رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
4016
عدد القراءات

2019-06-18

بين كونه المشكلة في نظر البعض، أو الحلّ في عيون آخرين، يقبع الزعيم الكُردي، مُؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، منذ عام 1999، في زنزانته بسجن جزيرة إيمرالي التركية في عرض بحر مرمرة، عقب تمكّن الاستخبارات من اعتقال الرجل في كينيا، ضمن ما يصفها أنصاره بالمؤامرة الدولية التي استهدفت النيل من حراكهم الساعي لإحقاق حقوق الشعب الكردي، في بلد تناهز أعدادهم فيه أكثر من عشرين مليون إنسان (وفق تقديرات غير رسمية).

اقرأ أيضاً: عبد الله أوجلان.. بطل قومي أم متمرد إرهابي؟
الرجل الذي أثار الكثير من اللغط، أعلن ما اعتبره "كفاحاً مُسلّحاً" لرفع الغبن عن أبناء شعبه بداية الثمانينيات من القرن الماضي، جنوب شرق تركيا، ضمن الولايات الكُردية هناك، ليضع ذلك حزبه (العمال الكُردستاني) على القوائم السوداء في أمريكا وأوروبا، إلى جانب تركيا بطبيعة الحال، لكن مع وجود أطراف أخرى رفضت تصنيفه كذلك مثل؛ الأمم المتحدة ودول كروسيا والصين وسويسرا ومصر والهند، فيما لم يغيّر اختلاف الرؤى حول تصنيف الحزب، من حقيقة تعرض الكُرد في تركيا للتهميش والإقصاء، وهو ما لا يبدو أنّه وليد حكومة مُعينة؛ بل سياسة مُمنهجة تدلّ عليها أحداث التاريخ.

(الدولة العثمانية في مراحل قوتها)

معاهدة سيفر 1920

معاهدة "لوزان" وإنكار الكُرد
رفضت الحركة القومية التركية، بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، بعد أن تولت الحكم في تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1923، ما جاء في معاهدة "سيفر" 1920، ورأت أنّ بنودها تمثل ظلماً وإجحافاً بالدولة التركية، لأنّها أُجبرت على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها، فعملت على إخراج اليونانيين من آسيا الصغرى، وأصرت على تسوية جديدة، وقد تحققت لها بالفعل في معاهدة "لوزان"، عام 1923، والتي تجاهلت ما أقرته مُعاهدة "سيفر" من حقوق للكُرد.

سياسي كُردي: أوجلان شخصية قيادية فكرية وفلسفية تملك النظرية التي من شأنها أن تعالج القضية في كلّ أجزاء كُردستان

وتم توقيع مُعاهدة "لوزان" الثانية، في 24 تموز (يوليو) 1923، في لوزان بسويسرا، وتم على إثرها تسوية وضع الأناضول وتراقيا الشرقية (القسم الأوروبي من تركيا حالياً - إسطنبول الأوروبية) في الدولة العثمانية، وذلك بإبطال "مُعاهدة سيفر" التي وقعتها الدولة العثمانية كنتيجة لحرب الاستقلال التركية بين قوات حلفاء الحرب العالمية الأولى والجمعية الوطنية العليا في تركيا (الحركة القومية التركية)، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وقادت المعاهدة إلى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي ورثت محل الإمبراطورية العثمانية.
وقد حدّدت المعاهدة حدود عدة بلدان مثل: اليونان وبلغاريا وتركيا والمشرق العربي، مع تنازل تركيا عن مطالبها بجزر دوديكانيسيا وقبرص ومصر والسودان والعراق وسوريا، كما تنازلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا، التي حددت في الفقرة 10 من معاهدة "أوشي"، بين الدولة العثمانية ومملكة إيطاليا، عام 1912، وفي المُقابل أعيد ترسيم الحدود مع سوريا، بما يشمل ضمّ أراضٍ واسعة، وتضمّ من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق "مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش وأورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر" (ومعظم هذه المدن ذات غالبية كُردية).

معاهدة "لوزان" 1923 التي رسمت حدود تركيا الحالية

سيناريو مُشابه للوقائع السورية
تقول دراسة بعنوان "معاهدة لوزان تأثيرها على الكرد ومنطقة الشرق الأوسط"، نشرها الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الديمقراطي، في العاشر من حزيران (يونيو) 2018: إنّ هدف مؤتمر لوزان كان التفاوض على معاهدة جديدة مع تركيا التي رفضت الاعتراف بمعاهدة "سيفر"، وبعد مفاوضات طويلة تمّت تسوية الخلافات بين بريطانيا وفرنسا وتركيا، وقد بدا واضحاً منذ افتتاح الجلسة الأولى للمؤتمر استعداد بريطانيا وفرنسا للتنازل والوصول إلى حلول وسط، فرضختا للشرط التركي برفض مشاركة أيّ وفد كُردي في المؤتمر، ومنع مناقشة القضية الكُردية في (كُردستان تركيا) بشكل خاص، (وهو ما يمكن تشبيهه بالوقائع السورية؛ حيث تمنع السطوة التركية على الدول المؤثرة في الملف السوري حضور الكُرد أيّة مؤتمرات تخصّ الحلّ في سوريا).

اقرأ أيضاً: بين الالتقاء والافتراق.. النظام والكُرد السوريون إلى أين؟
كما كان استعداد بريطانيا وفرنسا للتنازل عن بعض امتيازاتهما في تركيا، خوفاً من ارتمائها في أحضان الاتحاد السوفييتي، الذي بات يشكّل خطراً على مصالحهما في المنطقة؛ لذلك وافقتا على الشروط التركية، وبذلك تعززت مواقع تركيا في المنطقة وعلى الساحة الدولية، وتغيرت موازين القوى لصالح حكومة أنقرة التي انفردت بالحكم في تركيا، بإلغاء السلطنة، ونقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة، وإلغاء الخلافة، وإعلان النظام الجمهوري، عام 1923، لتظهر تركيا كدولة فتية قوية للمرة  الأولى بعد قرنين، (وهو ما يمكن تشبيهه أيضاً بالوقائع السورية؛ إذ يلعب الأتراك على حبال الروس والناتو، لابتزاز الطرفين وكسب أكبر عدد ممكن من النقاط على حساب الكُرد السوريين).

اقرأ أيضاً: جدار حول عفرين .. ماذا تفعل تركيا في الشمال السوري؟
وقد عقدت مباحثات معاهدة لوزان على فترتين: استمرت الأولى نحو ثلاثة أشهر، بين نهاية عام 1922 وبداية عام 1923، والفترة الثانية استمرت ما بين ربيع وصيف عام 1923، فيما لم تتضمن أية إشارة للكُرد فيها، كما لم تجر الإشارة إلى معاهدة سيفر، ليعتبرها الكُرد ضربة مُحطمة لآمالهم بالاستقلال (وهو ما حظي به جيرانهم الأرمن والعرب لاحقاً)، كما ينظر الكُرد على أنّ المعاهدة بمثابة تآمر بريطاني على الحقوق الكُردية (باعتبارها كانت سيدة العالم)؛ حيث تخلت عن الكُرد مُقابل الحاق ولاية الموصل بالعراق، وعليه قُسم الكُرد بين أربعة كيانات أنشئت بُعيد الحرب العالمية الأولى وهي؛ تركيا وايران والعراق وسوريا، (وهو ما يخشى الكُرد السوريون تكراره، عبر حرمانهم من حقوقهم الدستورية في مستقبل البلاد).
علاقة تركيا والكُرد قبل أوجلان
دفع حرمان الكُرد من حقوقهم، التي يعتبرونها مشروعة، ونالتها شعوب أخرى كانت خاضعة للهيمنة العثمانية، للشعور بالمظلمة التاريخية، عندما نَسفت مصالح الدول الكبرى أحلامهم التي دشنوها في معاهدة "سيفر"، فوقعت العديد من الثورات الكُردية ضدّ الحكومات التركية المُتعاقبة على حكم أنقرة، كانت أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران، أو ثورة الشيخ سعيد النقشبندية، التي قامت ضدّ سياسة التتريك والتعسّف التي انتهجتها حكومات مصطفى كمال أتاتورك المتعاقبة بحقّ الأقليات، فاندلعت في 21 آذار (مارس) 1925، وانتشرت بسرعة كبيرة ولفترة قصيرة على أراضي معظم كُردستان (14 ولاية شرقية)، وبلغ عدد الكُرد المنتفضين حوالي 600 ألف، ساندهم خلالها حوالي 100 ألف من الشركس والعرب والأرمن والآشوريين، لكن في أواسط نيسان (أبريل) 1925؛ تمّ اعتقال الشيخ سعيد مع عدد من قادة الانتفاضة التي خبت نارها شيئاً فشيئاً، وفي نهاية أيار (مايو)؛ حوكم الشيخ سعيد وقادة الانتفاضة الآخرون، وصدر حكم الإعدام بحقه مع 47 من قادة الثورة، ليصار إلى تنفيذه في 30 أيار (مايو) 1925، وقد بلغت خسائر الكُرد: تدمير 900 بيت، وحرق وإزالة 210 قرى، فيما وصل عدد القتلى إلى 15 ألفاً، فضلاً عن نهب ممتلكات وثروات كلّ من وصلت إليهم أيدي الجنود الأتراك، كما أسفر قمع هذه الحركة عن تهجير مئات الآلاف من الكُرد والعرب والآشوريين إلى سوريا.

ما يؤسس له الكُرد في شمال وشرق سوريا يجلب السلام والاستقرار والتعايش لسوريا ودول الجوار وعلى رأسها تركيا

تلت ذلك ثورات عديدة؛ كـثورة "آرارات"، أو ثورة "أغري"، التي قصفت فيها القوات الجوية التركية المواقع الكردية حول جبل آرارات من جميع الاتجاهات، ما أحبط المقاتلين الكُرد وأدى إلى استسلامهم في نهاية المطاف، بحلول 17 أيلول (سبتمبر) 1930، وعقب ذلك اندلعت ثورة "ديرسم"، بين عامَي 1937 و1939، وكان أبرز زعمائها الروحيين والقبليين؛ سيد رضا، وكان سببها المقاومة المسلحة لرؤساء الإقطاعي المحلي ضد قانون إعادة التوطين، عام 1934، والنقل القسري للسكان، ضمن تنفيذ حكومة تركيا المركزية لسياسة التتريك آنذاك، وقد قتل فيها الآلاف من العلويين الأكراد والزازيين، كما شُرّد كثيرون داخليّاً؛ بسبب الصراعات بين الثوار المحليين والقوات التركية.
ظهور حزب العمال الكردستاني
وفي العام 1984، بدأ حزب العمال الكردستاني نشاطه العسكري، واتخذ مقاتلوه من كردستان العراق منطقة لحماية قواعدهم الخلفية، فشهد عقدا الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين أكثر فترات الصراع الدموي بين الكُرد والجيش التركي، خصوصاً بعد الاضطرابات التي شهدتها تركيا في يوليو 1980، والتي اضطرت المواطنين الكُرد للهروب إلى الدول الأخرى، ليتلقى الحزب ضربة قوية في العام عام 1999 باعتقال زعيمه عبد الله أوجلان، وسجنه في تركيا بتهمة الخيانة.

اقرأ أيضاً: ما هدف الإخوان المسلمين من دعوة تركيا للسيطرة على شمال سوريا؟
وعليه، اتسمت العلاقة بين الكيان التركي الناشئ عقب الحرب العالمية الأولى، والكُرد، بالكثير من التوتر والقلاقل، فيما كانت القوات التركية تحسم القضية عسكرياً، كلّ مرة، رغم أنّ حلّها ربما سيكون أسهل سياسياً، وبكلفة أقل؛ مادياً وبشرياً، لكنّ إصرار أنقرة على شعارها المعهود (شعب واحد، وطن واحد، راية واحدة) في بلد تتعدد فيه القوميات والأعراق!

أوجلان أثناء محاكمته في تركيا عقب اعتقاله

رسالة أوجلان لكُرد سوريا
استدلالاً من العلاقة المتوترة بين الجانبين، تحاول تركيا الاستفادة من تصنيف حزب العمال الكردستاني كتنظيم (إرهابي) بغية إحراج حلفاء "قوات سوريا الديمقراطية" الغربيين، بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، من خلال الحديث عن علاقة تربط بين الحزب و"قسد"، وهي علاقة لا تبدو الأخيرة أنّها تتجنبها تماماً، وتجلى ذلك من خلال رفع صور أوجلان عند إعلان هزيمة داعش في عاصمته المزعومة "الرقة" السورية، عام 2017.

اقرأ أيضاً: هل تسلخ تركيا "لواء إسكندرون" آخر من سوريا؟
موقف دفعت "قسد" ثمنه باهظاً، فلم تتمكن من إنقاذ عفرين، التي كانت خاضعة لـها، وتمّ الهجوم عليها من قبل تركيا، كانون الثاني (يناير) 2018، لتُعيد عقبه النظر في حساباتها، عبر إزالة الصور والرموز الدالة على حزب العمال الكردستاني من مناطق سيطرتها في شمال سوريا، وهو ما أضحى أكثر وضوحاً في مراسم الإعلان عن نهاية تنظيم داعش عقب هزيمته في الباغوز، عندما غابت أيّة صور تدل على العمال الكردستاني في الاحتفال، الذي أقيم يوم الثالث والعشرين من آذار (مارس) الماضي، في حقل العمر النفطي، ليكتفيَ المُحتفون برايات "قسد" و"وحدات حماية الشعب" وأمريكا.

اقرأ أيضاً: الكُرد السوريون.. مُعارضون أم موالون للنظام؟
إشارة، رغم بساطتها، تلقفها مُتابعون لاستنباط نجاح الجهود الأمريكية بالفصل بين "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني"، وهو ما يبدو أنّ أوجلان نفسه ليس بعيداً عنه؛ حيث وجّه الرجل المُعتقل، في السادس من أيار (مايو) الماضي، رسالة لأنصاره، نقلها محاموه، قال فيها: "بإمكاننا حلّ مشاكل تركيا ومشاكل المنطقة، بعيداً عن الحرب وسبل العنف الجسدي، بل عبر القوى الناعمة؛ أي قوى العقل، والقوى السياسة والثقافية"، مُتابعاً: "نحن على ثقة بقدرة قوات سوريا الديمقراطية على حلّ المشاكل في سوريا ضمن إطار المحافظة على وحدة الأرض على أساس الديمقراطية المحلية بضمانات دستورية، بعيداً عن ثقافة الاقتتال، مع أخذ حساسية تركيا بعين الاعتبار".

إعلان تحرير الرقة العام 2017

ردّ الإدارة الذاتية
وعقب الرسالة بيومين، ردّت الإدارة الذاتية على رسالة أوجلان، وقالت إنّهم ينظرون "إلى رسالة أوجلان التي تسعى إلى إيجاد الحلول للقضايا بأسلوب الحوار السياسي والديمقراطي، بأنها تحمل في طياتها معانٍ قيّمة"، وأضافت؛ أنّ أوجلان بقي في سوريا 20 عاماً، ولديه وجهة نظر متعمقة من خلال الوعي التاريخي العميق للتطورات والأحداث في سوريا، كما رأت "الإدارة الذاتية"؛ أنّ "رؤيتها الديمقراطية تدعم بناء دستور ديمقراطي يحقق الاستقرار ويدعم الوحدة في سوريا، كما أنّ مشروع الإدارة الذاتية رؤية فعّالة لإيجاد الحلّ من خلال الحوار الحقيقي والمسؤول"، وحول تركيا، اعتقدت "الإدارة" أنّها لم تشكل تهديداً عليها، في حين شنّت تركيا عملية عسكرية في عفرين وتواصل تهديداتها وهجماتها.

اقرأ أيضاً: تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية
من جهته، قال الرئيس المشترك لـ "مجلس سوريا الديمقراطية"، رياض درار، عبر حسابه في فيسبوك: إنّ "ما قاله أوجلان تنفذه الإدارة الذاتية في الشمال والشرق السوري، وهو السعي لحلّ سياسي يوقف المقتلة السورية، وإدراك أهمية الحساسية التركية تجاه التغيرات التي تجري في المحيط والتحرك تجاهها بحذر"، ووصف بيان أوجلان بأنّه "عاقل ومتّزن، يحتاج التجاوب من الجهات المخاطبة به، النظام السوري والحكومة التركية"، أمّا التعقيب الأمريكي؛ فقد جاء على لسان جيمس جيفري، مبعوث الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي ضدّ داعش، الذي أكّد أنّ "أوجلان هو من يتخذ موقفه"، وأضاف جيفري: "أؤكد أنه لم يكن هناك أيّ تنسيق مع السيد أوجلان أو أناس قريبين له".
مفاوضات سرّية
وعقب الرسالة، نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، تقريراً تُرجم للعربية، في الثاني عشر من أيار (مايو) الماضي، تحدث عن عزم كلّ من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية خوض محادثات للتوصّل إلى تسوية بشأن المشاكل في سوريا بعد انتهاء الحرب، وقال الموقع في تقريره: إنّ "السعادة غمرت إلهامي إشك حين علم أنّ الحكومة التركية سمحت لعبد الله أوجلان بلقاء محاميه، فالكردي المحافظ وأصيل مدينة باتمان (الكردية) الذي لعب دوراً فعالاً في عدة محادثات بين المسؤولين الأتراك وممثلي حزب العمال الكردستاني في الماضي، أصبحت الأمور جلية له، فبعد فشل عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة، عام 2015، يُعدّ هذا القرار (رفع الحجْر عن أوجلان) بمثابة الخطوة الأولى في الطريق نحو استئناف المفاوضات بين الطرفين"، وبحسب إشك؛ يعدّ "البيان في حدّ ذاته دليلاً على أنّ المسؤولين الأتراك قد التقوا بالفعل بأوجلان"، قائلاً: "لقد توصلوا إلى أرضية مشتركة تخوّل لهم المضيّ قدماً وخوض المزيد من المحادثات، وهو ما دفع أوجلان لإصدار هذا البيان".

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"
فيما سرّبت مواقع مُناوئة لقوات سوريا الديمقراطية، في الرابع عشر من أيار (مايو) الماضي، أنباءً عن اتصالات غير مباشرة بين "قسد" والنظام التركي، بوساطة أمريكية، لكن دون أن ترتقي إلى مفاوضات حقيقية ومباشرة بين الطرفين، ذاكرةً أنّ هناك تقارباً أمريكياً تركياً حول مشروع "المنطقة الآمنة" في شرق الفرات، وأنّ الطرف الأمريكي يضغط على "قسد" لإبداء المرونة اللازمة، مع الإشارة إلى تنسيق الأمريكيين مع "قوات سوريا الديمقراطية" في كلّ خطواتها مع الحكومة التركية بشأن "المنطقة الآمنة".
نصائح لا تعليمات
يقول حسين فقه، مسؤول إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" في أوروبا، خلال حديثه لـ "حفريات"، حول رسالة أوجلان لـ "قسد"، واحتمالات أن تستغله تركيا كبرهان حول العلاقة مع حزب العمال الكردستاني: "حتماً لا، فشخصية القائد أوجلان تجاوزت حزب العمال الكردستاني المتواجد في باكوري كردستان "شمال كردستان" (المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا) ليصبح شخصية قيادية فكرية وفلسفية كردستانية، تملك النظرية التي من شأنها أن تعالج القضية الكُردية في كلّ أجزاء كُردستان، وفي هذا السياق هناك تجارب عدة بتوجيهه خطابات للإدارة السياسية لباشوري كردستان "جنوب كردستان" سواء السيد مسعود البارزاني، أو الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني، أمين عام حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك خطاباته الخاصة بروجهلاتي كُردستان "شرق كُردستان" (المناطق الكردية غرب ايران)، ناهيك عن توجيهه النصائح والحلول لقضية الكُرد في باكوري كُردستان "شمال كردستان"، وتأتي رؤيته بالنسبة إلى قسد وتوجيهه بعض النصائح في هذا السياق أيضاً".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم
ويتابع: "القائد أوجلان أصبح مفكراً وفيلسوفاً كردستانياً، بل وإنساني، يفكّر في مصير شعوب المنطقة قاطبة متجاوزاً بذلك القومية الضيقة إلى نظريته "الأمة الديمقراطية"، وليس سرّاً أنّ للقائد عبد الله أوجلان شعبية واسعة في روج آفاي كردستان بحكم بقائه في سوريا، وروج آفا لأعوام طوال، وليس سراً أيضاً أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD"، والإدارة الذاتية الديمقراطية، في شمال وشرق سوريا، ووحدات حكاية الشعب والمرأة، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية تنهل من فلسفة " الأمة الديمقراطية" للقائد (آبو/ كلمة كردية تعني "العم")، وبالتالي؛ فإنّ تجربة روج آفا وشمال سوريا في الإدارة الذاتية الديمقراطية هي من نفحات تلك الفلسفة، وليست من مخرجات الأيديولوجيا التي يتبناها حزب العمال الكردستاني، وهنا يجب التفريق بين الاهتداء بفلسفة إنسانية تسعى للحرية والديمقراطية والعيش المشترك بين شعوب المنطقة، كما ينظر إليها القائد (آبو)، وبين حزب سياسي ثوري يعمل لأجل حرية شعبه في باكوري كُردستان؛ لذلك من المجحف والمجافي للحقيقة ربط بعض ملاحظات القائد عبد الله أوجلان بالنسبة إلى قسد مع تبعية الأخيرة لحزب العمال الكردستاني".
 أردوغان قد يضطر لتقديم بعض التنازلات وخصوصاً بعد خسارته الانتخابات في كبريات المدن التركية

بوابة للسلام
وحول إمكانية تبوّؤ كُرد سوريا دوراً في فتح بوابة سلام بين تركيا ومواطنيها الكُرد، يقول فقه: "ما يؤسس له الكُرد في شمال وشرق سوريا يجلب السلام والاستقرار والتعايش لسوريا ودول الجوار أيضاً، وعلى رأسها تركيا، إذا ما تحلت الأخيرة بنوايا خيّرة لسوريا وشعوبها، وبالتالي لتركيا وشعوبها، وما هو ظاهر حتى الآن؛ أنّ تركيا "حزب العدالة والتنمية" تخدم أجندات توسعية تأخذ مبرراتها من جذور تاريخية احتلالية لشعوب المنطقة وفق الميثاق الملي للدولة العثمانية، ومن المستحيل أن يتم التعايش مع هذه العقلية التوسعية للدولة التركية والتوافق معها، وما احتلال عفرين من قبل الدولة التركية ومرتزقتها الجهاديين إلا دليل على النوايا السيئة التي تضمرها الدولة التركية للكُرد وشعوب المنطقة".

كاتب مصري: الانفتاح التركي على أوجلان مُحاولة لكسب الصوت الكردي في معركة إسطنبول القادمة بعد إعادة الانتخابات

ويردف: "لكن، مع الإخفاقات المتكررة لسياسات حزب العدالة والتنمية وزعيمها أردوغان، قد يضطر لتقديم بعض التنازلات وخصوصاً بعد خسارته الانتخابات في كبريات المدن التركية، أنقرة وإسطنبول، اللتان تعدّان مدينتي القرار الاقتصادي والسياسي، وذلك بهدف  كسب أصوات الكُرد في إسطنبول والتي من المزمع إعادة الانتخابات فيها بعد أن رضخت اللجنة العليا للانتخابات لضغوط أردوغان وأقرّت إعادة الانتخابات فيها، وهو ما أثار حفيظة وانتقادات المجتمع الدولي والشعب التركي على حدّ سواء؛ لأنّه أجلى تعبيراً عن سحق الديمقراطية في رحم صناديق الاقتراع وهو أحدث ما تفتقت به عقلية أردوغان بالنسبة إلى الديمقراطية".
وينوه فقه إلى أنّه "رغم كلّ ما سبق، فالمحاولات الأمريكية لإيجاد صيغة للتفاهم بين قسد وتركيا قد تعطي، في مناخ مناسب، أكلها، لتصبح روج آفا بوابة للانفتاح التركي على قضايا شعوبها وعلى رأسها الكُرد"، مستدركاً: "مع أنني لا أظنّ أنّ ذلك سيكون متاحاً في ظلّ سياسات العدالة والتنمية وتعقيدات المنطقة وتشابك ملفاتها، ولكن من حيث المبدأ فالكُرد في سوريا على استعداد تام ليكونوا جسراً لتعيد الدولة التركية التفكير بسياساتها والعودة لمفوضات السلام مع حزب العمال الكُردستاني، وذلك يستوجب خطوات طارئة من الأتراك، أوّلها: فكّ العزلة المفروضة على القائد، عبد الله أوجلان، وإطلاق سراح البرلمانيين الكُرد، وعلى رأسهم صلاح الدين دميرتاش، والانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها، وعلى رأسها عفرين، من هنا قد نقول: إنّه ثمّة مرحلة جديدة من العلاقات قد تبدأ".
ما بين السطور
أما الرسائل التي يمكن استقراؤها ما بين سطور رسالة أوجلان المُقتضبة، فيقول حولها فقه لـ "حفريات": "تلك الرسالة المقتضبة حملت الكثير مما يمكن فهمه كردياً، سواء على مستوى باكوري كردستان أو روج آفاي كردستان، فما رشح من الرسالة هو ما وافق عليه الميت التركي، وهذا ليس خافياً على أحد، وذلك بالتحديد يحمل الكثير من الدلالات التي من المتوجب الأخذ بها، والكُرد سواء في باكوري كردستان أو روج آفا قد أخذوا من الرسالة ما يريده القائد أوجلان وما يريده الكُرد وليس ما يريده أردوغان والميت التركي".

اقرأ أيضاً: الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان
وفيما يخصّ الحديث عن جهود أمريكية لإجراء اتفاق بين الإدارة الذاتية وتركيا، وأنها قد تشمل حصول أردوغان على (بلدية إسطنبول مجدداً مقابل المنطقة الآمنة شمال سوريا)، فيرى فقه أنّ تلك "توقعات صحفية لا غير"، قائلاً: "هناك محاولات أمريكية لتقريب وجهات النظر بين قسد وتركيا، وقد أفصح عنها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في كلمته التي ألقاها في ملتقى العشائر السورية، ولكن تلك المحاولات الأمريكية تخص الشمال السوري وكُرد سوريا، وليس هناك أيّة تقاطعات بينها وبين العملية السياسية والانتخابية في تركيا".
ويتابع: "أردوغان يسعى إلى ما يريد، وفي المقابل؛ نحن نسعى إلى ما يريده شعبنا، وبالتأكيد؛ هاتان الإرادتان خطان مستقيمان متوازيان لا يلتقيان مهما امتدا إلا إذا ما غير أردوغان وحزب العدالة والتنمية من توجهاتهما، وذلك إن حدث فبتأثير فشل المشروع التركي ليس إلا، وليس مسألة مبدأ وقيم، فالفكر الإخواني، سواء كان عربياً أو تركياً، لا يتواءم مع حقوق الشعوب والديمقراطية، والتفاهمات التي تسعى لها واشنطن تخصّ واشنطن، وما تقبله قسد والإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا هو مصلحة شعبنا الكُردي ومكونات الشمال السوري".

عفرين

وحول مآلات الوضع في منطقة عفرين الكُردية شمال غرب سوريا، التي وقعت تحت سيطرة الجيش التركي والمسلحين التابعين لتركيا من المعارضة، يقول فقه لـ "حفريات": "عفرين كُردية وجزء لا يتجزأ من روج آفا، وهي سورية، وأبناء عفرين لن يتركوها يوماً ليهنأ أردوغان بضمها إلى تركيا والاستمرار باحتلالها، ولن تكون تركية قط وهذا ما يدركه الاحتلال التركي جيداً، فلقد تمّ احتلال عفرين بضوء أخضر روسي وتخاذل سوري وتغاطي دولي تماشياً مع ظروف سياسية وتفاهمات مُقايضة بين موسكو وأنقرة، وكما تمّ احتلال عفرين بتوافق دولي ضمن مُتغير سياسي؛ فهي ستتحرر في ذات المتغير؛ حيث ليس هناك ثابت في التوافقات بين الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية".
ويعرب فقه عن ظنه بأنّ "هناك خطأ في التعبير، فتركيا ستنسحب من عفرين أمام إرادة شعبها، لتعود عفرين إلى حضن روج آفا وإدارتها الذاتية الديمقراطية، وليس لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي، أو أيّة جهة سياسية أخرى، عفرين ستعود لصالح شعبها وشعب روج آفا، وستتحرر لتثبت كرديتها وسوريتها". 
مَن في حاجة الآخر؟
حول إمكانية تلقف تركيا بريادة أردوغان لفرصة الحوار والحل السلمي مع قسد، يقول الكاتب المصري المتخصص بالشأن التركي والقضية الكُردية محسن عوض الله في حديثه لـ "حفريات": "أعتقد أنّ حاجة تركيا، بزعامة أردوغان، إلى السلام مع الأكراد، تفوق حاجة الأكراد إلى ذلك، فتركيا أردوغان في حاجة إلى تهدئة عامة مع الكُرد، ليس في سوريا وحدها؛ بل في تركيا قبل سوريا، خاصة في ظلّ الأزمات التي يعاني منها نظام أردوغان وخسارته الكثير من قاعدته الشعبية الانتخابية، وهو ما أظهرته الانتخابات البلدية التي خسر العدالة والتنمية مدنها الرئيسة، خاصة إسطنبول، بما تمثله من مكانة للحزب الحاكم باعتباره منطلق الصعود لأردوغان نحو السلطة المطلقة".

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة
ويرى أنّ "الانفتاح التركي على أوجلان في الأيام الأخيرة، سواء بالسماح بنشر رسالة منه، ثم إلغاء حظر لقاءاته بمحاميه، مُحاولة لكسب الصوت الكردي في معركة إسطنبول القادمة بعد إعادة الانتخابات، كما أنّها أشبه بتهدئة جبهة صراع حتى لو بشكل مؤقت، في ظلّ اشتعال الكثير من الجبهات ضدّ أردوغان ونظامه".

تلبي الطموحات أم دونها

وحول ماهية الديمقراطية المحلية التي دعا إليها أوجلان، بضمانات دستورية، في سوريا، نوّه عوض الله إلى أنّ البعض قد يرى أنّ "المصطلح الذي استخدمه أوجلان يخالف نظرية الأمة الديمقراطية التي تتبناها الإدارة الذاتية، ولكني أرى أنّه لا فرق، وأنّ الأمر مجرد مصطلح مختلف، أو لفظ ليس إلا".
وأردف: "لا أعتقد أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الديمقراطية المحلية التي دعا لها أوجلان، وبين ما تطالب به الإدارة الذاتية من لامركزية الحكم، الديمقراطية المحلية في العلوم السياسية تعني تفويض السلطة والمسؤولية إلى مؤسسات ديمقراطية محلية؛ كالقرى، البلديات، المدن أو غيرها من التجمعات البشرية، بصورة تتفكك معها القبضة المركزية لنظام الحكم ، ويصنع إدارات محلية منتخبة تقوم بتأدية دورها في خدمة التجمع البشري المحيط بها، وتملك من السلطات الكثير بما يمكنها من إدارة المنطقة بشكل كامل، وهو ما يتشابه مع ما تقوم به الإدارة الذاتية".

اقرأ أيضاً: الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد
أما هل خدمت الرسالة طموحات الكُرد السوريين، أم أنّها شكّلت عائقاً أو انتكاسة لمطالباتهم؟ فيرى عوض الله أنّ "رسالة أوجلان هي محور سياسة أكراد سوريا، فالرسالة لم تأتِ بجديد، فمنذ نشأتها لم تقم قسد بأي عمل استفزاز لتركيا، وكانت تراعي الحساسيات التركية بسوريا، ولا تمانع "قسد" من الحوار مع تركيا، وأعلنت ذلك مراراً، شرط التزام تركيا واعترافها بحقوق الأكراد، الأزمة ليست في كُرد سوريا بل في تركيا ونظام أردوغان".
وأعرب الباحث المصري عن اعتقاده أنّ أيّة خطوة نحو التقارب بين الأتراك وأكراد سوريا "يجب أن تبدأ من أنقرة، التي تحتل مدن شمال سوريا، وإن أرادت السلام فعليها مُغادرة عفرين، كشرط أوليّ، قبل أيّة جلسات حوار، إن كانت هناك نية للحوار من الأساس".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إسرائيل تستهدف في غزة ودمشق قيادات الجهاد الإسلامي

2019-11-12

بعد أن خلد سكان قطاع غزة إلى نومهم، بعد أدائهم صلاة فجر اليوم، الثلاثاء، باغتتهم الصواريخ الإسرائيلية، فقضّت مضاجعهم، معلنة بدء جريمة جديدة، ومسلسل جديد من العدوان؛ حيث استهدفت منزل القائد في سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، هو وزوجته، في منزله المتواجد في منطقة كثافة سكانية، في حيّ الشجاعية، شرق مدينة غزة.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد
وجاءت عملية غزة متزامنة مع عملية في العاصمة السورية دمشق، قُتل فيها، شخصان، بينهما ابن القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أكرم العجوري، في قصف استهدف منزله في دمشق الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

توعّدت فصائل المقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالردّ على اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا وبأنّ "الجريمة لن تمرّ دون عقاب"

واتهمت "سانا" إسرائيل بالوقوف وراء هجوم دمشق الذي تم بثلاثة صواريخ أصاب اثنان منها منزل العجوري في منطقة المزة، ما أسفر عن "استشهاد ابنه معاذ إضافة لشخص آخر، وإصابة 10 آخرين بينهم ابنته بتول".
وفي الآونة الأخيرة، ذُكر اسم الشهيد، أبو العطا، مراراً وتكراراً، في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتمّ التحريض عليه بشكل مباشر، فعادوا إلى سياسة الاغتيال، ليقصفوا منزله بشكل مباشر.
وتوعّدت فصائل المقاومة الفلسطينية، الاحتلال الإسرائيلي بالردّ على اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، قائلة: إنّ "الجريمة لن تمرّ دون عقاب".
وقصفت سرايا القدس وفصائل المقاومة، اليوم الثلاثاء، مدينة "تل أبيب" ومستوطنات غلاف غزة، بعشرات الصواريخ، ردّاً على اغتيال أبو العطا؛ كما تمّ إعلان الاستنفار العام في عناصر المقاومة الفلسطينية
بهاء أبو العطا

تصدير الأزمات
وتعليقاً على حادثة الاغتيال، يقول المختص في الشأن الإسرائيلي، عاهد فروانة، لـ "حفريات" إنّ "دولة الاحتلال أكبر عابث في الساحة الفلسطينية، فمع أيّ تقارب فلسطيني لتجاوز حالة الانقسام، نشاهد التدخّل من إسرائيل؛ في عمليات اغتيال واستهداف وتصعيد، فاغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، إلى جانب تصدير الملف الأمني، وتهرّب نتنياهو من أزماته، يأتي للعبث في الحالة الفلسطينية من جديد خاصة مع الأجواء الإيجابية في الموافقة على إجراء الانتخابات".
ويضيف أنّ الاحتلال الإسرائيلي يُحمّل الشهيد أبو العطا منذ فترة طويلة مسؤولية إطلاق القذائف الصاروخية تجاه مستوطنات غلاف غزة، "خاصة استهداف المؤتمر الانتخابي لنتنياهو في مدينة أسدود، قبل الانتخابات الإسرائيلية الماضية".
تصعيد كبير
ما حدث، في نظر فروانة، تصعيد كبير من جانب دولة الاحتلال، "ويدفع مجريات الأحداث إلى سيناريو ربّما يتدحرج لأكثر من مجرد تصعيد، كما شهدنا خلال العامين الماضيَين، وهذا يعتمد على حجم الفعل وردّ الفعل من دولة الاحتلال، وحركة الجهاد الإسلامي، وأيضاً مشاركة فصائل أخرى مع الجهاد، إضافة إلى تدخّل الوسطاء".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
ويشير إلى أنّ "نتنياهو صدّر الملف الأمني حتى يضغط على جانتس، ليكون رئيس الوزراء الأول في تشكيل الحكومة في حالة التناوب"، مبيناً أنّه بذلك يتهرب من ملفات الفساد، إلى جانب اقتراب إعلان توجيه لوائح اتهام ضدّه في قضايا الفساد.
ويبيّن فروانة أنّ هناك تشابهاً كبيراً بين اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، والشهيد أحمد الجعبري، نائب القائد العام لكتائب القسام، عام 2012، في الشهر نفسه، وبعد تسليط الأضواء عليهما بشكل كبير، واتهامهما بالمسؤولية عن الصواريخ والعمليات الفدائية.
ابن القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أكرم العجوري

هل ترد الفصائل؟
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي؛ أنّه من الصعب أن تقبل حركة الجهاد الإسلامي بتهدئة سريعة، خاصة أنّها تعرضت لضربة قوية، باغتيال أبو العطا، واستهداف عضو مكتبها السياسي أكرم العجوري، لكنّ كلّ ذلك مرتبط بحجم التدخلات والضغوطات، ومدى مشاركة باقي الفصائل الفلسطينية في الردّ على الاغتيال.

اقرأ أيضاً: هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎
وقبل اغتيال أبو العطا بساعات، قُتل شخصان، بينهما ابن القيادي العجوري، في قصف استهدف منزله في دمشق اليوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
واستبعد فروانة أن يكون هذا التصعيد أوسع من حرب 2014، خاصة أنّ الاحتلال والفصائل الفلسطينية لا يريدون الانجرار إلى ذلك، وأنّ هذا، بالطبع، مرتبط بتطورات الميدان، وحجم الردّ والوسائل المستخدمة، والميدان قد يخرج عن السيطرة إن لم تنجح الوساطات.
ويؤكّد أنّ الاحتلال الإسرائيلي، ومن خلال اغتيال بهاء أبو العطا، ومحاولة اغتيال أكرم العجوري في دمشق، أراد توجيه رسائل للفصائل الفلسطينية؛ بأنّه سيستهدفهم في كافة أماكن تواجدهم، ويعمل على التدليل بأنّ قادة المقاومة مرتبطون بسوريا وإيران، حتى يخلق أجواء بأنّ قرارهم مرتبط بهاتين الدولتين، وليس مستقلاً، كما يدّعون.
احتمالات مواجهة عسكرية
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي، أكرم عطا الله، في حديثه لـ "حفريات" إنّ "الاحتلال خدع فصائل المقاومة الفلسطينية، وأرسل لها عدة رسائل بأنّه غير معني بالحرب، ولن يذهب باتجاه تصعيد في الفترة الحالية، لكنّه أقدم على اغتيال القيادي في الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وهذا مؤشر طبيعي على حدوث مواجهة عسكرية كبيرة بين الجانبين".

خبير في الشأن الإسرائيلي: من الصعب أن تقبل حركة الجهاد الإسلامي بتهدئة سريعة خاصة أنّها تعرضت لضربة قوية

ويضيف: "عمل الاحتلال الإسرائيلي على تهيئة اغتيال أبو العطا منذ فترة طويلة، بعد اتهامه بأنّه المسؤول الأول عن إطلاق الصواريخ، وأنّه العقل المدبّر لها، وأنّه، كما أشارت التقارير العبرية، أحد أهم الذين يتسببون في عدم الاستقرار في قطاع غزة، وأنّه المسؤول عن كسر التهدئة عدة مرات، فهذا الاغتيال كان مفاجئاً في ظلّ الهدوء السائد على طرفَي الحدود".
وتوقع عطا الله أن تتدحرج الأمور إلى "موجة كبيرة من التصعيد، ليست كالموجات القصيرة؛ فهي قد تشبه الحرب، فـ "إسرائيل" عادت إلى سياسة الاغتيالات، التي كانت تنادي بها، وتلك السياسة هي سبب بعض الحروب التي اندلعت في غزة، كما حدث في حرب عام 2012، عندما تمّ اغتيال القيادي في كتائب القسام، أحمد الجعبري".
عمل الاحتلال الإسرائيلي على تهيئة اغتيال أبو العطا منذ فترة طويلة

تغيير السياسة الإسرائيلية
ويوضح عطا الله: "تلك العملية تمّ التخطيط لها جيداً، وبصلاحيات كاملة من مجلس الوزراء، ومن كافة الأحزاب الإسرائيلية، وتعكس تغيير السياسة الإسرائيلية، وذهاب "إسرائيل" إلى وضع تقرّر فيه إنهاء التهدئة على طرفَي الحدود بين الجانبين".
ويردف: "نتحدّث عن تصعيد كبير هذه الفترة؛ لأنّ الاحتلال الإسرائيلي تجاوز الحدود المفهومة للتصعيد، ففي كلّ مرة يتمّ استهداف مواقع عسكرية أو أراضٍ فارغة، لكن بعد اغتيال قائد مثل أبو العطا، فسيكون من الصعب ضبط عناصر الجهاد الإسلامي، وأيضاً يحرج الفصائل، فهم أمام جولة لا يستطيع الوسطاء التدخّل لإيقافها؛ فالأمر صعب، لأنّ الاحتلال ضرب غزة ودمشق.
وتوقّع عطا الله عدم نجاح أيّة وساطة لاحتواء الموقف؛ لأنّه من الصعب ضبط حركة الجهاد الإسلامي، كما حماس، فالأخيرة أكثر ليونة مع الوسطاء.
وختم حديثه  بأنّ "الاحتلال الإسرائيلي، عندما أقدم على هذه الخطوة، كان يدرك تماماً أنّه لا يمكن إيقاف التصعيد بشكل سريع، كما السابق، فالمناخات مختلفة في هذا التصعيد؛ فطبيعة الاغتيال تحتّم الردّ".

للمشاركة:

كيف تتجلى صورة الدولة في عقل تنظيم داعش؟

2019-11-12

لم يعد لتنظيم داعش أرض يحكم السيطرة عليها، وبذلك، بدا أنّ التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حقّق غرضه، بسحب الأرض من تحت أقدام التنظيم، ليفقد دولته التي أعلن عن وجودها منذ العام 2007.
إلا أنّ التنظيم، وإن عاد للعمل السري المرتكز على الخلايا العنقودية في أدائه، فإنّه يظلّ رافعاً راية تلك الدولة رمزياً، حتى إن محقت فعلياً تحت قصف القنابل.

اقرأ أيضاً: "قوارير داعش" ... المغرب يفتح ذراعيه لضحايا البغدادي
ومع أنّ فقدان الأرض يفقد الدولة أحد أركانها، حتى في السياسة الشرعية، إلا أنّ التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص، بما يلائم واقعها، والتقلبات الطارئة على أحوالها.
فإذا قدرت بأنّه حان لحظة "التمكين" لقيام دولة إسلامية، تتوافر فيها عناصر الدولة المعروفة، المكوّنة من أرض وشعب وحكومة، فإنّها تفعل ذلك بعد توافر تلك العناصر، إلا أنّها إذا فقدت إحداها، فإنّها ستبحث في الروايات والآثار فيما يكفل لها البقاء من الناحية الشرعية، حتى لو كان العنصر المفقود هو الأرض ذاتها.
 التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص

السرّي والمكشوف
بعدما أوقف تنظيم الجهاد في مصر عملياته ضدّ الدولة، عام 1996، بحجّة عدم القدرة، خرج تنظيم القاعدة بإستراتيجية جديدة، تقضي باستهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارهما رأسَي الأفعى، والبقاء كتنظيم لا مركزي، يرتكز على خلايا عنقودية سرّية ونشطة، تسرح في الجسد العالمي، ويصعب صيدها والقضاء عليها.

التنظيمات الإسلامية تمتلك قدرة فائقة على تطويع النصوص بما يلائم واقعها والتقلبات الطارئة على أحوالها

لكنّ الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، وقيام جماعة التوحيد والجهاد، بزعامة أبي مصعب الزرقاوي، قد اضطر القاعدة للتغيير من إستراتيجيتها القاضية بقتال العدو البعيد، تحت إغراء التنظيم الوليد، الذي فوجئ به أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، قياديَّا القاعدة، فاضطرا لقبول بيعة "الزرقاوي" على الاختلاف البيّن بينهما في الإستراتيجية، وأولوية قتال الأعداء.
وبعد مقتل الزرقاوي، اتجه خليفته، أبو حمزة المهاجر، إلى تأسيس دولة إسلامية، على المثلث السنّي في العراق، بعدما اقتربت القوات الأمريكية من الانسحاب، بدعوى عدم السماح للفصائل السنّية الأخرى بقطف ثمرة القتال ضدّ القوات الأمريكية الغازية، والسيطرة على الزمام السنّي، بعد الاستحواذ على حصتهم في المشاركة السياسية.
الإمساك بالأرض
لم يكن هناك بدّ للتنظيم من الإمساك بالأرض، والظهور العلني للكثير من العناصر، بعد انعقاد حلف "المطيبين"، الذي جمع القاعدة مع فصائل سلفية أخرى، وتنصيب أبي عمر البغدادي أميراً للمؤمنين.
وفضلاً عن خروج التنظيم عملياً، من الدائرة الإستراتيجية للقاعدة؛ فإنّ كثيراً من المشتغلين في الحقل الجهادي، انتقد التحول إلى سياسة الاستحواذ على أراض، وظهور التنظيم إلى العلن.
في مقاله المعنون "الحقائق المخفاة حول دولة البغدادي" كتب أبو أحمد، الذي يعرّف نفسه بأنّه من مجاهدي خراسان والعراق والشام: "بعد استلام أبي حمزة المهاجر عمل بغير منهج الشيخ الزرقاوي من الناحية السرية والتشكيلات والمجاميع، وبدأ بالتعامل على أساس القوة والتمكين..".

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
لكنّ المهاجر وقف مدافعاً عن تلك السياسة، باعتبارها ضرورة، معتقداً أنّه قد حان وقت إقامة الدولة، غير مبالٍ بالواقع والحسابات السياسية والمنطقة، وبالاستناد إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تعد بالنصر وخلافة الأرض للمؤمنين!
فعندما سئل المهاجر، في حوار صوتي أجرته معه مؤسسة "الفرقان" الإعلامية، التابعة للتنظيم: "أسلوب مسك الأرض أسلوب عسكري فاشل، فما ردّكم؟"، أجاب: "هذا كلام العاجز قليل الحيلة ضعيف الهمة، عديم الخبرة بعيد عن الساحة، وإلا فليعلم الجميع الأثر العظيم الطيب لأحداث الفلوجة الأولى، وما أعقبها من مسك الأرض، وكيف أنّ معظم الجماعات الجهادية أعلنت عن نفسها بعد هذه الأحداث مستفيدة من الأمن الذي حققه بدمائهم حينهاً رجال التوحيد والجهاد مع بعض المخلصين...".
أبو مصعب الزرقاوي

مآلات متشابهة
لكنّ مآلات التنظيم، في ظلّ هيمنة "البغدادي" الأول و"المهاجر" كانت ردّاً واضحاً على نتاج سياستهما، فقُتل الآلاف من العناصر، وسُجن مثلهم، وقُتل الرجلان في عملية عراقية أمريكية مشتركة، عام 2010.
ومع أنّ الأرض كانت قد سحبت من تحت أقدامهما قبل مقتلهما، إلا أنّ ذلك لم يكن مبرراً لهما لإسقاط الدولة، باعتبار أنّها فقدت عنصراً رئيساً من تعريفها ووجودها حتى الشرعي.
بل ذهب "المهاجر" لشرعنة وجود الدولة الفاقدة للأرض والأمن والمال، فتحدّث عن مفهوم الدولة الإسلامية، في تسجيل صوتي له، فرغه كتابياً الجناح الإعلامي في التنظيم تحت عنوان "الدولة النبوية"، زاعماً أنّها لم تكن تحكم سيطرتها على الأرض، ومع ذلك ظلّت دولة.

اقرأ أيضاً: لماذا يكره داعش الصوفية ويفجر أضرحتهم؟
يقول المهاجر: "انطبع عند كثير منا أنّ مفهوم الدولة الإسلامية هو مفهوم الدولة "الطاغوتية" نفسه، التي رسمها (سايكس- بيكو): وبعضنا يفهم خطأ أنّ مفهوم الدولة التي ينبغي قيامها، وإعلانها هي دولة "الرشيد" يخاطب فيها السحابة في السماء، ويغرف الذهب كالماء، ويرسل الجيوش التي أولها عند عدوّه، وآخرها في بغداد، فهيّا بنا نتجه إلى المدينة النبوية لنرقب ولو شيئاً يسيراً من حركة بناء الدولة النبوية..".
لم تكن آمنة مطمئنة
لا يعجز الرجل في اجترار روايات تظهر أنّ دولة النبي ﷺ، لم تكن بالقوة ولا التمكين المتصوّرَين، ويحاول إسقاط الروايات التي تشي بضعفها في البداية على حال تنظيمه، الذي تعرّض للشتات وخسارة الأرض، بعد تحالف الصحوات الذي نجح إلى حدٍّ كبير في تحطيم إمارته.

بعدما أوقف تنظيم الجهاد في مصر عملياته ضدّ الدولة عام 1996 خرجت "القاعدة" بإستراتيجية تقضي باستهداف أمريكا وإسرائيل

يبدأ المهاجر سلسلة من التساؤلات الطويلة التي سيجيب عنها فيما بعد، فيقول: "هل كانت المدينة فحسب ملاذاً آمناً يأوي إليها المستضعفون من المؤمنين، أم إنّها عهد جديد من التضحية بالنفس والمال، وفصل آخر من فصول الفقر، والخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس والثمرات؟".
يكمل تساؤلاته: "نريد أن نعرف؛ هل قامت الدولة النبوية، أول ما قامت، قوية راسخة متينة لا تهزها الريح ولا تأخذ فيها الفتن، أم إنّ القلوب بلغت الحناجر وظنّ الناس بربّهم الظنون؟
ويستطرد: "هل صحّت مزارع القوم ونشطت تجارتهم وزاد عدد رجالهم، أم حصد القتل في سبيل الله شبابهم وشيوخهم وتعطلت تجارتهم وبارت مزارعهم؟".
هل كانت تلك الدار عذبة الماء طيبة الهواء، أم إنّها أرض كثيرة الوباء آجلة الماء؟
هل كانت الجيوش النبوية وافرة العدد والعدة، أم كما وصف الله ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في قلة العدد ورثاثة العدة وضيق المعاش؟".

توظيف براغماتي
ينفي المهاجر هذه الصفات عن الدولة النبوية، ويسوق عشرات الروايات التي تؤكّد زعمه، ويؤكّد أنّ دولة النبي ﷺ كانت فاقدة للأمن والاستقرار، كلّ هذا من أجل تثبيت وصف الدولة على إمارته التي لم تعد تسيطر على أرض يعيش فوقها شعب.
يقول: "روى الإمام أحمد والشيخان وابن إسحاق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلاً، يعني ماء آجناً، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقماً، وصرف الله ذلك عن نبيه".

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
وعن عائشة، رضي الله عنها، كما في الصحيح؛ أنّ بلال لما وعك كان يقول: "اللهم العن شيبة ابن ربيعة، وعتبة ابن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء".
وعن فقدان الأمن في المدينة يقول المهاجر: "كانت حياة الصحابة الكرام في الدولة النبوية حياة خوف ووجل وترقّب، وحذر دائم، خاصة في مرحلة تأسيسها الأولى وأيام المحن؛ ففي الصحيح، عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، قال: ولقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتاً، قال فتلقاهم النبي ﷺ على فرس لأبي طلحة عري، وهو متقلد سيفه فقال: "لم تراعو لم تراعوا"، ثم قال رسول الله ﷺ: "وجدت بحراً يعني الفرس، فدلّ استنفار الناس لأجل الصوت أنّهم كانوا يفزعون ويستنفرون لأدنى خطر، ولو كان احتمالياً، كصوت صخرة وقعت من قمة جبل، وهو ما يشابه اليوم أصوات الانفجارات التي يحدثها العدو، أبعده الله".
فقدان الأمن
ولم يستطع المهاجر، في التنظير لمسألة الدولة بدون أرض، أن يثبت أنّ دولة النبي ﷺ فقدت يوماً سيطرتها على أرض يثرب، أو أنّ أعداءه استطاعوا أن يجتاحوها يوماً، بل نجح في صدّ التحالف العشائري ضدّه في غزوة الأحزاب، وظلّت المدينة ذات سيادة حتى لو تعرضت لمشكلات أمنية في حالة الحرب.
يسترسل المهاجر في سرد الروايات التي تؤكّد أنّ دولة النبي ﷺ لم تكن آمنة، رغم شذوذ رأيه إذا وضع في سياقات روايات السيرة المعتبرة، فيقول: "كان النبي ﷺ أول قدومه المدينة يرهق نفسه في حراسة نفسه حذراً من الأعداء، وآخذاً بالأسباب، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
يكمل: "ففي الصحيح: عن عائشة، رضي الله عنها، كان النبي ﷺ سَهِراً، فلمّا قدم المدينة قال: "ليت رجلاً من أصحابي صالحاً يحرسني الليلة"، إذ سمعنا صوت سلاح فقال: "من هذا؟" فقال: "أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك"، ونام النبي ﷺ، وفي رواية حتى سمعنا غطيطه.
دولة فقيرة!
أما عن الحالة الاقتصادية التي تعيشها الدولة النبوية الناشئة، فيقول المهاجر: كانت حالة فقر قاتل، لم يستثنِ أحداً، صغيراً كان أو كبيراً، ففي الصحيح عن أيوب عن محمد، قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فقال: "بخ بخ"، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟ لقد رأيتني، وإنا لآخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشياً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع".
يتابع المهاجر: فهؤلاء أضياف كرام في مسجد رسول الله؛ حيث يرى جميع الصحابة يخرون صرعى من الجوع، وقسوته، لا يملك لهم أحد شيئاً.
روى ابن داوود عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ أنّه دخل على فاطمة والحسن والحسين يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع.
ويضيف: سكن النبي في بقعة من أرض الجزيرة كان يحوطها الكفار واليهود والمنافقون، ووصل جيشه إلى 700 فرد وتعرّض للهزيمة في أحد، وللحصار في الخندق، ومع ذلك فهي كانت دولة.

للمشاركة:

كيف حضرتْ إيران واليمن والاحتجاجات العربية في ملتقى أبوظبي الإستراتيجي؟

2019-11-12

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، إنّ ثمة إمكانية لوجود مسار سياسي للتعامل مع إيران، قد يكون بمقدور جميع أطراف الصراع الاستعداد لإطلاقه قريباً، من دون أن يعني ذلك القبول بالطبيعة العدوانية للسياسة الخارجية الإيرانية. ولفت قرقاش إلى أنّ النزاعات والتحديات الكبرى التي تعصف بالمنطقة وصلت إلى مرحلة حاسمة، الأمر الذي يستوجب ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، وعدم التصعيد في ما يتعلق بإيران.
جاء كلام الوزير الإماراتي خلال ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس، الذي نظمه مركز الإمارات للسياسات، واختتم أعماله أمس في أبوظبي.

قرقاش: لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات

وحذر قرقاش من أنّه لا ينبغي أن يكون الخيار مع إيران بين الحرب من جهة أو القبول باتفاق (5+1) المليء بالعيوب والثغرات من جهة أخرى؛ في إشارة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الدول الكبرى في تموز (يوليو) 2015. ووصف المسؤول الإماراتي هذا الخيار بـ"الخاطئ"، مؤكداً رفضه لثنائية الصراع والاستسلام. وأضاف أنّ "سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة، لكننا لا نسعى إلى المواجهة، والمزيد من التصعيد في هذا الوقت لا يخدم أحداً، ونعتقد بقوة أنّ ثمة متسعاً لنجاح الدبلوماسية الجماعية".

اقرأ أيضاً: الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن
وأشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في كلمته أمام ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس إلى أن هذا النجاح يرتبط بجملة من الشروط والمحددات من أبرزها ما يلي:
1. يتوجب، استناداً إلى هذه العملية، التعاطي مع القضايا الأمنية الرئيسية التي تشكّل مصدر قلق للدول الأخرى في المنطقة، مثل التدخل الإيراني المباشر، ومن خلال الوكلاء، في الدول الأخرى في المنطقة، إضافة إلى برامجها النووية والصاروخية.

سلوك إيران يبقى مصدر قلق حقيقي للدول الأخرى في المنطقة
2. أن تكون دول الخليج العربية حاضرة على طاولة أي محادثات حول تلك القضايا المذكورة.
3. وجود توافق في صفوف المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إلى جانب دول الخليج العربية.

اقرأ أيضاً: الإمارات تقدّم المساعدات في مدينتَي المخا وشبوة اليمنيتَين
4. إنهاء الهجمات الفظيعة التي تعرضت لها منشآت أرامكو السعودية، وأي هجمات على شاكلتها، بوصفها غير مقبولة وتقوّض أي عملية سياسية أو دبلوماسية محتملة. وإذا أثبتت إيران التزامها الجدي تجاه هذه العملية، فإنّ مساراً سياسياً قد يتكلل بالنجاح. واستدرك الوزير بأنّ هذا المسار سيكون طويلاً ويتطلب الصبر والشجاعة.
وقال قرقاش إن مثل الاتفاق، إن تمّ، سيعمل على تنشيط الاقتصاد الإيراني، وتشكيل خريطة طريق لنظام إقليمي جديد أكثر استقراراً يمكن لجميع الدول أن تحقق الازدهار من خلاله.

الخيار في اليمن
وفي إطار ربط الوزير الإماراتي هذه المسألة بالواقع القائم في اليمن، أوضح بأنّ الخيار في هذا البلد ليس بين صراع دائم أو التخلي عن الشعب اليمني لصالح ميليشيا الحوثيين، أو لمصلحة تنظيم "القاعدة" الإرهابي. وقال قرقاش إنّ الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي، من أهم خصائصه البراغماتية والسلمية والاستدامة. وتابع قرقاش بأنّ أي اتفاق على الحل في اليمن يتعين عليه أن يأخذ بالاعتبار ما يلي:
1.  الطموحات المشروعة لجميع أطراف المجتمع اليمني، وهذا يشمل الحوثيين؛ فبالرغم من أن ميليشيا الحوثيين ألحقت دماراً واسعاً في اليمن؛ فإنهم جزء من المجتمع اليمني ولهم دور في مستقبله، على حدّ قوله.

قرقاش: الواقع الحالي في اليمن يحثّ على الدفع بدبلوماسية قوية يمكن لها المضي قُدُماً نحو حل سياسي

2. يتوجب أن يسعى أي حل سياسي مستدام في اليمن للسماح كذلك بتقديم ضمانات أمنية مناسبة للدول المجاورة، وهذا يشتمل على احتواء التهديدات الإرهابية، وضمان الأمن البحري، ومنع أي هجمات ضد الدول المجاورة انطلاقاً من الأراضي اليمنية.
3. يمكن للمجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص مجلس الأمن الدولي، أن يقوم بدور فاعل في إخراج هذا الاتفاق إلى النور.
وقال قرقاش إنّ الأزمة اليمنية تشكّل فرصة لجميع الأطراف للبدء في بناء نظام إقليمي جديد، يكون احترام السيادة الوطنية جزءاً أساسياً في صميم هذا النظام، ما يعني إنهاء التدخلات أو التهديد بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
وذكر المسؤول الإماراتي أنّ بلاده ستواصل العمل في هذا الاتجاه، مؤكداً أنّ أولويات بلاده في "التحالف العربي" في أعقاب إعادة انتشار قواتها من عدن هي الاستمرار في مواجهة التهديدات الإرهابية، وحماية الأمن البحري، ومواصلة تقديم المساعدات الإنسانية.
تطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق

نقاشات نوعية
وكان ملتقى أبوظبي الإستراتيجي السادس شهد نقاشاً ثرياً حول توزّع القوة في النظامين الدولي والإقليمي، فاتحاً الجدل العلمي والمنهجي حول عناوين جديدة في المنطقة العربية؛ مثل؛ محور القوة الجيو-مالية، وخريطة العالم الجيو-تقنية، وعسكرة التكنولوجيا، والتنافس حول اقتصادات الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: القوات اليمنية: بهذه الجريمة نسف الحوثيون جهود السلام
وتطرقت النقاشات إلى موجة الاحتجاجات الأخيرة في كل من لبنان والعراق. وأكّد رئيس الوزراء الليبي السابق، محمود جبريل، أنّ الخلل الهيكلي العميق في الدولة العربية يُعدّ سبباً أساسياً في اندلاع الهبّات الشعبية في العالم العربي. من جانبه، قال الإعلامي العراقي، مشرق عباس، إنّ الاحتجاجات الجارية في العراق تعكس رغبة شعبية قوية بضرورة التغيير، والردّ على محاولة السلطات العراقية تفتيت الهوية الوطنية العراقية الجامعة.
ولفت عباس إلى أنّ الداعين إلى وجود قيادة موحدة لهذه الاحتجاجات يغفلون عن أنّه من المهم في هذه المرحلة استمرار هذه الاحتجاجات بشكلها الحالي: السلمي والعابر للمناطقية والطائفية والقومية، فضلاً عن أنّ خروج قيادات في هذه المرحلة-التي تشهد استخدام القوة المفرطة بحق المحتجين- سيعني تصفيتهم، كما أنّ أهداف الاحتجاج لم تتحقق ليتم الانتقال إلى مرحلة المفاوضات، والتي تتطلب وقتها وجود وجوه قيادية للتفاوض مع الحكومة، على حد قوله.

للمشاركة:



الحوثيون يقصفون المناطق السكنية في تعز.. والجيش يتقدّم في الجوف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

توفيت طفلة وأصيب أربعة أطفال آخرون في قصف لميليشيات الحوثي، استهدف إحدى القرى في مديرية الصلو جنوب شرق محافظة تعز.

وسقطت قذيفة صاروخية على أحد المنازل في قرية الشرف بمديرية الصلو، أسفرت عن مقتل الطفلة رحمة فارس عبده الشيبة، وإصابة أربعة أطفال آخرين، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية عن مصادر عسكرية.

توفيت طفلة وأصيب أربعة أطفال آخرون في قصف لمليشيات الحوثي في إحدى قرى تعز

ولفتت المصادر إلى أنّ الأطفال إصابتهم خطرة للغاية وعدد الوفيات مرشح للزيادة.

وتواصل مليشيات الحوثي قصفها الصاروخي والمدفعي على الأحياء والقرى السكنية في مدينة تعز ومديرياتها الريفية من وقت إلى آخر مخلفة العشرات من الضحايا في صفوف المدنيين وغالبيتهم أطفال.

في الأثناء، تقدمت قوات الجيش الوطني في جبهة صبرين شرق محافظة الجوف، وسط انهيارات واسعة في صفوف مليشيا الحوثي الإرهابية التي تلوذ بالفرار.

وقال موقع "سبتمبر نت"، نقلاً عن أركان حرب محور الجوف، العميد صادق العكيمي؛ إنّ "قوات الجيش أحكمت سيطرتها بشكل كلي على مواقع؛ أم الحجار، وجبال صبرين، بمديرية خب والشعف، نافياً أن تكون المليشيا قد استعادتها، كما تروّج لذلك في إعلامها".

ولفت إلى أنّ مدفعية الجيش الوطني استهدفت مواقع الميليشيا الحوثية، في جبلَي الطائرة، والأطحال، وكبدتها خسائر كبيرة في العدد والعدة.

صفوف مليشيا الحوثي الإرهابية تلوذ بالفرار وسط تقدم الجيش في جبهة صبرين شرق الجوف

من جانبه، أكّد العقيد في اللواء 155 مشاة، ربيع القرشي؛ أنّ قوات الجيش تمكنت من التقدم والسيطرة على عدد من المواقع في الجبهة ذاتها، من بينها موقع الطويلات، وكبدت الميليشيا المتمردة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

ولفت إلى أنّ الفرق الهندسية لقوات الجيش الوطني، نزعت أكثر من 500 لغم أرضي، زرعتها الميليشيا الحوثية، في محاولة يائسة منها لإعاقة تقدم قوات الجيش الوطني.

 

للمشاركة:

آخر تطورات الثورة اللبنانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

تتواصل الاحتجاجات والتحركات في لبنان، لليوم السابع والعشرين على التوالي، بالتزامن مع استمرار إقفال المحتجين لمؤسسات تابعة للدولة اللبنانية، ومرافق عامة، في وقت سُجّلت إشكالات بين المعتصمين وعدد من المحامين الذين كانوا يحاولون الدخول إلى مقرّ النقابة من الجهة الخلفية لقصر عدل بيروت.

وبعد يوم حافل بالمواقف السياسية، أمس، يطلّ الرئيس اللبناني، ميشيل عون، عند الثامنة والنصف من مساء اليوم، الثلاثاء، في حوار تلفزيوني يتناول فيه التطورات الراهنة، وفق ما أفادت به صفحة الرئاسة اللبنانية عبر "تويتر".

المتظاهرون في لبنان يواصلون قطع الطرق في كثير من المدن والمؤسسات التابعة للدولة

من جهته، يصرّ رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، على بقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، على رأس الحكومة، ونقلت صحيفة "النهار" اللبنانية عن بري ما مفاده: "إذا بقي سعد على موقفه ورفض تسلم الحكومة، فسأكون على عداء معه إلى الأبد، المصلحة تقتضي تعاوننا جميعنا للخروج من هذه الأزمة".

بدوره، قال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله: إنّ "هناك مطالب عديدة في الحراك الذي يشهده لبنان ليست محل إجماع".

وذكر نصر الله، في كلمة متلفزة أمس بمناسبة احتفاله بيوم الشهيد؛ أنّ من مطالب الحراك التي لا إجماع عليها إلغاء الطائفية والمطالبة بقانون انتخاب جديد.

الرئيس اللبناني يطلّ اليوم في حوار تلفزيوني يتناول فيه التطورات الراهنة ومطالب المتظاهرين

ورأى نصر الله؛ أنّ مقاومة الفساد في لبنان تحتاج إلى قاضٍ نزيه ومستقل، لا يخضع لضغوط السياسيين، مضيفاً أنّ آليات مكافحة الفساد ليست موجودة عند حزب أو حراك في الشارع، مؤكداً أنّ خطوة إنقاذ البلاد بيد الجهاز القضائي.

وأشار إلى أنّ اللقاءات متواصلة والاستشارات قائمة بشأن تشكيل حكومة جديدة، بعد استقالة حكومة سعد الحريري.

وقطع المحتجون، صباح اليوم، السير في محلة العدلية باتجاه سامي الصلح مقابل مبنى قصر العدل في بيروت، وتجمعوا أمام قصر العدل في بيروت مقفلين مداخله "دعماً لاستقلالية القضاء وللضغط على السلطة السياسية للبدء بالاستشارات النيابية".

وأفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" الرسمية اللبنانية بحصول إشكال بين بعض المتظاهرين وأحد المحامين الذي حاول الدخول إلى قصر العدل في بيروت.

نبيه بري يصرّ على بقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، على رأس الحكومة

إلى ذلك، تجمّع عدد من الطلاب أمام وزارة التربية في الأونيسكو، وسط انتشار للقوى الأمنية، وفي حين قرّر وزير التربية اللبناني، أكرم شهيب، إبقاء المدارس والجامعات مقفلة اليوم، لم تلتزم مدارس وجامعات عدة بالقرار، وفتحت أبوابها أمام التلاميذ والطلاب.

وبدأ موظفو الشركتين المشغلتين لقطاع الهواتف الخليوي "ألفا" و"تاتش" إضراباً مفتوحاً، اليوم، فتوقفوا عن العمل في المراكز الرئيسة للشركتين.

وحضر الموظفون إلى أماكن عملهم، لكنّهم اعتصموا خارجها، رافعين شعارات مطلبية تدافع عن حقوقهم، وطالبوا وزارة الاتصالات بالاستجابة لمطالبهم التي لخصوها بالآتي: "عدم حسم 30% من مدخولهم السنوي، توقيع عقد العمل الجماعي وضمان استمرارية عملهم في العقود، سواء كانت عقود إدارة أو خصخصة، أو أيّ نوع آخر".

حسن نصر الله: هناك مطالب عديدة في الحراك الذي يشهده لبنان ليست محلّ إجماع

كما أقفلت المصارف أبوابها، اليوم، وذلك بعد إعلان الموظفين الإضراب؛ بسبب الإساءات التي يتعرضون لها نتيجة الوضع القائم، وتهافت المودعين لسحب أموالهم، مع وجود سقوفات على السحوبات.

على الصعيد نفسه؛ أقدم تجمع أصحاب محطات الوقود، صباح اليوم، على إقفال أبواب شركات تسليم المحروقات في لبنان في مراكز الجية، والدورة، والضبية، وعمشيت، وطرابلس، احتجاجاً على تسليمهم المحروقات بالدولار، مطالبين تسليمها بالليرة اللبنانية.

موظفو شركات اتصالات الهواتف النقالة يعلنون إضراباً مفتوحاً عن العمل حتى تحصيل  حقوقهم

إلى ذلك، قطع المحتجون طرقات عدة، منها مفرق قب الياس البقاع بالاتجاهين، بالإضافة إلى العبدة، وحلبا، والبحصاص، والمنية، ودير عمار، وجسر البالما.

وشمل الإقفال كلّ المرافق التربوية والمصرفية في صيدا في جنوب لبنان، فيما أعلنت المدارس والجامعات والمعاهد والمهنيات في طرابلس شمالاً إقفال أبوابها أمام التلاميذ والطلاب، كذلك أقفل المحتجون، في الثامنة صباحاً، مؤسسة كهرباء لبنان في مدينة صيدا، كما عمدوا إلى إقفال مراكز تابعة لشركة "أوجيرو" المشغلة لخطوط الهواتف اللبنانية، في مناطق مختلفة.

موظفو المصارف يضربون عن العمل بسبب الإساءات التي يتعرضون لها نتيجة الوضع القائم

إلى ذلك، أدّى إطلاق نار عند دوار مرج الزهور في محلة أبي سمراء في طرابلس شمال لبنان، إلى إصابة 3 أشخاص بطلقات نارية في الرأس وسائر أنحاء الجسم، نقلهم عناصر جهاز الطوارئ والإغاثة في "الجمعية الطبية الإسلامية" بالتعاون مع أبناء المنطقة، إلى مستشفيات المنطقة، وما لبث أحدهم أن فارق الحياة، وفق ما ذكرته "الوكالة الوطنية للإعلام"، ولم يتّضح ما إذا كان إطلاق النار على خلفية الاحتجاجات الأخيرة.

 

 

للمشاركة:

هل نقلت تركيا إرهابيين إلى ليبيا؟ الجيش الليبي يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد المحجوب: إنّ تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش.

وأكّد المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ أردوغان طرف رئيس في المعركة الأمنية والعسكرية في ليبيا، مشدداً على أنّ "هذه الميليشيات الإرهابية لن تستطيع المواجهة لمدة نصف يوم، لو لم يمنحها الرئيس التركي الدعم المادي والمعنوي والغطاء الجوي، عن طريق الطيران المسيَّر"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

المحجوب: تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش

وتابع المحجوب: "تنظيم داعش الإرهابي لم يخفِ مساندته للميليشيات منذ بدء معارك بنغازي"، مشيراً إلى أنّ "رايات التنظيم الإرهابي كانت تُرفع بوضوح في أغلب المواقع والمحاور ضدّ الجيش الليبي".

وتأتي تصريحات المحجوب تعليقاً على أنباء متداولة عن وصول دفعة من الدواعش لمطار مصراتة، أرسلها أردوغان لدعم الميليشيات في ليبيا.

ويتخوف متابعون للشأن الليبي من نقل الرئيس التركي آلاف الإرهابيين من تنظيم داعش إلى البلاد بعد غزوه الشمال السوري.

وكان اللواء أحمد المسماري قد أعرب، خلال مؤتمر صحفي سابق، عن تخوف بلاده من ذلك قائلاّ: "الغزو التركي لشمال سوريا ربما يؤدي إلى هروب عناصر داعش من السجون التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأردوغان سيسعى لنقلهم لمأوى آمن، وربما تكون ليبيا هي وجهتهم، بسبب الفراغ الأمني، خاصة في مناطق مصراتة وطرابلس، وغيرهما من مناطق الغرب الليبي".

ودعمت تركيا الإرهابيين والميليشيات في ليبيا بعدة طرق، أبرزها: صفقات التسليح والطيران التركي المسيَّر، وهو ما يعدّ خرقاً للقرارات الأممية بحظر توريد السلاح إلى ليبيا منذ 2011.

بدوره، ينفّذ الجيش الليبي، في الفترة الأخيرة، عمليات واسعة ضدّ الميليشيات.

 

للمشاركة:



بيير كاريجي: لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-12

ترجمة: مدني قصري


نظّمت وزارة الخارجية الأمريكية، في الفترة بين 16 إلى 18 تموز (يوليو) 2019، الاجتماع الثاني حول الحرية الدينية؛ فمنذ عام 2016، تنشر وزارة الخارجية تقارير سنوية عن حالة الحرية الدينية في العالم، حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "voaafrique.com" مقابلة مع الباحث بيير كاريجي. 

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية
حصل جان بيير كاريجي (Pierre Karegeye)، خريج جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على درجة الدكتوراه في الأدب، ودرجة الماجستير في اللاهوت الأخلاقي، وهو يدرّس في جامعة ديكنسون، تنصبّ اهتماماته البحثية على ظاهرة الإبادة الجماعية، والجنود الأطفال، والتطرف الديني، ونشر وأدار بحوثاً جماعية، منها: "الشهود" (2016)، "مواقع الحديث عن الإبادة الجماعية في رواندا" (2015)، "الأطفال في النزاعات المسلحة" (2012)، "الدين في الحرب والسلام في أفريقيا" (2018)(1).
هنا نص الحوار:
شاركتَ مؤخراً في سلسلة من الاجتماعات التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ ماذا كان مضمون هذه اللقاءات؟

هذه اللقاءات جمعت العديد من الزعماء الدينيين والأكاديميين والسياسيين، ناقشنا التحديات وتعزيز حرية الدين، وحدّدنا أيضاً طرقاً لمكافحة الاضطهاد والتمييز الدينيَّين.
إنّ ما يهمني، من بين أمور أخرى؛ حقيقة أنّ السياسيين يُدمجون الحقيقة الدينية في تحليلهم للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنّ الفصل الضروري بين الدولة والدين لا يجعل من هذه الأخيرة ظاهرة إضافية للواقع الاجتماعي.
ترتبط الحرية الدينية في أمريكا بحرية التعبيركواحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟
الحرية الدينية في الولايات المتحدة تخضع لحقوق الإنسان التي يحميها القانون؛ فهي جزء من التاريخ والأخلاق الأمريكية، لكن قبل كلّ شيء، يعدّ البحث عن الحرية الدينية أحد الأفعال المؤسِّسة للولايات المتحدة، التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي تمّ التصديق عليه عام 1791، يتناول الحرية الدينية، وفي التعديل نفسه توجد حرية التعبير، وهكذا ترتبط الحرية الدينية في الولايات المتحدة بحرية التعبير؛ إنّها في الأساس واحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين.
هناك إذاً علاقة بتاريخ الولايات المتحدة؟
بالتأكيد؛ لقد فرّ بعض المهاجرين من أصل إنجليزي من اضطهاد تشارلز الأول في القرن السادس عشر، واكتشف هؤلاء "المتشددون" نيو انغلاند؛ حيث أمكنهم أن يمارسوا حريتهم الدينية، أراد القادمون الجدد بناء مجتمع وفق معايير الكتاب المقدس تحت قيادة القسّ جون كوتون.
لكنّ تاريخ الحرية الدينية بُنِي خارج الولايات المتحدة؟
بدأ الإنسان، الآن، يدرك فكرة السموّ المرتبطة بحرية الاعتقاد والتفكير، الولايات المتحدة لم تخترع مفهوم حرية الدين، حوار الأديان دعوة لحرية الدين، في حالة الغرب المسيحي، كانت ولادة البروتستانتية، خاصة فكرة الإصلاح، المقدمة الأولى حول خطاب جديد حول الله المتجذر الراسخ من بين أمور أخرى، في حرية الفرد، كانت نقطة التحول هذه أساسية؛ حيث تمّ الاعتراف بالفرد كموضوع معرفة، خلافاً لبعض الكاثوليكية التي أسّست الإيمان والمعرفة على تجربة المجتمع وتقاليده.
هل تقتصر هذه اللقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية على البعد الديني وحده؟
خطب الديمقراطيين والجمهوريين، التي استمعت إليها خلال هذه الاجتماعات، سواء من إنسي بيلوسي، أو مايك بومبيو، كانت تهاجم الصين وروسيا، اللتين لا "تحترمان" "الحرية الدينية، لكنّها لا تهاجم السعودية، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الاستثمار في المجال الديني هو، إلى حدّ ما، استخدام "القوة الناعمة" ضدّ الأنظمة ذات العضلات الضخمة، لكن، بشكل عام، وبحسن نية، فإنّ منظّمي هذه اللقاءات، مثل السفير الجمهوري سام براونباك، لديهم معتقدات دينية مسيحية قوية، من المثير للاهتمام أن يدعو المحافظون إلى الحرية الدينية، في هذه اللقاءات كان هناك مسلمون وبوذيون، وغيرهم كثيرون.
مايك بومبيو

هل يمكننا القول إنّ هناك المزيد والمزيد من اللجوء إلى الدين؟
هناك المزيد من المحاولات الدينية في الوقاية وحلّ النزاعات، كان إعلان مراكش لعام 2016 بشأن حقوق الأقليات الدينية، بِدعمٍ من ملك المغرب، قفزة من حيث التسامح الديني، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وفي عام 2017، كانت "الأمم المتحدة"، قد أطلقت أيضاً "خطة عمل فاس" الموجهة للزعماء الدينيين حول الوقاية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالأديان نفسها منخرطة في مبادرات السلام.

وإذا فرضت أمريكا نفسها مدافعاً عن الحرية الدينية؛ فهل يمكننا القول إنّ ليس لديها ما توبَّخ عليه؟
كما سبق أن قلت؛ هناك أسباب جوهرية، أو أفضل من ذلك، أسباب تاريخية، تفسّر التزام الولايات المتحدة من أجل الحرية الدينية؛ فالمتشددون الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة أصبحوا غير متسامحين بشكل مثير للسخرية.
يرى جون كوتون أنّ التزمّت هو المعتقد الحقيقي الوحيد، وهنا ندرك أنّ البحث عن الحرية الدينية لا يضمن التسامح الديني، فلا يمكن ربط الاثنين إلا إذا كانت الحرية الدينية قائمة على الغيرية (أي ما يخصّ الآخر في مقابل الأنا).
ما هي رهانات الحرية الدينية في أفريقيا؟
مبدأ الحرية الدينية مهمٌّ أيضاً لأفريقيا، يتحدث الإنجيل، بحسب القديس ماثيو، عن العائلة المقدسة التي لجأت إلى مصر، هرباً من مذبحة الأبرياء، غالباً ما ينسى أنّ أتباع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لجؤوا عام 615 إلى أفريقيا، وبشكل أكثر تحديداً في أكسوم، شمال أثيوبيا وإريتريا، وكان موضع ترحيب من قبل ملك أفريقي ومسيحي، كانت هذه "الهجرة الأولى"، لحظة حاسمة في تطور الإسلام، وكانت أفريقيا، أرض الترحيب، مفتوحة للحرية الدينية أو السياسية، فكيف يتم للأديان الذي ولدت من الاضطهاد، الإسلام أو المسيحية، أن تستخدم لنشر العنف الشديد في أفريقيا؟ (جيش الربّ للمقاومة في أوغندا؛ سيليكا وأنتي بالاكا  (anti-Balaka)(2)، في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر وتشاد، وأنصار الدين في مالي، والمتطرفون الإسلامويون في مصر، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والعديد من المجموعات الأفريقية يقسمون بولائهم للدولة الإسلامية.
إضافة إلى تصاعد التطرف الديني وعنف الهُويات، فإنّ الاستجابة التي يقدمها عالَمٌ ديني للأزمات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، يدعونا إلى إعادة التفكير في آثار الدين، لقد ابتكرت الأزمات الأفريقية ممارسات دينية غير عقلانية، قائمة على شكوك عقيمة، وطقوس غريبة، كالمحاكاة الصوتية(3)، والصراخات أحادية المقطع الصوتي.
من أين يأتي الخطر الواقع على الحرية الدينية؟
يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية، ويمكن أن يأتي أيضاً من صراع بين الأديان، لكن داخل الديانة نفسها أيضاً، يمكن للعلاقة المطلقة أن تستعبد الإنسان، بتحليل بعض الممارسات الدينية، يحذّر اللاهوتي والفيلسوف الكونغولي، كا مانا، مما يسمّيه "دكتاتورية الخفي والتورم اللاعقلاني".
"التطرف الديني" اليوم يتجاوز إلى حدّ كبير عالم الإيمان والعبادة

وماذا عن منطقة البحيرات الكبرى؟
لكلّ دولة حقائقها بالتأكيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، يعدّ انتهاك حرية الدين محدوداً للغاية ومتقطعاً، الكونغو وبوروندي ورواندا تُعتبَر في الغالب بلداناً كاثوليكية، الكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان الثلاثة متواجدة في الخدمات الاجتماعية، في الكونغو، كان خطاب المؤتمر الأسقفي حاسماً في إدانة ديكتاتورية موبوتو وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبصرف النظر عن الأزمة بين الكاردينال مالولا والرئيس موبوتو، في السبعينيات، فقد كان هناك، منذ التسعينيات، عنف حكومي ضدّ الالتزام الاجتماعي للكنيسة، وتمّ قمع المسيرات المسيحية من قبل كلّ من موبوتو وجوزيف كابيلا.

يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية ومن صراع بين الأديان أو حتى داخل الديانة نفسها

وثمة خطر آخر يأتي من الحركات الدينية (...)؛ فأمام الأزمات الاجتماعية والجمود السياسي، يشكّل توسّع وتضخّم الحركات الدينية تهديداً لحرية الضمير، "دكتاتورية غير المرئي"، على حدّ تعبير كا مانا، والتي يصاحبها الخوف، لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الحرية؛ فالمؤمن الخاضع لأوامر زعيم ديني متسلط، يَعِد ويتوعّد بالسماء والأرض، متّهِماً أفراد العائلة نفسها بالسحر، ومحرّضاً على الكراهية، ليست له أيّة حرية، في بوروندي، في عهد باغازا، كانت هناك إجراءات قمعية ضدّ الكنيسة، نظام بيير نكورونزيزا اضطهد طائفة "أتباع إوسيبيا"، منذ عام 2012، وقد فرّ أكثر من 2000 من أتباع هذه الطائفة إلى الكونغو، ناهيك عن التجاوزات "الصوفية" من قبل الرئيس الذي أعلن نفسه "المرشد الأعلى الأبدي"؛ فالربّ الذي يتحدث إليه مباشرة، بحسب زعمه، لا يمنعه من إرسال جزء من سكانه إلى المنفى، تاريخ رواندا، يتميز بتواطؤ الكنيسة مع الأنظمة السابقة إلى حدّ اتهامها، خطأ أو عن حقّ، بالمشاركة في الإبادة الجماعية ضدّ قبيلة التوتسي.
هل تنتهك التدابير التي اتخذتها الحكومة الرواندية لإغلاق عدة أماكن للعبادة حرية الدين؟
لا أعتقد ذلك؛ فإذا سمحت الحكومة الرواندية لنفسها بانتهاك حرية الدين، فهي تنتهك بذلك دستور 2003، المعدَّل عام 2015، الذي يُدرج حرية الدين في المادة 33، في ترتيب حرية الفكر والرأي والضمير نفسه، هذه الحريات تعدّ حقوقاً أساسية، تُعرِّف المادة الأولى من الدستور نفسه الدولةَ الرواندية؛ بأنّها جمهورية علمانية، بمعنى أنّ حقيقة عدم خضوعها لمنظمة دينية معيّنة تضمن تعليمات المادة 33 من هذا الدستور.
ولكن تمّ اتخاذ إجراءات لإغلاق كنائس ومساجد؟
لكن لم يُمنَع أحدٌ من الصلاة، أو من اتّباع تعاليم دينه؛ لقد تعرّضت بعض أماكن العبادة للتلوث الصوتي (الضوضاء)، أو كانت معرضة للتداعي والانهيار، في أيّ وقت، أو لم تكن بها مراحيض، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
باختصار: لم تحترم أماكن العبادة هذه، وهي أماكن عامة بحكم الواقع، التدابيرَ الوقائية ومعايير السلامة والنظافة، ...إلخ؛ فكلّ حكومة مسؤولة لها الحقّ وواجب المنع؛ في نيجيريا، مثلاً، انهارت كنيستان، على الأقل، على المؤمنين، عام 2014، في لاغوس، وفي 2016 في مدينة أويو، يوجد في رواندا نظام تأمين صحيّ للجميع، وهو يمنح بشكل عام ضماناً اجتماعياً جيداً، ومثل هذا الاستثمار المُكلِف ينجح بشكل أفضل مع تدابير وقائية.

في الوقت نفسه؛ أليس فرضُ شهادات على الخطباء الدينيين من قبل الحكومات مشكلة؟
لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة، لكنّ التكفّل بالآلاف من الناس، بالنسبة إليّ، يفترض بالتأكيد المهنية أو الكاريزما، ولكن أيضاً الخبرة، ومتطلباً أخلاقياً، وما يسميه جوزيف مينغت "المعرفة المنطقية" للإيمان، هناك مؤمنون يطلبون مساعدة روحية تشمل إرشاداً نفسياً، أو تسوية نزاع عائلي، وبعضهم يريدون استجابة فورية لمشاكل مالية، ليس متحدثاً وخطيباً جيداً، من يعالج عن بعد، من دون تدريب لاهوتي، ومن دون معرفة بالتخصصات الأخرى، المشكلات التي يطرحها أتباعه، هناك أيضاً حركات دينية مستقلة يمكن لأيّ قائد فيها أن يعلن نفسه رسولاً أو داعيةً أو حَوارياً أو مبشراً، أعرف بعض الذين يرون أنّهم تجسيد لـ "الروح القدس". الكتاب المقدس، أو القرآن الكريم، كتابان مهمان للغاية؛ لنأخذ مثال الكتاب المقدس، الذي هو مجرد مجموعة من الكتب المختلفة المكتوبة بالعبرية واليونانية، من قبل العديد من المؤلفين ولعدة قرون، هناك على الأقل 1500 عام تفصل الكتاب الأول عن الكتاب الثاني؛ ففي كلّ مجال، يعدّ التدريب أكثر من ضروري لتدريس الدين.
القائد الديني الذي يَحظُر ويحرم على المؤمنين من أتباعه، باسم الكتاب المقدس، إكمال علاجهم الطبي بعد دُعائهم بالشفاء، يمثل تهديداً لأنشطة الصحة العامة.
الإيمان ظاهرة معقدة، لكن ما يزال يلعب دوراً إيجابياً؟
هذا استنتاجي؛ ينتشر الدين من خلال تقلبات الواقع الإنساني، "التطرف الديني" اليوم يتجاوز، إلى حدّ كبير، عالم الإيمان والعبادة، يجب على الزعماء الدينيين، من مختلف المجتمعات الدينية، والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحفظة السلام والقادة السياسيين، العمل بالتآزر لإدانة العنف ومكافحته بشكل أفضل، والمشاركة في الإجراءات الوقائية ومبادرات السلام، يمكن أيضاً لنموذج "3P"، المقاضاة والحماية والوقاية، المستخدم في مكافحة الاتجار بالبشر، أن يُطبَّق ضدّ التطرف الديني والعنف، وضدّ حرية الدين، كما تعدّ هياكل التعليم والعدالة وسائل وقائية أيضاً.


الهوامش:
(1) Bearing Witnesses/Témoignages (2016), Lieux discursifs du génocide au Rwanda (Présence Francophone, Vol.83, June 2015), Children in Armed Conflicts (Peace Review, 2012), (With Ensign), Religion in War and Peace in Africa, 2018)
(2) ميليشيا أنتي بالاكا :مصطلح يستخدم للإشارة إلى تحالف من الميليشيات تشكلت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أن صعد ميشيل جوتوديا إلى السلطة، عام 2013، ويُقال إنّها تتكون أساساً من المسيحيين. ومع ذلك؛ فقد اعترض بعض قادة الكنيسة على الطابع المسيحي الحصري لمثل هذه الجماعات، وكما أشارت مؤسسة "توني بلير للإيمان" إلى وجود أتباع من الإحيائية بين جماعات أنتي بالاكا، وأفادت منظمة العفو الدولية، عام 2015، بأنّ بعض أعضاء جماعات "أنتي بالاكا" قاموا بتحويل بعض المسلمين قسراً إلى المسيحية، كما وقامت مجموعات من "أنتي بالاكا" بخطف وحرق ودفن نساء حوامل متّهمات بأنهنّ "مشعوذات".
(3) المحاكاة الصوتية: هي محاكاة الأصوات المسموعة في الطبيعة، مثل الضوضاء أو أصوات الحيوانات، منها أصوات الهواء والرياح: حفيف الريح بين أوراق الشجر، أصوات الماء: خرير المياه، أصوات الحيوان: صهيل الخيل ونقيق الضفادع، أصوات تحريك المعادن والمواد الأخرى: صليل السيوف وصرير الباب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: voaafrique.com

للمشاركة:

نسبة الفقر المدقع تتضاعف في المنطقة العربية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

محمد حماد

أطلق التفاوت الحاد بين الفقراء والأغنياء في العديد من الدول موجة احتجاجات عالمية، كان للمنطقة العربية نصيب الأسد منها، في ظل الافتقار لتحقيق نمو اقتصادي وتداخل القضايا السياسية بالتنموية والاقتصادية، وحيث يتجه الغضب الشعبي نحو النظم السياسية التي تحصن النخبة الحاكمة ضد أي تغيير، وإصلاحاتها المقترحة تكون على حساب الشارع.

وتشير تقارير المنظمات الدولية على غرار البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (أسكوا) إلى أن المنطقة العربية هي الوحيدة في العالم التي ارتفع فيها معدل الفقر المدقع خلال السنوات الست الأخيرة إلى 20 بالمئة من السكان.

ويحذّر محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي، من السياسات العشوائية التي تفاقم أوضاع الفقراء في المنطقة، بعد أن شهدت معدلات الفقر ارتفاعا كبيرا، مقابل انخفاض ملحوظ على مستوى العالم. وقال لـ”العرب” إن نسبة من يعانون من الفقر المُدقِع زادت عربيا إلى الضعف من 2.5 بالمئة تقريبا إلى نحو 5 بالمئة، وفق تقديرات البنك الدولي.

ويعدّ الإقليم الاقتصادي العربي الأسوأ في عدم العدالة في توزيع الدخل، إذ يستحوذ أغنى عشرة بالمئة من السكان على نحو ثلثي الدخل القومي، في حين أن العشرة بالمئة الأغنى في أوروبا لا يتجاوز نصيبهم 37 بالمئة وفي الصين 41 بالمئة والهند 55 بالمئة.

الصين بلا فقراء

أرجع محيي الدين، الفضل للصين في خفض معدلات الفقر المُدقِع عالميا، وهذا النموذج جدير بالفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد، حيث نجحت بكين في انتشال أكثر من 850 مليون مواطن من حدة الفقر، ووصفه بأنه “أمر مذهل”.

وتستعد بكين لتعلن العام المقبل أنها خالية تماما من الفقراء، من خلال توفير كساء وغذاء مناسب لكل فرد، ورعاية صحية، وتعليم مجاني في أول تسعة أعوام من المراحل الدراسية.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن التجربة الصينية اعتمدت على المؤسسات القائمة منذ عهد  ماو تسي تونغ الذي رأس الحزب الشيوعي في عام 1935 في مواجهة الفقر، وليس الاتجاه لهدمها وبناء مؤسسات جديدة. وما عزز من نجاح النموذج الصيني الاهتمام بالسياسات الكلية في مواجهة المشكلة، والتركيز على الاقتصاد السياسي وآلياته وردود الفعل، فضلا عن إدراكهم لجانب سبقوا فيه غيرهم وهو التواصل والإعلام كجزء أساسي من السياسات العامة والاقتصادية.

ولفت محيي الدين إلى أن الجانب الإعلامي مهم جدا في التأثير على الرأي العام لتقبل الاتجاهات الجديدة، وليس تطبيق السياسات أولا ثم الترويج لها لاحقا.

واستخدمت الصين طريق التواصل المباشر، وتمتلك هذه المرونة من القاعدة إلى القمة من خلال آليات التواصل في الحزب الشيوعي وتم ذلك بشكل كفء للغاية.

وحول السلطات المطلقة للحكومات الإقليمية قال محيي الدين إن المسؤولين يؤمنون بأنه كلما ثبت محور السيارة تسارعت إطاراتها وزاد انطلاقها، ومن هذا المنطلق يمنحون حكام الأقاليم سلطات مطلقة، الأمر الذي عزز من توطين عمليات التنمية وانتعاش حياة الأفراد.

وأشار نائب رئيس البنك الدولي إلى أن التجربة الصينية من الممكن أن تصبح فرصة تطوعها الدول العربية للاستفادة منها في تعزيز معدلات النمو وتنشيط الاقتصاد والاستفادة من طاقات الشباب، فالعالم العربي لديه نقاط قوة لا بد من الاستفادة منها، حيث تزداد المجتمعات شبابية في هرمها السكاني، فنحو 60 بالمئة من السكان في الدول العربية تحت سن الثلاثين.

ويتزامن ذلك مع ارتفاع العمر في ذات الوقت، وهي أمور إيجابية إذا أحسن الاستعداد لها بزيادة الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية كمكونات رئيسية لرأس المال البشري. ورغم القاعدة الشبابية للعالم العربي، إلا أنه يعاني من أعلى نسبة بطالة في العالم، وصلت إلى 10.6 بالمئة وهي تقترب من ضعف متوسط نسبة البطالة العالمية ومقدارها 5.7 بالمئة، وهي أشد تركزا بين شباب العرب وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال.

ويحتاج الاقتصاد العربي لخلق 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام حتى يتصدى لمعضلة البطالة، ومواجهة الفقر، وعلى أن تتاح هذه الفرص وفقا لسياسات نمو شاملة تعزز من فرص مشاركة النساء في سوق العمل، دعما للتنمية المستدامة التي لا تفتئت على حقوق الناس أو تهدر تصف طاقتهم البشرية عبثا.

عشوائية النموذج

لفت محيي الدين إلى أن عدم اكتمال التجارب في حالات عربية كثيرة سببه العشوائية، ليس عشوائية النموذج المراد تطبيقه لمواجهة التحديات، لكن عندما لا تستقيم عملية تراكم الإصلاح عبر الزمن، بغض النظر عن الاتجاه الذي تتبناه الدول سواء كان اشتراكيا أو رأسماليا.

وأكد أن الدول العربية خالفت في هذا الاتجاه النموذج الصيني القائم على استكمال البناء وتطويره، واتبعت نموذج الهدم والبناء من جديد، وتسببت في التخلف عن ركب التنمية وتفاقم معدلات الفقر.

وللخروج من هذا النفق والقضاء على الفقر، طالب بتعظيم الاستثمار في البشر والرعاية الصحية والحوكمة التي تعني فصل الملكية عن الإدارة والقدرة على إعمال دولة القانون لتعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح واستثمار البنية الأساسية والتكنولوجية، ولا تكتمل المنظومة دون إعمال قواعد السوق في توزيع الموارد وأن يكون منظما ومراقبا بما يحقق عدالة المنافسة.

وهذه المبادئ والأطر كانت أهم لبنات نجاح تجارب الصين وفيتنام والهند والبرازيل والمكسيك وكولومبيا، مؤكدا أنه عند الحديث عن الفقر لا بد ألا يجب التوقف عند حدوده فقط، بل لا بد من مراعاة عدالة توزيع الدخل والثروة.

وعن مدى مسؤولية الفقير عن فقره ودور المؤسسات الدولية في مواجهة هذا التحدي، كشف أن هناك 163 دولة عضو في البنك الدولي، استفادت نحو 125 دولة من مساعدته، ونجحت نماذج منها الصين واليابان وكوريا، فكان أول طريق سريع في الصين بتمويل من البنك الدولي وأول مطار أيضا في اليابان وأول قرض لكوريا الجنوبية.

وثمة دول أفريقية نجحت وتسير في الطريق، منها رواندا ولديها برنامج مهم جدا لدى البنك، وبروندي تملك برامج، وإن كانت ليست ناجحة بالشكل الكافي، لكن لديها برامج لمواجهة الفقر، والتباين بين الأمرين يكمن في الإصرار والإرادة السياسية والتوجه الذي تقوم به الدولة التي ترغب في مواجهة تحدي الفقر.

وشدد محيي الدين على أن النجاح والإخفاق مسؤولية الدول في ظل إتاحة البرامج الإنمائية والتمويلية التي تتيحها المؤسسات الدولية، لأن التنمية قضية وطنية محلية العمل داخل نطاق الدول، لكنها لا بد أن تستخدم كل ما يتاح لها من فرص وبرامج تمويلية من المؤسسات الدولية.

وذكر لـ”العرب” أن التقدم التكنولوجي يفتح آفاقا جديدة ويمنح فرصا للتوظيف وتشغيل المشروعات الصغيرة، الأمر الذي يسهم بشكل فاعل في مواجهة الفقر وتوطين التنمية، إذا تم استخدامها بكفاءة، ويعد هذا الاتجاه مصدرا مهمّا يواكب متطلبات الشباب ويعزز نمو مشروعاتهم.

عن "العرب اللندنية"

للمشاركة:

تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

فاروق يوسف

يتحرك شبح راشد الغنوشي بين الحكومة والبرلمان.

خياران كلاهما مر بالنسبة للشعب التونسي.

فالرجل الذي فاز حزبه "حركة النهضة الإسلامية" بأغلبية لا تؤهلها لنيل المنصبين إلا بعد أن تعقد تحالفات صعبة يحلم بأن يحكم تونس.

ذلك هو حلمه الشخصي الأخير. هو ما قد يُحرم منه إذا ما فشلت حركته في اقناع الآخرين بالقبول به.

لربما خُيل إليه أنه رجل تونس القوي بعد وفاة الباجي قائد السبسي. ذلك ليس صحيحا. فالغنوشي هو زعيم حركة تحوم حولها الشبهات.

تلك شبهات يمكن أن لا يلاحقها القضاء إذا ما تمكن الرجل من القبض على إحدى السلطتين. التنفيذية أو التشريعية.

فالغنوشي في حقيقته لا يملك مشروعا للنهوض بتونس وإصلاح الأوضاع الاقتصادية. وإذا ما كان الآخرون يفكرون في حكومة انقاذ اقتصادي وهو ما لا يمكن التراجع عنه خشية انفجار الشارع المتخم بالأزمات، فإن الغنوشي إذا ما أتيحت له فرصة الجلوس على كرسي رئاسة البرلمان على سبيل المثال سيعطل إمكانية الذهاب إلى حكومة انقاذ مصغرة بالاعتماد على العقول الاقتصادية. لا لشيء إلا لأنه يفكر عقائديا، وهو لا يرى في وجود النهضة في رئاسة الحكومة أو البرلمان إلا مناسبة لخدمة المشروع العقائدي الذي ناضل شخصيا أو من خلال حركته من أجل أن يرى النور.

ربما تتخلى حركة النهضة عن السلطة التنفيذية بعد ضمان عدم فتح ملفاتها وتتشبث برئاسة البرلمان من أجل أن يحقق الغنوشي حلمه الشخصي في إدارة الحياة التشريعية. وهو ما قد يحدث. غير أن ذلك حدثا سعيدا بالنسبة لأغلبية الشعب التونسي.

فالغنوشي بالرغم من تجاربه السابقة لم يكن راغبا في الارتقاء بحركته إلى مستوى متطلبات الحفاظ على الدولة المدنية التي يحرص التونسيون على أن يكون وجودها ضمانة لحياتهم مواطنين.

ما تفكر فيه حركة النهضة كونها تنظيما دينيا يقع خارج إطار الدولة المدنية بل هي تعمل على إزاحة تلك الدولة عن طريقها. ذلك لأن وجودها يشكل عقبة في طريق سن القوانين التي تيسر لها السيطرة على مجتمع، يتحول فيه المواطنون إلى رعايا، فيما تفرض الزعامات الدينية أسلوبا في العيش، لن يكون الغفر من خلاله مشكلة تقع على الحكومة والطبقة السياسية مسؤولية حلها.

أما إذا لم تتمكن رئاسة البرلمان مجسدة في شخص الغنوشي من فرض تلك القوانين فإنها ستعمل جاهدة على تعطيل سن القوانين التي سيكون من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية في دولة، ستكون عاجزة عن الالتفات إلى مواطنيها في ظل الأزمات التي ستعصف بالسلطتين التشريعية والتنفيذية.

يمكن للغنوشي إذا ما ترأس البرلمان أن يعطل عمل الحكومة.

ويمكنه أيضا إذا ما ترأس الحكومة أن يميع قوانين البرلمان.

ذلك كله مرتبط بشخصيته وضوابط عمله العقائدي والمشروع الديني الذي تبنته حركته. لذلك يمكنني القول إن الرجل لا يصلح لتبوأ منصب سياسي قيادي.

ربما كان على الغنوشي أن لا يرشح نفسه لمنصب قيادي في الدولة ويكتفي بإدارة ممثليه في الدولة من خلال موقعه في الحركة. غير أنه انجر وراء تحقيق حلمه الشخصي من غير أن يفكر بالمستقبل السياسي للحركة التي يقودها والتي لم يرغب في تحريرها من أهدافها الدينية بالرغم من أنها لم تمارس سوى العمل السياسي.

ما كان على أحد أن يطلب من الغنوشي أن يلتزم بمبادئ العمل السياسي في دولة مدنية مثل تونس لو لم يعمل شخصيا في السياسة ويختبر نفسه وحركته في متاهات الديمقراطية التي لا تمت إلى العمل الديني بصلة.

هو رجل سياسة لكن على طريقته الخاصة التي ليس فيها من السياسة الحديثة شيء يمكن التعويل عليه في انجاز ما ينفع الناس.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية