رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية
5814
عدد القراءات

2019-06-10

مفكر ومترجم ومحقق لبناني، رجل موسوعي، لا ينافسه في ذلك سوى قلة قليلة من الأسماء في المنطقة، إنّه رضوان السيد الذي جمع في النهل العلمي بين العلوم الدينية (درس في مؤسسة الأزهر الشريف) والعلوم الإنسانية (درس في ألمانيا)، وهذه ميزة قلّما يتمتع بها من يتخصصون في مجاله، باطلاعه ومتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة والمعاصرة من جهة، وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات، من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

في سياق تكريس ثقافة الاعتراف، اجتمعت ثلّة من الأسماء الفكرية والبحثية في المنطقة، ومن الخارج أيضاً، يتقدمها صديقه السيد ولد أباه وبرانون ويلر، لتنشر كتاباً ضخماً، احتفاءً بالرجل، جاء تحت عنوان: "الأمة والدولة والتاريخ والمصائر: دراسات مهداة إلى الأستاذ رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين"، حيث جاء المجلد الذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث ونشر منذ بضع سنين، في حوالي 900 صفحة.

يتميز رضوان السيد بمتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات

سبق لرضوان السيد أن اشتغل بالتدريس بجامعة صنعاء، وعكف على مدى عامين في الجامع الكبير بالمدينة العريقة على قراءة المخطوطات الكلامية والفقهية والتاريخية الزيدية، والكتابة عنها، ونشر بعضها في نشرات علمية، وقد بقيت "الهجرة اليمنية" في فكره وکتابته، كما نقرأ في الكتاب سالف الذكر، علامة بارزة في مجال العمل على التراث الديني والثقافي للأمة؛ حيث عرف الأشعرية والصوفية بالأزهر، وعرف المعتزلة لدى أستاذه جوزف فان إس بألمانيا؛ إذ هو أكبر المتخصصين المعاصرين فيهم. وتابع الاهتمام بالإمامية والإسماعيلية والزيدية لدى أستاذیه؛ مادلونغ وهالم، قبل الرحلة اليمنية وبعدها. وفي عُمان ازدادت معرفته بالإباضية بعد أن كان قد كتب في تجربتهم الأولى في مفاهيم الجماعات، وما يزال يتابع التأمل والعمل على تجاربهم الكلامية والسياسية والفقهية، وتأثيراتهم في التيارات والمذاهب الإسلامية الأخرى.

اشتهر بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية وبدعوته لصيانة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدينية
اشتهر السيد لدى الباحثين الشباب في المنطقة، من الذين يرغبون ويحلمون بالنشر في أهم المجلات الفكرية العربية، بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" الشهيرة، رفقة الفضل شلق، ابتداءً من العام 1988، والتي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها في غضون 2004، (ولعل ذلك بعض من تبعات اعتداءات 11 سبتمبر)؛ حيث سينصرف رضوان السيد، محملاً بتجربته الغنية مع مجلة "الاجتهاد"، للعمل مستشاراً للتحرير بمجلة "التسامح" التي ما تزال تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعُمان، وأصبح اسمها اليوم "التفاهم"، وتعتبر في طليعة المجلات الفكرية؛ العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقبل هذه التجربة، كان مشرفاً على مجلة "الفكر العربي"؛ حيث نقرأ له في هذا السياق، أنّه صار بالمصادفة رئيساً لتحرير المجلة العام 1979، لكن الأمر ما كان كذلك عندما قام عامداً بإصدار مجلة "الاجتهاد"، ففي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية من الجامعة اللبنانية، وكانت أعماله العلمية في مجال الفكر السياسي الإسلامي قد صنعت له اسماً في أوساط الدارسين.

اقرأ أيضاً: سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية
نذكر من أهم ملفات مجلة "الاجتهاد"، السبّاقة إلى الخوض فيها من منظور معرفي رصين: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الأخرى، حضارة الإسلام وحضارة العالم، الوعي والتاريخ في حضارة عالمية، والتاريخ العالمي والنظام العالمي، والأصولية الإسلامية وعودة الدين إلى المجال العام، حوار الحضارات وصراع الدول والأمم، الإسلام باعتباره مشكلة عالمية. بما يُفيد أننا إزاء حضور جليّ لرؤى شاملة في فكر السيد، ومن هنا جاءت أولى أعماله للظاهرة الإسلامية الحركية؛ حيث تبلورت هذه الرؤية واهتماماتها في كتابه الثاني عن الظاهرة والصادر في 1997، وسماه: "سياسيات الإسلام المعاصر".

اشتهر السيد بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" التي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها

يقول الباحث الموريتاني السيد ولد أباه، والذي على الأرجح، هو محرر مقدمة العمل سالف الذكر، والموقع باسم لائحة من الباحثين: "عرفنا نحن الطلاب الجامعيين العرب بمصر والمغرب والخليج الباحث والكاتب رضوان السيد أول ما عرفناه، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي من خلال مجلة الفكر العربي، التي صدرت عن معهد الإنماء العربي ببيروت، العام 1977، وتولى الشاب رضوان السيد القادم من الدراسة بألمانيا، رئاسة تحريرها منذ العام 1979. کانت مجلة الفكر العربي طليعة المجلات الفكرية العربية آنذاك، ومع أنّ الدكتور رضوان، ما رأس تحريرها إلا لخمس سنوات ونيّف؛ فإنّ الفرق بدا واضحاً فيما قبل وما بعد. ولا يزال الزملاء المعنيون يذكرون له تحويله المجلة إلى منتدى فكري ونقاشي بالغ العصرية والعمق في مجالات العلوم الإنسانية. فمنذ العدد رقم 18 وإلى العدد رقم 45، صار كل عدد من أعداد المجلة كتابة متخصصة في موضوع، يسهم فيه كبار الدارسين العرب والأوروبيين من: الجامعة الفكرة والدور، وإلى المدينة العربية والمدينة العالمية، والاستشراق والأنثروبولوجيا، والدولة والأسطورة، والفكر السياسي العالمي والتحولات، والعرب والعالم، والدين والدولة، ومصائر التجربة السياسية العربية الحديثة".

"سياسيات الإسلام المعاصر"
ومن أهم المناصب العلمية التي ظفر بها رضوان السيد: سكرتير تحرير مجلة الفكر الإسلامي، الصـادرة عن دار الفتوى بالجمهورية اللبنانية؛ رئيس تحرير مجلة الفكر العربي، مدير معهد الإنماء العربي بالوكالة، مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، مستشار مختص بقضايا العالم الإسلامي، لدى الصيب الأحمر الدولي، عضو المجلس الاستشاري لجائزة الشيخ زايد للكتاب، بأبو ظبي، في دولة الإمارات العربية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟
وللسيد العديد من المؤلفات والترجمات، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، 1984؛ مفاهيم الجماعات في الإسلام، 1985؛ الإسلام المعاصر، 1987؛ الجماعة والمجتمع والدولة، 1997؛ سياسات الإسلام المعاصر، 1997؛ ترجمة كتاب "بردة النبي" للكاتب الأمريكي روي متحدة؛ المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر، ومؤلفات أخرى عديدة، بالإضافة إلى ذلك فله مقالات سياسية وفكرية في عدة صحف.

للسيد العديد من المؤلفات والترجمات من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، ومفاهيم الجماعات في الإسلام

ومن بين الأعمال التي احتفت بفكر رضوان السيد، نقرأ على الخصوص كتاب "الجماعة وتحولاتها: التجربة السياسية العربية ــ الإسلامية في فكر رضوان السيد"، لشمس الدين الكيلاني، وصدر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر.
مما يُحسبُ لرضوان السيد، وهذه ميزة تؤكدها شهادات العديد من الباحثين المغاربة، أنّه من الذين يفتحون أبواب النشر في هذا المنبر أو ذاك، ولا يتكبر، متواضع مع الجميع، رغم علاقاته الوازنة مع صنّاع القرار، وخاصة في لبنان والسعودية، ولكن في مقام العلم، يحترم مقتضى أن تكون عالِماً: التواضع للجميع، وفتح أبواب الاستشارة للجميع، وهذه خاصية يمكن التأكد منها عملياً، أثناء الزيارات الكثيرة التي يقوم بها "مولانا"، كما يُلقب عند المفكرين والباحثين، للمغرب، على هامش مشاركته في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات.

اقرأ أيضاً: هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية
اشتهر رضوان السيد بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية، حتى إنّ أحد مقالاته الصادرة منذ بضع سنين عن الأسماء البحثية التي تحرر في مجال القراءات الحداثية للقرآن الكريم، وصدر حينها في صحيفة "الشرق الأوسط"، تسبب في إثارة نقاش عربي واسع؛ لأنّه انتقد بعض الانزلاقات التي طالت هذه القراءات، وخصّ بالذكر التيار البحثي الذي يقوده على الخصوص المفكر الجزائري محمد أركون.

المفكر الجزائري محمد أركون
أما نقده للإيديولوجيات الإسلامية الحركية، فتحصيل حاصل، خاصة تلك التي تسعى لإقامة "دولة الخلافة"؛ لأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين وصيانة الدولة الوطنية، ونقرأ له في هذا السياق: لا مفر من "العمل من جانب المثقفين وكلّ المفكرين على دعم مشروع الحكم الصالح والرشيد بغض النظر عن اسمه، لكي يشعر الناس بأنّ مصالحهم الأساسية مرعية، فينصرفون عن العنف وأوهام الدولة الدينية البديلة. هذا عمل حيوي جداً، لا يمكن لأي مثقف عربي أن يتخطّاه بقطع النظر عن عواطفه تجاه هذا الحزب أو غيره. فقيام حكم من هذا القبيل يمكن أن يحل نصف المشكلة"، موجهاً الدعوة بالمناسبة للاشتغال على نقد المفاهيم، وهذه "مهمة لا يقوم بها إلا المفكّرون الكبار الذين لم يقوموا بشيء خلال الخمسين سنة الماضية. الآن لدينا مفاهيم جديدة سواء في الإسلام أو في الاجتماع والسياسة وفي الدولة، وكلها مفاهيم قاتلة، مثل تطبيق الشريعة أو القول بأنّ الدولة ركن من أركان الدين، ومثل الجهاد في الداخل والخارج. أو الاعتقاد بأنّ الإصلاح الديني لا يتم إلا بالطريقة الأوروبية، وكذلك القول بأنّ الإسلام التقليدي هو المشكلة. وهذه المسائل تتراوح بين معالجة على يد إسلامي متطرّف، ومرة أخرى على يد علماني متطرّف أيضاً. فتحولات المفاهيم، هي التي أدّت إلى الانحراف بالدين وضيّعت الأمل في إمكانية قيام مجتمعات مطمئنة. لقد صار الدين عنصر انقسام وليس عنصر توحيد".

في ما يتعلق بشعار "الوسطية" الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف

بخصوص الجماعات الإسلامية الحاملة للسلاح اليوم، فيرى السيد أنّها "جماعات مأزومة لأنّها وليدة الأزمة الشاملة، وليس بإمكانها أن تنتظم سياسياً وفق مقتضيات الحكم الديمقراطي، وتقيم نظاماً مدنياً يعيش في عالم العصر وعصر العالم"، ولأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين، كما سلف الذكر، فغالباً ما يدعو صناع القرار الديني لتأهيل المؤسسات الدينية، معتبراً أنّه "شئنا أم أبينا، ليس لدينا اليوم سوى المؤسسات الدينية للقيام على الشأن الديني، بما يعنيه رعاية العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد. وهي مؤسسات ليست ناهضة، لكنها هي الحافظة بقية السكينة في الدين وفي المجتمع. كما أنّه لا يستطيع القيام بهذه المهام غيرها. يجب أن يقع عليها تصالح اجتماعي جديد، فتصبح بينها وبين السلطات مسافة. ليست ضدّ السلطات، ولكنها لا تعمل عندها. هي في خدمة المجتمع وخدمة دينه ومصالحه الدينية الحميمة. المؤسسات الدينية ضرورية باعتبارها من بين أدوات طمأنة المجتمع بأنّ دينه بعيد عن العنف، وأنّ هناك مهمات شرعية يجب القيام بها حتى لا يقال بأنّ الإسلام مهمل".

اقرأ أيضاً: خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
في ما يتعلق بشعار "الوسطية"، الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية، ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف، معتبراً أنّنا إزاء "صفة يطلقها حزبي على تنظيمه، وإنّما يجب أن يُقال أبناء الحركة الإحيائية"؛ حيث يُفرّق بين الحركات الإحيائية والحركات الإصلاحية والخيرية، وهو الذي نشر عدة دراسات عن الحركات الإحيائية التي ظهرت خلال العشرينيات والثلاثينيات في أنحاء متفرقة من العالمين؛ العربي والإسلامي، والتي حلّت محل الحركات الإصلاحية، التي كان من بين رموزها محمّد عبده والطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس. هذه الحركات كانت نهضوية تتخذ من الغرب والتحديث، مرجعية لها ودعمت ذلك بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، بخلاف السائد مع إسلاميي اليوم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

عبدالله بن بيه: علّامة أربكت آراؤه تيارات الإسلام السياسي

2020-01-12

في قلب الصحراء الشاسعة؛ حيث يبدو هذا الاتساع اللانهائي وهو يفض الاشتباك بين السماء والأرض، تشكلت شخصية العلامة بن بيّة، وكأنّ هذا المكان يفتح طريقاً نحو الفضاء الرحب، يسلكه العابرون بوحي التأمل لحال البشر، إلى حيث جوهر الموجود وسر الوجود.

أسهمت مكانة والده القاضي المحفوظ في توجيه اهتمامه إلى دراسة علوم اللغة العربيّة والشريعة الإسلاميّة

في "تمبدغة" بولاية الحوض الشرقي الموريتانيّة، ولد عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّة، في العام 1935، وقد أسهمت مكانة والده القاضي المحفوظ في توجيه اهتمامه إلى دراسة علوم اللغة العربيّة والشريعة الإسلاميّة، ويبدو أنّ خصوصيّة المكان شكّلت رافداً مهماً في تكوين شخصيته؛ حيث كانت هذه المدينة، وإلى الآن، عاصمة للتراث والفنون، يقصدها عشاق الطرب والغناء من كل الأنحاء، وهو ما ساعد على تكوين شخصيّة وسطيّة، محبة للحياة، تختبر الحكم الشرعي في أرض الواقع، وتستمد من احتياجات الإنسان دلالات تتسم بالمرونة، مع إدراك حركة النص وإشاراته المتجددة في كل زمان.
من أرض المرابطين، خرج ابن بيّة إلى تونس؛ حيث درس القانون الشرعي، وتخرّج بتفوّق، ليعود إلى بلاده؛ إذ تقلّد عدة مناصب بوزارة العدل الموريتانيّة، إلى أن أصبح وزيراً للشؤون الإسلاميّة، كما شغل عدة حقائب وزارية مثل: العدل والتشريع والمصادر البشرية والتوجيه الوطني والمنظمات الحزبيّة وغيرها.
كان من الطبيعي أن يزعج هذا الفصل بين الديني والسياسي أنصار الحركات الإسلامية

النهج المقاصدي ودلالاته
في دراسته للمذهب المالكي، انطلق عبد الله بن بيّة من أصول الاستنباط إلى النهج المقاصدي، بالاعتماد على النظر والاجتهاد، انطلاقاً من توسع الإمام مالك وأصحابه في باب القياس، فانطلقوا من القياس على الأحكام المنصوص عليها، ثم تجاوزوا ذلك إلى القياس على الفروع والمسائل المستنبطة، وهي الأرضية التي انطلق منها تفكير الشيخ، ليتجاوز مسألة تقديم الخبر على القياس، إلى فضاء الدلالة والتأويل، وأرضنة مقاصد النص وفق ارتهانات الواقع.

مع نجاح الإخوان باختراق رابطة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وكان بن بيّه نائبا للاتحاد، آثر الانسحاب بعد مصادمات عديدة

وعليه، كان الواقع نقطة ارتكاز عَبَر من خلالها فكر بن بيّة من حيز التنميط الضيق، إلى حيث المعرفة الواعية بالحاضر وإشكالياته، وهو الأمر الذي جعل من آرائه مطلباً للأقليات الإسلاميّة في الغرب، وقد كشفت فتاواه إبّان عضويته في المجمع الأوروبي للإفتاء النقاب عن مهارات ذهنية فائقة، ومعرفة غزيرة بالنص وملابساته، وكيفية تطبيقه على الأرض، ليصبح وفق جامعة "جورج تاون" في العام 2009، واحداً من أكثر 50 شخصية إسلاميّة تأثيراً.
أسهم هذا النهج المقاصدي في تكوين رؤية إنسانية أكثر انفتاحاً تجاه الآخر، ترتكز على التعايش في إطار من المحبة والسلام، ونبذ كل أشكال الكراهية داخل العائلة الإبراهيمية، بل وتجاوزها لتشمل أيضاً الديانات الوضعيّة، فكان عبد الله بن بيّة أول رجل دين يفوز بجائزة الحرية الدينيّة التي يمنحها متحف الصحافة والإعلام بواشنطن، في العام 2016.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تمنح جائزة سفير الحريات الدينية للشيخ عبدالله بن بيه
وفي نيسان (أبريل) 2019، منحت الجمعية العالمية للدفاع عن الحرية الدينية، التابعة للأمم المتحدة بجنيف، الجائزة الدولية لسفير الحريات الدينية للشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس منتدى تعزيز السلم، في إطار أعمال القمة العالمية الثانية حول الدين والسلام والأمن.
 مارس السياسة باسم المسؤولية والواجب الوطني وليس باسم الدين

الفقيه بين الديني والسياسي
مع استقلال موريتانيا في العام 1960، كان عبد الله بن بيّة من أبرز الشخصيات التي جرى الاعتماد على دورها السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال، وكان قبل تقلّده الحقائب الوزارية المتعددة، قد عُين مفوضاً سامياً للشؤون الدينيّة برئاسة الجمهورية، وكان أميناً لحزب الشعب الحاكم، وعضواً بمكتبه السياسي منذ العام 1970 إلى العام 1978، ومنذ اللحظة الأولى، فصل بن بيّة بين السياسي والديني، فمارس السلطة – كما يقول- انطلاقاً من الاشتراكية الاجتماعية، التي انتهجها الحزب، مؤكداً أنّه مارس السياسة باسم المسؤولية والواجب الوطني، وليس باسم الدين.

كان من الطبيعي أن تسبب آراء بن بيّة ارتباكاً لتيار الإسلام السياسي، ولأصحاب النزعة الأصولية التقليدية

كان من الطبيعي أن يزعج هذا الفصل بين الديني والسياسي أنصار الحركات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، والتي أولت منطقة غرب أفريقيا اهتماماً خاصاً منذ العام 1944، من خلال قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، وكان الإخوان قد نشطوا في موريتانيا، من خلال حركة الإصلاحيين الوسطيين، منذ منتصف السبعينيات .
ومع نجاح جماعة الإخوان في اختراق رابطة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وكان الشيخ نائباً للاتحاد، آثر الانسحاب بعد مصادمات عديدة، وفي ذلك يقول: " عندما رأيت أنّ هنالك أموراً انزلقت واندفعت في سبيل غير صحيح بالنسبة لي، تركتها علانية واستَقَلْتُ منها، وأقصد بذلك الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين". وقد صدق حدسه؛ حيث تحول الاتحاد فيما بعد إلى كيان موجه، يتم فيه تدجين الأيديولوجيا الإسلاموية، والترويج لها بإكسابها شرعية دينية.
والرجل يتبنى رؤية صريحة في ضرورة الفصل بين الديني والسياسي، يقول ابن بيّة: "لا يمكن لأي حركة سياسية إسلامية تلبس لباس التقوى التحدث باسم الدين، وتتكلم باسم السياسة، هذا أضر بالمنطقة العربية وأدّى إلى شروخ كثيرة وكثيرة".

اقرأ أيضاً: إيران وفلسطين: كيف تاجر الإسلام السياسي بالقضية؟
ويؤكد بن بيّه أنّ توظيف التراث في وقتنا الراهن أصبح من أخطر الأمور؛ لأنه توظيف يناقض السياق التاريخي، من أجل تحقيق أغراض شخصيّة أو أهداف سياسيّة، ويستشهد في ذلك بالشيخ تقي الدين بن تيمية، الذي أفتى بأشياء ثم رجع عنها وفقاً للأحداث، وتبدل الظروف.
كما يرى أنّ الحركات الإسلاموية  انطلاقاً من مركزية السياسي، "تجعل من العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق كلها لواحق لمقاصد سياسية، وهو أمر مذموم وقد يكون بهذا الاعتبار لمصطلح الإسلام السياسي مسؤوليته في مأزق الأمة".

في مواجهة سهام الكراهية

كان من الطبيعي أن تسبب آراء بن بيّة ارتباكاً لتيار الإسلام السياسي، ولأصحاب النزعة الأصولية التقليدية، والذين صوبوا إليه سهام النقد المحملة بالكراهية، لكنه واصل طريق الدعوة إلى السلم، من منطقه الخاص، ذلك أنّ تحقيق السلم، هو الضمان الذي يراه مقدمة أسياسية لتحقيق العدل.
في العام 2015، وقف عبد الله بن بيّة على منبر الأمم المتحدة، مخاطباً العالم، داعياً إلى مكافحة التطرف بكل السبل، ومحاولاً إظهار ما في الإسلام من سماحة ومحبة وقدرة على التعايش مع الجميع، لينفي تهمة الإرهاب عن الإسلام، انطلاقاً من رؤية فقهية ترتكز على تعزيز احتمالات السلم والتعايش بين الجميع.

اقرأ أيضاً: تركيا وقناع الإسلام السياسي في المنطقة العربية
وعلى الفور، انهالت الاتهامات، وكان أكثرها فجاجة ما قام به محمد الشنقيطي، أستاذ تاريخ الأديان بكلية قطر للدراسات الإسلامية، والذي استخدم خطاباً مسيئاً، اتهم فيه الشيخ بتشويه الإسلام، متهكماً بقوله: "المسلمون يتعرضون للإبادة كل يوم، والشيخ بن بيّة مشغول بإقناع العالم أنّ الإسلام لا يمارس الإبادة". هذا المنطق المعكوس الذي أثار حالة من الاستياء لم يكن مستغرباً، في ظل حالة التربص التي باتت تميز الكتلة الإسلاموية، وتمنحها مبرراً للحياة.

للمشاركة:

الشاعر بدر الدين الحامد: أنا في سكرَين من خمر وعين

2020-01-07

في سوريا، عندما يذكَر اسم الشاعر السوري، بدر الدين الحامد (1897- 1961)، تحضر في أذهان السوريين قصيدتان للشاعر؛ الأولى يمكن اعتبارها من أشهر القصائد الوطنية السورية، وهي "قصيدة الجلاء"، والتي كتبها الشاعر بمناسبة رحيل الاستعمار الفرنسي عن سوريا، في 17 نيسان (أبريل) 1946، والتي حفظها أغلب السوريين عن ظهر قلب، يقول الشاعر في مطلعها: "بـلَـغـتِ ثـأرَكِ لا بـغـيٌ ولا ذامُ/ يـا دارُ ثـغـرُكِ مـنـذ اليومِ بسَّامُ/ ولّـت مـصـيـبَـتُكِ الكبرى مُمَزّقةً/ وأقـلـعـتْ عـن حِمى مروانَ آلامُ/ لـقـد طـويتِ سجوفَ الدّهرِ صابرةً/ الـسّـيـفُ مـنـصلتٌ والظّلمُ قوّامُ/ عـلـى روابـيـكِ أنـفاسٌ مطهَّرةٌ/ وفـي مـحـانـيـكِ أشلاءٌ وأجسامُ/ هـذا الـتـرابُ دمٌ بـالـدّمعِ ممتزجٌ/ تـهـبُّ مـنـه عـلى الأجيالِ أنسامُ/ ...".
أما القصيدة الثانية، وهي ليست وطنية بل غزلية، فقد استمرت شهرتها وصداها إلى اليوم؛ لأنّ حنجرة الفنان السوري، صباح فخري، لم تتوقف عن ترديد كلماتها، والتي يقول الشاعر في مطلعها: "أنا في سكرَين من خمر وعين/ واحتراقٍ في لهيب الشفتين/ لا تزدني بل فازدني فتنة في الحاجبين/ يا حبيبي أقبل الليل فهيَّا للمدام/ وأرسل العود غنّينا تراتيل الغرام/ نفحتني بالأشواق منك أنفاس الهيام/ يا حبيبي إن تكن لي فعلى الدنيا السّلام...".
تخرَّج في "الكلية الصلاحية" بالقدس
ولدَ بدر الدين الحامد وعاش في مدينة حماة السورية. درس على يد والده العلوم الدينية واللغة العربية، ومن ثم أنهى مرحلتَي التعليم الابتدائية والثانوية، عام 1923، ثم تخرَّج في "الكلية الصلاحية" في مدينة القدس، كما تأثّر بدر الدين في بداية نشأته بمحيطه العائلي، ورغم أنّ عائلته كانت محافظة، لكنّ والده وأخواله وإخوته كانوا أدباء وعلماء؛ إذ إنّ أخاه، الشيخ محمد الحامد، كان من أبرز علماء الدين في بلاد الشام، كما أنّ الصحفي السياسي والناشر نجيب الريس (1898- 1952) هو أخوه من أمّه.

 الصحفي السياسي والناشر نجيب الريس
عندما غزا الاحتلال الفرنسي سوريا، عام 1920، كان بدر الدين الحامد في عزّ شبابه، وساهمت هذه المرحلة في تشكيل وعيه، وسيكون لها الأثر في كتابته للشعر، إضافة إلى انخراطه في مجال السياسة والشأن العام؛ إذ شارك بدر الدين في الحركات الوطنية في ذلك الوقت، وكتب قصائد شعر قومية وسياسية، وشارك في محاربة الاستعمار؛ إذ انضمّ إلى حزب "الكتلة الوطنية" الذي كان يتزعمه الزعيم السياسي (ورئيس الجمهورية السورية الأولى في وقت لاحق) شكري القوتلي (1891- 1967).

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
شارك بدر الدين الحامد في انتفاضة حماة، عام 1925، ضدّ الفرنسيين، وإثر ذلك جرى اعتقاله، وتمّ تعذيبه بشدة في السجن، وتحديداً بعد محاولته الفاشلة للهروب. وعندما خرج من السجن، كتب قصيدةً قال فيها: "نعم ولا فخر أقدمنا وليس لنا/ هوىً بغير ظلام السجن والصَفَدِ/ مالي وللذكريات السود أنبُشها/ الدهر يُنصِف والتاريخ في رشَدِ".
عاش في زمن الكبار
عاش جيل الشعراء والأدباء الذي ينتمي إليه بدر الدين حامد، في زمن حدثت فيه تحولات كثيرة في سوريا، وفي المنطقة العربية ككل، إنّها نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ فعندما نقرأ في أحد مجلدات "الموسوعة العربية" ]الجمهورية العربية السورية – هيئة الموسوعة العربية[ يجري الحديث عن تلك المرحلة كالآتي: "وقد أذكت حركة النضال ضدّ المستعمر كثيراً من الموضوعات التي كتب فيها الأدباء نصوصاً شعرية ونثرية، وكان للأحزاب والتكتلات قسطها في إثراء الحركة الأدبية من خلال تشجيعها الأدباء والاهتمام بالثقافة".

كما تشير الموسوعة إلى أبرز الشعراء والأدباء في تلك المرحلة، أمثال: فخري البارودي، وشفيق جبري، وميخائيل ويردي، وعبد الله يوركي حلاق، وعمر بهاء الدين الأميري، وعبد المعين الملوحي، وبديع حقّي، وسلامة عبيد، ومحمد البزم، ومحمد الفراتي، وخليل مردم بك، وبدر الدين الحامد، وبدوي الجبل، وماري عجمي، وأنور العطار، وعمر أبو ريشة، وخير الدين الزركلي، وسليم الزركلي، ووجيه البارودي، ومحمد عمران، ونزار قباني، وسليمان العيسى.
تحت مظلة الأدب العربي المعاصر
ولا شكّ في أنّ قيام الجمهورية العربية السورية في الثلث الثاني من القرن العشرين، ورحيل المستعمر بعد ذلك، قد أسهما في إذكاء حركة أدبية تتميز بشيء من الخصوصية، على أنّها تنضوي تحت مظلة الأدب العربي المعاصر".
صدر لبدر الدين الحامد ديوان "النواعير"، عام 1928، ورواية "ميسلون"؛ وهي عبارة عن مسرحية شعرية 1946، كما أنّ وزارة الثقافة السورية أصدرت لبدر الدين ديواناً ضخماً من جزأين، عام 1975، بعنوان "ديوان بدر الدين الحامد".

جيل الشعراء والأدباء الذي ينتمي إليه بدر الدين الحامد، عاصر تحولات كثيرة في سوريا، وفي المنطقة العربية

لكنّ مهمة البحث عن الشاعر بدر الدين الحامد في الفضاء الإلكتروني، وعبر محرك بحث "غوغل" تكاد تكون عبثية للغاية؛ إذ إنّ بدر الدين، أشبه بشاعر جرى نفيه بعيداً عن عمليات "الأرشفة" الإلكترونية، فالمهتم بمعرفة تفاصيل أكثر عن الشاعر، الذي كان لقبه آنذاك "شاعر العاصي" (نسبة إلى نهر العاصي في حماة)، تحاصره معلومات شحيحة تختصر بدر الدين الحامد بكونه الشاعر الوطني والقومي تارة، وتارة أخرى بالشاعر الغزلي، ويبدو أنّه ليس هناك حلّ سوى السفر إلى سوريا، والبحث عن "ديوان بدر الدين الحامد" الضخم، في أقبية وخزائن وزارة الثقافة السورية.
رسالة ماجستير عن الحامد
ضمن التعريف "الرسمي" عن بدر الدين الحامد في موقع ويكيبيديا، تتمّ الإشارة إلى رسالة ماجستير عن الشاعر، للباحثة صفاء حسني ناعسة، في جامعة الشارقة، عام 2008، إلا أنّ الرسالة غير متاحة في الفضاء الإلكتروني، ولم يذكَر عنوان الرسالة، أو أيّ شيء عنها سوى أنّها رسالة ماجستير.

اقرأ أيضاً: الشاعران مريد وتميم البرغوثي يحلّقان في فضاء المقاومة والحبّ
لكن في خضمّ البحث في الفضاء الإلكتروني، سيعثر المهتم ببدر الدين الحامد على دراسة، قد تكون الوحيدة المنصفة إلى حدٍّ ما لهذا الشاعر، وهي دراسة للشاعرة حباب بدوي (وهي من مدينة حماه أيضاً) بعنوان "أصدقاء في حياة الشاعر بدر الدين الحامد".

استهلّت حباب بدوي دراستها، في تقديم صورة عن المرحلة الزمنية التي شكّلت وعي بدر الدين الحامد، ومجايليه من شعراء وأدباء، فتقول: "غلبت على الأدب في مطلع القرن العشرين النزعة الكلاسيكية التي طمحت إلى مواكبة أساليب الشعراء القدماء، واتّخذت تجاربهم منطلقاً لها في مسيرتها الإبداعية، فجاءت قصائد الشعراء في هذه المرحلة، ومن بينهم الشاعر بدر الدين الحامد، تعبيراً صادقاً عن التزامه بهذا التوجه؛ حيث نجده "يحنّ إلى البداوة العربية.. ويقدّس لغتها وأبناءَها"، وغالباً ما يتجاوز ذلك ليضفي على قصائده مسحة فنية، تؤكّد علاقتها المتينة بجذورها، وصلتها التي يصعب قطعها عن ماضيها".
لكنّ أهمية دراسة حباب بدوي؛ أنّها تلتقط موضوعاً مغايراً في شعر بدر الدين للحديث عنه، بعيداً عن ثنائية "الشاعر النضالي/ الشاعر الغزلي"، وهو موضوع الصداقة في قصائد بدر الدين.
النبرة الخطابية للشعر النضالي
وتقول إنّ دراستها هي "محاولة لإلقاء الضوء على جانب من الجوانب التي بقيت مختبئة وراء النبرة الخطابية للشعر النضالي، مكتشفة الجانب الإنساني في شخصية بدر الدين الحامد، منطلقة من العلاقة الحميمة التي جمعت بينه وبين أصدقائه من شخصيات عصره".

اقرأ أيضاً: الحكم على شاعر إيراني بالسجن.. هذه تهمته
وتضيف بدوي: "هي محاولة استقراء معاني الصداقة ومدلولاتها في قصائده التي كتبها في أصدقائه أولاً، وفي قصائد أصدقائه التي كُتبت فيه ثانياً، مبينة تباين المستويات التي تعامل الشعراء من خلالها مع مفهوم الصديق، متأثرين بطبيعة العلاقة الذاتية من جهة، وبطبيعة أساليب البناء الفني للقصيدة من جهة أخرى".

شارك الحامد في انتفاضة حماة، عام 1925، ضدّ الفرنسيين، وإثر ذلك جرى اعتقاله، وتمّ تعذيبه بشدة في السجن

نذكر هنا، على سبيل المثال، تحليل حباب بدوي لرثاء بدر الدين الحامد لأخيه نجيب الريس، في قصيدته "في ذكرى نجيب الريس"، التي يقول في مطلعها: "مرّ بي بعدك عامان ولم/ تنفض الأيام ما بي من ألم/ إن يقولوا يخمد الحزن على/ قدم الدهر فحزني في ضرم" لتعلّق بدوي هنا: "تمتدّ القصيدة على مدى ثلاثة وأربعين بيتاً يعتمد الشاعر فيها قافية الميم الساكنة، التي تبدو في تكرارها المنتظم كأنّها صرخة ألم ترفض أيّة حقيقة تؤكد افتراق الشاعر عن صديقه وأخيه، نجيب الريس، الذي شاركه مواقف مهمّة في حياته، ورافقه في مراحل النضال في عهد الانتداب، فنراه يؤكّد منذ مطلع قصيدته أنّ الزمن لم يكن قادراً على أن يمحو ما اعترى روحه المثقلة بأحزانها من أسى بعد فقده أخيه؛ بل زاده اشتعالاً وتوقداً".
تستشهد حباب بدوي بقصائد عديدة، رثى أو احتفى فيها بدر الدين بأصدقائه وبشخصيات نضالية كثيرة عاصرها، مثل: عثمان الحوراني، وسعيد العاص، وصالح قنباز، إضافة إلى صداقته بالشاعر أحمد الجندي وسامي السراج وسعيد الجابي".

اقرأ أيضاً: "الميكروفون القاتل" ينهي حياة شاعر مغربي أثناء فعالية ثقافية
ففي قصيدته "في رثاء الرئيس هاشم الأتاسي" يقول: "ذكرتكم يا أخلائي فأسلمني/ إلى دموعي إعلان وإسرار/ تركتموني ومالي بعدكم أمل/ يرجى وإني على الحالين صبار/ قضيتم يا رفاق النبل فاحترقت/ روحي بنار الأسى والحزن أطوار"، وتعلّق بدوي على هذه الأبيات بقولها: إنّ بدر الدين الحامد في هذه القصيدة "يستذكر كثرة من رثى من أصدقائه، حتّى أنّ الدهر لا يكاد يبقي له على أحد سوى الذكرى التي تواسيه، وتحمل عنه شيئاً من المرارة التي لحقت به على دروب الحياة".
ورغم أنّ اسم بدر الدين الحامد ما يزال حاضراً في سوريا، وعبر فعالياتها الثقافية؛ إذ إنّ دورة مهرجان حماه للإبداع الشعري، لعام 2017، حملت اسمه، إلا أنّ وزارة الثقافة لم تعد طباعة أعماله أو ديوانه الضخم، المؤلَّف من جزأين، الذي أصدرته عام 1975، وهذا بحسب محرك البحث "غوغل".

للمشاركة:



انتهاكات إيرانية جديدة في القطاع النووي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أعلنت هيئة الطاقة النووية الإيرانية؛ أنّها الآن في وضع يسمح لها بتخصيب اليورانيوم إلى درجة لا حدود لها.

وقال نائب رئيس الهيئة، علي أصغر زاريان، أمس: إن ّ الهيئة ستقوم بتخصيب اليورانيوم بلا حدود، إذا أعطت القيادة السياسية الضوء الأخضر لذلك"، وفق ما نقلت الوكالة الألمانية عن وكالة "إيرنا" الإيرانية.

وأضافت الوكالة: "الهيئة تنتج حالياً جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي تسرع عملية التخصيب بصورة هائلة، وتقوم منذ فترة باختبار أجهزة الطرد المركزي".

هيئة الطاقة النووية الإيرانية تعلن أنّها مستعدة لتخصيب اليورانيوم إلى درجة لا حدود لها

وكانت إيران قد قررت، تخصيب اليورانيوم بلا قيود، في خامس خطوات تخفيض التزاماتها، المنصوص عليها ضمن الاتفاق النووي المبرم مع قوى عالمية عام 2015.

وقالت حكومة الرئيس حسن روحاني، في بيان: "هذه الخطوة هي آخر خطوات تخفيض الالتزامات النووية، التي بدأتها طهران في أيار (مايو) الماضي، ولن نضع قيوداً على عمليات تخصيب اليورانيوم بعد الآن".

وذكر البيان الذي أوردته وكالة "تسنيم"؛ أنّ الخطوة الخامسة تنهي أيضاً القيود التي فرضها الاتفاق النووي على مستوى الاحتفاظ بالمواد النووية المخصبة، وكذلك البحث والتطوير نووياً.

ولفت البيان إلى أنّ هذه الخطوة بمثابة مفتاح للقيود التشغيلية المفروضة في الاتفاق النووي الإيراني، الموقَّع قبل 4 أعوام، وذلك بدعوى الردّ على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وإعادة فرضها عقوبات على طهران، في أيار (مايو) ٢٠١٨.

كما رأى البيان؛ أنّ إيران مستعدة للتراجع عن خفض التزاماتها النووية في حال رفعت واشنطن العقوبات المفروضة عليها منذ العام الماضي.

هيئة الطاقة النووية تنتج حالياً جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي لتسريع عملية التخصيب

ويلزم الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة دول "5+1" في العاصمة النمساوية فيينا، الموقّع في حزيران (يونيو) عام 2015، طهران بتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب المستخدم في صنع وقود المفاعلات النووية وأسلحة الدمار الشامل، في غضون مدة تصل لنحو 15 عاماً، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي لديها لـ ١٠ أعوام.

ودخل النظام الإيراني مرحلة جديدة من الانتهاكات النووية، في أيار (مايو) 2019، بدعوى مرور عام على انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق النووي المثير للجدل.

ولم يصدر أيّ تعليق عن الدولة الأوروبية، المتشبثة بالاتفاق النووي مع إيران، على اانتهاكها كلّ يوم لبنود ذلك الاتفاق.

 

 

 

 

 

للمشاركة:

هل نجح الصدر في اختراق الحراك العراقي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أثار قرار الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، بسحب أنصاره من مظاهرات العراق الكثير من ردود فعل الغاضبة من قبل المحتجين؛ حيث هاجمت اللجنة التنسيقية للتظاهرات في العراق، أمس، موقف الصدر بسحب انصاره من ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات ووصفته "بالخزي والخيانة".

وذكر بيان للجنة المركزية العليا لتنسيقيات احتجاجات العراق؛ أنّ "مقتدى يغدر بالأحرار"، مضيفاً: "لم نخرج بفتوى دينية، ولم نخرج بتغريدة صدرية، فلا يراهن مقتدى وأنصاره على نفاد صبرنا ونهاية ثورتنا"، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

متظاهرون يهاجمون الصدر بسبب سحب أنصاره من ساحات التظاهر ويصفوه "بالخزي والخيانة"

وجاء في البيان: "نحن باقون في الساحات حتى تحقيق أهداف الثورة، ولن نخذل دماء الشهداء، ولن يكونوا ورقة على طاولة المتاجرة السياسة كما فعل الصدر"، وجاء فيه أيضاً: "ما فعله هو خزي وخيانة للثوار وسيكون ثمنه رئاسة الحكومة القادمة، كما وعدته إيران".

من جانبهم، توقّع نشطاء في الحراك الشعبي في السابق أن يتراجع مقتدى الصدر عن مواقفه، التي ادعى فيها دعمه للمحتجين؛ حيث ظهر أنّ تلك الدعوات محاولة لاختراق الحراك من الداخل ما يصبّ في النهاية في مصلحة ايران.

والتقى الصدر في الفترة الأخيرة بقيادات إيرانية عديدة، في مؤشر واضح إلى وجود تقارب بين التيار الصدري والسلطات الإيرانية التي تدعم طبقة سياسية متهمة بالفساد.

نشطاء توقعوا بأن يتراجع الصدر عن مواقفه الداعمة للمحتجين مؤكدين أنّه حاول اختراق الحراك لمصلحة ايران

وكان الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، قد أعطى الأوامر لأنصاره بمغادرة ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات؛ مما سهل على القوات العراقية اقتحام ساحات التظاهر وإحراق خيم الاعتصام، وتفريق المتظاهرين واعتقال عدد منهم.

وقد نزل الآلاف من أنصار التيار الصدري في مسيرة في بغداد، الأول من أمس، للضغط من أجل إخراج القوات الأمريكية من العراق، وسط دعم من الميليشيات الموالية لإيران، في وقت هتف فيه المحتجون ضدّ الصدر، على خلفية تقربه مؤخراً من تلك الفصائل وعدم انتقاده للتدخلات الإيرانية.

 

 

للمشاركة:

وثائق سرية تكشف علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في ليبيا.. هذا ما ورد فيها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشفت وثائق استخباراتية جديدة، نشرها موقع "نورديك مونيتور" السويدي، وجود علاقة أنقرة بتنظيم القاعدة الإرهابي.

وأوضحت الوثائق السرية، مشاركة مجموعة بن علي الجهادية، بقيادة الليبي المتشدد المقرّب من تنظيم القاعدة، عبد العظيم علي موسى بن علي، في نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، حسبما نقلت صحيفة "العرب" اللندنية.

وعمل قائد مجموعة بن علي مع فداء المجذوب، الذي كان على اتصال مع مستشاري أردوغان السابقين، إبراهيم كالين (المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الآن)، وسفر طوران (كبير المستشارين الرئاسيين الآن)، أثناء تنظيم سفر المقاتلين الأجانب وتزويدهم بالأسلحة.

وكان مدير موقع "نورديك مونيتور"، عبد الله بوزكورت، قد تحدث، في نيسان (أبريل) الماضي، خلال جلسة عقدها البرلمان الهولندي في لاهاي، عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش في سوريا والعراق وعدد من دول البحر المتوسط، من خلال تزويدها بالأسلحة والأموال، وتقديم الدعم اللوجستي لها.

وقال بوزكورت: "أردوغان اتبع سياسة خبيثة تقوم على التحذير من التهديد الإرهابي، حيث استخدم المخاوف كورقة ضغط ومساومة في أيّة مفاوضات دولية عن أنقرة وحلفائها وشركائها"، وتابع: "سيكتشف أولئك الذين يتابعون العمليات الإرهابية الكبرى التي يشنها تنظيم داعش في أوروبا وآسيا؛ أنّ معظم المهاجمين والمفجرين الانتحاريين قضوا بعض الوقت في تركيا".

تقرير استخباراتي جديد يكشف علاقة تركيا ببعض القيادات الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة

وبحسب ما جاء في التقرير، الذي نشره "نورديك مونيتور"، بتاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2020، تولّت مجموعة بن علي استقبال المقاتلين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى مقاطعة هاتاي التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، والاتصال بعائلاتهم إن لزم الأمر.

كما تضمن تقرير الشرطة وثائق سرية من جهاز المخابرات الوطني التركي، فيها معلومات عن علاقات تنظيم القاعدة في ليبيا بتركيا، والتي ترجع إلى تموز (يوليو) 2012.

ووفق التقرير؛ كان بن علي يعمل بمساعدة جهادي ليبي آخر يدعى المهدي الحاراتي.

 ويذكر أنّ الحاراتي كان من بين المتطوعين الذين كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية تركية، كانت متوجهة إلى غزة قبل أن تتعرض إلى هجوم إسرائيلي، عام 2010. ونُقل إلى أحد المستشفيات التركية، وقد زاره أردوغان، وتوثّق صورة متداولة على شبكة الإنترنت هذا اللقاء، ويظهر فيها الحاراتي وهو يقبّل جبهة أردوغان.

بحسب التقرير، كان بن علي يعمل مع فداء المجذوب الذي تعاون مع عدد من مساعدي أردوغان، لتنسيق أنشطته غير القانونية مع حسين أوروك، الذي يترأس مجموعة خيرية تركية مثيرة للجدل (هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات)، ومنسق عمليات شرق الأناضول وجنوبه التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات صلاح الدين أوزر، وقائد الجيش السوري الحر، مالك الكردي.

وتُعرف هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات كأداة يوظفها جهاز المخابرات التركي، وساهمت الهيئة في نقل مقاتلي الدولة الإسلامية والقاعدة المصابين بسيارات إسعاف من سوريا إلى تركيا.

بوزكورت تحدث عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في سوريا والعراق وليبيا

ويذكر التقرير؛ أنّ روسيا قدمت تقريراً استخباراتياً يؤكّد ضلوع تركيا في دعم الجهاديين، إلى الأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني (فبراير) 2016، هذا إضافة إلى سرد العديد من الحوادث التي توضح كيفية تورط جهاز المخابرات الوطني التركي مع الجماعات الجهادية، وتولّى التقرير الروسي تفصيل أنشطة الحاراتي غير القانونية التي تمكن من تحقيقها بمساعدة جهاز المخابرات.

وجاء في التقرير: "في آذار (مارس) 2014، عمل رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، هاكان فيدان، على تنسيق نقل وحدة كبيرة تابعة لتنظيم داعش بقيادة الحاراتي، وهو مواطن ليبي، وجرى نقل المقاتلين من ليبيا إلى سوريا بحراً عبر المعبر الواقع على الحدود التركية السورية".

وأشار تقرير سابق نشره موقع "نورديك مونيتور"، عن علاقات تركيا بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى اجتماع قيادتها مع قادة الجيش السوري الحر في إسطنبول، وعلى الحدود التركية السورية، عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:



تركيا تُحوّل عفرين إلى ساحة للجريمة المُنظّمة والتطهير العرقي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

جنكيز أكتار

حلّت قبل أيام الذكرى الثانية لبدء احتلال عفرين. هذه المنطقة التي يعيش فيها شعب لم يُلحق أي ضرر بتركيا منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية عام 2011، لكنّها تعرّضت للعدوان من قبل تركيا نفسها.
إن الأنباء التي استطاعت أن تتسرب من المنطقة الخاضعة لتعتيم إخباري أنباء مخزية؛ فوفقًا للمعلومات التي يجمعها باستمرار المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره لندن، تحولت عفرين الخاضعة لسيطرة تركيا إلى ساحة للجريمة المنظمة.
وعلى حين كان تعداد السكان الأكراد في المنطقة التي يعيشون فيها منذ تاريخ طويل 92 في المئة قبل الاحتلال، فقد أصبح اليوم 18 في المائة. صارت جرائم الغصب والسلب والنهب وطلب الفدية والابتزاز والاغتصاب والدعارة والضرب والقتل والدمار البيئي جزءًا من الحياة اليومية.
التطهير العرقي وإعادة تشكيل الديموغرافية السكانية والإبادة الجماعية الثقافية كلها تتنامى معًا، وبأقصى سرعة. وقد نشر بيان حول هذه الأوضاع المخزية الراهنة من قبل مركز معلومات روجافا.
بالطريقة نفسها، دعونا نختار بعض المعلومات الواردة في دراسة بعنوان "عفرين تحت السيطرة التركية: التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، نشرها في يوليو الماضي الباحث العربي السوري خير الله الحلو من جامعة فلورنسا الأوروبية. الأقسام الأربعة الرئيسية في هذه الدراسة كما يلي: "إنشاء نظام عسكري وأمني جديد"، و"إنشاء مؤسسات حكومية محلية جديدة وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة"، و"التحول الديموغرافي"، و"تحول النظام الاقتصادي".
يصف الباحث الأعمال غير القانونية التي ذكرناها أعلاه بأنها "فوضى منضبطة". أي إن كل هذه الإجراءات، التي تُعتبر جريمة كاملة في أية دولة طبيعية، صارت شرعية في ظل عملية "غصن الزيتون" التركية، وأصبحت الوضع الطبيعي الجديد في عفرين.
دعونا ننظر إلى المؤسسات التي أرادت تركيا إقامتها بدلًا من الموجودة، وذلك من خلال تدميرها النظم العسكرية والأمنية القائمة: "قوة المهمات السورية"، وهي القوة التركية الأمنية الرئيسة التي تتكون من 12 وحدة في عفرين، وتُعرف محليًا باسم "القوات الخاصة التركية". غير أن هؤلاء الجنود مرتبطون بوحدات الأمن في أنقرة وأنطاكيا وعنتاب وكيليس وأضنة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك وحدة القوات الخاصة السورية، والمعروفة باسم "الكوماندوز السوري"، والتابعة للاستخبارات العامة التركية، وتتألف من السكان المحليين. المهمة الرئيسة لكل هؤلاء الكوماندوز هي ملاحقة الأكراد ومضايقتهم. وبالإضافة إلى وحدات الكوماندوز، هناك جهاديون من الجيش السوري الوطني، يفترض أن يكون عددهم 15000. وخلال الأسبوعين اللذين أعقبا 23 مارس 2018، حيث تم احتلال المنطقة، تمنح تركيا اللصوص الحقَّ في نهب عفرين. وإلى جانب هذا الوجود العسكري هناك قوة شرطية تم تدريبها في تركيا، إلا أنه من غير الواضح كم يبلغ عددها.
ويبين الباحث أن الوضع في عفرين، على عكس ما هو موجود في المناطق السورية الأخرى الخاضعة للاحتلال التركي؛ حيث أن جميع الوحدات العسكرية والأمنية تقريبا تتألف من أشخاص ليسوا من عفرين، ولذلك بات التحكم فيهم والسيطرة عليهم أسهل. بينما الانتماء المحلي في المناطق الأخرى يمنع هذا التحكم الكامل.
أما بالنسبة لإنشاء مؤسسات جديدة للحكم المحلي وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة، فإن عفرين ترتبط مباشرة بولاية أنطاكيا (هطاي)، والمسؤولون الأتراك في المحافظة هم الرؤساء الأساسيون للمجالس المحلية التي أنشئت هناك بعد الاحتلال. وعلى الرغم من أن المجالس المحلية تابعة للحكومة السورية المؤقتة، إلا أن أنقرة منعت تمثيل هذه الحكومة في عفرين، وفقًا لتعليمات روسيا.
توجد في المجالس المحلية مجموعة من الشخصيات المحلية، لم يُسمَعَ بأسمائها قط سابقًا، تتلقى التعليمات والأوامر من ممثلي تركيا تمامًا. لكن الأغلبية الساحقة في حكومة عفرين تتمثل في المدنيين والجنود الذين جُلبوا من خارج عفرين.
إن المنطقة التي قُصقص جناحاها اقتصاديًا بسبب احتلالها ونهبها يتم إبقاؤها على قيد الحياة عن طريق الموارد المنقولة من تركيا. وتعتبر "جمعية إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد" و"وقف المساعدات الإنسانية، والهلال الأحمر التركي، وجمعية أطباء عبر القارات من أجل الحياة العناصر الرئيسية لنظام المساعدات. إضافة إلى ذلك، من الضروري الإشارة لعدد قليل من منظمات المجتمع المدني السورية مثل "الأمين" التابعة مباشرة للإخوان المسلمين. منظمات المجتمع المدني هذه، التي تنشط أكثر في مجال الصحة والتعليم، هي أعضاء في نظام الصحة والتعليم الموجود على أنطاكيا.
ومن الناحية الإدارية، توفر أنقرة هنا المناهج التركية وشبكة الكهرباء والبريد والبرق وبنك الزراعة وجميع الخدمات التي يمكن تصورها كما هو الحال في مناطق الاحتلال الأخرى.
أما ما يجب مراعاته بشأن الهندسة الديموغرافية هو أن عفرين أراض كردية منذ زمن طويل جدًا، على عكس كذبة أنقرة بأنها "محتلة من قبل الأكراد". الاسم الآخر لعفرين هو "جبل الكرد" منذ عصور قديمة.
بالإضافة إلى القبائل الكردية الخمس الرئيسة في المنطقة، كان يعيش فيها غالبية السكان اليزيدين، والأكراد العلويون، والأرمن والسريانيون. أما الأقلية العربية فتتكون من عشائر بوبان والحميرات. هذه العشائر الرحل، التي جاءت هذه المنطقة الخصبة في وقت من الأوقات واشتغلت بتربية الحيوانات، تتحدث لغتين، ومتوافقة تمامًا مع الأكراد.
إدارة الاحتلال، التي تقضي على الأكراد والعناصر السكانية الأخرى في عفرين بإجراءات متنوعة، توطن مكانهم العائلات التي فرت من الغوطة الشرقية والعائلات الفارة من غيرها من المناطق التي خرجت عن سيطرة الجهاديين، وكذلك التركمان الذين لم يعيشوا في عفرين قط. وقد كان عدد هؤلاء 88000 لغاية شهر مايو الماضي.
اليوم، يقدر عدد من اضطروا للهرب من عفرين بـِ 300000 شخص، وبقي هناك نحو 50.000 كردي فقط، ومعظمهم من كبار السن. كما قامت إدارة الاحتلال بحظر بطاقات الهوية الممنوحة لهؤلاء السوريين الذين جُلبوا من خارج المنطقة، وذلك من قبل المجالس المحلية حتى مايو 2019، والتي كانت تُسجل فيها الأماكن التي أتوا منها. الهدف واضح، إنه البقاء الدائم في عفرين!
وعلى حين كان خمسة وسبعون في المائة من سكان عفرين يشتغلون بزراعة الزيتون بشكل كبير من الناحية الاقتصادية منذ القدم، تراجع هذا النشاط بدرجة كبيرة نتيجة الاحتلال. وقد وردت أخبار في الصحف الدولية بأن شركات تركية باعت في الأسواق الأوروبية عام 2018، بحوالي 70 مليون يورو من زيت الزيتون المسروق من عفرين. ولا شك أن هذه البضاعة الرابحة لا تزال مستمرة هذا العام أيضًا.
لقد ظهر تجار ووسطاء جدد في صناعة زيت الزيتون؛ السمة المشتركة بينهم هي الانتهازية والتعاون مع قوات الاحتلال. والبنية التحتية الصناعية المحدودة لعفرين، والتي تضررت في الحرب، قد أغرقت بالمنتجات المتدفقة من تركيا، تماما كما هو الحال في شمال قبرص.
بالطبع، يجب أن يُضاف إلى هذه التبعية الاقتصادية قطاع الإنشاءات أيضًا، المجال الوحيد الذي تعرفه أنقرة جيدًا؛ فأعمال رئاسة إدارة الإسكان الاجتماعي التركية تتقدم بسرعة هناك كي يتم توطين عشرات الآلاف من العرب والتركمان الذين ينتقلون إلى المنطقة.
خلاصة القول، توجد في عفرين أيضًا نفس الممارسات الاستعمارية التي في مناطق الاحتلال الأخرى. تركيا تمارس سياسة المستعمرات عيانًا بيانًا على المناطق المحتلة، وتسير دون فتور ولا توانٍ في الطريق الذي تحفظه وسبق أن رسمته. وخلافًا للمستعمرات تجهز البنية التحتية في تلك المناطق ليتم ضمها إلى تركيا عبر تتريكها، وإقامة جدار بين عفرين وباقي سورية بقدر المستطاع. ويحظى هذا المخطط بدعم كامل من الخارج، أما من الداخل فلا أحد يهتم بذلك.

منذ أيام أيضا كانت الذكرى الثالثة عشرة لمقتل هرانت دينك. ولم تتحقق العدالة بعد، لقد تأخرت. كانت دعوة هذا العام هي "لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل".
دعونا نكرر الدعوة للخالق إزاء كل الوحشية والاضطهاد الذي تمارسه حكومة أنقرة في عفرين. ودعونا لا ننسى أنه إذا كانت دوامة العنف الدفين التي عصفت مع قتل هرانت تستطيع أن تلف البلاد وجيرانها اليوم بهذه السهولة؛ فذلك لأن جذورها تمتد إلى اقتلاع شعب هرانت من تلك الأرض. أجل، لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل!

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

يقظة أمنية ووعي شعبي.. فشل دعوات الإخوان للفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

رشا عمار

فشلت آلة التخريب الإخوانية في مصر في تحقيق مآربها بنشر دعاوى الفوضى والتخريب في ربوع البلاد، بفضل يقظة الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وعلى مدار ست سنوات لم تتوقف خلالها محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي. 

وبالتزامن مع ذكرى أحداث الخامس والعشرين من يناير، سعت الجماعة الإرهابية بكل قوة لاستعادة أجواء الفوضى لخدمة مصالحها والضغط على المصريين، أملا في العودة.

ويقول مصدر أمني مصري إن بلاده رصدت تحركات لعناصر إخوانية موجودة بالخارج تحاول تقويض حالة الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"العين الإخبارية"، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الجماعة حاولت خلال الفترة الماضية تغيير مخططاتها، بالاعتماد على تسييس المطالب الاقتصادية لبعض الفئات، وتحويلها إلى أزمات من خلال نشر الشائعات وقلب الحقائق باستخدام عشرات اللجان من عناصر "الذباب الإلكتروني".

وتابع المصدر أن الجماعة دشنت صفحات عدة لاستقطاب الشباب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل أسماء ليس لها أي صلة بالتنظيم مثل صفحتي "الجوكر، الحركة الشعبية، الثورة المصرية، الحراك الثوري".

وكلفت الجماعة الإرهابية، حسب المصدر، شباب التنظيم باستقطاب أكبر عدد من الشباب خاصة ممن يعانون من أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ودعوتهم للمشاركة في المظاهرات.

وكشفت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، مخطط الجماعة لإثارة الفوضى بالبلاد بالتزامن مع ذكرى 25 يناير، يدار من تركيا.

وأكد البيان أن العناصر مهمتها استقطاب وفرز العناصر المتأثرة بتلك الدعوات يعقبها ضمهم لمجموعات سرية مغلقة على تطبيق "تليجرام" تتولى كل منها أدوارا محددة تستهدف تنظيم المظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة".

وأقر الإرهابي سامي جمال جاد الرب، أحد عناصر الخلية، بأنه تلقى تعليمات هو ومجموعته من قيادات الإخوان الموجودة في تركيا، بالتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي، استعدادا للنزول في مظاهرات يوم 25 يناير المقبل، وبدأت بالفعل استقطاب الشباب من خلال صفحة الحركة الشعبية على "فيسبوك".

وأضاف، خلال اعترافاته أمام النيابة المصرية، أن الصفحة الشعبية هي من صنع الإخوان، ويدخل عليها الشباب والمهتمون، وتم تكليفنا بالدخول عليها واختيار الشباب الذين يتأثرون بالكلام السلبي الذي يتم ترويجه عن أوضاع البلد ونبدأ في ضمهم إلى مجموعات أخرى على موقع "تليجرام".

ويواصل في اعترافاته: "نقوم بتقسيمهم إلى مجموعات ونحدد هدف ودور كل شخص فيهم في حالة نزولنا للشارع في يناير، فهناك مجموعة تكون مسؤولة عن قذف الحجارة، ومجموعة تقوم بقطع الطرق، ومجموعة تقوم بأعمال الشغب، وأخرى تقوم باستعمال أسلحة الخرطوش".

وأكد الإرهابي الإخواني أن دور جماعته في حالة النجاح يتم النزول للشارع والمشاركة وتوزيع الأموال والسيطرة على هذه المجموعات، وفي حالة الفشل وإلقاء القبض على أي منهم تضمن الجماعة عدم وقوع عناصرها في قبضة الأمن.

وشهدت مصر خلال السنوات الست الماضية موجة من أشرس موجات الإرهاب الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، حتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وخلال السنوات الماضية فشلت جميع دعوات التنظيم الإرهابي في دعوة المصريين للتظاهر.

ويرى المفكر الإسلامي المنشق عن التنظيم ثروت الخرباوي أن الجماعة تعيش حالة من الإفلاس الكبير، وهي غير قادرة على الحشد لثلاثة أسباب، الأول أنها فقدت السيطرة المركزية على قواعدها بعد أن تكشفت قيادات التنظيم أمام الشباب بعد وقائع الاختلاس والفساد المالي المتكررة، وعصيان الشباب لأي قرارات أو تعليمات تصدر عن الإدارة المركزية، وانشقاق المئات منهم خلال الفترة الماضية.

والسبب الثاني، بحسب حديث الخرباوي لـ"العين الإخبارية"، هو حالة الارتباك والانهيار التي يعيشها التنظيم الدولي بعد تساقط أوراقه في مصر وتونس، وفشل المشروع التركي "الأردوغاني" في تحقيق أهدافه، وتراجع شعبيته بشكل غير مسبوق في تركيا.

ويرى أن السبب الثالث في فشل قدرة تنظيم الإخوان على الحشد هو قدرة الأمن المصري على إحباط مخططات التنظيم الإرهابي كافة وتوجيه الضربات الاستباقية له، ووأد أي محاولة لإثارة الفتنة أو إشعال الأزمات.

ووصف الخرباوي دعوات الجماعة للتظاهر بأنها ضجيج خارجي ليس له أي تأثير على الأرض أو في الداخل المصري، وأن التنظيم يعاني من هشاشة كبيرة وفقدان تام لقدرته على توجيه قواعده وهو ما دفعه للدعوة للتظاهر من خلال وسائل الإعلام بشكل علني وهو ما يختلف مع قواعد العمل التنظيمي القائم على توجيه الأفراد عبر قنوات داخلية سرية.

ويرى المفكر الإسلامي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتا إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقا أمام استمرارية الجماعة أصلا".

ويقول الخرباوي: "جماعة الإخوان الإرهابية فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلا ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها دول عدة، وليس أمامها خيار بديل".

واعتبر الخرباوي أن خطاب الجماعة الإعلامي موجه بشكل كبير لنساء التنظيم، لاستغلالهن بالعاطفة لتصدر مشهد المظاهرات، لأنهن ورقة رابحة للمتاجرة أمام المجتمع الدولي، كما أن الشباب والرجال أعلنوا العصيان على القيادة التاريخية للجماعة الإرهابية ولن يستجيبوا لدعوات الجماعة.

وأضاف "أما المصريون، فيعلمون ألاعيب الجماعة جيدا ولم يستجيبوا لأي دعوات سابقة ولن يحدث ذلك أبدا، لأنه من غير المعقول أن يتعاون المصريون مع من حمل السلاح في وجههم".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية