رحلة البحث عن مصادر تمويل التنظيمات الإرهابية

رحلة البحث عن مصادر تمويل التنظيمات الإرهابية
صورة حسن محمد مصطفى
باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية
5618
عدد القراءات

2018-01-24

يحاول بحث "دور عملة البتكوين في تمويل الجماعات والتنظيمات الإرهابية"، التجوّل بين عديد القضايا المرتبطة بالواقع المعيش؛ ليحلّ ألغازه، ويشرح، عبر رحلة طويلة، كيف استغلت الجماعات الإسلامية الإرهابية عملة "البتكوين" الافتراضية، لتصبح أحد أهم مقومات اقتصادها.

أثناء الرحلة الدقيقة عن هذه المصادر، يجدها الباحث متعددة، ويحاول رصد معظمها، فيذكر منها:

الاستيلاء على آبار النفط وتصديره: فقد تبنّت التنظيماتُ الإرهابية، سيما داعش، إستراتيجية السيطرة على آبار النفط، والاستيلاء على إنتاجه، ومن ثمَّ بيعه، وذلك للاستفادة من عوائده، وهو ما حدث في حالتي سوريا والعراق، فقد سيطر داعش، في 2 آب (أغسطس) عام 2014، على حقلي "عين زالة" و"بطمة" في جنوب كركوك، اللذين تبلغ طاقتهما الإنتاجية الإجمالية 30 ألف برميل يومياً، من النفط الخام الثقيل، كما سيطر على جزء من مسار خط أنابيب تصدير النفط إلى ميناء "جيهان" التركي.

ورغم عدم وجود تقديرات رسمية حول إجمالي سيطرة داعش على المناطق النفطية في العراق، أثناء كتابة البحث، وذلك بالطبع قبل أن يتم تحرير العراق من داعش، بعد معارك متعددة خسرت فيها البلاد العديد من مواردها، فإنّ التقديرات كانت تشير إلى سيطرة التنظيم على ما يقرب من 17% من المناطق النفطية.

تدرك الجماعات العنيفة والمتطرفة، التي تنتهج العنف، أنّ الحفاظ على قوتها وبقائها يتطلب توفير موارد مالية ثابتة

سرقة ونهب البنوك والممتلكات الخاصة: مع اتساع نطاق الفوضى، وخروج العديد من المناطق عن سيطرة الدول العربية، بعد الانتفاضات العربية في بعض المناطق، بدأت المجموعات الإرهابية في الاعتماد على مصدر جديد للتمويل، يتمثّل في سرقة أموال البنوك والمصارف؛ حيث انتشرت عمليات اقتحام وسرقة المصارف، في كلٍّ من العراق واليمن وليبيا؛ ففي العراق، استطاع تنظيم داعش، في حزيران (يونيو) عام 2014، بعد دخول الموصل واقتحام بعض البنوك، الاستيلاء على مبالغ مالية تصل، وفق بعض التقديرات، إلى 425 مليون دولار.

الاتجار في المواد المخدرة وتأمين مسارات التهريب: تعدّ عائدات الاتجار في المخدرات، من أهم مصادر تمويل أنشطة الجماعات الإرهابية، التي تقوم أيضاً بتوفير مسارات التهريب، فعلى سبيل المثال: يقدّم تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" الحماية لمهربي الكوكايين القادمين من الصحراء الإفريقية، المتجهين إلى الدول الأوروبية، مقابل الحصول على مبالغ مالية.

فرض الجزية والابتزاز المالي لغير المسلمين: وقد مثلت الحالة السورية نموذجاً في ذلك، سيما بعد سيطرة داعش على مساحات واسعة في شرق سوريا، وإعلانه تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق التي تخضع لسيطرته؛ ففي أواخر شباط (فبراير) عام 2014، قام التنظيم بفرض جزية على المسيحيين في مدينة الرقة، في صورة مبالغ مالية تساوي 17 غراماً من الذهب للطبقة الغنية منهم، ونصف هذه القيمة لمتوسطي الحال، كما قام التنظيم بالأمر نفسه مع النساء الإيزيديات في سوريا والعراق.

صعوبة تعقب معاملات البتكوين أهم الميزات التي تجذب العناصر المتطرفة والإرهابية

الاتجار بالبشر: انتشر هذا النمط في حالة التنظيمات الإرهابية في العراق، فوفق تصريحات محمد الخزاعي، المتحدث باسم الهلال الأحمر العراقي؛ فإنّه في 8 آب (أغسطس) من عام 2014، قامت ميليشيات داعش بخطف النساء المسيحيات الإيزيديات، وبيعهن في الأسواق بمدينة نينوى، باعتبارهنّ سبايا وجوار، مقابل مبالغ مالية وصلت إلى 150 دولاراً للمرأة الواحدة.

التبرعات واستغلال منظمات العمل الأهلي: في عام 2003، أجرت جامعة "جونز هوبكنز/ (Johns Hopkins)"، دراسة تهدف إلى مقارنة الجمعيات الأهلية غير الهادفة للربح في 35 دولة؛ منها 16 دولة من الاقتصاديات الصناعية المتقدمة، و14 دولة من الدول النامية، و5 دول أخرى تُصنف تحت بند "اقتصاديات انتقالية"، وذلك بناءً على معلومات تم جمعها، في الفترة بين أعوام 1995 و1998؛ حيث خلصت الدراسة إلى أنّ التبرعات التي تلقتها المنظمات الإرهابية، في هذه الفترة، بلغت ما يعادل 1,3 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يعادل 5,1% من إجمالي الناتج المحلي في الدول الـ 35، ما يعني أنّ هذا الرقم ربّما يكون قد تضاعف بعد ذلك، دون وجود رقابة فعَّالة على التبرعات في كثير من الدول.

ولم يمنع قيام كثير من الدول بإيقاف المنظمات التي يُشتبه في تمويلها للإرهاب، من أن تعود هذه المنظمات للعمل مرة أخرى، دون ترخيص من الحكومة، وبشكل خفي، مثل: "جماعة الدعوة" في باكستان، كما حظرت الولايات المتحدة كثيراً منها، لكنها عادت للظهور مرة أخرى تحت أسماء جديدة.

ويُلاحظ أنّ هذه التبرعات قد لا تذهب بشكل مباشرٍ إلى الجماعات الإرهابية، فقد يذهب جزء منها لدعم المساجد والمدارس، التي تبث أفكاراً متطرفة، كما يبين البحث.

وعلى سبيل المثال؛ أصدرت الاستخبارات الأمريكية تقريراً، في عام 2005، يفيد بأنّه تم استخدام 35 مليار دولار من الأموال المخصصة للتبرعات، لبناء مساجد ومدارس تبث أفكاراً متطرفة في إقليم كشمير، وتستهدف بصفة أساسية الفئة الفقيرة من المواطنين.

أصبح لدى التنظيمات الإرهابية، قدرة أكبر على استخدام أدوات أمنية، للتستّر بشكلٍ مُحكمٍ، من خلال شبكات إخفاء الهوية

تزوير العملة والأوراق المالية: تُستخدم هذه الوسيلة في تمويل الإرهاب، عندما يكون التمويل قادماً من دولة راعية للإرهاب، وتستهدف، في الوقت نفسه، الإضرار باقتصاد الدولة؛ حيث يلاحظ وجود علاقة طردية بين زيادة نشاط الإرهابيين وانتشار العملة المزورة، وقد كشفت وحدة مكافحة التمويل الهندية، أنّ العملات المزورة التي تم اكتشافها خلال الفترة بين كانون الثاني (يناير) 2011 إلى آذار (مارس) 2012، قد بلغت 3,27,328 مليون روبية هندية، كذلك أكدت شرطة دبي، في عام 2011، أنّها قد عثرت على 10,700 عملة هندية مزورة بقيم مختلفة، فيما عثرت على 9000 عملة أمريكية مزورة.

فدية الاختطاف: لا ينتبه الكثيرون إلى اتساع نشاط التنظيمات الإرهابية، في ليبيا والمناطق الجنوبية من اليمن، فيما يخصّ عمليات الخطف، بهدف الحصول على فدية مالية مقابل إطلاق سراح المختطفين.

ويُعدّ تنظيم القاعدة في اليمن، الأكثر اعتماداً على الخطف كأداة للحصول على الأموال، فوفق تقرير اعتمدت عليه الورقة البحثية عن صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن ديفيد كوهين، وكيل إدارة مكافحة الإرهاب في وزارة الخزانة الأمريكية؛ فإنّ أموال الفدية التي حصلت عليها الجماعات الإرهابية في الفترة بين عام 2012 وعام 2014، بلغت 120 مليون دولار، علماً بأنّ فرع تنظيم "القاعدة" في اليمن وحده، حصل على ما لا يقل عن 20 مليون دولار من تلك الأموال.

ويمكن القول: إنّ مسألة تجفيف مصادر تمويل الجماعات الإرهابية، ظلت تمثّل الشاغل الأول لمختلف الدول والمنظمات الدولية، سيما في السنوات الأخيرة؛ حيث اتخذت تلك الدول حزمة من الإجراءات لمكافحتها، سواء بشكل منفرد، أو بشكل جماعي.

وهنا، تثير الورقة سؤالاً أساسياً، حول مدى إدراك الجماعات المتطرفة والإرهابية للعملات الافتراضية بشكل عام، والبتكوين على وجه الخصوص، وهل هناك مؤشرات ودلائل تشير إلى اتجاه تلك الجماعات نحو العمل عبر تلك العملات، كخطوة ثانية تلي حصولها على الأموال من المصادر المذكورة سلفاً؟

تسعى الجماعات الإرهابية بقوة إلى استغلال التكنولوجيا وتقنيات الإنترنت

كيف توظف الجماعات الإرهابية البتكوين؟

تدرك الجماعات العنيفة والمتطرفة، التي تنتهج العنف، أنّ الحفاظ على قوتها وبقائها يتطلب توفير موارد مالية ثابتة، تصعب ملاحقتها ومصادرتها من قبل المصارف والبنوك، أو السلطات العامة في الدول والحكومات، لذا؛ فإنّها تسعى بشكل قوي إلى استغلال التقنيات والآليات الحديثة، لإخفاء مواردها المالية، للحفاظ عليها، وتشفير عمليات نقل الأموال وشراء المعدات والأجهزة اللازمة لها.

وتثير الورقة البحثية، تساؤلاً مهماً: هل تدرك الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة تلك العملات الافتراضية وأهميتها المتزايدة، بالتالي، تستخدمها في التمويلات المحظورة، وشراء الأسلحة والمعدات المهمة، التي لا يمكنها الحصول عليها بالأساليب الشرعية؟ وهو محور تلك الورقة، وهل هذا الإدراك يصاحبه توافر إمكانات وقدرات تقنية ومعرفية تمكن تلك الجماعات من استغلال تلك الأوعية الجديدة والمتجددة لضمان موارد مالية مستقرة وآمنة.

وتوصل البحث إلى القول: إنّ العديد من المؤشرات والظواهر تشير بوضوحٍ إلى إلمام العديد من الحركات والجماعات المتطرفة والإرهابية بتلك الأوعية الجديدة، كما تشير المؤشرات إلى وجود القدرات، العلمية والتقنية، اللازمة لاستخدام هذه الأوعية واستثمارها، التي دفعت العديد من الدول والمنظمات إلى الاهتمام بتلك الأوعية، والعمل على إيجاد وسائل حديثة وآليات متقدمة، لرصد تلك العملات وتتبعها، وفرض رقابة عليها، وعلى حركتها عبر الدول.

لماذا يختارون البتكوين؟

تتميز البتكوين، بالقدرة على التعامل مع أية أفراد أو جهات، في مختلف العالم؛ حيث يسمح نظام التعامل عبر تلك العملة بتحويل الأموال من أي مكان، إلى أي مكان آخر، وبأيّة قيمة.

السرعة الفائقة في إجراء المعاملات: من السمات المميزة للتعامل بالعملة الافتراضية البتكوين: عنصر السرعة، والعمليات الهائلة، تتم بين مختلف مناطق ودول العالم في مدة زمنية لا تتعدى الثواني المعدودة.

سهولة التحكم والبيع وسهولة محو الآثار، تجعل من البتكوين عملةً مفضلةً للإرهاب

الأمن والتحكم: يمتلك مستخدمو البتكوين تحكماً كاملاً في معاملاتهم، من المستحيل للتجار أن يفرضوا عنوةً رسوماً غير معلن عنها، أو غير مرغوب فيها، كما يمكن أن يحدث مع وسائل الدفع الأخرى. مدفوعات البتكوين يمكن أن تتم دون أن يتم دمج أو ربط المعلومات الشخصية بالمعاملة، وهذا يوفر حماية فائقة ضد سارقي الهويات، ويمكن لمستخدمي البتكوين، أيضاً، حماية أموالهم من خلال النسخ الاحتياطي والتشفير.

وتطرح الورقة مجموعة من الأسباب التي تدفع تلك الجماعات إلى التفكير في البتكوين تحديداً، ومنها:

انخفاض تكلفة الاستخدام: تتميز المعاملات والتحويلات بانخفاض تكلفة التحويل والدفع ونقل الأموال؛ حيث لا تمرّ تلك الأموال الافتراضية عبر المؤسسات المصرفية، أو الجهات المالية الدولية والمحلية، إنّما تتم المعاملات مباشرة بين المستخدم والآخر دون الحاجة إلى وسيط يسهم في رفع التكلفة.

سهولة الاستخدام: أيّاً كان النظام الذي يتم استخدامه، ينبغي أن يكون سهل الاستخدام بالنسبة للأفراد الذين لا يمتلكون خبرات تقنية، وهنا نجد أنّ أجهزة الكمبيوتر ساعدت على إنشاء المعاملات بسرعة وسهولة؛ بل وإمكانية استخدام الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية المتصلة بشبكة الإنترنت.

صعوبة تعقب المعاملات: وهي أهم الميزات التي تجذب العناصر المتطرفة والإرهابية، إضافة إلى جماعات الجريمة المنظمة، وغسل الأموال، وتجارة المخدرات والأسلحة، حيث يصعب، بشكلٍ كبيرٍ، تعقّب تلك المعاملات، أو اقتفاء أثرها، بغرض تحديد الأطراف والجهات المتعاملة. إضافة إلى غموض السلع والمنتجات المستخدمة في عملية التبادل.

التحصين الأمني: أصبح لدى التنظيمات الإرهابية، قدرة أكبر على استخدام أدوات أمنية، للتستّر بشكلٍ مُحكمٍ، من خلال شبكات إخفاء الهوية، التي جعلت مهمة وكالات إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب صعبةً للغاية.

لقراءة البحث كاملاً انقر هنا 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أي تأثير للكورونا على المثقفين؟

2020-04-02

رغم أنّ المثقفين هم الفئة الأكثر ريادة على صعيد التنبؤ والتحذير من قرب نهاية العالم، عبر ما لا يعد ولا يحصى من  الأعمال الأدبية، الواقعية والرمزية والخيالية، إلا أنّهم يكادون يجدون أنفسهم الآن على هامش ردود الأفعال تجاه (طاعون 2020) الذي يجتاح العالم على نحو سوريالي وفانتازي؛ إذ فيما يتصدّر مشهد التصدّي لوباء الكورونا الأطباء ثم العسكر ثم الاقتصادسياسيون، فإنّ سائر فئات المجتمع لاذت بمنازلها لأجل غير مسمّى، مدجّجة بالخوف من المجهول والموت جوعاً وتناقص القدرة على النوم جرّاء هذا السّيل المنهمر من الأخبار على مدار الثانية، والذي تتكفل بتدفقه وسائل التواصل الاجتماعي في المقام الأول.

