رئيس "الوفاق" في الأمم المتحدة: على مَن تتلو مزاميرك يا سراج؟

رئيس "الوفاق" في الأمم المتحدة: على مَن تتلو مزاميرك يا سراج؟

مشاهدة

29/09/2020

لا يعدو الخطاب الذي صرّح به رئيس حكومة الوفاق الليبية، خلال انعقاد الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي تحدث فيه عن ضرورة "إخراج القوات الأجنبية من ليبيا"، وبحث سبل "الحل السياسي السلمي"، وبناء "الدولة المدنية الديمقراطية"، أن يكون أكثر من مقولات فضفاضة، يقف منها على النقيض، وقد اعتبرها مراقبون، تبرز تناقضات جمّة، في ظل الحقائق السياسية والميدانية التي تعكسها ممارسات حكومته، في طرابلس، والمناطق الخاضعة لنفوذها، والتي إلى جانب انتهاكات عناصرها المسلحة، المدعومة من تركيا، ضد المدنيين أو خرق الاتفاقيات الأممية التي تطالب بوقف إطلاق النار، فإنّ ثمة اقتتال عنيف قائم، بين تلك الميليشيات وبعضها على المال والنفوذ السياسي.

الميليشيات وصراع الحكم

وليس خافياً أنّ الصراع بدأ يتسلل ويتعمق داخل حكومة الوفاق، على أكثر من مستوى، ما يزيد من تعقيدات المشهد الليبي، وقد ارتفعت وتيرة الانقسام بين السراج ووزير الداخلية، فتحي باشاغا، الأمر الذي ظهر عندما قام السراج بفتح تحقيق مع الأخير على خلفية الاشتباكات الدامية التي حصلت بين قوات الأمن والمتظاهرين، في طرابلس، فقامت ميليشيات مصراته بتطويق مقر الحكومة أثناء التحقيق، في مشهد عكس تحدياً مباشراً لرئيس حكومة الوفاق، ولم يعد وزير الداخلية لمنصبه إلا بعد زيارته لتركيا.

الخلاف بين ميليشيات طرابلس ومصراته على النفوذ السياسي والحكم، تراكمه الأحداث والسياقات المتصاعدة في ليبيا، ولا يبدو في الأفق ما يبعث على حدوث انفراجة أو هدوء واستقرار بينهما. وبينما تحدث السراج عبر منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة عن "دولة القانون"، كان الاقتتال الداخلي المحتدم يفتك بين عناصر ميليشيات حكومة الوفاق. وقد طالبت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا "وقف فوري للأعمال العدائية في طرابلس"، وذلك على إثر ما شهدته المنطقة الشرقية لطرابلس من اشتباكات مسلحة عنيفة.

بعد الاشتباكات العنيفة بين الميليشيات في طرابلس أخفقت محاولات وزير الدفاع بحكومة السراج، في وقف الصراع الدائر، بينما دخل على خط المفاوضات، زعيم أحد الميليشيات بمصراته

وذكرت بعثة الأمم المتحدة في بيان لها، أنّها "تتابع بقلق بالغ الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين مجموعتين مسلحتين في الحي السكني تاجوراء في طرابلس، ما أسفر عن إلحاق الضرر بالممتلكات الخاصة، وتعريض حياة المدنيين للخطر". كما شدّدت على جميع الأطراف بضرورة الامتثال إلى القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أنّ "الاشتباكات المسلحة تؤكد الحاجة الملحة لإصلاح قطاع الأمن في ليبيا".

اقرأ أيضاً: هل تستطيع حكومة الوفاق الليبية حل ميليشيات متقاتلة في طرابلس؟

وفي تقرير صادر، مؤخراً، عن منظمة العفو الدولية، وثقت مجموعة من الانتهاكات الحقوقية من جانب ميليشيات حكومة الوفاق ضد المدنيين؛ حيث أوضحت أنّ آلاف المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى أوروبا، وتمّ اعتراضهم وإعادتهم إلى الشواطئ الليبية خلال العام الجاري، تم إخفاؤهم قسراً، وذلك بعد إخراجهم من مراكز الاحتجاز، غير الرسمية، التي تخضع لإدارة الميليشيات المتحالفة مع حكومة السراج.

جرائم الوفاق في ليبيا

وبحسب نائب المدير الإقليمي للمنظمة الأممية، ديانا الطحاوي، فإنّ "الاتحاد الأوروبي يواصل تنفيذ سياسات تحاصر عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال، في حلقة مفرغة من الانتهاكات، ما يظهر تجاهلاً لحياة الناس وكرامتهم"؛ إذ إنّ "هناك آلاف المدنيين تعرضوا للاختفاء القسري خلال هذا العام، بعد نقلهم إلى مراكز احتجاز غير رسمية، غرب ليبيا، خاصة في مصنع التبغ في طرابلس، الذي تديره ميليشيات توالي حكومة الوفاق"، حسبما أوضح التقرير الأممي.

