رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

3802
عدد القراءات

2019-06-10

مفكر ومترجم ومحقق لبناني، رجل موسوعي، لا ينافسه في ذلك سوى قلة قليلة من الأسماء في المنطقة، إنّه رضوان السيد الذي جمع في النهل العلمي بين العلوم الدينية (درس في مؤسسة الأزهر الشريف) والعلوم الإنسانية (درس في ألمانيا)، وهذه ميزة قلّما يتمتع بها من يتخصصون في مجاله، باطلاعه ومتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة والمعاصرة من جهة، وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات، من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

في سياق تكريس ثقافة الاعتراف، اجتمعت ثلّة من الأسماء الفكرية والبحثية في المنطقة، ومن الخارج أيضاً، يتقدمها صديقه السيد ولد أباه وبرانون ويلر، لتنشر كتاباً ضخماً، احتفاءً بالرجل، جاء تحت عنوان: "الأمة والدولة والتاريخ والمصائر: دراسات مهداة إلى الأستاذ رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين"، حيث جاء المجلد الذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث ونشر منذ بضع سنين، في حوالي 900 صفحة.

يتميز رضوان السيد بمتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات

سبق لرضوان السيد أن اشتغل بالتدريس بجامعة صنعاء، وعكف على مدى عامين في الجامع الكبير بالمدينة العريقة على قراءة المخطوطات الكلامية والفقهية والتاريخية الزيدية، والكتابة عنها، ونشر بعضها في نشرات علمية، وقد بقيت "الهجرة اليمنية" في فكره وکتابته، كما نقرأ في الكتاب سالف الذكر، علامة بارزة في مجال العمل على التراث الديني والثقافي للأمة؛ حيث عرف الأشعرية والصوفية بالأزهر، وعرف المعتزلة لدى أستاذه جوزف فان إس بألمانيا؛ إذ هو أكبر المتخصصين المعاصرين فيهم. وتابع الاهتمام بالإمامية والإسماعيلية والزيدية لدى أستاذیه؛ مادلونغ وهالم، قبل الرحلة اليمنية وبعدها. وفي عُمان ازدادت معرفته بالإباضية بعد أن كان قد كتب في تجربتهم الأولى في مفاهيم الجماعات، وما يزال يتابع التأمل والعمل على تجاربهم الكلامية والسياسية والفقهية، وتأثيراتهم في التيارات والمذاهب الإسلامية الأخرى.

اشتهر بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية وبدعوته لصيانة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدينية
اشتهر السيد لدى الباحثين الشباب في المنطقة، من الذين يرغبون ويحلمون بالنشر في أهم المجلات الفكرية العربية، بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" الشهيرة، رفقة الفضل شلق، ابتداءً من العام 1988، والتي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها في غضون 2004، (ولعل ذلك بعض من تبعات اعتداءات 11 سبتمبر)؛ حيث سينصرف رضوان السيد، محملاً بتجربته الغنية مع مجلة "الاجتهاد"، للعمل مستشاراً للتحرير بمجلة "التسامح" التي ما تزال تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعُمان، وأصبح اسمها اليوم "التفاهم"، وتعتبر في طليعة المجلات الفكرية؛ العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقبل هذه التجربة، كان مشرفاً على مجلة "الفكر العربي"؛ حيث نقرأ له في هذا السياق، أنّه صار بالمصادفة رئيساً لتحرير المجلة العام 1979، لكن الأمر ما كان كذلك عندما قام عامداً بإصدار مجلة "الاجتهاد"، ففي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية من الجامعة اللبنانية، وكانت أعماله العلمية في مجال الفكر السياسي الإسلامي قد صنعت له اسماً في أوساط الدارسين.

اقرأ أيضاً: سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية
نذكر من أهم ملفات مجلة "الاجتهاد"، السبّاقة إلى الخوض فيها من منظور معرفي رصين: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الأخرى، حضارة الإسلام وحضارة العالم، الوعي والتاريخ في حضارة عالمية، والتاريخ العالمي والنظام العالمي، والأصولية الإسلامية وعودة الدين إلى المجال العام، حوار الحضارات وصراع الدول والأمم، الإسلام باعتباره مشكلة عالمية. بما يُفيد أننا إزاء حضور جليّ لرؤى شاملة في فكر السيد، ومن هنا جاءت أولى أعماله للظاهرة الإسلامية الحركية؛ حيث تبلورت هذه الرؤية واهتماماتها في كتابه الثاني عن الظاهرة والصادر في 1997، وسماه: "سياسيات الإسلام المعاصر".

اشتهر السيد بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" التي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها

يقول الباحث الموريتاني السيد ولد أباه، والذي على الأرجح، هو محرر مقدمة العمل سالف الذكر، والموقع باسم لائحة من الباحثين: "عرفنا نحن الطلاب الجامعيين العرب بمصر والمغرب والخليج الباحث والكاتب رضوان السيد أول ما عرفناه، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي من خلال مجلة الفكر العربي، التي صدرت عن معهد الإنماء العربي ببيروت، العام 1977، وتولى الشاب رضوان السيد القادم من الدراسة بألمانيا، رئاسة تحريرها منذ العام 1979. کانت مجلة الفكر العربي طليعة المجلات الفكرية العربية آنذاك، ومع أنّ الدكتور رضوان، ما رأس تحريرها إلا لخمس سنوات ونيّف؛ فإنّ الفرق بدا واضحاً فيما قبل وما بعد. ولا يزال الزملاء المعنيون يذكرون له تحويله المجلة إلى منتدى فكري ونقاشي بالغ العصرية والعمق في مجالات العلوم الإنسانية. فمنذ العدد رقم 18 وإلى العدد رقم 45، صار كل عدد من أعداد المجلة كتابة متخصصة في موضوع، يسهم فيه كبار الدارسين العرب والأوروبيين من: الجامعة الفكرة والدور، وإلى المدينة العربية والمدينة العالمية، والاستشراق والأنثروبولوجيا، والدولة والأسطورة، والفكر السياسي العالمي والتحولات، والعرب والعالم، والدين والدولة، ومصائر التجربة السياسية العربية الحديثة".

"سياسيات الإسلام المعاصر"
ومن أهم المناصب العلمية التي ظفر بها رضوان السيد: سكرتير تحرير مجلة الفكر الإسلامي، الصـادرة عن دار الفتوى بالجمهورية اللبنانية؛ رئيس تحرير مجلة الفكر العربي، مدير معهد الإنماء العربي بالوكالة، مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، مستشار مختص بقضايا العالم الإسلامي، لدى الصيب الأحمر الدولي، عضو المجلس الاستشاري لجائزة الشيخ زايد للكتاب، بأبو ظبي، في دولة الإمارات العربية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟
وللسيد العديد من المؤلفات والترجمات، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، 1984؛ مفاهيم الجماعات في الإسلام، 1985؛ الإسلام المعاصر، 1987؛ الجماعة والمجتمع والدولة، 1997؛ سياسات الإسلام المعاصر، 1997؛ ترجمة كتاب "بردة النبي" للكاتب الأمريكي روي متحدة؛ المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر، ومؤلفات أخرى عديدة، بالإضافة إلى ذلك فله مقالات سياسية وفكرية في عدة صحف.

للسيد العديد من المؤلفات والترجمات من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، ومفاهيم الجماعات في الإسلام

ومن بين الأعمال التي احتفت بفكر رضوان السيد، نقرأ على الخصوص كتاب "الجماعة وتحولاتها: التجربة السياسية العربية ــ الإسلامية في فكر رضوان السيد"، لشمس الدين الكيلاني، وصدر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر.
مما يُحسبُ لرضوان السيد، وهذه ميزة تؤكدها شهادات العديد من الباحثين المغاربة، أنّه من الذين يفتحون أبواب النشر في هذا المنبر أو ذاك، ولا يتكبر، متواضع مع الجميع، رغم علاقاته الوازنة مع صنّاع القرار، وخاصة في لبنان والسعودية، ولكن في مقام العلم، يحترم مقتضى أن تكون عالِماً: التواضع للجميع، وفتح أبواب الاستشارة للجميع، وهذه خاصية يمكن التأكد منها عملياً، أثناء الزيارات الكثيرة التي يقوم بها "مولانا"، كما يُلقب عند المفكرين والباحثين، للمغرب، على هامش مشاركته في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات.

اقرأ أيضاً: هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية
اشتهر رضوان السيد بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية، حتى إنّ أحد مقالاته الصادرة منذ بضع سنين عن الأسماء البحثية التي تحرر في مجال القراءات الحداثية للقرآن الكريم، وصدر حينها في صحيفة "الشرق الأوسط"، تسبب في إثارة نقاش عربي واسع؛ لأنّه انتقد بعض الانزلاقات التي طالت هذه القراءات، وخصّ بالذكر التيار البحثي الذي يقوده على الخصوص المفكر الجزائري محمد أركون.

المفكر الجزائري محمد أركون
أما نقده للإيديولوجيات الإسلامية الحركية، فتحصيل حاصل، خاصة تلك التي تسعى لإقامة "دولة الخلافة"؛ لأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين وصيانة الدولة الوطنية، ونقرأ له في هذا السياق: لا مفر من "العمل من جانب المثقفين وكلّ المفكرين على دعم مشروع الحكم الصالح والرشيد بغض النظر عن اسمه، لكي يشعر الناس بأنّ مصالحهم الأساسية مرعية، فينصرفون عن العنف وأوهام الدولة الدينية البديلة. هذا عمل حيوي جداً، لا يمكن لأي مثقف عربي أن يتخطّاه بقطع النظر عن عواطفه تجاه هذا الحزب أو غيره. فقيام حكم من هذا القبيل يمكن أن يحل نصف المشكلة"، موجهاً الدعوة بالمناسبة للاشتغال على نقد المفاهيم، وهذه "مهمة لا يقوم بها إلا المفكّرون الكبار الذين لم يقوموا بشيء خلال الخمسين سنة الماضية. الآن لدينا مفاهيم جديدة سواء في الإسلام أو في الاجتماع والسياسة وفي الدولة، وكلها مفاهيم قاتلة، مثل تطبيق الشريعة أو القول بأنّ الدولة ركن من أركان الدين، ومثل الجهاد في الداخل والخارج. أو الاعتقاد بأنّ الإصلاح الديني لا يتم إلا بالطريقة الأوروبية، وكذلك القول بأنّ الإسلام التقليدي هو المشكلة. وهذه المسائل تتراوح بين معالجة على يد إسلامي متطرّف، ومرة أخرى على يد علماني متطرّف أيضاً. فتحولات المفاهيم، هي التي أدّت إلى الانحراف بالدين وضيّعت الأمل في إمكانية قيام مجتمعات مطمئنة. لقد صار الدين عنصر انقسام وليس عنصر توحيد".

في ما يتعلق بشعار "الوسطية" الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف

بخصوص الجماعات الإسلامية الحاملة للسلاح اليوم، فيرى السيد أنّها "جماعات مأزومة لأنّها وليدة الأزمة الشاملة، وليس بإمكانها أن تنتظم سياسياً وفق مقتضيات الحكم الديمقراطي، وتقيم نظاماً مدنياً يعيش في عالم العصر وعصر العالم"، ولأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين، كما سلف الذكر، فغالباً ما يدعو صناع القرار الديني لتأهيل المؤسسات الدينية، معتبراً أنّه "شئنا أم أبينا، ليس لدينا اليوم سوى المؤسسات الدينية للقيام على الشأن الديني، بما يعنيه رعاية العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد. وهي مؤسسات ليست ناهضة، لكنها هي الحافظة بقية السكينة في الدين وفي المجتمع. كما أنّه لا يستطيع القيام بهذه المهام غيرها. يجب أن يقع عليها تصالح اجتماعي جديد، فتصبح بينها وبين السلطات مسافة. ليست ضدّ السلطات، ولكنها لا تعمل عندها. هي في خدمة المجتمع وخدمة دينه ومصالحه الدينية الحميمة. المؤسسات الدينية ضرورية باعتبارها من بين أدوات طمأنة المجتمع بأنّ دينه بعيد عن العنف، وأنّ هناك مهمات شرعية يجب القيام بها حتى لا يقال بأنّ الإسلام مهمل".

اقرأ أيضاً: خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
في ما يتعلق بشعار "الوسطية"، الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية، ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف، معتبراً أنّنا إزاء "صفة يطلقها حزبي على تنظيمه، وإنّما يجب أن يُقال أبناء الحركة الإحيائية"؛ حيث يُفرّق بين الحركات الإحيائية والحركات الإصلاحية والخيرية، وهو الذي نشر عدة دراسات عن الحركات الإحيائية التي ظهرت خلال العشرينيات والثلاثينيات في أنحاء متفرقة من العالمين؛ العربي والإسلامي، والتي حلّت محل الحركات الإصلاحية، التي كان من بين رموزها محمّد عبده والطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس. هذه الحركات كانت نهضوية تتخذ من الغرب والتحديث، مرجعية لها ودعمت ذلك بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، بخلاف السائد مع إسلاميي اليوم.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

عدد القراءات

2019-06-10

مفكر ومترجم ومحقق لبناني، رجل موسوعي، لا ينافسه في ذلك سوى قلة قليلة من الأسماء في المنطقة، إنّه رضوان السيد الذي جمع في النهل العلمي بين العلوم الدينية (درس في مؤسسة الأزهر الشريف) والعلوم الإنسانية (درس في ألمانيا)، وهذه ميزة قلّما يتمتع بها من يتخصصون في مجاله، باطلاعه ومتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة والمعاصرة من جهة، وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات، من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

في سياق تكريس ثقافة الاعتراف، اجتمعت ثلّة من الأسماء الفكرية والبحثية في المنطقة، ومن الخارج أيضاً، يتقدمها صديقه السيد ولد أباه وبرانون ويلر، لتنشر كتاباً ضخماً، احتفاءً بالرجل، جاء تحت عنوان: "الأمة والدولة والتاريخ والمصائر: دراسات مهداة إلى الأستاذ رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين"، حيث جاء المجلد الذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث ونشر منذ بضع سنين، في حوالي 900 صفحة.

يتميز رضوان السيد بمتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات

سبق لرضوان السيد أن اشتغل بالتدريس بجامعة صنعاء، وعكف على مدى عامين في الجامع الكبير بالمدينة العريقة على قراءة المخطوطات الكلامية والفقهية والتاريخية الزيدية، والكتابة عنها، ونشر بعضها في نشرات علمية، وقد بقيت "الهجرة اليمنية" في فكره وکتابته، كما نقرأ في الكتاب سالف الذكر، علامة بارزة في مجال العمل على التراث الديني والثقافي للأمة؛ حيث عرف الأشعرية والصوفية بالأزهر، وعرف المعتزلة لدى أستاذه جوزف فان إس بألمانيا؛ إذ هو أكبر المتخصصين المعاصرين فيهم. وتابع الاهتمام بالإمامية والإسماعيلية والزيدية لدى أستاذیه؛ مادلونغ وهالم، قبل الرحلة اليمنية وبعدها. وفي عُمان ازدادت معرفته بالإباضية بعد أن كان قد كتب في تجربتهم الأولى في مفاهيم الجماعات، وما يزال يتابع التأمل والعمل على تجاربهم الكلامية والسياسية والفقهية، وتأثيراتهم في التيارات والمذاهب الإسلامية الأخرى.

اشتهر بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية وبدعوته لصيانة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدينية
اشتهر السيد لدى الباحثين الشباب في المنطقة، من الذين يرغبون ويحلمون بالنشر في أهم المجلات الفكرية العربية، بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" الشهيرة، رفقة الفضل شلق، ابتداءً من العام 1988، والتي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها في غضون 2004، (ولعل ذلك بعض من تبعات اعتداءات 11 سبتمبر)؛ حيث سينصرف رضوان السيد، محملاً بتجربته الغنية مع مجلة "الاجتهاد"، للعمل مستشاراً للتحرير بمجلة "التسامح" التي ما تزال تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعُمان، وأصبح اسمها اليوم "التفاهم"، وتعتبر في طليعة المجلات الفكرية؛ العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقبل هذه التجربة، كان مشرفاً على مجلة "الفكر العربي"؛ حيث نقرأ له في هذا السياق، أنّه صار بالمصادفة رئيساً لتحرير المجلة العام 1979، لكن الأمر ما كان كذلك عندما قام عامداً بإصدار مجلة "الاجتهاد"، ففي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية من الجامعة اللبنانية، وكانت أعماله العلمية في مجال الفكر السياسي الإسلامي قد صنعت له اسماً في أوساط الدارسين.

اقرأ أيضاً: سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية
نذكر من أهم ملفات مجلة "الاجتهاد"، السبّاقة إلى الخوض فيها من منظور معرفي رصين: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الأخرى، حضارة الإسلام وحضارة العالم، الوعي والتاريخ في حضارة عالمية، والتاريخ العالمي والنظام العالمي، والأصولية الإسلامية وعودة الدين إلى المجال العام، حوار الحضارات وصراع الدول والأمم، الإسلام باعتباره مشكلة عالمية. بما يُفيد أننا إزاء حضور جليّ لرؤى شاملة في فكر السيد، ومن هنا جاءت أولى أعماله للظاهرة الإسلامية الحركية؛ حيث تبلورت هذه الرؤية واهتماماتها في كتابه الثاني عن الظاهرة والصادر في 1997، وسماه: "سياسيات الإسلام المعاصر".

اشتهر السيد بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" التي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها

يقول الباحث الموريتاني السيد ولد أباه، والذي على الأرجح، هو محرر مقدمة العمل سالف الذكر، والموقع باسم لائحة من الباحثين: "عرفنا نحن الطلاب الجامعيين العرب بمصر والمغرب والخليج الباحث والكاتب رضوان السيد أول ما عرفناه، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي من خلال مجلة الفكر العربي، التي صدرت عن معهد الإنماء العربي ببيروت، العام 1977، وتولى الشاب رضوان السيد القادم من الدراسة بألمانيا، رئاسة تحريرها منذ العام 1979. کانت مجلة الفكر العربي طليعة المجلات الفكرية العربية آنذاك، ومع أنّ الدكتور رضوان، ما رأس تحريرها إلا لخمس سنوات ونيّف؛ فإنّ الفرق بدا واضحاً فيما قبل وما بعد. ولا يزال الزملاء المعنيون يذكرون له تحويله المجلة إلى منتدى فكري ونقاشي بالغ العصرية والعمق في مجالات العلوم الإنسانية. فمنذ العدد رقم 18 وإلى العدد رقم 45، صار كل عدد من أعداد المجلة كتابة متخصصة في موضوع، يسهم فيه كبار الدارسين العرب والأوروبيين من: الجامعة الفكرة والدور، وإلى المدينة العربية والمدينة العالمية، والاستشراق والأنثروبولوجيا، والدولة والأسطورة، والفكر السياسي العالمي والتحولات، والعرب والعالم، والدين والدولة، ومصائر التجربة السياسية العربية الحديثة".

"سياسيات الإسلام المعاصر"
ومن أهم المناصب العلمية التي ظفر بها رضوان السيد: سكرتير تحرير مجلة الفكر الإسلامي، الصـادرة عن دار الفتوى بالجمهورية اللبنانية؛ رئيس تحرير مجلة الفكر العربي، مدير معهد الإنماء العربي بالوكالة، مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، مستشار مختص بقضايا العالم الإسلامي، لدى الصيب الأحمر الدولي، عضو المجلس الاستشاري لجائزة الشيخ زايد للكتاب، بأبو ظبي، في دولة الإمارات العربية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟
وللسيد العديد من المؤلفات والترجمات، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، 1984؛ مفاهيم الجماعات في الإسلام، 1985؛ الإسلام المعاصر، 1987؛ الجماعة والمجتمع والدولة، 1997؛ سياسات الإسلام المعاصر، 1997؛ ترجمة كتاب "بردة النبي" للكاتب الأمريكي روي متحدة؛ المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر، ومؤلفات أخرى عديدة، بالإضافة إلى ذلك فله مقالات سياسية وفكرية في عدة صحف.

للسيد العديد من المؤلفات والترجمات من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، ومفاهيم الجماعات في الإسلام

ومن بين الأعمال التي احتفت بفكر رضوان السيد، نقرأ على الخصوص كتاب "الجماعة وتحولاتها: التجربة السياسية العربية ــ الإسلامية في فكر رضوان السيد"، لشمس الدين الكيلاني، وصدر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر.
مما يُحسبُ لرضوان السيد، وهذه ميزة تؤكدها شهادات العديد من الباحثين المغاربة، أنّه من الذين يفتحون أبواب النشر في هذا المنبر أو ذاك، ولا يتكبر، متواضع مع الجميع، رغم علاقاته الوازنة مع صنّاع القرار، وخاصة في لبنان والسعودية، ولكن في مقام العلم، يحترم مقتضى أن تكون عالِماً: التواضع للجميع، وفتح أبواب الاستشارة للجميع، وهذه خاصية يمكن التأكد منها عملياً، أثناء الزيارات الكثيرة التي يقوم بها "مولانا"، كما يُلقب عند المفكرين والباحثين، للمغرب، على هامش مشاركته في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات.

اقرأ أيضاً: هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية
اشتهر رضوان السيد بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية، حتى إنّ أحد مقالاته الصادرة منذ بضع سنين عن الأسماء البحثية التي تحرر في مجال القراءات الحداثية للقرآن الكريم، وصدر حينها في صحيفة "الشرق الأوسط"، تسبب في إثارة نقاش عربي واسع؛ لأنّه انتقد بعض الانزلاقات التي طالت هذه القراءات، وخصّ بالذكر التيار البحثي الذي يقوده على الخصوص المفكر الجزائري محمد أركون.

المفكر الجزائري محمد أركون
أما نقده للإيديولوجيات الإسلامية الحركية، فتحصيل حاصل، خاصة تلك التي تسعى لإقامة "دولة الخلافة"؛ لأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين وصيانة الدولة الوطنية، ونقرأ له في هذا السياق: لا مفر من "العمل من جانب المثقفين وكلّ المفكرين على دعم مشروع الحكم الصالح والرشيد بغض النظر عن اسمه، لكي يشعر الناس بأنّ مصالحهم الأساسية مرعية، فينصرفون عن العنف وأوهام الدولة الدينية البديلة. هذا عمل حيوي جداً، لا يمكن لأي مثقف عربي أن يتخطّاه بقطع النظر عن عواطفه تجاه هذا الحزب أو غيره. فقيام حكم من هذا القبيل يمكن أن يحل نصف المشكلة"، موجهاً الدعوة بالمناسبة للاشتغال على نقد المفاهيم، وهذه "مهمة لا يقوم بها إلا المفكّرون الكبار الذين لم يقوموا بشيء خلال الخمسين سنة الماضية. الآن لدينا مفاهيم جديدة سواء في الإسلام أو في الاجتماع والسياسة وفي الدولة، وكلها مفاهيم قاتلة، مثل تطبيق الشريعة أو القول بأنّ الدولة ركن من أركان الدين، ومثل الجهاد في الداخل والخارج. أو الاعتقاد بأنّ الإصلاح الديني لا يتم إلا بالطريقة الأوروبية، وكذلك القول بأنّ الإسلام التقليدي هو المشكلة. وهذه المسائل تتراوح بين معالجة على يد إسلامي متطرّف، ومرة أخرى على يد علماني متطرّف أيضاً. فتحولات المفاهيم، هي التي أدّت إلى الانحراف بالدين وضيّعت الأمل في إمكانية قيام مجتمعات مطمئنة. لقد صار الدين عنصر انقسام وليس عنصر توحيد".

في ما يتعلق بشعار "الوسطية" الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف

بخصوص الجماعات الإسلامية الحاملة للسلاح اليوم، فيرى السيد أنّها "جماعات مأزومة لأنّها وليدة الأزمة الشاملة، وليس بإمكانها أن تنتظم سياسياً وفق مقتضيات الحكم الديمقراطي، وتقيم نظاماً مدنياً يعيش في عالم العصر وعصر العالم"، ولأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين، كما سلف الذكر، فغالباً ما يدعو صناع القرار الديني لتأهيل المؤسسات الدينية، معتبراً أنّه "شئنا أم أبينا، ليس لدينا اليوم سوى المؤسسات الدينية للقيام على الشأن الديني، بما يعنيه رعاية العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد. وهي مؤسسات ليست ناهضة، لكنها هي الحافظة بقية السكينة في الدين وفي المجتمع. كما أنّه لا يستطيع القيام بهذه المهام غيرها. يجب أن يقع عليها تصالح اجتماعي جديد، فتصبح بينها وبين السلطات مسافة. ليست ضدّ السلطات، ولكنها لا تعمل عندها. هي في خدمة المجتمع وخدمة دينه ومصالحه الدينية الحميمة. المؤسسات الدينية ضرورية باعتبارها من بين أدوات طمأنة المجتمع بأنّ دينه بعيد عن العنف، وأنّ هناك مهمات شرعية يجب القيام بها حتى لا يقال بأنّ الإسلام مهمل".

اقرأ أيضاً: خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
في ما يتعلق بشعار "الوسطية"، الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية، ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف، معتبراً أنّنا إزاء "صفة يطلقها حزبي على تنظيمه، وإنّما يجب أن يُقال أبناء الحركة الإحيائية"؛ حيث يُفرّق بين الحركات الإحيائية والحركات الإصلاحية والخيرية، وهو الذي نشر عدة دراسات عن الحركات الإحيائية التي ظهرت خلال العشرينيات والثلاثينيات في أنحاء متفرقة من العالمين؛ العربي والإسلامي، والتي حلّت محل الحركات الإصلاحية، التي كان من بين رموزها محمّد عبده والطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس. هذه الحركات كانت نهضوية تتخذ من الغرب والتحديث، مرجعية لها ودعمت ذلك بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، بخلاف السائد مع إسلاميي اليوم.