"ذكرياتي مع جماعة المسلمين" لعبدالرحمن أبو الخير.. رحلة في متاهات عقلية التكفير

"ذكرياتي مع جماعة المسلمين" لعبدالرحمن أبو الخير.. رحلة في متاهات عقلية التكفير

مشاهدة

07/06/2021

رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على صدوره، ما يزال كتاب عبدالرحمن أبو الخير (ذكرياتي مع جماعة المسلمين) يكتسب قيمة كبيرة، ليس بسبب المعلومات التي يوردها بين طياته، بل لأن كاتبه وصل لأعلى مراتب القيادة، وكان بجوار مؤسس (جماعة التكفير والهجرة) شكري مصطفى، وأصبح مستشاره السياسي، ووصل إلى مكانة مقربة من كل قياداتها، ولم يترك أفكارها رغم الأحداث الجسام التي مر بها.

شكري وعقيدة التكفير

يعتقد عبدالرحمن أبو الخير أنّ ما اعتنقه ونظّر له شكري مصطفى هو الإسلام الصحيح، ففي 18 كانون الثاني (يناير) 1978 كتب هذه المذكرات في وقت النطق بالحكم على شكري بالإعدام، قائلاً: إنها من أجل أعضاء الجماعة حتى يدركوا أنهم الفئة المختارة، وأنّ الإسلام ليس النطق بالشهادتين فقط، والمعصية كفر، فليس هناك في عقيدته المسلم العاصي.

رغم مرور أكثر من 40 عاماً على صدوره مايزال كتاب "ذكرياتي مع جماعة المسلمين" يكتسب أهمية كبيرة

يشير أبو الخير في إيجاز في مقدمة كتابه إلى عقيدة شكري مصطفى وأنّ أهم محاورها أن كل المجتمعات القائمة جاهلية، رفض أقوال الأئمة والإجماع، والالتزام بـ(جماعة المسلمين – التكفير والهجرة) فرض، ويكفر من يتركها، وكفر من يرتكب المعصية.

يقول أبو الخير: "بينما أتذكر مشاهد أيامي مع الشيخ شكري، يحضرني حوار الأخ أبو مصعب، وهو من وجهاء الجماعة، وقد حباه الله بجمال في الخلقة والخلق، ففي يوم 18 ذي القعدة، نشرت صحيفة الجمهورية نبأ تنفيذ حكم الإعدام في الشيخ صالح سرية، وكارم الأناضولي، المتهمين في قضية الفنية العسكرية، فسألت أبا مصعب أن نصلي عليهما صلاة الغائب، لكنه رفض، لأنهما كفرة، فلما سألته، قال أبلغناهما الحق فرفضوه، فقلت متى أبلغتموهما، فرد، حينما كنا معهما في سجن مزرعة طرة، فقلت له، علام اختلفتم؟ فقال: اختلفنا في مسألة أقوال الصحابة، والفقهاء، إنهم يأخذون بها، ونحن لا نعول عليها"!

يعتقد عبدالرحمن أبو الخير أنّ ما اعتنقه ونظّر له شكري مصطفى هو الإسلام الصحيح

ومع الكتاب نرى كيف كان شكري يقول بتكفير مرتكب المعصية، وإنه مساوٍ للشرك بالله، ولا توجد صغائر وكبائر في الدين، وفسر قوله تعالى "بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ" بأنّ عدم أداء طاعة واحدة مفروضة يسقط بقية الطاعات الأخرى التي يؤديها المسلم، إذ لا بد أن تؤدى جميع الطاعات المفروضة مجتمعة وإلا فكأنها لم تكن، مساوياً بين الظلم والفسق والكفر، وقال إن الظالم والفاسق كافر، فكلمتا فسق وظلم مرادفتان لكلمة كفر.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة

كما حرم الصلاة بالمساجد، والتعليم في المدارس، وقال بالنص "لم نجد رسول الله يفتتح الكتاتيب والمعاهد لتعليم المسلمين الكتابة والحساب، وإنما أذن رسول الله في التعليم بقدر الحاجة والضرورة لكتابة القرآن، وقد ثبت أن الأعلم بالله والأتقى له هو الأقل علماً بأمور الدنيا".

وزعم أنّ صلاة الجمعة لا تجوز لجماعته المسلمة "فأن نودي لصلاة الجمعة من منادٍ غير خاضع للجماعة والجماعة غير باسطة سلطانها على هذا المسجد فلا فريضة للجمعة عندنا، حتى ولو كان المسجد الحرام".

كما حرّم الالتحاق بالجيش، وأفتى بتحريم المرأة التي تدخل جماعته على زوجها لأنه كافر.

اقرأ أيضاً: كتاب ينقد الأصولية فكرياً من خلال واقعها .. كيف؟

كان من أخطر الآراء التي ذكرها شكري مصطفى، هو زعمه عدم ثبوت القرآن، حيث قال: "القرآن ليس قطعي الثبوت من الناحية النظرية المطلقة، ولكنه عملياً في أعلى درجات الثبوت التي تكفى لعبادة الله".

يوضح أيضاً أبو الخير شخصية شكري وأنه كان منبوذاً ليس بسبب دماثة خلقه، لكن لموقفه العقائدي ولعصبية طبعه، قائلاً: إنه كان قائد أكبر انطلاقة في تاريخ الحركة الإسلامية، لكنه في ذات الوقت كان صائغاً لأكبر مأساة، أي العمل من خلال خطة العدو، حيث وظّف الجماعة لخدمة الطاغوت، وكان الرجل لا يخلو من عصبية.

الطريق للنهاية

يتأمل أبو الخير جريدة الأخبار المصرية، وعلى صدر صفحتها لقاء الرئيس المصري السادات بالأمريكي فورد بمنتجع جلاسبورو، وفي منتصف الصفحة قصة جماعة أهل الكهف، وبين السطور اسم جماعة التكفير والهجرة، الذي أصبح هو الاسم السائد على الجماعة، فيقول: وجدت نفسي أخرج من عزلتي البائسة لأنصح الأخ شكري.

شكري مصطفى

التقى أبو الخير عبد الرؤوف أمير الجيوش (أفرج عنه العام 2011 على ذمة انتمائه لتنظيم الجهاد) وكان قد اعتقل معه من قبل، في قضية الفنية العسكرية، وسأله لو كان يعرف أي أحد ينتمي لشكري ويعرف مكانه، وفي اليوم التالي أوصله إلى شخص كان الطريق للرجل.

وفق ما كتب أبو الخير أقبل شكري إليه وفي يمينه شاب نحيل، ماهر بكري، ابن أخته مفتي الجماعة، ومسؤول الإعلام بها، ونائبه، وانطلقوا جميعاً لمنزل الحاج مصطفى الجمل، صهر أبو عبدالله ماهر، ولم يعد أبو سعد شكري هو الفتى العصبي لقد تغير تماماً، لولا بقية من هياجه العصبي.

كان شكري يقول بتكفير مرتكب المعصية وإنه مساوٍ للشرك بالله ولا صغائر وكبائر في الدين

 يروي أبو الخير تلك اللحظات فيقول: تصورت ساعتها أنّ الله ساق أبو سعد ليخرج المسلمين من كبوتهم، وهو يتحدث عن السادات وعبدالناصر، وأنّ سيادة القانون هي في مصلحة الجماعة المسلمة، وقد تعودت أنه حين أعترض عليه كان يقبل بكلامي ثم يلقيه في سلة المهملات صباحاً، هكذا كان يعتز برأيه.

ليست تلك المرة التي التقى فيها أبو الخير شكري، فقد أصبح مستشاره السياسي، وفي مرة جاءه أبو العوف منصور أمين، يطلبه للقاء أبي سعد، كما يطلب أبو الغوث محمد الأمين، عضو مجلس شورى الجماعة، وساعتها تحدثوا عن القذافي، الذي عرض عليهم دعم الجماعة، فاعترض كاتب الكتاب، مبيناً أنها خطة لتسليمهم فيما بعد للسادات، قائلاً: كان أبو سعد حسن النية بالقذافي، وكان يفسر هجوم القذافي أنه نقمة من الله على المصريين الذين لم يتبعوا جماعة المسلمين، لكن بعد حديثي ألفيت لأول مرة قناعة على غير عادته، وقال لهم: نحن مقبلون على مرحلة البلاغ العام الذي تشترك فيه الإذاعة والتلفزيون.

في ص61 تحدث عبدالرحمن أبو الخير عن العرض الذي قدمته الحكومة المصرية عن طريق المحامي شوكت التوني، والطرف الوسيط عضو الجماعة صفوت الزيني، لتعويض شكري وإخوانه عما لحقهم من أضرار، وأن يمارسوا دعوتهم بحرية، في مقابل التصدي للجماعات الأخرى، يقول: كم كان كريماً في استضافتي، وكم كنت فرحاً لكي نراجع المسيرة سوياً، فشرحت له أبعاد الموقف السياسي في المنطقـة وأثره على الحركة الإسلامية، ثم تحدث معي حول القذافي ألفيته يعتقد في جدية خصومته مع مصر، لكنني فرغت من سرد دور القذافي بالمنطقة كمحطة تفريغ وإجهاض للقوى المعادية، اقتنع الأخ شكري، ولأول مرة منذ بدء عملنا سوياً، واستدار إلى جلسائه ولخص لهم الحديث، وأبان صحته، وقال: كلام معقول.. إنّ القذافي أخذ موقف العداء لنلتجئ إليه ثم يخوننا.

من أخطر الآراء التي ذكرها شكري مصطفى هو زعمه عدم ثبوت القرآن

يفسّر أبو الخير انهيار الجماعة بدءاً من هذه النقطة، ويعتبر أن موافقة أبي سعد على العمل من خلال أجهزة إعلام الدولة المصرية، وإعطائها فرصة بعمليات مقصودة للحديث الإعلامي هو بداية الانهيار، إذ قال شكري: أنا في مرحلة الاستضعاف ونحن ندخل إليهم من خلال خطتهم.

يقول أبو الخير: في 31 مايو 1975 بدأوا تسليط الضوء على الجماعة، عقب تكليف رفعت أبي دلال بقيادة مجموعات للتخلص من المنشقين عن الجماعة، وإرسالهم لضرب المنشقين في منطقة المعصرة، لكنني خرجت من لقاء شكري بالإسكندرية مفعماً بالثقة، لقد عرفت بأخبار الهجوم "القتالي" للشيخ على مجموعة المرتدين، وعلى حسن الهلاوي وتجمـع الفنيـة العسكرية بالهـرم، وعلى المنشقين عنه بالإسكندرية كما وصفته ونقلته الصحف، كنت أسير في شارع رمسيس، فإذا بسيارة شركة مقاولات تتوقف إلى جواري، بها الشاب أحمد كان معي بمعتقل طره السياسي سنة 1970، فناداني قائلاً: "إن شكري طعن الهلاوي عشرين طعنـة بالسكاكين".

من "التبوؤ" إلى النهاية

في 17 حزيران (يونيو) سنة ١٩٧٧، بدأ ما يسمى مرحلة التبوؤ، أي الانتقال والهجرة لتمر في نقطة بعيدة، والعيش فيها، ثم العودة فيما بعد لتحرير العالم من الجاهلية، وفق أيديولوجية الجماعة.

اختارت الجماعة منطقة العين السخنة بالبحر الأحمر، وهاجر أبو الخير إلى هناك لكن وصلته رسالة بعد 6 شهور بالعودة، بعد أن كانت هناك مجموعة بالخطاطية، وأخرى بصحراء مديرية التحرير، بقيادة أبو الخير وأبو توبة وأبو طلحـة (صفوت الزيني).

اقرأ أيضاً: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟

في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1976 أمر شكري أعضاء الجماعة للاختفاء، وحلق اللحى، وجاء إلى أبي الخير العضو أبو حذيفة، فالتقاه داخل نقابة الصحافيين المصرية، وأخبره أن المحامي شوكت التوني عرض على الجماعة إطلاق يدها في العمـل، ورفع قضايا بالمحكمة لأخذ تعويضات، وموافقة شكري، ثم قدم إليه ورقة بها عدة طلبات أهمها أن زعيم الجماعة يطلب كتاب (أحجار على رقعة الشطرنج)، وأية معلومات عن الكوارث التي تصيب البشرية، واقتراب العالم من الفناء!، وملف مكتوب عن الزلازل، إذ كان يتصور أن الدنيا ستنقلب حال هوجم وتم القبض عليه.

يتهم عبدالرحمن أبو الخير جماعة الإخوان أنها ماسونية مؤكداً أنّ منهم من كان يتعاون معها

المفاجأة التي يوردها أبو الخير هو تعرّفه على الشاب حمدي السعيد، المتزوج من امرأة تسمى (قوت القلوب)، وكان بيته محطة استقبال لأعضاء الجماعة، وكيف أنه دخل في مناظرات فكرية معها، وكانوا يلقبونها بـ(بلقيس الحركة الإسلامية)، وهي من اختارت له فيما بعد زوجة، واكتشف بعد ذلك إصرار زوجته على الدوام على زيارتها، بل وكيف دعته زوجته لترك بيعة شكري ومبايعة بلقيس كأميرة، ولما رفض، هربت زوجته إليها، إذ كانت تستخدم النساء للتجنيد والاستقطاب.

اقرأ أيضاً: "الحريات الأسيرة": الكشف عن استغلال الدين للاستبداد بالحكم

رغم العلاقة الكبيرة بين أبو الخير وشكري مصطفى إلا أنه كان متوتراً في أيامه الأخيرة ويرفض النصائح، وهدده بسحب نصائحه، يقول: سحبت نصيحتي على الفـور، وآثرت الصمت والاستماع دون مناقشة إلى أن انتهى أبو عبد الله من عرض بحث الخلافة، وهو أهم كتاب للجماعة.. لقد بت خائفاً أترقب، حيث کنت أنام في نفس الحجرة التي كان ينام فيها أبو سعد ومعه أبو عبد الله وسمعت الهمس بينهما.. لقد كان الجو الذي أشاعه الإعلام عن الجماعـة، والوجه العملي لعصبية بعض الأفراد كفيلاً بأن يجعلني أترقب.. لقد كان يكفي أن لا يعجب إنسان ما بنقاش الآخر، فيعتبره خارج الدائرة، ويسلط عليه بالتالي الاتهام بالجاهلية .

يضيف أبو الخير: في الأيام الأخيرة سمعته يشرح طبيعة الحسابات الدقيقة للمصالح المشتركة بين الجماعة المسلمة وبين الجاهلية، ويقول: إذا كانت هناك عملية ما يمكن أن تقوم بها الجماعة بالاشتراك مع العـدو بحيث تكسـب الجمـاعـة ٥٤٪ منها ويكسب العدو 46% منها، نؤديها لأنّه دون ذلك لن تتقدم الجماعة خطوة واحدة.

يتهم عبدالرحمن أبو الخير جماعة الإخوان أنها "ماسونية"، مؤكداً أنّ هناك من كان يتعاون معها منهم مثل الصحفية ليلى أحمد حسين، التي توغلت لعقل شكري، وكانت تقول له: "نحن لم نسمع من قبل وقد لا نسمع من بعد داعية يشرح قضية الإسلام بمثل هذا الرجل".

اقرأ أيضاً: مذكرات منشق داعشي.. ماذا جاء فيها؟

بدأت الأمور تتهاوى عقب مرحلة الاغتيال للمناوئين والمنشقين، وأصدر شكري أمراً بمراقبة الأعضاء بعضهم البعض، وعدم التعاون مع أي جماعة أخرى، يقول أبو الخير: إنّ لعبة خطف وقتل الدكتـور الذهبي التي أعد لها الشيخ شكري في الشقق المفروشة، وخبأ أمرها عني وعمن يحبونه، قد وضعت عنقه نفسه على حبل المشنقة، وسجنت النساء والرجال ووأدت الدعوة.

يختم أبو الخير: إنّ شكري كان يقول إنه لن يقتل إلا بعد أن يبلغ ويهاجر ويقاتل، وكان يقول إنه إذا قتل قبلها فعلى جماعته أن تراجع منهجها، لكن صُدّق على الأحكام، ونفذ الحكم فيه يوم 30 آذار (مارس) عام 1978.

الصفحة الرئيسية