وطالبت الطحاوي الاتحاد الأوروبي بضرورة إعادة النظر في علاقاته ودعمه للسلطات الليبية؛ حيث يتعرض المختطفون إلى التعذيب والاغتصاب حتى تدفع أسرهم فدية لضمان الإفراج عنهم، إذ لا توجد أي ضمانات قانونية لإخراجهم غير هذه الطريقة، كما "يموت كثيرون في مقرات الاحتجاز، غير الرسمية، بسبب العنف، والتعذيب، والإهمال الطبي". ومن ثم، أوصى التقرير بوقف أيّ دعم من جانب الاتحاد الاوروبي، طالما لاتقوم بوضع إجراءات فورية تهدف إلى وقف الانتهاكات بحق اللاجئين والمهاجرين.

الصحفي أحمد عبد الحكيم لـ"حفريات": المرتزقة والمسلحون الأجانب الذي أشار إليهم السراج بالجمعية العامة للأمم المتحدة، هم ممثلوه على الأرض، وفي المناطق التي تخضع لسيطرة حكومة الوفاق

يتفق ما أشار إليه تقرير المنظمة الدولية، المعنية بحقوق الإنسان، مع ما حدث خلال حزيران (يونيو) الماضي، بعد انتشار مقطع فيديو مثير لعدد من العمال المصريين، تعرضوا خلاله لانتهاكات غير إنسانية من قبل ميليشيات الوفاق، وقد دانت الأمم المتحدة هذا السلوك، وطالبت بإجراء تحقيق فوري، ففي بيان صدر عبر صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها إزاء اعتقال واحتجاز وسوء معاملة عدد كبير من المواطنين المصريين، في مدينة ترهونة، فيما يعد انتهاكاً لالتزامات ليبيا، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بشأن حظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة.

السراج والدور الوظيفي لتركيا

الصحافي والباحث المصري، أحمد عبد الحكيم، يعلق على هذه التطورات، فيرى أنّ خطاب السراج بالأمم المتحدة حمل رسائل من يمثلهم في السلطة، أي تركيا، وبالتالي، لا يمكن أن يؤخذ على أيّ اعتبار آخر، سوى دوره الوظيفي الذي يؤديه لحساب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصلات الدعم السياسية والاقتصادية والإقليمية التي تقوم بينهما، في ليبيا وشرق المتوسط.

اقرأ أيضاً: الأزمة الليبية: إلى أين سيؤدي تفكك معسكر الوفاق؟

ويضيف عبد الحكيم لـ"حفريات": "المرتزقة والمسلحون الأجانب الذي أشار إليهم السراج بالجمعية العامة للأمم المتحدة، هم ممثلوه على الأرض، وفي المناطق التي تخضع لسيطرة حكومة الوفاق، وهم أنفسهم الذين تدور بينهم عمليات اقتتال، تبدو منطقية وعادية، كما جرى مع تجارب مماثلة في عدة دول، وهو الأمر الذي توقعه محللون، وحذر منه الجيش الوطني الليبي، نظراً للطبيعة المتمردة للميليشيات المسلحة، ومن ثم، ليست هناك فرصة للحديث عن دولة مدنية أو دولة قانون، إنّما دويلات تقودها عناصر مسلحة".

ويلفت الباحث المصري إلى أنّه بعد الاشتباكات العنيفة بين الميليشيات في العاصمة الليبية، طرابلس، أخفقت محاولات وزير الدفاع بحكومة السراج، صلاح النمروش، في وقف الصراع الدائر، بينما دخل على خط المفاوضات، زعيم أحد الميليشيات في مصراته، صلاح بادي، المعروف بصلاته بجماعة الإخوان، حيث أسّس تنظيم "فجر ليبيا"، والذي يعد الذراع المسلح للجماعة المحظورة، في القاهرة، وعدد من الدول العربية، ثم دشن ميليشيا مسلحة أخرى باسم "لواء الصمود"، وقد ارتكبت "جرائم حرب" عديدة في ليبيا، وشنّ هجمات دامية على مطار مصراته الدولي، في العام 2014، ما ترتب عليه وضعه على قوائم الإرهاب، بحسب تصنيف مجلس الأمن، في العام 2018.

اقرأ أيضاً: هل يكتب صراع السراج مع معيتيق نهاية حكومة الوفاق؟

ويشير عبد الحكيم إلى صلات تركيا المباشرة بالجماعات والأفراد، المصنفين على قوائم الإرهاب، من ناحية، وتوفير الدعم المالي والسياسي لها، من ناحية أخرى؛ حيث استقبلت أنقرة بادي، خلال العام 2017، وذلك بعد فشل ميليشياته في السيطرة على العاصمة الليبية، طرابلس، فهرب إلى تركيا قبل أن يعود إلى ليبيا، في آب (أغسطس) العام 2018، بهدف القيام بمجموعة أخرى من العمليات العسكرية، في مصراته، قضى على إثرها مئات المدنيين.

الصفحة الرئيسية