بعض الكتب حول كورونا لم تساوِ ثمن الحبر الذي كُتبت به! وعلى رأسها "جائحة كوفيد19 تهزّ العالم" للفيلسوف سلافوي جيجاك

لا ريب في أنّ مثقفي المقاهي والمنتديات الثقافية هم الأكثر تضرّراً من بين المثقفين، جرّاء الاضطرار لملازمة المنازل، نظراً لأنّهم مثقفون شفويّون يمارسون حضورهم الثقافي عبر التلاقي اليومي والدائم. ومن المؤكد أنّ اضطرارهم لمواجهة ضرورة الكتابة وجهاً لوجه، سوف يمثل عبئاً قاسياً وكبيراً. كما أنّ غير قليل من المثقفين المؤدلجين الذين ظلّوا يرفضون الإقرار بأنّ الكورونا وباء حقيقي يتطلّب تغييراً جذرياً لنمط الحياة البشرية، سيجدون صعوبة كبيرة في التخلّي عن نظرية المؤامرة، والتوقف عن الزّعم بأنّ الصين قد أطلقت الفيروس لتدمير أمريكا والسيطرة على العالم أو العكس من ذلك .
وإذا كانت دور النشر- أسوة بالعديد من المؤسسات الاقتصادية – قد راحت تتكيّف واحدة تلو الأخرى مع الواقع  الكابوسي الجديد، وتدعو الكتّاب للانخراط في الكتابة عن تجاربهم في ظل الزائر المخيف، فإنّ العديد من المثقفين قد راحوا أيضاً يحاولون التكيف والمواكبة شكلاً ومضموناَ، سواء على صعيد التعويض عن التباعد الاجتماعي عبر البث الإلكتروني المشترك أو الفردي، أو على صعيد الانخراط اليومي وعلى مدار الساعة في مستجدّات الجائحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو على صعيد الإعلان عن الشروع في كتابة اليوميات والمسرحيات والروايات، رغم كل ما يستدعيه هذا الإعلان من تساؤلات عن مدى مصداقية هذه الكتابة إبداعياً، وعمّا إذا كانت ضرباً من لفت الانتباه أو تسجيل قصب السبق، مع أنّ جبل الجليد الكوروني لم يظهر منه حتى الآن سوى القمّة التي قد تخفي الكثير تحتها، ومع أنّ مئات (المواكبات) التي سجّلت إبّان اندلاع الربيع العربي قد طواها النسيان ولم تعْدُ كونها تقارير تدثرت بأسماء الرواية والقصة والمسرحية والقصيدة زوراً وبهتانا، ومع أن معظم الكتاب الراسخين في الكتابة يميلون إلى الاعتقاد بأنّ حدثاً كونياً مثل (الكورونا)، يتطلب صمتاً وتأملاً واقتداراً غير مسبوق، حتى يرتقي النص المكتوب إلى مستوى الحقبة الملحمية والأسطورية التي تعبرها البشرية الآن.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا: كيف سيتأثر شهر رمضان بهذه الجائحة؟
وأيّا كان الأمر، فإنّ ممّا قد يغفر لدور النشر العربية وللكتاب العرب، تسرّعهم في الإعلان عن الشروع في محاكاة الكورونا، مبادرة بعض المفكرين الغربيين المرموقين إلى (انتهاز الحدث) وإصدار كتب خلال بضعة أسابيع فقط. ولا حاجة بي للقول - نقلاً عمّن أثق بهم ممّن قرأوا هذه الكتب – إنّ هذه الكتب لم تساوِ ثمن الحبر الذي كُتبت به! وعلى رأسها  للأسف الشديد، كتاب (جائحة كوفيد19 تهزّ العالم) للفيلسوف الأشهر سلافوي جيجاك!

عبر مثقفون عن خوفهم من نفاد السجائر والقهوة وسارعوا للاستنجاد عبر صفحاتهم بكل من يستطيع أن يشفق عليهم ويوصلها لهم!

مع ضرورة التنويه بأنّ عدداً من المثقفين قد لاذوا بالصّمت وآثروا المراقبة والمتابعة عن بعد؛ لأنّ الجائحة أقسى وأبلغ من أن تختزل بكلام عابر، فإنّ عدداً آخر آثر الصدق مع نفسه ومع الآخرين، فلم يتردد في التعبير عن مشاعره البسيطة أو احتياجاته الآنية الملحّة؛ فأقرّ بعضهم بأنه يختبر الشعور بالعزلة للمرة الأولى واستفاض في توصيف ملامح هذه العزلة التي يُفترض أنّها أولى تجارب المثقف، كما أقرّ بعضهم الآخر باختبار الوحدة للمرة الأولى واستطرد في معايَنتها، رغم أنّها قرينة المثقف التي لا تفارقه، بل إنّ بعضهم أقرّ بأنّه يختبر تجربة الاحتجاز مع عائلته للمرة الأولى، وراح يتحدث عن زوجته وأبنائه بوصفهم كائنات طارئة عليه أن يُحسن التكيّف معها. وأما الأصدق على الإطلاق فأولئك الذين عبروا عن خوفهم الشديد من نفاد السجائر والقهوة من منازلهم، وسارعوا للاستنجاد عبر صفحاتهم، بكل من يستطيع أن يشفق عليهم ويوصل لهم قدراً من السجائر والقهوة، حتى يستعينوا بها على تأمل هذه التجربة الكونية غير المسبوقة في العصر الحديث، والتي قد تكون التجربة الأخيرة في تاريخ البشرية!   

اقرأ أيضاً: رأسمالية الكوارث: كيف نقرأ أزمة كورونا بالمقارنة مع كوليرا هاييتي 2010؟
ورغم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي قد عزلت المثقف العربي تدريجياً، عن الواقع اليومي منذ أعوام، ورغم أنّ هذا المثقف لم ينفك طوال هذه الأعوام عن التغني بالعزلة والشكوى من عدم تمكنه من الاختلاء بنفسه، إلا أنّ ردود أفعال معظم المثقفين الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على التمتع بما حلموا به طويلاً، لا تشي بتصالحهم مع ما تمنّوه، بل إنّها تؤكد أنّ فردوس "الملاذ المتخم بكل ما لذ وطاب" يدفعهم للقيام والتفكير بكثير من الأشياء، سوى القراءة والكتابة، دون كتبٍ أو أوراق أو أقلام؛ لأن أزرار الهواتف غدت النوافذ التي يقرأ ويكتب عبرها الجميع!

للمشاركة:

هل ستحكم أمريكا قبضتها على العالم بعد كورونا؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-04-01

يشهد العالم كلّه، خاصة الأوساط السياسية والاقتصادية، نقاشات محمومة حول تغيرات ستصيب النظام العالمي على خلفية انتشار وباء كورونا، وتحديداً الاقتصاد العالمي، وأنّ الأزمة الحقيقية ستطول وتُحدِث تغييرات في مواقع ومساهمات كل دولة في الاقتصاد العالمي؛ وخلاصتها تراجع موقع الاقتصاد الأمريكي وصعود اقتصاد الصين والهند والبرازيل وروسيا وبعض الدول الأوروبية، وأنّ تكتّل شرق آسيا بقيادة الصين سيقود العالم، ما يُفضي إلى نظام عالمي جديد يُنهي القطبية الواحدة التي مثلتها أمريكا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991.

اقرأ أيضاً: أمريكا تتخذ إجراءات دفاعية في قواعدها بالعراق
وتذهب جدالات أخرى للقول بأنّ هذا الوباء مُقدمة لإثبات فشل النظام الرأسمالي والليبرالية المتوحشة لحساب النظام الاشتراكي العالمي؛ على خلفية مقارنات متسرعة بين تعامل دول تنتمي لكلا النظامين مع كورونا، لكن الحقيقة المؤكدة أنّ ما بعد كورنا لن يكون كما قبله، لكن ليس بالطريقة التي يتم تداولها والتي لا تخلو من انحيازات مسبقة وتقديرات إما مبالغ فيها أو متسرعة؛ فباستثناء الآثار الاقتصادية للأزمة التي انعكست على أسواق المال العالمية وهبوط أسعار النفط وتوقف الدورة الاقتصادية بين الدول والتكتلات الاقتصادية، وداخل كل دولة جراء توقف انسياب البضائع والسلع والخدمات كالسياحة وغيرها من قطاعات، فإنّ المزاعم بتغييرات عميقة قد تصل لتغيرات في الخرائط السياسية للدول تبدو توقعات متسرعة.

الانتشار السريع لفيروس كورونا واشتماله على كافة الدول الرأسمالية والاشتراكية يُفنّد مزاعم بداية النهاية للنظام الرأسمالي

إنّ الحديث عن كتلة شرقية تقابل نظاماً رأسمالياً متوحشاً يحتاج إلى مراجعة، فالحديث عن تراجع القطبية الواحدة بقيادة أمريكا مقابل صعود قوى أخرى كان قائماً قبل "كورونا"، وتحديداً في الهند والبرازيل إلى جانب الصين، وهي حقيقة. لكنّ الأهم في ثنايا هذه الحقيقة أنّ أمريكا بقيت هي القاسم المشترك فيما بينهم، علاوة على التنافس بين هذه القوى الصاعدة ما يحول دون تشكّل كتلة متجانسة موحدة ضد الولايات المتحدة، أمّا عن التأثير السلبي لكورونا على الاقتصاد العالمي فإنّه سيصيب كل القوى الكبرى بما فيها الصين والقوى الصاعدة، ويبدو أنّ الفرق سيكون بين قدرة كل دولة وتكتّل اقتصادي على التكيّف مع الأزمة القادمة، ووفقاً لتجارب تاريخية فإنّ الولايات المتحدة هي الأقدر على التكيّف لأسباب مرتبطة بطبيعة نظامها السياسي.

اقرأ أيضاً: كيف استطاعت الصين السيطرة على انتشار فيروس كورونا؟
إنّ الانتشار السريع لفيروس كورونا واشتماله على كافة الدول الرأسمالية والاشتراكية يُفند مزاعم أنّه بداية النهاية للنظام الرأسمالي؛ إذ إنّ الفروق بين الصين وإيران وتركيا، مثلاً، بالتعامل مع كورونا مقارنة مع أمريكا وإيطاليا وإسبانيا، تتركز بالإفصاح عن المعلومات الحقيقية؛ فالأرقام المُعلنة في الصين وإيران تدور حولها شكوك عميقة، فيما الرهانات على نظام إنساني عالمي أكثر أخلاقية تقوده روسيا والصين مقابل "لا إنسانية" أمريكا والغرب، موضع شكوك عميقة؛ إذ إنّ افتراض تلك الأخلاقية ستكون من تداعيات كورونا، فليست الصين ولا روسيا بوضع يؤهلهما لقيادة العالم أخلاقياً.
في الشرق الأوسط، هناك حالة من الانكشاف لكافة الدول بما فيها القوى الرئيسة في المنطقة "السعودية، مصر، إيران، تركيا"، ويبدو أنّ دولة وحيدة في المنطقة تمكّنت من توظيف تداعيات كورونا لصالحها وهي إسرائيل، التي نجحت في التوافق سريعاً على حكومة وحدة، ما كان لها أن تتم لولا كورونا.

طرحت أزمة كورونا تساؤلات حول جدوى منظومة الاتحاد الأوروبي بعد إحجام دول أوروبية عن تقديم المساعدة لإيطاليا وإسبانيا

ليس لدينا أي شكوك بعمق تأثير كورونا في تشكيل النظام العالمي الجديد، لكن لنلاحظ أنّ تداعيات الفيروس على النظام العالمي الجديد تتوافق مع مقاربات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التي طرحها في حملاته الانتخابية وتلك التي نفّذها منذ تسلّمه إدارة البيت الأبيض، والمتمثلة في تعزيز مقاربة الدولة الوطنية والدولة العميقة، بكل ما يتبع ذلك من سياسات لاحقة، مقابل إضعاف دور المؤسسات الأممية والاتحادات الدولية؛ إذ غابت الأمم المتحدة بمؤسساتها ومنظماتها عن المساهمة الحقيقية في مواجهة كورونا، بالتزامن مع طرح تساؤلات حول جدوى منظومة الاتحاد الأوروبي بعد إحجام دول أوروبية عن تقديم المساعدة لإيطاليا وإسبانيا واليونان بمواجهة كورونا، حيث أصبح مقبولاً لدى شعوب هذه الدول اليوم اتخاذ الخطوة التي أقدمت عليها بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما يُشّجع عليه ترامب.

اقرأ أيضاً: انتشار فيروس كورونا كيف سيؤثر على تنظيم داعش الإرهابي؟
صفقات واتفاقات ثنائية ستقودها الولايات المتحدة مع كل دول العالم؛ مع الهند واليابان وكوريا الجنوبية شرقاً والبرازيل جنوباً، ومع دول أوروبية مثل بريطانيا، وعلاقات إستراتيجية مع دول النفط في الخليج وتركيا، تُمكّنها من إدارة الصراع الاقتصادي والعسكري مع الصين وروسيا، وتضمن احتفاظها بقيادة العالم وفق شراكات عنوانها القوة الاقتصادية والعسكرية لكل طرف، دون حروب طاحنة على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية.

للمشاركة:

كيف فشلت محاولات أسْلمة فيروس كورونا؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-03-31

منذ ظهور فيروس كورونا في إحدى المقاطعات الصينية في كانون الثاني (يناير) 2020، وما تبعه من اجتياح لأنحاء العالم، والخطاب الديني لم يتوقف عن استنطاق الوباء بما يُريده من أفكار؛ فجعلوه الواعظ الذي طال انتظاره ليعظ الناس بالخير ويزجرهم عن الشرّ، حتّى أنّ أحدهم استعار عبارة النبي، صلى الله عليه وسلم، "دعوها فإنّها مأمورة"؛ في وصْفه لحركة الفيروس، وازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات وعظيّة دينية في ظاهرها، مُخاصمة لإيمان العقل والقلب في جوهرها.

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
وهناك فرق كبير بين حقائق الوحي المُقدّس التي تُؤكد قوة الطبيعة وتحديّاتها التي لن تنتهي للبشرية، وقدرة الإنسان، هو الآخر، المُجتبى من الله تعالى على المواجهة؛ حيث من لا يُواجه يتلاشى، وبين تصورات بعض الوعاظ والدعاة التي تُعجّلُ إنتاج معانٍ قادرة على استرقاق قلوب العامة واستعطافها في مغالطات من قبيل أنّ الوباء عقوبة إلهية للصينيين خاصّة؛ انتقاماً لما فعلوه مع مسلمي الإيغور، فالقضية من منظورهم قضية دينية وليست سياسية عِرقية.

يحاول الخطاب الديني استنطاق الوباء بما يُريده من أفكار؛ فجعلوه الواعظ الذي طال انتظاره ليعظ الناس بالخير!

وقد أورد موقع "صوت السلف"، الموقع الرسمي للدعوة السلفية، سؤالاً يقول؛ "نسمع الآن مِن كثيرٍ مِن الناس أنّ ما يحصل في الصين من انتشار القتلى والضحايا بسبب فيروس كورونا هو عقوبة إلهية مِن الله تعالى بعد ما فعلته الصين في مسلمي الإيغور. فهل هذا كلام صحيح؟" فردّ الشيخ ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، قائلاً؛ "أنواع الكفر والظلم والبغي، تستوجب أنواعاً مِن العذاب في الدنيا والآخرة، والأوبئة أصلاً عقوبة مِن الله تعالى".
وعقب تجاوز الفيروس حدود الصين؛ مضوا في توظيف أزمة كورونا توظيفاً وعظياً، فصوّروا الله تعالى بالمُنتقم لكن هذه المرة من المسلمين الذين يتبنون مواقف سياسية مختلفة عن مواقف الإسلامويين، انطلاقاً من ثنائيّاتهم الفكرية حول صراع الحق والباطل، والإسلام وأعداء الإسلام؛ فرأوا في الوباء الفرج الذي طال انتظاره وطاقة النور التي ستخرجهم من الظلمة، على حدّ قول أحدهم؛ "وما يعلمُ جنودَ ربِّكَ إلا هو: قد يتسللُ اليأسُ إلى قلوبِ بعضِ المستضعفين المقهورين، ويُزيِّنُ لهم الشيطانُ أنَّ ما وعدهم الله من النصر والتمكين باطلٌ وغرورٌ، فإذا بطاقة من النور ينشقُّ عنها رحمُ الظلام، وإذا الطغاةُ يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويأتي هذا الفرج من حيث لا يُرتَجَى، وعلى يد شيءٍ حقيرٍ لا يُؤبَهُ له، ولا يُبالى به؛ إمعاناً في تحقيرِ مَنْ تسوِّلُ لهم أنفسهم أنَّهم يملكونَ من الأمر شيئاً".

اقرأ أيضاً: التوظيف السياسي الدولي لأزمة كورونا
هكذا؛ تغمر حياتهم حالة متواصلة من المرارة والعداوة، وتشوب نظرتهم إلى الكون حالة من الخوف، وبدلاً من أن ينشغلوا بإفناء ذواتهم في حبّ الله تعالى ومجاهدة أنفسهم حتّى يكتشفوا الرّوح الإلهية داخلهم، يُحاربون من يختلف معهم، ويتوقعون دوماً أنّ الله سيتدخل نيابةً عنهم للثّأر من خصومهم السياسيين. فكلّ منا يرى الله وفق ما تعكسه مرآة نفسه؛ فالمتدين الغاضب سيرى الله غاضباً دوماً، والمتدين المتسامح سيراه الله البشير بكل ما يفوق الأحلام والآمال، الرحمن، الرحيم الذي لا حدود لرحمته، القيوم الحكيم الذي يقف إلى جانبنا بقيومته وحكمته لنُواجه المجاعات والفيضانات والأوبئة.

أسقط النبي صلى الله عليه وسلم، الذّهاب للمسجد بالمطر والبرد فكيف بجائحة فيروسية حصدت أرواح الآلاف؟

ومع الاجتياح العالمي لوباء كورونا، اتسعت دائرة الفكرة الانتقامية؛ فصوّروا الله تعالى بالمنتقم هذه المرّة من البشرية جميعها، متجاهلين أنّ هذه ليست المعركة الأولى بين الفيروسات والبشرية، التي انتصرت على فيروسات مثل الحصبة والجدري وشلل الأطفال وما زالت معركتها البحثية دائرة مع فيروسات أخرى مثل فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز"، فمحاولات الخطاب الديني أسلمة فيروس كورونا دفعتْه لتفسير الظواهر الطبيعية على نحو أضرّ بتصوراتنا حول الله تعالى، فروّجوا لفكرة الله تعالى "المنتقم" من البشرية بالفيروسات، وكأنّ الله تعالى الغاضب في مقابل الإنسان المُنقذ مكتشف اللقاح، والله تعالى أعلى وأجلّ من تلك التصورات البدائية المغلوطة التي تضرّ ولن تنفع، إذ تجعل الله تعالى يُعاقب المستضعفين من كبار السنّ وذوي الأمراض المزمنة على ما اقترفه الأقوياء من بني الإنسان!

اقرأ أيضاً: الإخوان وكورونا: تديين للفيروس وجمع الزكاة لصالح الجماعة
ثم كانت صدمة إغلاق الحرمين الشريفين لتُطرح فكرة الخصوصية الغيبية التي تُحصّن الحرم المكي وماء زمزم من الأوبئة والفيروسات للاختبار، فواقع الأزمة والتاريخ كشفا بوضوح عدم صحة تلك الأفكار التي ظنّ النّاس أنّها جزء من المقدّس لشيوعها وكثرة ترديدها حتى أنّها كانت متعالية عن الإخضاع للتفكير قبل اجتياح فيروس "كورونا".
وكما وجد الإسلامويون في تعطيل العمرة وإغلاق الحرمين المقدسين فرصة لتأكيد معاني المؤامرة على الإسلام، رأوا في تعطيل صلاة الجماعة وإغلاق المساجد كأحد مراكز التجمعات في إطار الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الوباء؛ عقوبة إلهية أو مؤامرة كونية لتعطيل العبادة واصفين إياه بالتخريب المنهي عنه في قوله تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا"، فهي مُحادّة الله تعالى، متجاهلين أنّ الأصل في الصّلاة أنّها تكليف فرديّ ليس مرتبطاً بالاجتماع، وأنّ تعليق الحكومات إنّما هو للاجتماع وليس للصلاة، وأنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، أسقط الذّهاب للمسجد بالمطر والبرد فكيف بجائحة فيروسية حصدت أرواح الآلاف؟ فهؤلاء إن بحثوا في عقولهم سيجدون أنّهم حصروا الله تعالى في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو في المساجد، بينما الله تعالى في قلب كلّ عبد مؤمن، كما يقول في الحديث القدسي: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن".

لن يمنع التكبير الظاهرة الطبيعية وإنّما يمنع الانهزام النفسي والاستسلام الداخلي أمامها، وهذا لا يكون بمسيرات الشوارع

وفي محاولة لإيقاف انتشار الفيروس؛ كانت مسيرات التكبير، ظنّاً أنهم يتأسون بالنبي صلى الله عليه وسلم، في تصوّر مغلوط أشاعه الخطاب الديني عن اعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على الهتاف بالتكبيرات في إطفاء الحريق وغيرها من الكوارث الطبيعية، وخفي عنهم طبيعة الفعل النبوي الذي إنْ حثّنا على التكبير فإنّما هي كلمات يهمْس بها المؤمن في نفسه، فليس التكبير مُوجّهاً إلى الوباء الذي يقف بالخارج، وإنما هو مُوجّه إلى الداخل/ النفس؛ لتستجمع قُوّتها الذّاتية فلا تشعر بالعجز أمام الظاهرة الكونية؛ فالتكبير لن يمنع الظاهرة الطبيعية وإنّما يمنع الانهزام النفسي والاستسلام الداخلي أمام الظاهرة، وهذا لا يكون بمسيرات الشوارع وإنّما في المناجاة الخاصة بين الإنسان وربّه.

للمشاركة:



ما حكم صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

نفت دار الإفتاء المصرية إصدارها فتوى بجواز عدم صيام شهر رمضان، الذي يحلّ نهاية الشهر الجاري، وسط انتشار فيروس كورونا.

وقالت الإفتاء في بيان لها عبر حسابها الرسمي بموقع "تويتر" أمس الأحد: "لم ننشر أي فتوى متعلقة بصوم رمضان هذا العام في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما يشاع على صفحات السوشيال ميديا غير صحيح".

دار الإفتاء المصرية تنفي إصدارها فتوى بجواز عدم صيام شهر رمضان وسط انتشار فيروس كورونا

ونبهت بضرورة الحصول على المعلومة من صفحاتها الرسمية، داعية: "اللهم بلغنا رمضان وقد كشفت عنا ما نحن فيه".

وختمت بيانها بالتأكيد أنّها ستعلن عن أي تفاصيل خاصة بأي فتاوى جديدة في هذا الشأن عبر الصفحة الرسمية.

وفي وقت سابق، قالت وزارة الأوقاف المصرية، إنها لن تسمح لأي جهة بإقامة موائد في محيط المساجد أو أي ملحقات تابعة لها هذا العام خلال شهر رمضان.

اقرأ أيضاً: عندما سلّم العثمانيون مصر غنيمة سهلة للمحتل الفرنسي

ودعت أهل الخير ولجان البر والجمعيات والجهات التي كانت تقيم موائد إفطار في الشهر الكريم، إلى أن تبادر بإخراج ذلك نقداً أو سلعاً غذائية للفقراء والمحتاجين قبل دخول الشهر المبارك، مع التأكيد على أنّ النقد أنفع للفقير لسعة التصرف فيه.

الأزهر يؤكد عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء الفم رطباً طوال اليوم كإجراء وقائي

وكان مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية حسم قبل أيام الجدل حول حكم صيام شهر رمضان خلال فترة انتشار فيروس كورونا الجديد، مؤكداً عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء فم الصائم رطباً طوال اليوم كإجراء وقائي من الإصابة بالفيروس.

وأوضح مركز الأزهر، في بيان، أنّه على الرغم من أنّ "الأمر سابق لأوانه؛ فإنه لا يجوز للمسلم أن يفطر رمضان إلا إذا قرر الأطباء وثبت علمياً أنّ الصيام سيجعله عرضة للإصابة والهلاك بفيروس كورونا، وهو أمر لم يثبت علمياً حتى هذه اللحظة".

اقرأ أيضاً: مصر في زمن الكورونا: الحياة "أون لاين"

وتكررت الأسئلة بشأن حكم صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا المستجد، لا سيما مع النصائح المنتشرة حول بقاء الفم رطباً كإجراء وقائي من (كوفيد- 19)، وفق ما ذكرته منظمة الصحة العالمية من أنّ شرب الماء من الإجراءات الوقائية ضد الإصابة بفيروس كورونا.

للمشاركة:

هل يزول نظام أردوغان خلال عامين؟.. توقعات ومؤشرات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

توقع الناشط التركي المعارض والمعتقل السابق، الدكتور هالوك صواش، زوال نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال عامين.

واعتبر صواش، في حوار مع صحيفة "اليوم السابع" المصرية، أنّ صفوف المعارضة التركية أصبحت أكثر قوة وتنظيماً عما قبل.

الناشط هالوك صواش يتوقع زوال نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا خلال عامين

وأكد أنّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان اتخذ من حركة غولن خصماً له، وأنّ هناك قوائم كانت مُعدة مُسبقاً للطرد والإقالة من المناصب الحكومية بالدولة، بتهمة انتمائهم إلى حركة الخدمة قبل الانقلاب المزعوم.

وأضاف صواش أظهرت حكومة أردوغان معاملة قاسية وسيئة للغاية ضد جميع المعارضين، وهذا لا يتعلق بالدين أو أنصار وأتباع حركة غولن فقط كما تدعي؛ ولكن من قبل وهي تنتهج ممارسات قمعية وانتهاكات تصل إلى حد الإبادة الجماعية كما شهدنا في المدن الكردية بالمحافظات الشرقية؛ حيث تم حرق أحياء وتفجيرات وغيرها من السياسات السيئة. ويُمكن القول بأنّ حزب العدالة والتنمية له سياسات عدائية واضحة تجاه أي من المُعارضين.

اقرأ أيضاً: إيران وتركيا.. ذرائع أقبح من ذنب

وتابع صواش: "من المؤكد سيكون الأمر أكثر صعوبة إذا تمكن أردوغان من البقاء في السلطة، ولكنه يعلم أنه فقد الكثير من قوته وأن موقفه أصبح أضعف كثيراً، وهو ما نراه أيضاً. أردوغان لن يُمكنه البقاء أكثر من عام أو اثنين على الأكثر وأعتقد أنه سيضطر إلى الفرار. وإذا تمت انتخابات على غرار ما حدث مع الانتخابات البلدية في 31 آذار  (مارس) من العام الماضي، ستتغير الحكومة التركية كُلياً. إن المعارضين الآن أكثر صلابة واتحاداً وتنظيماً وإذا استمر نظام أردوغان فسيخسر خسائر فادحة، أو ربما عليه أن يجد طريقة جيدة للتعامل مع خصومة. في الحالتين أتوقع أنّ أردوغان لن يتمكن من البقاء في السلطة على المدى الطويل سواء اتبع سياسة الشدة أو اللين".

دراسة تؤكد أنّ 71.4% من ناخبي حزب العدالة والتنمية يريدون العيش في الدول الغربية

وفي سياق متصل، قالت دراسة أعدتها مؤسسة الديمقراطية الاجتماعية في تركيا (SODEV)  أنّ نسبة كبيرة من المواطنين الأتراك يريدون العيش خارج بلدهم.

وكشفت الدراسة أنّ نحو 79.1% من المواطنين الأتراك يريدون العيش خارج تركيا، مشيرة إلى أنّ النسبة الأكبر أعربت عن رغبتها في العيش في ألمانيا والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضحت الدراسة أنّ 71.4% من ناخبي حزب العدالة والتنمية أكدوا أنهم يريدون العيش في الدول الغربية بعيداً عن تركيا، وذلك على الرغم من أنّ حزب العدالة والتنمية والحركة القومية هما أكثر من يستخدمون خطاباً عدائياً تجاه الدول الغربية.

اقرأ أيضاً: تركيا تتكبّد خسائر كبيرة في ليبيا.. هذه آخرها

بينما كانت الدولة الأكثر ترجيحاً لناخبي حزب الشعب الجمهوري هي النرويج، أما بالنسبة لناخبي حزب الخير فقد كانت الولايات المتحدة أول خيار لهم، بحسب الدراسة.

تشير بيانات رسمية صادرة عن الرئاسة التركية إلى أنّ عام 2018 شهد مغادرة 137 ألف تركي بلدهم، واستقرارهم بالدول الأوروبية، وتعكس الإحصائيات زيادة بنحو 20 في المئة في عدد الأتراك الذين غادروا تركيا مقارنة بالعام السابق.

ويوجد 6.5 ملايين تركي بالخارج، فيما ارتفع عدد السوريين في تركيا عقب الحرب الأهلية إلى 3 ملايين و700 ألف سوري من بينهم 63 ألف فقط بالمخيمات وتقيم النسبة المتبقية في 79 مدينة تركية.

للمشاركة:

تحت وطأة كورونا.. هكذا يحيي السودانيون الذكرى الأولى لعزل البشير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

يحيي الشعب السوداني اليوم الذكرى الأولى لاعتصام قيادة الجيش بالخرطوم، وهم يعشون تحت وطأة التدابير الاحترازية لمجابهة فيروس كورونا المستجد.

وسارعت قوى إعلان الحرية والتغيير التي قادت حركة الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة المعزول عمر البشير، بدعوة السودانيين إلى إحياء ذكرى الاعتصام من داخل منازلهم، ضمن حملة "من مكانك ردد هتافك"، وذلك تماشياً مع التدابير الصحية الخاصة بمحاصرة الجائحة العالمية، وفق ما أورد موقع "العين" الإخباري.

اقتباس: الحرية والتغيير تدعو السودانيين إلى إحياء ذكرى الثورة من منازلهم ضمن حملة "من مكانك ردد هتافك"

وفي الذكرى الأولى لاعتصام الخرطوم، قيدت جائحة كورونا المواكب الاحتفالية التي كان ينوي السودانيون القيام بها في ذكرى الثورة، والذي يعد بمثابة يوم خالد في ذاكرة النضال والكفاح السوداني.

وقالت لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير، في تعميم صحفي أمس: إنّ الأوضاع الصحية التي تمر بها البلاد اختصرت فعاليات الذكرى الأولى للاعتصام، من مهام جماعية إلى فردية تحسباً للمخالطة.

واعتذرت اللجنة للسودانيين حيث إنّ "ذكرى عظيمة كهذه تمر دون وضع واجبات جماعية نتشارك في تنفيذها جميعنا".

اقرأ أيضاً: هل يشهد السودان انقلاباً عسكرياً جديداً؟

وأشارت إلى أنّ "فعاليات إحياء الذكرى الأولى ستبدأ اليوم عند تمام الساعة الواحدة بتوقيت السودان وتستمر حتى ساعة سقوط البشير في 11 مع الالتزام بالمحاذير الصحية وعدم التجمعات".

وأطلقت قوى الحرية والتغيير حملة "من مكانك ردد هتافك" والتي تحث الثوار على ترديد هتافات الثورة ورفع علم السودان في المنازل والسيارات والشوارع.

كما تتضمن إضاءة فلاشات الهواتف في تمام الساعة 8 مساء من كل مكان مع ترديد النشيد الوطني، وإضاءة الشموع ليلاً مصحوبا بالتقاط صور ونشر صور مواكب الثورة وذكريات العمل الثوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وحثت الجميع على اتباع الإرشادات الطبية لمنع تسلل فيروس كورونا عبر الصور والمنشورات.

هذا وارتفع عدد الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد في السودان أمس إلى 10 حالات مؤكدة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان.. هل تشير لغة التحريض إلى ما هو أعظم؟

ورحّب نشطاء سودانيون في مواقع التواصل الاجتماعي بفكرة الاحتفاء داخل المنازل بذكرى اعتصام قيادة الجيش بالخرطوم، لأنّ ذلك يتماشى مع التدابير الوقائية التي وضعتها السلطات الصحية للسيطرة على جائحة كورونا.

للمشاركة:



حملة ضد رموز "الإخوان" في السودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

أحمد يونس ومحمد أمين ياسين

أعلنت الحكومة الانتقالية السودانية رصدها لتحركات تقوم بها بعض عناصر من نظام الرئيس المعزول عمر البشير لزعزعة الأوضاع في البلاد، وتوعدت باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في مواجهتهم، فيما أكدت القوات المسلحة هدوء الأوضاع الأمنية في البلاد. وقال المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام فيصل محمد صالح، في تصريحات عقب اجتماع طارئ أمس لمجلس الوزراء برئاسة عبد الله حمدوك، إن الاجتماع بحث الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد بعد أن رصدت الحكومة «تفلتات أمنية» تقف وراءها مجموعات من حزب «المؤتمر الوطني» (حزب البشير) المنحل، وتوعد باتخاذ إجراءات سريعة وفعالة تجاهها.

ووفقاً لمصادر حكومية وأخرى في «قوى إعلان الحرية والتغيير»، الحاضنة السياسة للحكومة، فإن بعض رموز النظام المعزول من قيادات الإسلاميين، كانت تخطط لاستغلال عدم التجمهر بسبب فيروس كورونا، لتنفيذ انقلابهم على الحكومة الانتقالية والعودة للحكم مجدداً. وذكرت أن الاجتماع أوصى بإلقاء القبض على بعض رموز الإسلاميين ونشطائهم، وطالبت باستدعاء القوات المجازة وفرض حراسات مشددة على بعض المواقع والشخصيات، تحسباً لما قد يحدث من فوضى.

من جهته، نفى المتحدث باسم الجيش، العميد عامر محمد الحسن، في بيان أمس، ضلوع الجيش في أي عملية انقلابية، وعدم وجود شبهات أو قرائن لحدوث انقلاب وسط القوات المسلحة، وأن الأحاديث عن محاولة انقلابية «غير صحيحة».

وأوضح صالح أن اجتماع مجلس الوزراء شدد على ضرورة الإسراع في تكوين جهاز الأمن الداخلي، ومتابعة تقارير دورية عن الأوضاع الأمنية ومستجدات محاكمات رموز النظام السابق وقضايا الفساد، وسير عملية السلام. وقال وزير الإعلام إن اجتماع مجلس الوزراء أمّن على ضرورة إحداث تغيير عاجل في حكومات الولايات، على مستوى المديرين العامين في الوزارات الولائية والهيئات العامة، وإزاحة عناصر النظام المعزول التي اتهمها بعرقلة إجراءات التغيير.

من جهة أخرى، أدانت وزارة الخارجية السودانية أمس (الأحد) حادث اعتداء طالب لجوء سياسي سوداني على فرنسيين في جنوب شرقي فرنسا يوم أول من أمس. وأكدت الوزارة في بيان، نقلته وكالة السودان للأنباء (سونا)، إدانتها «لهذا الحادث المؤسف بأشد العبارات»، وأضافت أنها «تقدم تعازيها الحارة لأسرتي الفقيدين وتتمنى الشفاء العاجل للجرحى». ووفقاً للبيانات التي ذكرها بيان الوزارة فإن المعتدي سوداني من مواليد عام 1987 ودخل الأراضي الفرنسية بصورة غير شرعية في أغسطس (آب) من عام 2016.

ولقي شخصان حتفهما وأصيب خمسة آخرون جراء قيام المشتبه به بالاعتداء عليهم بالطعن يوم أمس. وتولت شرطة مكافحة الإرهاب الفرنسية القضية. وأثناء تفتيش منزل المشتبه به، تم العثور على أوراق بها محتوى ديني، مما يشير إلى أنه قد ينتمي إلى إحدى الجماعات الإسلامية.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

البعد الأخلاقي للوباء.. تحولات في القيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

ديفيد بروكس

الفلسفات يمكن أن تبدو، لدى البعض أحياناً، مثل نكات قاسية. فالشيء الوحيد الذي يهم هو البقاء على قيد الحياة. ومن دون الإلهام الذي يمنحه إيانا معنى أعلى، تصبح للأنانية اليد الطولى.
الواقع أن هذه الأفكار مغرية وجذابة في وقتنا الحاضر، ولكنها بالطبع خاطئة. فعندما تمر هذه الأزمة، سننظر إليها باعتبارها واحدة من أكثر مراحل حياتنا غنى بالمعاني.
فيكتور فرانكل (طبيب الأعصاب والطبيب النفسي النمساوي الذي نجا من الهولوكست) ذكّرنا بأننا لا نستطيع اختيار صعوباتنا، ولكنا نملك الحرية لاختيار ردودنا عليها. وأكد على أن المغزى يأتي من ثلاثة أشياء هي: العمل الذي نقدّمه في أوقات الأزمات، والحب الذي نعطيه، وقدرتنا على إظهار الشجاعة إزاء المعاناة. فالتهديد قد يكون دون قدرة البشر أو فوق قدرة البشر، ولكن لدينا جميعاً خيار تأكيد كرامتنا، حتى النهاية.
سأضيف هنا مصدراً آخر للمعنى. إنها القصة التي نحكيها حول هذه اللحظة. الطريقة التي نربط بها لحظة معاناتنا هذه بقصة الخلاص والافتداء. والطريقة التي نخرج بها بعدئذ لنعيش تلك القصة في الواقع بعناد. إن الوباء اليوم وحش غير مرئي، ولكنه يلد عالماً أفضل.
هذا الوباء بشكل خاص يضربنا تحديداً في أكثر المناطق ضعفاً وحساسية، ويكشف بالضبط تلك العلل التي كنا قد تهاونا معها وصرنا متسامحين معها بكسل. فنحن في الولايات المتحدة أصلا أمّة منقسمة، والوباء جعلنا نبتعد عن بعضنا بعضا بمسافة. ثم إننا نعرّف أنفسنا غالبا بمهننا، والوباء يهدّد بالقضاء عليها، والأسئلة الأخلاقية الأساسية تفرض نفسها.
بهذه الطريقة يفرض الوباء أن نعالج مشاكلنا بطرق لم نكن مضطرين لها من قبل. ولكن الوباء يُخرج قدرتنا على الإبداع. وخلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تولد أشكال التنظيم العظيم للمستقبل.
فهناك طاقة جديدة أخذت تأتي إلى العالم. ولعل الصورة النموذجية لهذه الأزمة هي كل تلك الصور التي على الإنترنت لأشخاص يجدون طرقا للغناء والرقص معا عبر المسافات.
كما أن هناك تحولا للقيم أخذ يأتي إلى العالم. ذلك أننا بتنا مضطرين للحفاظ على روابطنا الإنسانية. وصارت العلاقات تُنسج بشكل أوثق جراء الضغط الناتج عن الخوف المتبادل.
وهناك عمل جديد أخذ يأتي إلى العالم أيضا. فقد كنتُ أجري اتصالا على تطبيق «زوم» هذا الأسبوع مع 3 آلاف طالب يستضيفهم «منتدى فيريتاس». وكان ثمة سؤال واحد على كل الأذهان: ما الذي أستطيع فعله الآن؟
كما أجريت اتصالا آخر على تطبيق «زوم» مع 30 شخصاً. وكان كل واحد منهم قد بدأ نشاطا جديدا لخدمة جيرانه. فقد كانت ثمة سيدة توزّع بذور الخضار حتى تستطيع الأسر زرع حديقة خضار خاصة بها. وكان آخرون يحوّلون تلك المكتبات الصغيرة التي على الحدائق الأمامية للمنازل إلى خزائن للمؤن الغذائية. وبعض الأشخاص يضعون على منازلهم أضواء الزينة التي توضع في الأعياد عادة من أجل إشاعة جو من البهجة والانشراح.
وفضلا عن ذلك، هناك أيضا نوع جديد من التأمل والتفكر الذاتي الذي أخذ يأتي إلى العالم. فكل الأشخاص الذين تحدثت معهم هذه الأيام بدوا تواقين إلى إجراء محادثات أعمق وطرح أسئلة جوهرية أكثر:
هل أنت مستعد للموت؟ وإذا امتلأت رئتاك بالسوائل من الثلاثاء، هل ستكون قانعا بالحياة التي عشتها؟ ماذا ستفعل إذا مات أحد أحبائك؟ وهل تعرف أين توجد مواردك الروحية والعلائقية الأهم؟
أي دور تلعبه في هذه الأزمة؟ وما هي الطريقة التي يسمح وضعك الحالي بأن تقدم بها خدمة للمجتمع؟
لدينا جميعا مهمة مواجهة مخاوفنا. لستُ أدري بماذا تشعر أنت، ولكن في يخصني لدي في داخلي بعض الخوف الذي لم يرحل منذ أن بدأت هذه الأزمة. غير أنه تدريجيا يكتشف المرء أن لديه الموارد للتعاطي مع هذه الأزمة بينما يحارب الفيروس بالمحادثة والعمل المباشر. ذاتٌ أقوى تخرج من براثن الموت والقلق.
إن المعاناة يمكن أن تكون مخلِّصة ومنقذة. ذلك أننا نتعلم أشياء أكثر حول أنفسنا في هذه الفترات العصيبة. والاختلافات بين الأحمر والأزرق لا تبدو بتلك الحدة المعهودة على نقّالات أقسام الطوارئ، ولكن اللامساواة في العالم تبدو فاحشة أكثر حينما يكون الفرق بين الأغنياء والفقراء هو الحياة أو الموت.
وبالتالي، أجل، إنها لحظة حافلة بالمعاني. وهذا المعنى تحديدا هو الذي سيُلهمنا ويحافظ على لحمتنا وتماسكنا بينما تسوء الأمور. وفي أوضاع كهذه، يكون المعنى علاجاً حيوياً للروح.

للمشاركة:

الاحتلال.. لا رحمة حتى في الوباء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

خوان كول

في دليل على أن تقنيات الاستعمار الاستيطاني لا تتوقف أبداً، هدمت قوات الاحتلال «الإسرائيلي» عيادة طوارئ أقامها الفلسطينيون في بلدة صغيرة داخل الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، وفقاً لما ذكرته منظمة السلام «الإسرائيلية» (بِتْسيلِم).

كتبت «بِتسيلِم»: «في صباح، يوم الخميس الماضي، وقرابة الساعة السابعة والنصف، وصل مسؤولون من الإدارة المدنية (الإسرائيلية) في الضفة الغربية برفقة سيارة جيب عسكرية وجرّافة وشاحنتيْن مسطّحتين مع رافعات، إلى (خربة إبزيق) في شماليّ غور الأردن. صادروا أعمدة وأقمشة كتانية كان يُفترض أن تستعمَل في نصْب ثماني خيام، اثنتان لعيادة ميدانية، وأربع للإسكان العاجل للأهالي الذين تمّ طردهم من منازلهم، واثنتان لاتخاذهما مسجدين مؤقتين. وصادرت القوّة أيضاً كوخاً من الصفيح قائماً منذ أكثر من عامين، إضافة إلى مولّد كهرباء، وأكياس رمْل وإسمنت. وصودرتْ أربع مصاطب نقالة مخصصة لأرضيّات الخيام، ودُمرت أربعٍ أخرى».
من مبادئ الاحتلال «الإسرائيلي» أنه لا يُسمح لخمسة ملايين فلسطيني يعيشون في ظلّ بطشه وقمعه، بإنشاء مبانٍ جديدة بلا تصريح منه. وتأمل سلطات الاحتلال من ذلك، كما هو واضح، في أن تدفع الفلسطينيين إلى الخروج من فلسطين مع الزمن بحرمانهم من المأوى الأساسي. ولكون هذا المبدأ، أي «عدم السماح بإنشاء مبانٍ جديدة» يُطبَّق على عيادات أقيمت على عجل للفلسطينيين المعرّضين للخطر في قراهم الصغيرة في خضمّ انتشار وباء عالمي، فإنه ينمّ عن منتهى القسوة والوحشية. وهو بالتأكيد جدير بأن يُعتبَر جريمة حرب بموجب اتفافية جنيف لعام 1949 المتعلقة بمعاملة السكان الذين يعيشون تحت الاحتلال.
لنتأمّلْ ما يلي: لقد تعاملت الصين ونيويورك مع انتشار الفيروس بطرق عدة، منها إنشاء مستشفيات جديدة، سواءً بالتغيير المؤقت لأغراض استعمال بنايات أخرى، أو ببناء منشأتيْن جديدتين في مدينة ووهان. أمّا الفلسطينيون، فلا تسمح لهم «إسرائيل»، حتى بإقامة خيام ميدانية!
استنكرت وزارة الخارجية الفلسطينية «هذه الاعتداءات التي تترافق أيضاً مع تصاعد حملات الاحتلال الرامية إلى محاربة الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار المحتلة، التي كان آخرَها تدميرُ عيادة ميدانية تخدم المواطنين الفلسطينيين في خربة (إبزيق) شرق طوباس، على الرغم من الإجراءات المفروضة والحاجة الملحة للعيادات الطبية، وما تقدمه من خدمات طبية، في ظل استمرار تفشي وباء فيروس كورونا، إضافة إلى حملة الاعتقالات المتواصلة ضد أبناء شعبنا في القدس المحتلة».
وتشكو وزارة الخارجية أيضاً من أن المستوطنين الغاصبين للأرض الفلسطينية، شكَّلوا عصابات لمهاجمة الفلسطينيين في البلدات والقرى الصغيرة، مستغِلّين عدم اهتمام العالم بفلسطين خلال الوباء.
وقد ظهرت حالات إصابة بوباء «كوفيد- 19» فعلاً في الضفة الغربية الفلسطينية، ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تُجبر سياسات الاحتلال «الإسرائيلي» الناس هناك على الاصطفاف في طوابير مزدحمة عند نقاط التفتيش العسكرية. وتفعل السلطة الفلسطينية ما بوسعها لتشجيع التباعد الاجتماعي، ولكنها تظل عاجزة عن التصرف بسبب السياسة «الإسرائيلية»، والإعاقة المتعمدة للجهود الفلسطينية المبذولة لمحاربة الوباء.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية