعادة تشجير 12 مليون هكتار من الغابات.

أكبر تنوع حيوي في العالم

عشرة في المئة من جميع الأنواع المعروفة على وجه الأرض موطنها هي منطقة الأمازون. إنها أكبر الغابات الاستوائية في العالم وبها أكبر تنوع بيولوجي على مستوى العالم. وبها أيضًا عدد كبير من الأنواع التي لا تزال غير معروفة للعلماء، خاصة في المناطق النائية.

الحفاظ على التنوع البيولوجي أمر مهم لأنه يضمن الاستدامة لجميع أشكال الحياة. كما أنه من خلال ذلك تتعافى من الكوارث بشكل أفضل، مثل حرائق الغابات، النظم الإيكولوجية الصحية والمتنوعة.

يساهم الحفاظ على التنوع البيولوجي أيضًا في تثبيت النظم البيئية الأخرى في المنطقة. والشعاب المرجانية الضخمة قبالة مصب نهر الأمازون في المحيط الأطلسي هي موطن للشعاب المرجانية المهددة بفعل ارتفاع حرارة الأرض.

وفقًا لعالم الأحياء كارلوس إدواردو لايتى فيريرا من جامعة فيدرال فلومينينسى في ريو دي جانيرو، فإن هذه الشعاب يمكن أن تساعد في إعادة ملء المناطق المتضررة في المحيطات بالشعاب المرجانية. ومع ذلك، فإن شركات النفط مثل توتال وبي بي (بريتش بيتروليوم) لديها خطط للتنقيب عن النفط بالقرب من شعاب الأمازون، مما يهدد هذا النظام البيئي.

منتجات من الغابات المطيرة

الأنواع التي تستوطن غابات الأمازون مهمة أيضاً لإنتاج الأدوية والأطعمة وغيرها من المنتجات. ويوفر أكثر من 10 آلاف نوع من النباتات في المنطقة مكونات فعالة للاستخدام الطبي أو مستحضرات التجميل أو المكافحة البيولوجية للآفات.

وفقا لدراسة أجرتها جامعة "ABC" في ساو باولو، فإن استخدام ما يسمى بـ"مخلب القط"، وهي نبتة موطنها غابات الأمازون، لا يقتصر على علاج التهاب المفاصل والعظام فحسب، بل يمكن استخدامها أيضاً في التقليل من التعب وتحسين نوعية حياة مرضى السرطان في المراحل المتقدمة.

تباع منتجات الغابات المطيرة في جميع أنحاء البرازيل: التوت الأسي، والغوارانا، والفواكه الاستوائية، وقلوب النخيل، وأيضًا منتجات سكان المنطقة الأصليين. وأهم ما تصدره البرازيل: الجوز البرازيلي، والجارينا (نوع من النخيل)، والروتيل (معدن)، والجابوراندي (مواد عشبية فعالة)، والخشب الوردي النفيس، والصمغ، والزيوت.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:

ترامب يصدر أمراً للشركات الأمريكية بالانسحاب من الصين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-24

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه أصدر "أمراً واجب النفاذ" للشركات الأمريكية بمغادرة الصين بعد إعلان بكين فرض تعرفات جمركية على سلع ومنتجات أمريكية.

ولم يوضح البيت الأبيض إذا ما كان لدى الرئيس الأمريكي السلطة التي تخوله أن يجبر الشركات الأمريكية الخاصة على مغادرة الصين.

وتعهد ترامب بالرد على بكين بعد أن كشفت السلطات الصينية النقاب عن خطة لفرض تعرفة جمركية بواقع 10 في المئة على سلع ومنتجات أمريكية بقيمة قد تصل إلى 75 مليار دولار سنويا.

وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي أكثر من 620 نقطة بانخفاض بلغ 2.4 في المئة في تعاملات يوم الجمعة، بينما أغلق مؤشر فوتسي بخسارة 100 نقطة لبورصة لندن كما أغلق مؤشر داكس بخسارة بلغت 30 نقطة لبورصة فرانكفورت.

وقال الرئيس ترامب، في نهاية حديثه الحافل بالانتقادات اللاذعة: "نصدر أمرا واجب النفاذ للشركات الأمريكية بأن تبدأ في البحث عن بديل للصين، وأن تنقل جميع أعمالها إلى الوطن وتصنع منتجاتها هنا في الولايات المتحدة".

وغرد ترامب على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، قائلا: "لا نريد الصين، وبصراحة، سنكون أفضل بكثير بدونهم".

وأضاف: "بلادنا فقدت، بغباء، تريليونات الدولارات أثناء التعامل مع الصين على مدار سنوات عدة. لقد سرقوا حقوق الملكية الفكرية الخاصة بنا، والتي تُقدر بمئات المليارات سنويا. إنهم يريدون الاستمرار في ذلك، لكنني لن أسمح لهم".

ومن المقرر أن تتراوح التعرفة الجمركية الصينية ما بين 5 و 10 في المئة، وستشمل حوالي 5000 سلعة ومنتج أمريكي يدخل إلى السوق الصينية سنويا.

وأضاف ترامب في تغريدة أخرى إنه "سوف يرد على التعرفة الصينية ظهر الجمعة".

وستعيد الصين العمل بتعرفة جمركية مقدارها 25 في المئة على السيارات المستوردة من الولايات المتحدة، بعد أن كانت ألغتها في وقت سابق من العام الحالي كبادرة على حسن النوايا، في وقت كانت فيه الدولتان تحاولان التفاوض حول اتفاقية تجارية مشتركة.

وقال ممثل مصنعيّ السيارات في الولايات المتحدة، جون بوزيلا إنه "عندما فرضت الحكومة الصينية هذه الرسوم للمرة الأولى عام 2017، تراجعت الصادرات الأمريكية من السيارات بنسبة 50 في المئة". وأضاف "لا يمكننا أن نترك هذا يحدث مرة أخرى".

وكان ترامب، أعلن في الأول من أغسطس/ آب الجاري، فرض تعرفة جمركية بواقع 10 في المئة على سلع ومنتجات صينية تصل قيمتها 300 مليار دولار سنويا، مبررا قراره بأن الصين لم تلتزم بوعودها أن تشتري المزيد من المنتجات الزراعية الأمريكية.

وكان العمل بالرسوم الجديدة سيبدأ اعتباراً من الأول من سبتمبر/أيلول، إلا أن ترامب وعقب أسبوعين فقط، أجل الموعد إلى 15 ديسمبر/كانون الأول. خوفا من تأثير ذلك على المتسوقين لأعياد الميلاد.

وتخطط الصين إلى تطبيق نظام الرسوم الجديدة عبر مرحلتين، الأولى في 1 سبتمبر/أيلول، والثانية في 15 ديسمبر/كانون الأول.

هجوم على الفيدرالي
حول ترامب هجومه على رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، بعد أن حذر الحكومة في وقت سابق من مخاطر اقتصادية للحرب التجارية مع الصين.

وتسائل الرئيس الأمريكي عما إذا كان باول "عدوا" للولايات المتحدة أكثر من الرئيس الصيني شي جين بينغ.

وكان جيروم حذر الجمعة الماضية، في الاجتماع السنوي للبنك الفيدرالي في جاكسون هول، من أن التوترات التجارية تلحق أضرارا بالاقتصاد العالمي.

وأضاف أن الفيدرالي ليس لديه دليل إرشادي للتعامل مع تبعات تلك التوترات.

وتسعى الولايات المتحدة إلى التقليل من شأن أخبار فرض الضرائب الجديدة، ففي تصريح لشبكة سي إن إن الإخبارية، قال مستشار الرئيس ترامب للشؤون التجارية بيتر نافارو إن الرسوم الصينية كانت "متوقعة" وأن "هذا ليس خبرا مفاجئا".

وأضاف أن المحادثات بين البلدين أجريت في موعدها المحدد، مشيرا إلى أن فرض الرسوم الجديدة لن يضر بالأمريكيين.

وقال المستشار إن "المستهلكين عادة لا يشعرون بألم (الحرب التجارية). ونحن نركز جهودنا على أن نجعل الصينيون يشعرون بالألم، وليس نحن".

وأضاف أن التباطؤ الاقتصادي الذي تعرضت له الولايات المتحدة كان نتيجة خطأ من الاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي أثار انتقادات من ترامب لعدم إجراء تخفيضات أكبر في معدلات أسعار الفائدة.

وقال نافارو "على البنك أن يخفض معدل سعر الفائدة أكثر لتحفيز النمو".

وهبط مؤشر داو جونز الصناعي الجمعة الماضية إلى مستوى 25629 نقطة بعد أن فقد حوالي 623 نقطة بخسارة بلغت 2.37 في المئة. وتراجع مؤشر S&P500 إلى 2847 نقطة بخسائر بلغت نسبتها 2.5 في المئة مع هبوط مماثل لناسداك للصناعات التكنولوجية الثقيلة إلى 7751 نقطة.

وتتوقع الأوساط المالية الأمريكية أن ترد الصين على الضرائب التي أعلنها ترامب في وقت سابق من الشهر الحالي، لا سيما أن وزارة الخارجية الصينية سبق أن حذرت من أن بكين سترد على ذلك.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

العنف.. صفة ميليشيات الحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-24

محمد خليفة

لن تؤدي سياسة الحوثيين إلا لمزيد من تشرذم اليمنيين، وهضم حقوقهم؛ فهي تحاول أن تضفي الشرعية على اللاشرعية التي تستند إليها بحكم سلاح الباطل، الذي شهرته في وجه شركاء الوطن.
لا ريب أن السياسة التي يتبعها الانقلابيون تقوم على استنزاف الأمة وتدجينها، وضرب المقومات اليمنية: الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وبخاصة العسكرية، وغيرها من الأساليب الهوجاء، التي تحترف النزوع إلى العنف واللاعقلانية، عن طريق الإغراق في استخدام القوة، مما يستنزف طاقات الوطن؛ من أجل السراب والمجهول تحت دعوى أوهام أقرب إلى العدمية والجنون، فهم يبشرون بالخراب، موجهين بوصلتهم التدميرية، القائمة على منطق الفوضى، نحو شعوبهم وشعوب المنطقة، غير عابئين بقيم التعايش والجوار الجغرافي والديموغرافي، باسم الأيديولوجيات. وهذا العمل الباحث عن العنف المخفي وراء الظاهر؛ وهو ما يُسمى «الجينيالوجيا» التي تعود إليها الأشياء، وكأنها تقشير للأغلفة السطحية والمزيفة التي تغطي جوهر الإنسان.
وهذا ما يحصل اليوم في صنعاء؛ عندما سيطروا على بعض المناطق فيها؛ حيث اندفعوا في تفجير أحقادهم، وقاموا بأعمال انتقامية فئوية أكثر من طبقية، وكانت أعمالهم هذه تتزايد شراسة ووحشية؛ بقيامهم بواسطة الطائرات المُسيّرة باستهداف المطارات المدنية، والمنشآت النفطية؛ ومنها الهجمات على حقل الشيبة النفطي شرقي المملكة العربية السعودية، يوم السبت الماضي، بطائرات بدون طيار، مما تسبب في حريق في مصنع للغاز. ويذكر أن حقل النفط والمصفاة يحتويان على أكبر إمدادات استراتيجية بطاقة تقدر بأكثر من مليار برميل.
وهذا السلوك المخالف لطبيعة الأشياء، يدفع إلى محاولة تحطيم تراث وقيم الأمة؛ بحيث يجعل هذه الفئة الحوثية ذاتها المحط الدائم لكل قوة، وتكون في حال من انفعال مستمر، وبصورة لاواعية؛ بافتعالها كل سبب لإشعال الفتنة، وإشاعة الفرقة والانقسام في كل محافظة من محافظات اليمن، وتسديد الطعنات المسمومة إلى كل توافق أو تجانس بين جماعات الوطن في المدن اليمنية؛ وذلك كله بغية الاستيلاء على السلطة، ليس حباً في السلطة وإن كان طبع الجبابرة إراقة الدماء؛ طمعاً في الانفراد بالسلطة التي تخولهم الولوغ في أنهار الدماء وإنما تنفيذاً لأجندات أخرى لا تخفى على من يتابعون الشأن اليمني.
لا ريب أنهم يعيشون ازدواجية حادة في الشخصية الناجمة عن التعارض الحاد القائم بين ثقافة هذه الفئة المادية في الشكل والمضمون، وجذورها الدينية؛ من حيث العقيدة والتراث والتاريخ. وهكذا كانت هذه الفئة تعيش بصورة لاواعية، منفصلة عن محتواها العقلي العام؛ حيث يتجلى لديها جنون القسوة بأبشع صورها الإنسانية.
دون شك فإن هذا العبث واللامعقول يمثل نهاية هذه الميليشيات المتطرفة، بعد خروجها على كافة القواعد الأخلاقية والقيمية، مندفعة بغرائز بوهيمية، تترجمها أفعالها المتهورة، وبانتهازية وتربص وسوء نية، وترتبط ارتباطاً مباشراً بالعدوانية، وفسيفساء الأعراق والتشظي العرقي.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية