رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب

3074
عدد القراءات

2019-07-11

من الشائع عن الشيخ رشيد رضا؛ أنّه نفّذ انقلاباً فكرياً على تعاليم الإمام محمد عبده، أو على مدرسة الإصلاح التوفيقية (بقيادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده) لصالح "التسلّف"؛ وأنّه كان حلقة الوصل (الإشكالية) بين مدرسة "الإصلاح" والإسلام الحركي، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين (بقيادة تلميذه حسن البنا) نموذجه الأول والأبرز.

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
ومن أجل تأكيد صحة تلك الافتراضات؛ يتعين مناقشة طبيعة "الإصلاح"، وحدوده، وعلاقته بفكر رشيد رضا، وبحث ما إذا كان رضا منقلباً فعلاً على فكر الإصلاح؟ وما حيثيات هذا الانقلاب؟ وما علاقة الشيخ بسياقه الاجتماعي والتاريخي؟ وأخيراً مدى تكريسه للرؤية الأصولية للعالم، وهل كان رائدها في الأساس أم حلقة إشكالية من حلقاتها؟
الإمام محمد عبده

بدايات المصلح ومآزق الإصلاح
في الوقت الذي انطلقت فيه دعوات الإصلاح من القاهرة، ظهرت نشاطات إصلاحية في الشام، كان من أبرز أعلامها حسين الجسر، الذي درس في الأزهر، ثم أسّس في طرابلس المدرسة "الوطنية الإسلامية"، التي درس فيها رشيد رضا.

كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها

كان رضا قد وُلد في القلمون، لعائلة من "الأشراف"، وتعلّم في كتّاب القرية، ثم دخل مدرسة حكومية، لم يلبث فيها سوى عام واحد، لسخطه على مناهج التدريس التي تهدف لتخريج موظفين؛ لينتقل إلى مدرسة حسين الجسر (الوطنية الإسلامية)، ويدرس فيها علوم الشريعة واللغة، وبعد إغلاق المدرسة، شرع في طلب العلم في المدارس الدينية في طرابلس.
سيطبع هذا التكوين (أحادي الثقافة) مسيرة رشيد رضا بأكملها؛ إذ ظلّ حتى رحيله يشعر بالاكتفاء الذاتي ثقافياً، ولم يسع لتعلّم لغة أجنبية (وإن كان اطّلع على بعض الكتب المترجمة)، أو لإقامة أيّة علاقات مع الأوروبيين، على عكس أستاذه، محمد عبده، الذي أتقن الفرنسية، وأقام علاقات وثيقة مع مفكّرين وساسة أجانب.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
وبواسطة هذه العلاقات بالذات استطاع محمد عبده تأمين دعم مالي وإداري لرشيد رضا، حين قرّر تأسيس مجلة "المنار" 1898، ومن خلال خبرته السياسية، قدّم لرضا نصيحة تمثّل خلاصة تجربته، وهي الابتعاد عن الصراعات السياسية المباشرة، والانغماس في قضايا التربية والتعليم، وانتشال الأمة من التخلف والضعف، برسم المواجهة طويلة المدى مع الآخر الاستعماري، لا المواجهة العاجلة والمباشرة، كما أمِلَ الأفغاني.
تأسست "المنار" في الأساس لإحياء تعاليم "العروة الوثقى"، التي أطلقها الأفغاني وعبده عام 1884، والتي لم يصدر منها إلا 18 عدداً، بعد أن نزع رضا عن تلك التعاليم طابعها السياسي، حتى تتلاشى المتاعب المتوقعة من قبل الإنجليز والسلطة في مصر، وصارت "المنار" استئنافاً للخط التحريري الاجتماعي والفكري الذي صاغه الشيخان، خصوصاً فيما يخصّ الوحدة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
ورغم تخلّي الشيخ رضا عن أيّ طرح سياسي مباشر، إلا أنّ السياسة كانت حاضرة دائماً في اختياره لموضوعاته، وفي ردوده على مقالات جريدة "المقتطف" العلمانية؛ ومن ثم فقد كانت مجلة سياسية بالمعنى العميق.
فقد كانت فكرة الجامعة الإسلامية (وهي فكرة سياسية)، هي الأساس الفكري للمجلة، وفي تحديده لها، يقول رضا: "لها [الجامعة] طرفان: أحدهما يضمّ المعتقدين بالدين الإسلامي، الذين يربطهم رابط الأخوّة الإيمانية حتى يكونوا جسماً واحداً، وقد انحلت هذه الرابطة، لكنّها لم تنتهِ، غير أنّ من الممكن توثيقها وشدّها بعدد من الإجراءات العامة والخاصة. أمّا الطرف الآخر؛ فهو الذي يربط المسلم وغيره من أرباب الملل برابطة الشريعة العادلة، وهذه الرابطة طرأ عليها ما حلّ عقدتها في بعض الحكومات، وما أزالها كلياً في حكومات أخرى، فصار الحال يقضي على المسلمين في كلّ قُطر أن يسعوا بالاشتراك مع مواطنيهم الذين يحكمون معهم بحكومة واحدة إلى كلّ ما يعود على وطنهم وبلادهم بالعمران، ويفجّر فيهم ينابيع الثورة من أجل مزيد من المنعة والقوة والاستعداد".

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
واعتقد رضا أنّ بالإمكان تحقيق الجامعة الإسلامية عبر الترويج للوسائل التي تؤدي إليها، مثل الإصلاح الديني، ورغم تخليه عن العمل السياسي الصريح، إلا أنّه كان مدركاً أنّ إصلاحاً من هذا النوع لن يتحقق بمعزل عن إرادة سياسية "تجمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وقانون شرعي واحد، ولغة واحدة (هي العربية)".
وبالنسبة إليه؛ فإنّ الإصلاح المأمول "يتوقف على تأليف جمعية إسلامية، تحت حماية الخليفة، يكون لها شُعب في كلّ قُطر إسلامي، وتكون أعظم شُعبها في مكة المكرمة، التي يؤمّها المسلمون من جميع الأقطار، ويتآخون في مواقعها ومعاهدها المقدسة، وأهم اجتماعات هذه الشعبة تكون في موسم الحج الشريف".
جمال الدين الأفغاني

وينيط رضا ثلاث مهمات بهذه الجمعية:
1- تلافي البدع والتعاليم الفاسدة قبل انتشارها.
2-  إصلاح الخطابة.
3-  الدعوة إلى الدين.
وهو يعلق آمالاً عريضة على هذه الجمعية، أهمها إحداث تقارب بين الحكومات الإسلامية، والاتحاد على صدّ هجمات أوروبا، وإيقاف مطامعها عند حدود معينة! ويرسم لها أفقاً صاغه على غرار التحالف البريطاني الفرنسي في السياسة الخارجية، والنموذج الأمريكي في الإصلاحات الداخلية المتعلقة بالتربية والتعليم.
ويدرك المصلح السوري محدودية الجانب التربوي والتعليمي في الإصلاح المأمول؛ لذا يضع شرطين لهذا الإصلاح: أولهما: أن يكون الحكم شورياً قائماً على العدل والمساواة بين الرعية، يتولاه موظفون أكفاء يكونون بمثابة "أُجراء للأمة"، ليسوا سادة لها، ولا مستبدين عليها.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
والثاني، وهو مرتبط بالأول: تغيير أفكار الأمة وأخلاقها بنشر العلوم والآداب الاجتماعية والأخلاقية، حتى يولد لدى الأمة، ولدى الحكام في آن، الاستعداد للإصلاح.
وفي ملاحظة بالغة الخطورة، وهي مستوحاة من فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، يرفض رضا أن تكون الشورى مجرد "ائتمار بأمر الدين وعمل بهدايته"؛ بل يجب أن تكون انعكاساً ميكانيكياً للارتقاء الاجتماعي، وإلا لن يطول العهد عليها، كما كان الحال مع حكومة الشورى عند المسلمين الأوائل؛ إذ لم تلبث أن عصفت بها العصبيات في مهدها. وعليه؛ يستنتج أنّ "التاريخ الطويل للاستبداد في مسيرة الأمة التاريخية كان ثمرةً لعدم استعداد المحكومين للسيطرة على حكامهم، بسبب قلة معارفهم الاجتماعية" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988).

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
في طبيعة الحال، تطلّب النوعان من المواجهة، السياسية والحضارية، اعترافاً بتخلّف المسلمين، مع تنزيه الإسلام عن التسبّب في ذلك، وكأثرٍ من آثار التلمذة الفكرية على عبده والأفغاني، أعطى رضا أولوية حاسمة للإسلام في تطوير حياة المسلمين المعاصرين وانتشالهم من التخلف؛ فـ "القرآن هو الحلّ" لكلّ المشكلات، وبالرجوع إليه تعود للأمة وحدتها، وتُقام فيها الشورى والعدل (كما يقول أحمد صلاح الملا، في كتابه "جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة، رشيد رضا ومجلة المنار 1935- 1898".
حتى هنا كانت الأساسات الفكرية لمدرسة الإصلاح متفقاً عليها بين أعلامها الثلاثة؛ فأزمة المسلمين تكمن في انحرافهم عن الإسلام؛ فهم كانوا أعزاء وأقوياء حين كانوا متمسكين بتعاليم الله تعالى، وحين تخلوا عنها كان من الطبيعي أن يصابوا بالتخلف والانحطاط، وحتى يمكن رفع هذه العقوبة الإلهية، تجب العودة إلى الإسلام.
تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة

حيثيات الانقلاب المنقوص
اتفق أعلام الإصلاح على تطهير الإسلام من شوائبه، وبدؤوا بالتصوف، إلّا أنّه ما كان يدينه الأفغاني، وينتهي منه سريعاً لينتقل إلى غيره، وما كان يقاربه محمد عبده بحذر وروية، اشتبك معه رشيد رضا بتصلب وعنف شديدَين؛ إذ تجاوز الشيخان معاً، ليستلهم ابن تيمية، ويستدعيه، كي يشارك في حملته الضارية على الصوفية التي شنتها "المنار".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وليس معقولاً أن يستدعي رضا ابن تيمية في البدع ويتجنّب رؤيته للإصلاح؛ فحين تعلق الأمر بـ "السلف الصالح"، الذي حاول محمد عبده، بعنادٍ حديدي، التخفف من سلطته، دافع رضا عن تلك السلطة المعيارية بحسّ تكفيري عالٍ تظهر عليه بصمة ابن تيمية بشكل لا تخطئه العين.

لم يكن انقلاب رضا على أستاذه محمد عبده كاملاً فقد جاراه في رؤيته السياسية وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار

وضمن هذه الروح؛ ألغى رضا وظيفة العقل، تقريباً، بحصر دوره في إقامة الدلائل على صحة العقائد، ومن ثّم تحدّد مسبقاً موقفه من الاجتهاد؛ فرغم رفضه "النظري جداً" لإغلاق باب الاجتهاد، إلا أنّه، بتعريفه للاجتهاد بأنّه "تقيّد محض بأحكام القرآن والسنّة وسيرة السلف الصالح"، يكون قد وضع حجراً إضافياً خلف باب الاجتهاد المُوصد.
وطبيعي في مسار كهذا أن يعيد رضا تثبيت مفهوم "الإجماع" كسلطة مقيدة للاجتهاد، حتى كاد أن يساويه مع سلطة القرآن والسنّة، وطبيعي أيضاً أن يكون موقفه في علم الكلام متناغماً مع موقفه في الفقه؛ إذ كان منذ بداياته الأولى رافضاً للمعتزلة ومنحاهم العقلاني، وظلّ مُحصناً طويلاً من تأثيرات أستاذه محمد عبده، الذي تميّز بحسّ اعتزالي رصين (لاحقاً سيحاول رضا تطهير محمد عبده من درائن الاعتزال؛ وسيحشد كلّ الأدلة الممكنة والمتخيلة حتى يُثبت أنّ الآراء الاعتزالية المنسوبة إلى الإمام مدسوسة عليه).

اقرأ أيضاً: حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية
كان الشيخ محمد عبده قد نفّذ انقلاباً فكرياً على جمال الدين الأفغاني، حوّل بموجبه "الإصلاح" من أيديولوجيا تجميع ومواجهة للمحتل الغربي، إلى خطة بعيدة المدى لإصلاح البناء الفكري للعالم الإسلامي، وبهذا المعنى يكون مشروع رشيد رضا بمثابة استئنافٍ، بوجهٍ ما، للأفغاني؛ أي نفّذ انقلاباً على الانقلاب.
تتمة الانقلاب
لم يكن انقلاب رشيد رضا على أستاذه كاملاً؛ فقد جاراه في رؤيته السياسية، وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار، منذ أن انطلقت مجلته "المنار"، حتى تباشير الحرب العالمية الأولى، التي تحوّل موقف رضا خلالها نحو الاحتلال الإنجليزي من الرضا إلى العداء؛ لتيقنه من خيانة بريطانيا للمسلمين.
كان هذا هو العنصر المفقود للانقلاب، وكان على رضا، من أجل إتمام انقلابه، العودة إلى الأفغاني ومواقفه المتصلبة من الاستعمار، وستحمل هذه الخلاصة صدمة، من نوعٍ ما، لمن رأوا في رشيد رضا منافحاً دائماً عن قضايا الأمة ومناضلاً لا يلين ضدّ الاستعمار.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
طوال الوقت أظهر رضا موقفاً مناهضاً للاستعمار، من خلال مقالاته "نصف النارية" التي، رغم لغتها العنيفة، لا يمكن بناء أيّ موقف سياسي عليها ضدّ الاستعمار، ولا يمكن لقارئها قطعاً أن يحتشد ويُثار وينخرط في حركة مقاومة سياسية أو عسكرية، في طبيعة الحال، ضدّ الإنجليز؛ إذ اختار رضا طريق المقاومة الحضارية بعيدة المدى.
كان موقف محمد عبده السياسي قائماً على استبعاد إمكانية الحصول على الاستقلال في ظلّ تخلّف الأمة وضعفها البادي، ولم يكن رضا بمنأى عن هذا الموقف، بل عبّر عنه، فقط، بلغة جمال الدين الأفغاني، وهنا كمُنَت الخدعة.
على أيّ أساس بنى رضا موقفه السياسي؟ لم يكن هناك بين أعلام مدرسة الإصلاح الثلاثة: الأفغاني، عبده، رضا، من هو منقوصُ الاستقلال أو التابع أو المقلد، وبالتالي ليس هناك مجال للقول إنّ رضا قد تبنى موقفاً مهادناً من الاستعمار سيراً على خطى عبده؛ فكثيراً ما خالفه علناً في قضايا عديدة؛ وبالتالي يجب البحث عن سبب آخر بُني عليه هذا الموقف الإشكالي.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
وضع رضا معياراً يحدّد موقفه من الاستعمار، وهو معيار مجلوب رأساً من قلب الممارسة التاريخية للإسلام؛ إذ حدّد الفقهاء أوضاعاً بعينها تقتضي الخروج على الحاكم: تحديه للعقيدة الإسلامية، منعه أداء المسلمين لشعائرهم، إلغاؤه للتعليم الديني؛ فيضيع العلم الشرعي بموت العلماء؛ إذ ليس هناك طلاب يحملونه عنهم، وعليه؛ رأى رضا أنّ الاحتلال الإنجليزي مقبول ما لم يمسّ الثوابت التي وضعها الفقهاء في السابق (كان موقفه من الاحتلال الفرنسي للجزائر عدائياً بالكامل؛ نظراً لفرض فرنسا ثقافتها بالقوة على المجتمع الجزائري المسلم، وسعيها، الذي لم يهدأ، لطمس ثقافته المحلية). وفي تخطٍّ لموقف أستاذه محمد عبده المهادن، اعترف رضا بحقّ بريطانيا في السيادة على العالم الإسلامي بحكم تفوقها الأخلاقي والعلمي.

استيلاء إيطاليا على طرابلس عام 1911
سريعاً ما ستتلاشى أوهام رضا حول النوايا الطيبة للاستعمار؛ فبعد استيلاء إيطاليا على طرابلس، عام 1911، واندلاع الحرب بين دول البلقان والدولة العثمانية، عام 1912، بدأ رضا يدرك الطبيعة التدميرية للاستعمار وتعقيدات "المسألة الشرقية"، في ظلّ الأطماع المتنامية للدول الكبرى في اقتسام "إرث الخلافة"، وفي صدارتها بريطانيا "العاقلة"، كما كان يسميها.
بدأ رضا يفقد الأمل في بريطانيا، وقرّر معارضتها علناً، والتحريض على وجودها في المجتمعات الإسلامية، وعّززت الحرب العالمية الأولى نزعته العدائية تجاهها، حتى أصبحت بريطانيا في عُرفه هي "الشيطان الأكبر" حصراً؛ وتبرّع بإصدار ثاني فتوى "تكفير سياسي" في العالم الإسلامي الحديث (كانت الأولى من نصيبه أيضاً، حين كفّر الحاكم المستبد أثناء صراعه مع السلطان عبد الحميد)؛ إذ رأى أنّ الحياة تحت سلطان بريطانيا "كفر صريح ورِدّة عن الإسلام"، ورغم هذا الجنوح (المتوقع من أيّة أصولية: إصلاحية أو سلفية) نحو التكفير، لم يطوّر رضا أيّة نظرية للجهاد ضدّ الاستعمار.
في هذا الزمن، دخلت الخلافة العثمانية بخطى واسعة وسريعة مرحلة أفولها، وتنافست القوى العظمى على تركة الإمبراطورية، واحتلّ الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) أراضي تركيا نفسها، فيما حاول مصطفى كمال أتاتورك ردّ الثقة إلى الجيش والشعب، عبر النضال ضدّ المحتلين، في وقتٍ كانت فيه الحكومة العثمانية متورطة في مساومات مع الدول الأوروبية، انتهت بقبولها بمعاهدة "سيفر" 1910 المهينة؛ التي كرّست تمزيق الإمبراطورية، إلا أنّ أتاتورك حطم المعاهدة علمياً، باسترداده منطقة "أزمير"، الداخلة ضمن بنود المعاهدة.
آنذاك، كان كلّ نصر يحققه الكماليون يُخصم من رصيد السلطنة العاجزة، ويعزز إمكانية إطاحتها، حتى إذا جاء عام 1922 ألغى المجلس الوطني في أنقرة السلطنة، وأعلن تركيا دولة جمهورية، وهو قرار لاقى تأييداً جارفاً في مصر، التي ماهت بين حركتها الوطنية ونظريتها التركية، وتأييداً حذراً في بقية العالم الإسلامي، لكن بعد دفع القرار إلى نتيجته المنطقية بإلغاء الخلافة، عام 1924، ثارت ثائرة العالم الإسلامي.
كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة، والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها، وكان هذا ما اشتُهر به لاحقاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

للمشاركة:

آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر

2019-07-29

تلقي قصة "الشاطئ" ضوءاً على عالم الكاتب والسينمائي الفرنسي آلان روب غرييه، الذي ولد في 18 آب (أغسطس) 1922 وصدرت له عشرات الكتب وستة أفلام.
ويعد غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة"، فضلاً عن كونه واحداً من "كبار" الكُتّاب، لا في فرنسا وحسب، بل في العالم، في النصف الثاني من القرن العشرين، وفق الكاتب اسكندر حبش الذي رثاه في صحيفة "السفير" لحظة رحيله في الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام 2008.

يُعدّ غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة" وواحداً من "كبار" الكُتّاب لا في فرنسا وحسب بل في العالم

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة" إلا أنّ ذلك لم ينفعه، إذ بقي أقلّ الكُتّاب "محبة" من قبل القراء الفرنسيين. بالتأكيد، كان يثير الإعجاب، إلا أنه سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه، كما الغيرة من شهرته. ومع ذلك، لم يستطع أحد إلا احترام حيويته الثقافية، على الرغم من عدم الاتفاق حوله، بسبب "ذكائه الماكر والشرس".
بدأ غرييه حياته الأدبية "زعيماً لتيّار أدبي" بسبب قناعاته الجمالية (الاستيتيكية) الحادة، التي كان يدافع عنها عبر هجومه على أدب عصره. من هنا اعتبر أنّ الرواية الجديدة ـ التي صاغ أفكارها ونظّر لها مطولاً ـ هي طريقة للاتحاد ولمواجهة الأدب "البالي"، السهل، الذي يروق للعدد الكبير من القراء.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ولعب تشكّل غرييه المهني والفكري؛ أي دراسته للهندسة الزراعية، الدور في هذه النظريات، إذ اعتبر أنّ الأدب مثله مثل العلم، بمعنى أنّ هذا الأخير قد أصابه التطور على مر السنين، لذلك على الأدب أن يتطور بدوره، وأن تفرض الحقائق الجديدة نفسها لتحيل القديمة جزءاً من التاريخ. واعتبر غرييه، أنّ هذا الأدب القديم (والفن بشكل عام) يملك، من دون شك، أخطاء استيتيكية لذلك امتلك تحليلات سيئة، خاطئة، تماماً كما حدث الأمر في التحليلات الرياضية، حيث جاءت نظريات جديدة لتنسف كل التحليلات القديمة. لكنه لم يتوقف عند ذلك، إذ نادى غرييه، بضرورة قيام الثورة في الأدب، حيث على الجديد أن يقتل الأدب القديم ويحل مكانه.

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة"
في قصة "الشاطئ" التي ترجمها الكاتب والإعلامي الأردني عامر صمادي، ونشرها موقع "المسيرة الإلكتروني" إطلالة أخرى على عالم غرييه المدهش والفسيح والمكتظ بالتفاصيل الصغيرة:

الشاطئ
صبية ثلاثة يمشون على طول الشاطئ جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض. طولهم متقارب وأعمارهم أيضاً متقاربة في حوالي الثانية عشرة، لكن مع ذلك يبدو الذي في الوسط أقصر من الاثنين الآخرين. باستثناء هؤلاء الصبية الثلاثة فالشاطئ الطويل فارغ، يمتد فيه شريط الرمل العريض بوضوح على مد النظر، يخلو من الصخور المتناثرة، والحفر المائية وينحدر بنعومة من المنحدر الصخري عند الشاطىء نحو البحر فيبدو لا نهاية له.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد، السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة، الماء أزرق صاف بلا أي أثر لموجة كبيرة قادمة من بعيد على الرغم من مواجهة الشاطئ للبحر المفتوح والأفق البعيد.
لكن ومع ذلك تتكون في المنخفضات المنتظمة موجة سريعة بنفس الحجم دائماً على بعد عدة ياردات من الشاطئ، ترتفع فجأة ثم تتكسر على طول نفس الخط دائماً، لم يكن الماء يبدو أنه يندفع إلى الأمام ثم يعود. بل بدا الأمر وكأنّ الحركة كلها في وضع سكون. يشكل ارتفاع الماء منخفضاً ضيقاً ضحلاً على طول الشاطئ ثم تعود الموجة أدراجها بنعومة يرافقها صوت دحرجة الحصى لتتحطم وتنتشر فوق المنحدر على حافة الشاطئ وتعود لتغطية الفراغ الذي تركته.
غالباً ما ترتفع موجة أقوى هنا وهناك لترطب - للحظة - مزيداً من حبات الرمل ثم يعود كل شيء إلى السكون. البحر مسطح أزرق مساكن على مستوى رمل الشاطئ الأصفر حيث الصبية الثلاثة جنباً إلى جنب.

"المماحي" لغرييه
ثلاثتهم شقر، شقرتهم تقارب صفرة الرمل، لكن بشرتهم داكنة قليلاً وشعرهم فاتح اللون قليلاً، يرتدون ملابسهم بنفس الطريقة، سراويل قصيرة وقمصان بلا أكمام، يمشون جنباً إلى جنب وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويسيرون بخط مستقيم مواز للبحر وللمنحدر بمسافة تتوسط الاثنين، لكن أقرب قليلاً إلى الماء، الشمس الآن في أوج توهجها فلا تلقي ظلالاً على أقدامهم ولا يوجد أمامهم أي أثر على الرمل من المنحدر الصخري وحتى الماء، فالصبية يسيرون بهدوء مستقيم وبينهم مسافات متساوية دون أي انحراف إلى أي جهة من الجهات ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
خلفهم كان على الرمل ثلاثة خطوط لآثار أقدامهم العارية. ثلاث سلاسل منتظمة بينها مسافات متساوية، آثار غائرة في الرمل بوضوح دون أي تشابك مع بعضها، يسير الصبية إلى الأمام دون أي التفاتة إلى المنحدر الصخري على يسارهم أو إلى البحر وأمواجه الصغيرة التي تتحطم بتتابع في الاتجاه الآخر بل وحتى دون أن يلتفتوا إلى الخلف ليقدروا المسافة التي قطعوها استمروا في طريقهم بخطوات سريعة وموحدة.
أمامهم، هناك سرب من طيور البحر تسير على الشاطئ وحافة الموج، تسير بموازاة الصبية الثلاثة وبنفس الاتجاه وتسبقهم بحوالي مائة ياردة، لكن بما أنّ الطيور لا تتحرك بنفس سرعتهم فقد لحق الصبية بها، ومع أنّ البحر كان يمحو آثار سرب الطيور باستمرار إلا أنّ آثار أقدام الصبية بقيت منقوشة بوضوح في الرمل الرطب حيث ازدادت الخطوط الثلاثة من آثار الأقدام طولاً على طول، عمق آثار الأقدام تلك لا يتغير أقل من إنش بقليل، تشوهها تعرجات الحواف أو ضغط اعقاب الأقدام أو مقدماتها تبدو وكأنها قد حفرت بواسطة آلة على الشاطئ.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
هكذا تمتد خطوطهم الثلاثة، دائماً وبنفس الوقت تبدو وكأنها تضيق حتى كأنها تندمج في خط واحد يقسم الشاطئ إلى قسمين من خلال طولها الذي ينتهي بحركة ميكانيكية صغيرة تبدو من بعيد وكأنها في وضع ثبات، الارتفاع والهبوط المتعاقب لستة أقدام عارية كلما تحركت مبتعدة اقتربت من الطيور، وهي لا تنهب الأرض بسرعة لكنّ المسافة القريبة التي تفصل المجموعتين تضمحل أسرع مقارنة مع المسافة المقطوعة وسرعان ما أصبحت تفصلهم مسافة لا تتجاوز بضع خطوات لكن عندما بدا الصبية أخيراً أنهم على وشك الاصطدام بالطيور رفرفت أجنحتها وبدأت بالطيران طير واحد ثم اثنان ثم عشرة ثم السرب كله. إلا طيور بيضاء وردية تشكل منحنى فوق البحر ثم تعود الى الرمال لتبدأ المشي مسرعة مرة أخرى دائماً بنفس الاتجاه وعلى حافة الموج تبعد حوالي مائة ياردة إلى الأمام على هذا البعد أصبحت حركة الماء غير محسوسة باستثناء تغير مفاجئ باللون لكل عشر ثوانٍ في اللحظة التي تلمع فيها الرغوة المتألقة تحت أشعة الشمس والصبية غير عابئين بآثار أقدامهم التي يتركونها على الرمال غير مقتربين من الأمواج الصغيرة على يمينهم أو الى الطيور التي بدأت تحط وتمشي على أقدامها أمامهم. سار الصبية الشقر الثلاثة جنباً إلى جنب بخطوات منتظمة سريعة وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض.

سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه
لفحت الشمس وجوههم فبدت داكنة أكثر من شعرهم، لهم نفس التعابير، جدية وعمق وتفكير وربما الهم، تقاطيع وجوههم أيضاً متشابهة على الرغم أنه من الواضح أنّ اثنين من الصبية الثلاثة هم من الذكور والثالثة فتاة، الا أنّ شعر الفتاة أطول ومتجعد قليلاً لكن ملابسها هي نفس ملابسهم، بنطال قصير وقميص بلا أكمام وكلاهما بلون أزرق داكن.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
تسير الفتاة إلى أقصى اليمين وإلى يسارها يسير الغلام الأقصر قليلاً، والغلام الآخر القريب من المنحدر الصخري هو بنفس طول الفتاة. يمتد أمامهم الرمل الممهد الذي لم تطأه قدم على مد النظر ويرتفع على يسارهم جدار من الصخر البني يكاد يكون عمودياً ولا نهاية له. على يمينهم سطح الماء الساكن ممتداً إلى الأفق تحيط به تموجات خفيفة تنتشر عبر الرغوة البيضاء ثم بعد عشر ثوانٍ تعود الموجة التي تكسرت لتشكيل مجرى ضحل مرة أخرى على جانب الشاطىء يصحبها صوت ضجة خفيفة تثيرها دحرجات الحصى، وتنتشر الموجة الصغيرة من جديد وتصعد الرغوة البيضاء رمال حافة الشاطئ المنحدرة لتغطي المسافة الباقية من الفضاء الضائع، وخلال السكون الذي يعقب ذلك يرتد من بعيد صوت قرع جرس خافت في الهدوء الساكن.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
الجرس هناك: يقول أصغرهم الذي في الوسط لكن صوت قرقعة الحصى يغطي صدى قرع الجرس الخافت وعندما تنتهي الموجة يمكن سماع بعض الأصوات التي شوهتها المسافة مرة أخرى.
إنه الجرس الأول، قال الغلام الطويل، وتنتشر موجة صغيرة على يمينهم وعندما يعود الصمت مجدداً فلا يسمعون غيره، مازال الصبية الشقر الثلاثة يسيرون بنفس الانتظام ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.
أمامهم سرب الطيور على بعد عدة خطوات فقط تصيبها عدوى الطيران فجأة فتنتشر أجنحتها لترتفع مشكلة نفس المنحنى فوق البحر ثم تعود إلى الضوء عبر الرمل وتبدأ بالمشي من جديد، دائما بنفس الاتجاه وعلى بعد مئة ياردة إلى الأمام وعلى حافة الموج قال أحدهم: ربما لم يكن الأول ربما لم نسمع الآخر قبل..

الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة الماء أزرق صافٍ

أجاب الغلام الأطول قليلاً: كنا سنسمعه كما سمعنا هذا. لم يغير الصبية من مشيتهم أبداً. نفس آثار الأقدام خلفهم التي استمرت بالظهور تحت الأقدام الست العارية وهم يتقدمون إلى الأمام.
قالت الفتاة لم نكن بمثل هذا القرب من قبل، وبعد برهة قال أطول الغلامين وهو الذي يمشي من جهة المنحدر الصخري: مازلنا لم نقترب بعد..
سار ثلاثتهم بصمت وهدوء.. بقوا صامتين حتى وصلوا الجرس وهو ما يزال ذا صوت خافت في هذا الجو الهادئ، عندها قال أطول الغلامين: "ذاك هو الجرس" ولم يجب الآخران.
عندما اقتربوا من الطيور رفرفت بأجنحتها وطارت مبتعدة إلى الأمام، طير واحد، ثم اثنان ثم عشرة، ثم عاد السرب كله إلى الرمل على طول الشاطىء على بعد مائة ياردة من الصبية الثلاثة. استمر البحر بطمس آثار أقدامهم، واستمر الصبية الذين يسيرون أقرب إلى المنحدر جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض بترك آثار أقدام عميقة بخط ثلاثي موازٍ لشاطئ البحر على طول الشاطئ الممتد الى اليمين قرب حافة الماء الساكن المسطح.
دائماً تأتي نفس الموجة إلى نفس المكان لترتفع ثم تتحطم..

للمشاركة:

في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

2019-07-25

من أعمق نقطة في وجدانه، أيقن ماركس أنّ الحياة هي أعزّ شيء لدى الإنسان، وأنّها يجب أن تعاش عيشةً لا يشوبها استعباد، ولا يشوّهها الإحساس الممض بالخطيئة والذنب، أو الرعب المهووس بالعذاب. ومثلما كانت حياته منذورة بالكامل للنضال من أجل تحرير الإنسانية من كافة قيودها، وهاجسه اليتيم هو أن يصبح العالم مختلفاً عن الذي لدينا الآن وأفضل، فقد أمل أن تكون حياة كلّ المشغولين بالهمّ الإنساني كذلك.

كان ماركس يطمح للكشف عن القوانين والأنساق التي تنتظم الحياة الاجتماعية وفقها

ضدّ المجتمع قبل الدين

مثل رواد علم الاجتماع الكبار، تناول ماركس بالتحليل والدرس ظاهرة الأديان في المجتمعات الحديثة، على هامش دراسته للحداثة بأوجهها كافة: الاقتصادية/ الرسمالية، السياسية/ الديمقراطية، ونقيضها البونابرتية، الثقافية/ العلمانية، وكان ماركس أول نظرائه في التنظير للوعي التاريخي للشعور بالقطيعة مع الماضي، وتشكيلاته الاجتماعية وأيديولوجياته؛ وهو ما وضعه في مواجهة سياسية وفلسفية مع الظاهرة الدينية.

مثل رواد علم الاجتماع الكبار تناول ماركس بالتحليل والدرس ظاهرة الأديان في المجتمعات الحديثة لدى دراسته للحداثة بأوجهها كافة

كان ماركس يطمح للكشف عن القوانين والأنساق التي تنتظم الحياة الاجتماعية وفقها، وفي هذا وجد نفسه في صدام لا يمكن تفاديه مع الدين، بوصفه تمثيلاً وبناءً رمزياً لفهم العالم؛ فأساس مشروعه النظري الكبير تطلّب تفسير الحياة الاجتماعية، ليس من خلال المفاهيم والرموز التي يستخدمها الفاعلون الاجتماعيون، وإنما من خلال الشروع في التحليل النقدي المنظم للتفسيرات التي يقدمها أولئك الذين يشتركون في الحياة الاجتماعية لأعمالهم ولأوضاعهم، وللخبرات التي يتقاسمونها، والتي يعدّ الدين وجهها التلقائي أو التقليدي، وفق دانييل هيرفيه وجان بول ويلام، في كتابهما "سوسيولوجيا الدين" 2005.
ولعلّ من شأن التفحّص النقدي لأهمّ بيان مباشر لماركس حول الدين، في الصفحات الأولى من "مقدمة في الإسهام في نقد فلسفة الحقّ عند هيغل"؛ أن يوضح أنّ نقد الدين شكّل جسراً للعبور النظري إلى الموضوعية في تفسير الواقع الاجتماعي، وزحزحة الطموح الجبّار للأديان لإعطاء معنى شامل للعالم؛ إذ يقول: "بالنسبة إلى ألمانيا، فإنّ نقد الدين قد اكتمل بشكل أساسي، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكلّ نقد".

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
في مقاله التأسيسي "الماركسية والدين: أكثر من أفيون"؛ يحدّد جون مولينو قصد ماركس بكلامه هذا بالعمل المشترك بين الثورة العلمية والتنوير (الموسوعيون الفرنسيون خصوصاً)، ونقد الكتاب المقدّس من قبل اليسار الهيغلي العلماني في ألمانيا، هو من قام بإجهاض طموحات المسيحية في تقديم صيغة واقعية ودقيقة للطبيعة وللتاريخ؛ بل ولاهوت متماسك ومتّسق.

نقد الدين شكّل لدى ماركس جسراً للعبور النظري إلى الموضوعية في تفسير الواقع الاجتماعي

المسألة اللافتة، التي لم ينتبه إليها مولينو، والتي تطرحها على أذهاننا عودة الدين في المجتمعات المتخلفة والحديثة على حدّ سواء، هو تغلغل الطموح العلماني في طرح ماركس والمتعلق برهان العلمانية الكبير على الزوال المطرد للدين من الحياة الاجتماعية للمجتمعات الحديثة؛ فقد ارتكزت مجمل أطروحاته حول الدين على التراجع البادي لتأثير المعتقدات والمؤسسات الدينية في الحياة الحديثة.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقى من ماركسية طيب تيزيني؟
وتوضح جملة ماركس هذه؛ أنه عدّ نقد الدين أمراً مفروغاً منه، ودحضه أمراً ناجزاً، فلم يركّز طاقته على النقد التفصيلي للدين؛ بل انتقل سريعاً إلى هدفه الرئيس: نقد المجتمع الذي ينتج "الوهم الديني"؛ فالإنسان، في تحليله، هو الذي ينتج الدين، وليس الدين هو الذي ينتج الإنسان، أو بحسب تحديده في "الأيديولوجيا الألمانية"، مع رفيقه إنجلز: المجتمع والدولة هما من ينتج الدين كوعي معكوس للعالم، أو كمنطق للعالم في صورة شعبية؛ ولذلك فإنّ الصراع ضدّ الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضدّ هذا العالم الذي يمثّل الدين شذاه الروحي".

الدولة الدستورية الحديثة لا تلغي الدّين وإنما تجعله أمراً متعلقاً بالمجال الخاص وتعيد تنظيمه وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة

في هذا الطرح؛ تتّسم بلاغة ماركس بالتراوح بين الذمّ والمدح؛ فـ "الدين هو الإنجاز الرائع للكائن البشري؛ لأنّ هذا الكائن لا يمتلك واقعاً حقيقاً"، وهو استجابة للاغتراب الإنساني، اغتراب الإنسان "الذي خسر نفسه"، وهو ما ينطبق على تطرقه إلى الوظيفة الاجتماعية للدين، إذ يقول: "الحاجة إلى الدين هي، في جانب منها، تعبير عن الحاجة إلى الواقع، ومن ناحية أخرى احتجاج على الخطر الواقعي. الدين هو حسرة الإنسان المضطهد المظلوم، وهو روح عالم بلا قلب، وروح الظروف الاجتماعية التي استبعدت الروح".
هنا لا ينفي ماركس أنّ في الدين عزاء للإنسان في العالم، وسعادته التي ربما قد تكون الوحيدة، لكنّه اعتبرهما: عزاءً زائفاً وسعادة وهمية؛ وبالتالي اعتقد أنّ إلغاء هذا النوع من العزاء وهذا الشكل من السعادة هو الشرط الأول لخلق سعادة حقيقية، أو في كلمة: بدلاً من إلغاء الوهم يجب إلغاء الوضع الاجتماعي الذي يحتاج إلى وهم من أجل القدرة على البقاء فيه، وبذلك انتقل ماركس من نقد السماء إلى نقد الأرض، أو من نقد الدين إلى نقد القانون، ومن نقد العقائد إلى نقد السياسة.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص ماركس علاج اغتراب الإنسانية؟
إذاً؛ كان نقد الدين في النصّ الماركسي ذا صيغة مزدوجة؛ فهو أساسي كنقطة انطلاق مبدئية لتحليل البنية الاجتماعية، وثانويّ لأنّه لا يتم إلا عبر تحليل المجتمع الذي ينتج الاغتراب الديني والسياسي والوجداني، لكنّه في الحالتين لم ينظر إلى الدين كواقع قائم بذاته، ولم ينصت مرة إلى منطقه الخاص، وإنما كناتج عن ظاهرة الاغتراب، ولم يكن مهمّاً بالنسبة إليه إظهار عدم واقعية الدين؛ بل كشف علاقته البنيوية بالتمزق الإنساني الذي لا يمكن التغلب عليه إلا عبر القضاء على الاختلال القائم في نمط الإنتاج بين مَن يملك ومَن يعمل.

ماركس كان رائداً بإظهار ميل المسيحية لقيم احتقار الذات وهي الإدانة التي طوّرها نيتشه

متى كان أفيوناً؟
كان إيمانويل كانط أول من استعمل لفظة "أفيون" كمجاز للتعبير عن الدين في كتابه "الدين في حدود العقل البسيط"، إذ يقول: "إذا تدخّل القسّ لحظة الموت، بصفته مواسياً ومعزيّاً، يطمئن الوعي الأخلاقي أكثر من إثارته وإيقاظه؛ فإنّه بذلك يقدّم الأفيون إلى الوعي بشكل ما"؛ وبالتالي كان الفارق الذي أحدثه ماركس يتعلق بحديثه عن الشعوب وليس الفرد؛ مسجّلاً بذلك أوّل نقد للدين من منظور سياسي، وهو شيء جديد حتى على الاشتراكيين أنفسهم؛ فقد كانت الاشتراكية قبل ماركس مهادنة بشكل مبدئي للدين، وكان الاشتراكيون يجاهرون بمشاعر ذات طابع إيماني لافت.

اقرأ أيضاً: حركة القوميين العرب.. كيف تحوّل التنظيم القومي إلى الماركسيّة؟
ما سبق، أصبح من سقط متاع الوعي بالاشتراكية، لكنّ السؤال الذي لم يُطرح بعد: لماذا كان ماركس بالذات أول من بادر لنقد الدين سياسياً، وخسر بذلك دعم الاشتراكيين الفرنسيين؟ يوضح الظرف التاريخي الذي سجّل فيه ماركس موقفه النقدي من الدين الكثير عن نظرته العدائية تجاهه؛ إذ جاءت كتاباته في لحظة سياسية شهدت فيها بلاده بروسيا تشابكاً بالغ التعقيد بين الدين والسلطة، وانخرطت الكنيسة اللوثرية في إضفاء الشرعية على السلطة والوضع الاجتماعي القائم.
وقد يفسر هذا اتساع نطاق معركته مع الدين، فهو لم يكتفِ بنقد الظاهرة فحسب؛ بل صبّ جام هجومه على كلّ الاشتراكيات التي تستلهم الدين، أو تجمع بينه وبين الشيوعية في مُركب ثقافي واحد، وتلك التي تعتبر المسيح أول ثائر عرفته الذاكرة البشرية، ولربما كانت صيحة الحرب الصاخبة، التي أطلقها في البيان الشيوعي، بمثابة الردّ السياسي الحاسم على شعار الاشتراكية المسيحية: "كلّ البشر أخوة"، لكن سيكون من قبيل عدم الإنصاف اختزال نقده في جانبه السياسي وحده؛ فهو محمّل برؤية فلسفية ترى فيه اغتراباً للإنسان، أنتجته طبيعة علاقات الإنتاج السائدة.

اقرأ أيضاً: هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟
بخبرته التاريخية، كان ماركس رافضاً لأيّة مبادرة إصلاحية من ممثلي المسيحية ترمي لتخفيف حدّة البؤس عن الطبقات الفقيرة، على اعتبار أنّ المسيحية أخذت فرصتها التاريخية كاملةً على مدار 18 قرن، لم تقدم فيها للمحرومين شيئاً يُذكر؛ بل رأى في هذا النوع من المبادرات محض مجاراة انتهازية للمدّ الاشتراكي، يقول ماركس في نوعٍ من جرد حساب للمسيحية: "الحاجة للدفاع عن اضطهاد وقمع العمال، حتى لو كانت تقوم بذلك بإظهار القليل من الألم".
وبالحديث عن المسيحية يجدُر تذكُّر أنّ ماركس كان رائداً في إظهار ميل المسيحية إلى قيم الضعف واحتقار الذات، وهي الإدانة التي طورها نيتشه في "نقيض المسيح" لاحقاً، إلا أنّ إدانته على عكس نتيشه ليست فلسفية بحتة، بل كانت جزءاً من مخطط إستراتيجي يهدف لعزل العمال عن التأثيرات السلبية المحتملة للنزعة الدينية على أي مشروع ثوري وإبطائه وعرقلته وإفراغه من مضمونه، يقول ماركس: "تبشّر المسيحية بالتخاذل والمهانة، احتقار الذات، الإذلال، الخزي، الهوان، العبودية، باختصار: بكل صفات النذالة والتحقير [الذاتي]؛ لقد برّرت [المسيحية] العبودية في العصور القديمة، وعظّمت من [شأن] قنانة ورِقّ العصور الوسطى، وإنّ البروليتاريا، التي لا تريد أن تعامل نفسها باحتقار في حاجة إلى شجاعتها، الشعور بكرامتها، اعتزازها بنفسها وبروحها في الاستقلال أكثر من حاجتها إلى الشعور بالألم".

اقرأ أيضاً: ما الذي يريده المخربون من قبر ماركس؟
ويمكن ببساطة استخلاص أنّ الرؤية الضمنية لماركس تفترض مبدئياً أنّ الدين (والمسيحية بالتحديد والتعيين) محافظ بالضرورة بحكم الافتراضات الفلسفية المتضمنة فيه، وفي هذا يمكن القول إنّ ما أخذه ماركس على هيغل في حواره السياسي معه، بأنّه يعطي صكّ وضمانة الديمومة على وضع تاريخي، أوقع نفسه فيه؛ فالتعبيرات الدينية، كما اتضح مع لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، تظلّ عوامل محتملة للانعتاق وتحرير الشعوب.
لاحظ ذلك الفيلسوف الماركسي، ميشيل لووي، الفرنسي/ الأرجنتيني، والمنشغل بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، في مقال بعنوان "أفيون الشعوب؟ الماركسية النقدية والدين"، 2005؛ حيث دعا إلى الاستعانة بأرنست بلوخ، الذي وإن كان يتماسّ مع رأي ماركس تجاه الظاهرة الدينية، ذات الطابع المزدوج: القمعي والتمردي، إلا أنّه رأى في "الصيغ التمردية والاحتجاجية للدين أحد أهم الأشكال للوعي الطوباوي، وأحد أغنى التعبيرات عن مبدأ الأمل وأحد المتخيلات القوية لما لم يقم بعد" على عكس ماركس؛ الذي أقرّ بالدور التمردي للدين، لكنّه رآه ظاهرة من الماضي لم تعد لها أهمية في عصر صراع الطبقات الحديث.

اقرأ أيضاً: قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد
لم ينظر ماركس إلى التأويلات التقدمية المحتملة للدين، لكنّه كان على حقٍّ تاريخياً؛ فمنذ ظهور المجتمع الصناعي دافعت الكنيسة عن "القانون الإلهي لعدم المساواة"، وحين اعترفت ببؤس العمال حثّتهم على ألا يحصروا آمالهم فوق الأرض فقط؛ وبالتالي دعتهم عملياً إلى التخلي عن المقاومة والرفض والاحتجاج، أو بكلمة: سلبتهم الحقّ في الثورة وأعطتهم "أفيون الوعي".
على ضفة السياسة؛ عمّق إلحاد ماركس، في صورته بالغة الحدّية، النزعة المحافظة لدى جزء مؤثر من ممثلي الكنيسة، وأشعرهم بتهديد وجودي إزاء أطروحاته المعادية للدين، بل، بوجهٍ ما، جعلهم معادين للحداثة نفسها، التي تجلب هذا النوع من الدعوات الخطيرة.

قرّر ماركس وإنجلز أنّ المجتمع والدولة هما من ينتج الدين كوعي معكوس للعالم

جدل الدين والدولة
على ضوء سياسات الدولة الألمانية المسيحية، في القرن الثامن عشر، كتب ماركس "حول المسألة اليهودية"، ورغم أنّ الوضع كان تجريبياً بامتياز، إلا أنّ ملاحظاته ما تزال تتمتع براهنية مدهشة، يقول فيها: إنّ "سلطة الدين هي دين السلطة"، وإنّ "الدولة الدينية تظهر تعاملاً سياسياً تجاه الدين وتعاملاً دينياً تجاه السياسة"، في اللحظة الراهنة؛ يمكن الاستفادة من استبصاره هذا في فهم السياسات الإيرانية تجاه الدين وتسييسه، وتجاه المجال السياسي الداخلي، الذي تمّ تديينه، حتى بات حبيساً للمعايير الدينية، وأجبر الفاعلين السياسيين على تبني خطاب ديني، وإلا تمّ استبعادهم من حقل التأثير في المجتمع.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
وحول علمانية الدولة؛ قدّم ماركس ملاحظة بالغة الأهمية تفيد بأنّ "تحرّر الدولة من الدين يحرّر الإنسان سياسياً؛ باستبعاده [الدين] من الحقّ العام إلى الحقّ الخاص"، إلّا أنّ ذلك ليس كافياً في نظره؛ لأنّه "يترك الدين كظاهرة فردية تفصل الإنسان عن الإنسان، وتفصل الحياة الفردية عن الحياة العامة"، فتزدهر الهويات الدينية بدلاً من أن تختفي.
قدّم ماركس نقداً لامعاً للرؤية العلمانية التبسيطية، التي تلحّ على ضرورة حياد الدولة تجاه الدين، وأن تجعله غير ذي صلة بمكانة المواطنين المدنية والسياسية (حتى لا تتشكّل أيّة معارضة دينية للدولة)، فحاجج بأنّه من الخطأ الاستنتاج أنّ التسيّس ينتزع عن الدين؛ فإنه بذلك يصبح غير متصل بالحياة السياسية، وشدّد على أنّه بسبب نزع التسيس هذا، ورغماً منه، فإنّ الفروقات الدينية ستزدهر مثل باقي الفروقات الاجتماعية: العرق، الطبقة، المكانة، وأنه بمجرد زحزحة الدين إلى مجال الخصوصية سيصبح روح المجتمع المدني بعد أن كان روح الدولة؛ وبالتالي سيصبح الأساس الثقافي للهوية الفردية والجماعية.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
ما يحدث باختصار، كما لاحظت صبا محمود في كتابها "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّات" 2015؛ أنّ "الدولة الدستورية الحديثة لا تلغي الدّين، وإنما تجعله أمراً متعلقاً بالمجال الخاص، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة، وبالتالي بدلاً من أن تمحو السياسات العلمانية الفروق الدينية، فإنّها تنتج التفاوت الديني"، ويمكن اعتبار التاريخ الاجتماعي لتركيا ومصر دليلاً عملياً على واقعية استبصار ماركس هذا.

للمشاركة:



متظاهرون جزائريون يردّون على قناة "الجزيرة".. صور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أثارت قناة "الجزيرة" القطرية، خلال الأسابيع الأخيرة، استهجان ورفض الجزائريين؛ بسبب الحملة الإعلامية التي تقودها ضدّ بلادهم وجيشهم، محاولة إشعال الأزمة السياسية في البلاد.

المتظاهرون الجزائريون حملوا لافتات كتب عليها ثورتنا سلمية ..الجزيرة قِدر الفتنة

وعبّر المتظاهرون الجزائريون عن موقفهم برفع لافتات ضدّ قناة "الجزيرة" في تظاهراتهم الأسبوعية.

واتّهم متظاهرون قناة "الجزيرة" بـ "الإرهاب"، ومحاولة التشويش على سلمية الحراك الشعبي، حيث حملوا لافتات كتب عليها: "ثورتنا سلمية.."، "الجزيرة قِدر الفتنة"، "أخي كن ذكياً أو تبقى فريسة للآخرين"، وفق ما نقل موقع "العين" الإخباري.

ولم تتوقف الحملة التي شنها الشعب الجزائري على المظاهرات؛ بل امتدّت لمواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ أكّد نشطاء أنّ قناة الجزيرة تحاول من جديدة لعب الدور نفسه في تخريب بلدهم، كما فعلت مع دول عربية أخرى، مثل ليبيا وسوريا واليمن، أو كما حاولت مع مصر وتونس.

وأظهرت منشورات وتعليقات جزائريين حجم الوعي الشعبي من الحملة الإعلامية لقناة "الجزيرة".

وقارن المتابعون بين تأثير تلك القناة في مجرى الأحداث بالجزائر، تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت قتالاً دموياً بين متطرفين وقوات الجيش، فيما عرف بـ "العشرية الحمراء"، وانكشاف ما يصفونه بـ "أجندة الحقد على الجزائر وجيشها".

وأكّد عدد من المراقبين والمتابعين في تعليقات صحفية؛ أنّ قناة الجزيرة ما تزال تقتنص الفرص لتبث سموم الفتنة مجدداً في الجزائر، وتكشف حقدها الدفين تجاه جيش هذا البلد العربي.

وكانت القناة قد ركّزت، على مدار الأسابيع الأخيرة، وبشكل ممنهج، على استضافة شخصيات من المعارضة "المتطرفة" الجزائرية، المحسوبة على أحد أجنحة ما يعرف بالدولة العميقة، المتهمة بالعمالة لفرنسا التي تعرف بـ "حزب فرنسا في الجزائر".

ضيوف استغلتهم "الجزيرة" للهجوم على الجيش الجزائري، واتهامه بـ "قيادة انقلاب عسكري في البلاد"، إضافة إلى دعوة بعض منهم صراحة إلى "الانقلاب على قيادة الجيش" الحالية.

ومع بدء الحراك الشعبي بالجزائر، قبل 6 أشهر، حاولت القناة القطرية البحث عن مكان لها في الساحة الإعلامية الجزائرية، رغم غلق مكتبها وطرد العاملين فيه عام 2005.

نشطاء يؤكدون أنّ "الجزيرة" تحاول من جديدة لعب الدور نفسه في تخريب بلدهم كما فعلت في ليبيا وسوريا واليمن

وحاولت القناة، بحسب المتابعين، استغلال حالة الفراغ السياسي التي أعقبت استقالة عبد العزيز بوتفليقة، في نيسان (أبريل) الماضي، وانشغال مؤسسات البلاد بالأزمة السياسية، لتعيد فتح مكتبها بالجزائر بطريقة غير قانونية ودون إبلاغ السلطات الجزائرية، قبل أن تتخذ الأخيرة قراراً بإعادة غلقه، ومنع التعامل مع القناة، خاصة فيما يتعلق بالبث المباشر.

أيضاً طالت القناة حملات سخرية واسعة، بعد أن تمّ كشف أنّ مصادر أخبارها لم تكن إلا بعض صفحات الفيسبوك دون أن تكلف نفسها عناء التأكد من صحة الأخبار، بيد أنّ المتابعين أكدوا أنّ الهدف من وراء ذلك كان لزرع الفتنة، والترويج لصور نمطية مخادعة للرأي العام تحضيراً للسيناريو المفضل لها، وهو الفوضى والخراب.

وعلى مدار الأشهر الأخيرة؛ حاولت منصات الجزيرة الترويج لمزاعم "القمع الأمني لمتظاهرين"، وتعميم لافتات شخصية أو لبعض المجموعات في العاصمة تنتقد أطرافاً عدة على أنّها "تعبّر عن موقف الجزائريين"، خاصة تلك التي تحمل حقداً للجيش، والتي يقول مراقبون إنّ "الدولة العميقة المتأثرة من سجن رموزها تقف وراءها".

وشهدت الشهور الماضية إقالات وملاحقات قضائية لرجال أعمال وسجن شخصيات نافذة في نظام بوتفليقة، الذي أدار البلاد منذ عام 1999حتى 2019، وقد أكّد الجيش مواصلته تطهير مؤسسات الدولة مما وصفها "العصابة".

هذا وقد أجرت الأجهزة الأمنية في الجزائر، خلال الأسبوعين الأخيرين، تحقيقات معمقة مع قيادات إخوانية جزائرية بارزة دون أن تفصح عن أسمائها.

ورجّحت مصادر الأمنية لـ "العين" الإخبارية؛ أن يكون استهداف قناة "الجزيرة" القطرية للجيش الجزائري، عبر ضيوفها من المعارضة (المثيرين للجدل)، محاولة منها للضغط على البلاد "كدعم لتلك التيارات الإخوانية"، خاصة أنّ الأمر مرتبط بتمويل خارجي يصنفه الدستور في خانة "الخيانة العظمى".

 

للمشاركة:

دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

 كشف الكيان الصهيوني، على لسان بعض مسؤوليه؛ أنّه يعمد إلى التضييق على قطاع غزة حتى يهاجر أهلها إلى دول أخرى دون رجعة.

الكيان المحتل مستعد للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراته إذا وجدوا دولاً تستقبلهم

وقال مسؤول في الكيان، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الألمانية: إنّ "إسرائيل مستعدة للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراتها، إذا وجدوا دولاً تستقبلهم، وتحدثت مع دول بهذا الشأن، غير أنّ السفر سيكون بلا عودة، وهو ما وصفه نائب بالكنيست بـ "عملية ترحيل طوعية".

ونقلت هيئة البثّ الإسرائيلي، اليوم، عن مصدر سياسي؛ أنّ إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة "دون رجعة"، ووصفت الهيئة المصدر بـ "الكبير في حاشية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو".

وأضاف المصدر؛ أنّ إسرائيل مستعدة لتمويل هذه الرحلات على أن تنطلق من مطارات سلاح الجو في جنوب البلاد.

إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة دون رجعة

إلا أنّ المصدر كشف أنّ "أياً من الدول التي تمّ الاتصال بها بما فيها دول شرق أوسطية لم ترد على هذا الاقتراح إيجابياً".

ووصف النائب بالكنيست الإسرائيلي، أحمد الطيبي، ما يتردد عن تشجيع الهجرة طوعاً من قطاع غزة بأنّها "عملية ترحيل طوعية"، مضيفاً (باللغة العبرية) على صفحته في موقع تويتر: "غاندي حصل عليها في السابق وفي 48 كانت تسمى تطهيراً عرقياً".

 

للمشاركة:

الإمارات على طريق "الأخوة الإنسانية"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أعلنت الإمارات، أمس، عن تشكيل لجنة عليا لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها كلّ من قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف في أبوظبي، خلال شهر شباط (فبراير) الماضي.

تضمّ اللجنة كلاً من أمين سرّ المجلس البابوي للحوار بين الأديان، المطران ميغيل أنجيل أيوسو غيكسوت، ورئيس جامعة الأزهر، الدكتور محمد المحرصاوي، والأب الدكتور يوأنس لحظي جيد، والسكرتير الشخصي للبابا فرنسيس، والقاضي محمد محمود عبد السلام، المستشار السابق لشيخ الأزهر، ومحمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، والأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، الدكتور سلطان فيصل الرميثي، والكاتب والإعلامي الإماراتي ياسر حارب المهيري، وفق "وام".

الإمارات تعلن عن تشكيل لجنة لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها البابا فرنسيس وأحمد الطيب

وبهذه المناسبة، قال ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: إنّ إعلان تشكيل اللجنة يؤكد الحرص على تنفيذ رؤى مشتركة لبلورة المبادرات والأفكار الداعية إلى التسامح والتعاون والعيش المشترك، ووضعها موضع التنفيذ، مؤكّداً دعم دولة الإمارات العربية المتحدة الجهود والمساعي كافة الهادفة إلى تعزيز السلام ونشر مبادئ التعايش السلمي على مستوى العالم.

وتتولى اللجنة مهام وضع إطار عمل للمرحلة المقبلة، لضمان تحقيق أهداف الإعلان العالمي للأخوة الإنسانية، والعمل على إعداد الخطط والبرامج والمبادرات اللازمة لتفعيل بنود الوثيقة ومتابعة تنفيذها على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وعقد اللقاءات الدولية مع القادة والزعماء الدينيين ورؤساء المنظمات العالمية والشخصيات المعنية لرعاية ودعم ونشر الفكرة التي ولدت من أجلها هذه الوثيقة التاريخية، من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، وكذلك حثّ السلطات التشريعية على الاهتمام ببنود الوثيقة في التشريعات الوطنية من أجل أن تترسخ لدى الأجيال القادمة قيم الاحترام المتبادل والتعايش كأخوة في الإنسانية، إلى جانب الإشراف على بيت العائلة الإبراهيمية، ويمكن للجنة إضافة أعضاء جدد بالاتفاق بين أعضائها، وفق ما يحقق أهداف تشكيلها وغايات الوثيقة.

وكان كلّ من فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، قد قاما بزيارة تاريخية مشتركة إلى دولة الإمارات، في الفترة من 3 إلى 5 شباط (فبراير) 2019، ووقّعا معاً وثيقة "الأخوة الإنسانية ـــ إعلان أبوظبي" وأعلناها للعالم من العاصمة الإماراتية أبوظبي.

 

للمشاركة:



ما هي نقاط التشابه والاختلاف بين الإرهاب الأبيض و "القاعدة" و"داعش"؟

2019-08-20

ترجمة: علي نوار


لاحظ كثير من الأكاديميين المتخصصين في دراسة الإرهاب، قواسم مشتركة، بصورة تدعو للقلق بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض، الذي أسفر عن وجهه مؤخراً في مذبحة الباسو، بولاية تكساس الأمريكية.

يقول الخبير المرموق في هذا المجال الأكاديمي، ويل ماكانتس: "أوجه التشابه مذهلة إلى حدّ بعيد"، فضلاً عن أنّه تمكن ملاحظتها أكثر وأكثر في كلّ اعتداء جديد.

لاحظ كثير من المتخصصين بدراسة الإرهاب قواسم مشتركة بصورة تدعو للقلق بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض

ويتّفق الخبراء في أنّ وجود ملامح تشابه ليست من قبيل الصدفة؛ فإرهاب القوميين ذوي البشرة البيضاء يتتبّع المسار التصاعدي نفسه الذي مرّ به التيار الجهادي وتنظيم داعش قبل أعوام، الأمر الذي يسهم كثيراً في فهم أسباب وقوع هجمات الإرهاب القومي الأبيض وتكرارها وكثرة عدد ضحاياها.
ففي الحالتين؛ توجد أيديولوجيا كوارثية تتنبأ وتسعى لصدام بين الحضارات ستقضي على العالم، هناك أعمال عنف استعراضية وعشوائية بلا تمييز ستفضي نحو المعركة النهائية، والتي لا تكون نتيجتها غالباً سوى اهتمام لحظي بمنفّذ الحادث لعدة دقائق وشعوره بالسطوة.

فظائع ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي على المستوى العالمي
وهناك أشخاص ينخرطون في هذا النوع من الإرهاب بمحض إرادتهم؛ حيث يرتادون مواقع مختبئة في الجانب المظلم من شبكة الإنترنت؛ حيث يبحثون عن المحتوى الذي يحث على التطرّف من تلقاء أنفسهم، وبالنسبة إلى هؤلاء المجنّدين؛ فإنّ الأيديولوجيا التي يُروّج لها ليست سوى وسيلة للتعبير عن التيار الذي يؤمنون به، والذي يتمحور حول الكراهية والعنف.

اقرأ أيضاً: دولة جديدة تصنّف حزب الله منظمة إرهابية مثل داعش والقاعدة.. ما هي؟!
لكنّ الفوارق بين تنظيم داعش والقوميين ودعاة تفوّق العرق الأبيض، الذين يروّجون لفكرة أنّ الأشخاص ذوي البشرة البيضاء يجب أن تكون لهم الهيمنة السياسية والاقتصادية بشكل كامل، ما تزال كثيرة؛ فقد حاول زعماء تنظيم الجماعة الإرهابية توظيف حماسة أتباعها من أجل خلق حكومة ودولة ذات عمر قصير، بينما لا يحظى القوميون البيض بقيادة رسمية بالدرجة المطلوبة.
يقول جي إم بيرجر، مؤلّف كتاب "التطرّف"، وعضو مجموعة "فوكس-بول" للأبحاث: "أعتقد أنّ كثيرين ممّن يعملون على ملفات التطرف عبر الإنترنت، تنبّؤوا بحدوث هذا الوضع"، في إشارة إلى أوجه التشابه بين الحركات المتطرفة على اختلافها.

هناك أشخاص ينخرطون في صفوف الإرهاب بمحض إرادتهم حيث يرتادون مواقع مختبئة في الجانب المظلم من شبكة الإنترنت

وإذا نظرنا للوراء قليلاً، فيمكننا بسهولة رصد نقاط التشابه الواضحة.
أدّت الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي على المستوى العالمي، إلى ظهور متطرّفين ينظرون إلى المسلمين كافة على أنّهم العدو.
وأسهمت سلسلة من التغيّرات العالمية، خاصة تنامي دور شبكات التواصل الاجتماعي، في تسهيل سعي أيّة قضية إرهابية لا مركزية نحو ارتكاب أعمال عنف على أوسع نطاق ممكن، وبلا أدنى منطق.

ويوضح بيرجر: "من الناحية الهيكلية، لا أهمية إذا كان هؤلاء المتطرفون جهاديين أو قوميين بيض".

ومع تفشّي هذا العنف تتولّد دائرة مفرغة من التطرف اللانهائي تسفر عن اجتذاب مزيد من الأشخاص، ويبدأ الأمر في الوصول إلى درجة مرعبة؛ حيث يؤدّي كلّ هجوم إلى الترويج أكثر وأكثر للأصولية والأيدولوجية الكوارثية على الإنترنت، ما ينتج عنه بالتبعية مزيد من الاعتداءات.

ضباط أفغان مع أشخاص متهمين بالتخطيط لشن هجمات على قوات الأمن
ولعلّ الدروس المستفادة من تنظيم داعش تثير قدراً كبيراً من القلق، فيستحيل عملياً القضاء على مجموعة يحرّكها مثل هذا النوع من الأفكار، وتتغلغل في شبكات التواصل الاجتماعي بصورة لا مركزية، كما أنّه ليس من السهل على الإطلاق الوقاية من الهجمات حين تجعل أيديولوجية الشخص الذي يرتكبها أيّ هدف "جيداً"، وعندما لا يتطلّب الأمر مجهوداً كبيراً لتجنيد شخص ما، علاوة على أنّه من أجل توجيه الناس نحو شنّ هجمات لا يستلزم أحياناً سوى منتدى نقاش على شبكة الإنترنت.

اقرأ أيضاً: لماذا تحولت "القاعدة" إلى نمط الاندماج؟
وعاد بيرجر ليحذّر من أنّ التغيّرات العالمية التي أثرّت وسمحت بظهور داعش تسارعت وتيرتها، مثل انتشار الشبكات الاجتماعية، حيث قال: "حين تفتح مجالاً فسيحاً وجديداً للتواصل، يتحوّل على الفور إلى ناقل للعدوى".
أنماط جديدة من الإرهاب
لقد انبثقت العدمية الغالبة بصورة كبيرة على الإرهاب العالمي في الحقبة الحالية من المستنقع الطائفي بالعراق المحتل من قبل الولايات المتحدة.
استغلّ أبو مصعب الزرقاوي، حالة الفوضى الناجمة عن الغزو الأمريكي ليسقط القتلى في صفوف القوات المحتلة، والمسلمين العراقيين على حدّ سواء؛ ونشر وبثّ مقاطع فيديو للمذابح التي ارتكبها.
كان أبرز تنظيم إرهابي في تلك الفترة "القاعدة" قد قتل مدنيين، لكن بذريعة دينية، وبأهداف واضحة، على رأسها إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من الشرق الأوسط، إلّا أنّ الزرقاوي بدا أنّ لديه دوافع أخرى، خلافاً للأعمال الوحشية؛ حيث كان يبحث عن الشهرة وعن أيديولوجيا تتمحور حول نهاية العالم، لم يتمكّن مطلقاً من إعلائها.

مثلما فعل تنظيم داعش وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للمتطرّفين البيض يبثّون عبرها مقاطع الفيديو التي تخصّهم

وجّه تنظيم "القاعدة" في البداية انتقاداتها للزرقاوي؛ خشية أن يتسبّب في إبعاد المسلمين عن القضية، وأن يحدث نوعاً من تشتيت الأهداف التي كان التيار الجهادي يعمل في سبيلها وقتذاك.
لكنّ الأمر لم ينجح وتزايدت شعبية الزرقاوي بين المنخرطين في صفوف الجهاديين، ما دفع تنظيم القاعدة فيما بعد إلى منحه الحرية في شنّ حربه باسم التنظيم، وحين قُتل الرجل، وُلد التنظيم من جديد لكن باسم "داعش".

وقد تسبّب صعود ذلك التنظيم في نشأة منظور جديد فيما يخصّ الإرهاب، وهو ما يمنحنا خيطاً يمكن بواسطته التعرّف إلى العوامل المحدّدة لأهداف تيار القومية البيضاء، والذي يرتكب أفراده أعمال إرهابية، لا سيما أنّ الأخير تظهر عليه أفكار وممارسات الإرهاب الإسلاموي نفسها.
لا يولد أغلب الإرهابيين وبداخلهم الرغبة في القتل؛ بل يجري إعدادهم لذلك، نفّذت جماعات إرهابية أخرى هذا التأهيل عن طريق استغلال التطلّعات السياسية أو مشاعر الكراهية التي يكنّها أفرادها، إلّا أنّ الزرقاوي توصّل إلى طريقة يخرج بها الرغبة في القتل من البداية.

اقرأ أيضاً: هل أعاد تنظيم القاعدة بناء نفسه؟

فمع الغزو الأمريكي للعراق؛ انقلب العالم رأساً على عقب بالنسبة إلى كثير من الأشخاص في الشرق الأوسط، وبدلاً من العمل على إعادة الأمور لطبيعتها، صدّر الزرقاوي، ومن بعده تنظيم داعش، تفسيراً يقول: العالم يقترب من المعركة النهائية الكوارثية بين المسلمين والكفار.
وبهذه الحُجّة، برّر التنظيم هجمات لم يكن من الممكن تمريرها بطريقة أخرى، مثل قتل عشرات من المسلمين الآخرين الذين كانوا يرتادون مراكز تجارية، بداعي أنّ ذلك يسهم في تسريع وصول نهاية العالم، التي وردت في النبوءات القديمة.

ونظراً إلى أنّ التخطيط وتنفيذ هذه الهجمات كان أمراً يسيراً للغاية، فقد كان بوسع أيّ شخص القيام به، والشعور بالتالي بأنّه "جندي يخدم القضية".
بعبارة أخرى؛ ترسّخت أيديولوجيا يمكن بموجبها لأي شخص أن يقتل من أجل التنظيم، حتى لو لم يكن فرداً رسمياً فيه، وأنّ القتل هو الهدف الأهم، وبالتالي اكتسب العنف زخماً من تلقاء نفسه.

ويعتقد قطاع من الخبراء أنّ الشيء نفسه هو ما يحدث الآن مع عناصر الحركات القومية المتعصّبة التي تروّج لتفوّق العرق الأبيض والتي ظهرت على المستوى العالمي.

حرب عرقية عالمية النطاق
لقد شوهدت بوضوح هذه المكوّنات الفكرية وممارسات التجنيد ونشر الفكر الأصولي لدى تنظيم داعش، أثناء مرحلة صعوده، ويتكرّر الأمر بحذافيره تقريباً مع إرهاب تفوّق العرق الأبيض.
ووفق المؤمنين بهذه الأفكار؛ فإنّ العالم خرج عن مساره الصائب، ويتوجّه نحو حرب عرقية بين الأشخاص البيض والملوّنين.

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل تصدير الإرهاب وتعيد زراعة "القاعدة" في اليمن
فعلى سبيل المثال؛ توجد رواية فرنسية غريبة صدرت عام 1973، بعنوان "حقل القديسين"، للكاتب رونو كامو، والتي أضحت كتاب نبوءات بالنسبة إلى كثير من القوميين البيض، فالرواية تصف محاولة الأجانب من غير ذوي البشرة البيضاء السيطرة على الأوروبيين الذين يدافعون عن أنفسهم بحرب إبادة عرقية.
وقد دأب مرتكبو هجمات الباسو في الولايات المتحدة وكرايست تشيرش في نيوزلندا على التحذير، عبر منشورات يكتبونها، من هذه الحرب المقبلة، ولا يتوقّف الترديد بأنّ هذه الاعتداءات كانت بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من العنف العرقي كي تأتي المعركة الأخيرة في أقرب وقت.

تؤكّد الأستاذة في جامعة دبلن الإيرلندية، ماورا كونواي، الخبيرة في شؤون الإرهاب؛ أنّه من أجل نشر الأصولية يتطلّب الأمر ما هو أكثر من مجرّد مجتمع يتبنّى أفكاراً مماثلة؛ فالتحرّكات المناهضة للتغيّرات السكّانية والاجتماعية ليست بمستحدثة، لكن انتشار الشبكات الاجتماعية أسهم في وجود أشخاص من ذوي البشرة البيضاء في موضع المتلقّي للخطاب الأصولي الرافض لهذه التغيّرات.

ومثلما فعل تنظيم داعش الإرهابي، وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للمتطرّفين البيض يبثّون عبرها مقاطع الفيديو التي تخصّهم، والتي يظهِرون فيها أعمالهم، بنيّة أن يصبحوا من المشاهير وبطريقة يسير معها التغذّي على العنف بشكل متبادل.

الناس في حالة حداد بالقرب من متجر وول مارت حيث قتل 22 شخصاً
وفي كتابه "التطرّف"؛ الصادر عام 2015، يبرز بيرجر أنّ "تنظيم داعش كان أول جماعة تلجأ لهذه التكتيكات من أجل الانتشار عبر الشبكات الاجتماعية، لكنّه لن يكون الأخير".
ورغم أنّهما يبدوان كالماء والزيت، عالمان متناقضان ومعاديان، إلّا أنّ التحليل الفاحص للإرهاب العنصري الذي يمارسه دعاة تفوّق العرق الأبيض، والإرهاب الجهادي الذي يمارسه الإسلامويون الأصوليون، يظهر أنّهما يشتركان في جوانب عدة، تتجاوز مجرّد القتل العشوائي للمدنيين باسم الأفكار.
والناتج؛ أنّ أجهزة الأمن والخبراء يصبحون بصدد التهديدات نفسها، لا سيما مع ميل هذين القطبين نحو الأفكار الكوارثية وصدام الحضارات وفكرة التضحية بالنفس، والاستشهاد من أجل القضية، ودخول الفردوس، ودعوتهما لشنّ الهجمات العنيفة من أجل البقاء في المعركة الكبرى المقبلة.

اقرأ أيضاً: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب
لذلك؛ يتحدّث دعاة تفوّق العرق الأبيض عن "إبادة للبيض" أو "تغيير هائل" بدأ مطلع العقد الماضي، مثل رواية كامو الدستوبية، أو رواية الفرنسي أيضاً جان راسبيل، التي يصف فيها دمار الحضارة الغربية نتيجة وصول المهاجرين من العالم الفقير، وعلى الجانب الآخر؛ يتجاوز الهوس الجهادي فكرة تحرير الأراضي الإسلامية من سيطرة "الكفار"، وصولاً إلى استرداد الأمجاد الغابرة لحضارتهم.
ولعلّ الجزئية الأخطر في هذا الصدد؛ هو أنّ الجانبين يمتلكان ساحات معارك يصقلان فيها مهاراتهم وأساليبهم القتالية، فقد خاض الأصوليون الإسلامويون معارك دامية في أفغانستان خلال عقد الثمانينيات، ثمّ حروب البلقان خلال التسعينيات، قبل أن ينتقلوا لجبهات القتال في سوريا خلال الأعوام الماضية، على الناحية الأخرى؛ اشترك المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض في النزاع الأوكراني منذ بدايته، الذي التحق به 17 ألف مقاتل أجنبي، يحملون جنسيات 50 دولة، طبقاً للباحث كاسبر ريكافيك، بينهم الكثير من النازيين الجدد، وقد كشف منفّذ هجوم كرايست تشيرش؛ أنّه سبق له القتال في نيوزلندا، وهي الحالة نفسها لأربعة أفراد جرى تقديمهم للمحاكمة عقب مشاركتهم في مسيرة عنصرية بمدينة شارلوتسفيل في ولاية فرجينيا الأمريكية، عام 2017.

بيد أنّ الفارق الأبرز، ربما، بين الطرفين؛ هو الرؤية التي يُنظر بها إليهما من قبل قوات الأمن ووسائل الإعلام، فحينما يفجّر شاب مسلم نفسه يوصف على الفور بالإرهابي، ويُنسب إلى داعش أو القاعدة، أما عندما يرتكب شاب أبيض ومسيحي مذبحة، فيكون التأنّي هو سيّد الموقف ويوصف بأنّه مضّطرب أو تفاحة فاسدة.


المصادر:

مقارنة بين صعود الإرهاب الأبيض والإرهاب الأصولي، للصحفي ماكس فيشر، نُشر بالنسخة الإسبانية من جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية

رابط: https://nyti.ms/2yP2U2t

مقال في الموضوع نفسه للصحفي ريكاردو مير، نُشر بجريدة "البريوديكو" الإسبانية
رابط:
https://bit.ly/2H9Yckr

للمشاركة:

العراق في ظل الأحزاب الميليشياوية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

محمد واني

الدولة تقام وتبنى بالقوانين والدستور والنظام وبناء المؤسسات الوطنية ورعاية حقوق المواطنين والدفاع عن مصالحهم، ولا تبنى بترديد الشعارات الطائفية وتصدير التفاهات الفكرية العقيمة الى الاخرين وتجيش الجيوش ضد المعارضين والدعوة الى الثأر والانتقام واثارة عواطف البسطاء واشغالهم بالحوادث التاريخية الغابرة الاليمة واقامة مواكب العزاء والزيارات للقبور واضرحة الاولياء والائمة والبكاء واللطم وشق الجيوب واعداد الولائم والاطعمة في المناسبات الدينية المكلفة على حساب الدولة واستنفار الوزارات الخدمية والامنية طوال فترة تلك المناسبات الكثيرة التي تستمر طوال السنة، كما اعتادت الحكومات الشيعية التي تعاقبت على الحكم بعد 2003 القيام به، وكأن العراق تحول الى ملك خالص للطائفة بمجرد ان تولوا الحكم. نفس الفكر الخاطئ الذي اعتقده وعمل به النظام البعثي السابق الذي اعتبر ان العراق "موطن العرب والعروبة" والبوابة الشرقية للوطن العربي دون ان يحسب اي حساب للقوميات والاثنيات الاخرى التي يشكل منها العراق.

مازال زعماء الشيعة يتصرفون وكأنهم يمتلكون العراق ارضا وشعبا فعلا ويصدرون القرارات وفق هواهم المذهبي ويصرفون الاموال من خزينة الدولة على الاصدقاء والاشقاء الطائفيين في العالم والمنطقة كنظام بشار الاسد وغيره، وكذلك من اجل تشكيل الميليشيات والمجاميع المسلحة الشيعية لمواجهة اعداء الطائفة، والويل لمن غضب منه هؤلاء الزعماء الفاسدون الاشرار، ومس جانبا من قداستهم المزيفة، فهم يقطعون عنه الميزانية ويفرضون عليه الحصار ويحاربونه اعلاميا وسياسيا كالشعب الكردي!

رغم ان الدستور يقضي بالشراكة السياسية وادارة الحكومة بشكل جماعي، فانهم يحتكرون كافة المناصب المهمة لانفسهم بحجة ان الشيعة هم الاكثرية السكانية في البلاد، دون الاستناد الى بيانات احصائية دقيقة تدعم زعمهم هذا، لعدم القيام باجراء احصاء سكاني منذ 2003 ولغاية اليوم. وكل ما يقال حول الاكثرية والاقلية مجرد ظن ليس الا والظن لايغني من الحق شيئا.

اذن، الدولة الجديدة بنيت على اساس ومنطلق طائفي رغما عن انوف العراقيين وارادتهم، عليهم تقبله برحابة صدر والا فليشربوا من البحر او يضربوا رؤوسهم بالحائط بحسب ما قالته النائبة السابقة حنان الفتلاوي صاحبة نظرية "سبعة مقابل سبعة" المشهورة (تقول "من ينقتلون 7 شيعة، اريد ان ينقتلون مقابلهم 7 سنة") عندما تحدت السُنة بصراحة متناهية وقالت "انا شيعية وافتخر ونرفع رايات ’يا حسين‘ فوق المباني الحكومية رغمأ عن انوفكم وان لم تعجبكم اضربوا رؤسكم بالحائط؟!" هذا بالضبط ما يسعى اليه النظام القائم ويحاول تكريسه وترسيخه في العراق؛ فرض الارادة المذهبية بالقوة!

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف وفرض الامر الواقع على العراقيين، قام اقطاب النظام فور تسنهم مقاليد السلطة بالعمل على الهيمنة المطلقة على المؤسسات القضائية والمالية والنفط والتفرد التام في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتشكيل الميليشيات العقائدية لدعم ومساندة نفوذهم السياسي.

الحقيقة التي مازلنا نؤكد عليها في كل مرة هي ان هؤلاء لم يأتوا ليبنوا البلد أو يعمروه او يرفعوا من مستواه العلمي والاقتصادي والثقافي او ينشروا بين ربوعه الاستقرار والمحبة والفضيلة والعدالة باعتبارهم مسلمين يقودون احزابا اسلامية، بدليل ان العراق في ظل حكمهم اللا "اسلامي!" الفاشل، وصل الى الدرك الاسفل في كل المجالات وانعدم فيه الامن والاستقرار تماما وانتشر فيه الفساد حتى وصل الى اسفل قائمة اكثر دول العالم فسادا وخطورة على حياة الانسان بحسب تصنيفات منظمة الشفافية الدولية. هؤلاء لم يأتوا من اجل العراقيين، بل جاؤوا من اجل اثارة الفتنة بينهم باسم الطائفة والمذهب وينهبوا ثرواتهم! وهذا يحدث الان في العراق بالضبط.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

حسين البدوي

كشفت صحيفة "ذا إنفستيجيتيف جورنال - تي آي جيه" الاستقصائية البريطانية، في تقرير موثق لها عن نشاط الجماعات المتطرفة في فرنسا، أن جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من قطر والتي تم إدراجها جماعةً إرهابية من قبل مصر، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وروسيا، والإمارات العربية المتحدة؛ تمتلك صلات مالية وثيقة بالمجتمعات والجماعات الإسلامية الوطنية والإقليمية في فرنسا.

وتروج جماعة الإخوان المسلمين لتيار شديد الخطورة من الفكر المتطرف داخل أوروبا، حيث اخترقت كيانات غير هادفة للربح عن طريق تقديمهم الدعم النقدي، وأيضاً من خلال زرع قادة الجماعة داخل تلك المنظمات.

وإحدى هذه المنظمات المجلس الفرنسي للإيمان الإسلامي - (سي أف سي أم) والذي يعتبر منظمة قوية تخدم كمستشار رسمي للحكومة الفرنسية في إدارتها للإسلام داخل فرنسا، وطبقاً لأحد الخبراء، فإن الرئيس السابق للمجلس أنور كبيبيش كان له صلات وثيقة بالإخوان المسلمين قبل أن يتبوأ منصبه في الهيئة الإسلامية الفرنسية التي عملت بشكل قريب جداً من الحكومة الفرنسية بقيادة نيكولا ساركوزي وقتها.

وعبرت زينب الرحزاوي - مستشارة الرئيس الفرنسي ماكرون، والناجية من هجمة شارلي إبدو الإرهابية في يناير 2015 - عن إيمانها بأن تكتيك الإخوان المسلمين باستخدام المنظمات غير الحكومية كحصان طروادة للتأثير على الثقافة الفرنسية لا بد أن يتم التعامل معه بحزم. وقالت الرحزاوي: إن المنظمات الإسلامية العاملة في فرنسا تحتاج لرقابة خاصة فيما يتعلق بمصادرها المالية، ولكنهم حالياً يعملون كمنظمات غير حكومية، ويفلتون من أي رقابة عمّا يجري داخل هذه المنظمات.

عن "الرياض" السعودية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية